المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفريغ الدرس الثالث والعشرين من [شرح عمدة الأحكام للشيخ عبد الله البخاري]


أبو عمر الجزائري
07-26-2012, 01:24 PM
الدرس الثالث والعشرون

[كتاب الصلاة. باب الأذان]


الطالب : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين


قال المصنّف -رحمه الله تعالى- :[باب الأذان. عن أنسٍ بن مالك -رضي الله عنه- قال : أُمِر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة]


الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:


فهذا باب جديد تحت كتاب الصلاة وهو [باب الأذان] والكلام شرحا عن هذا الحديث والأحاديث التي سترد -إن شاء الله- من وجوه؛ لكن نتكلم على حديث أنسٍ ابتداءا :


الوجه الأوّل : في معنى الأذان


الأذان لغة : الإعلام يقال أذّن، يؤذّن تأذينًا وأذانًا أي أعلم النّاس ومنه قوله -تعالى- : [وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ] [التوبة : 3]


وقوله -تعالى- [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الجمعة : 9] " إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ " أي أُعْلِم بها


وقوله -سبحانه- "وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ " أي إعلامٌ منه سبحانه وتعالى ومن رسوله -صلى الله عليه وسلم-


وإنّما قيل : أذّن -بالتّشديد- مبالغة وتكثيرًا


وسبب تسمية الإعلام بدخول وقت الصلاة أذانًا اشتقاقٌ من الأُذُن؛ لأنّ بها يُسْمع الأذان، هذا من حيث اللّغة.أما تعريفه شرعا فهو : التعبّد لله- جلّ وعلا- بذكرٍ مخصوص بعد دخول وقت الصلاة إعلامًا بها. أي إعلامًا بدخول وقت الصلاة


هذا هو التعريف له شرعًا


والأصل في الأذان الكتاب والسنّة والإجماع، بمعنى دلّ عليه الكتاب والسنّة والإجماع


فمن الكتاب قوله -جلّ وعلا- في سورة الجمعة [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الجمعة : 9]


وقوله -تعالى- [وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ] [المائدة : 58]
والأدلّة عديدة
ومن السنّة حديث الباب حديث أنسٍ -رضي الله عنه- وأحاديث أخرى عديدة كثيرة جاءت في الصّحيحين وفي غير الصّحيحين.


والإجماع حكاه جماعة من أهل العلم منهم العلامة العِمْراني -رحمه الله- في البيان


ومنهم أيضا العلامة ابن هُبَيْرة -رحمه الله- في الإفصاح


وغيرهما حكوا الإجماع على مشروعيّة الأذان والإقامة للصّلوات الخمس وللجمعة


الأذان فُرِض على الصّحيح في السّنة الأولى من الهجرة، وجاءت بعض الأحاديث أنّه شُرِع في مكّة، والصّحيح الأوّل وهو أنّه شُرِع بالمدينة في السّنة الأولى من هجرته -صلى الله عليه وسلم- إليها، وليس ما جاء من أحاديث تدلّ على أنّه شُرِع في مكّة ليست تقوى والقول الأوّل -كما قلت- أصحّ؛ فكانوا يصلّون بغير أذانٍ في مكّة.


الوجه الثاني : قول أنسٍ -رضي الله تعالى عنه- :[أُمِر بلالٌ]


[أُمِر] مبنيٌّ على ما لم يُسَمَّ فاعله [أُمِرَ]، ولم يُسَمَّ فاعله للعلم به، فإنّ الأمر بالأمور الشرعيّة إنّما يكون منه -صلى الله عليه وصحبه وسلم- أي بمعنى هو الآمر -عليه الصلاة والسلام- بالأمور الشرعيّة.


والأمر هنا مضافٌ إلى الشّريعة؛ لأنّ الأذان من أمور الشّريعة فالأمر بها، والأمور المضافة إلى الشّريعة في زمانه -عليه الصلاة والسلام- لا تضاف إلى غيره إنّما تضاف إليه، خلافا لـمَنْ قال بأنّه يحتمل بأن يكون الىمر بلالٍ غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأبي بكر الصدّيق -رضي الله تعالى عنه- أو عمر الفاروق -رضي الله تعالى عنه-، أو غيرهما من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنّ هذا القول فيه بُعْد، فإنّ الامر في عهد النبوّة وفي زمن التّشريع إنّما منه -عليه الصلاة والسلام- هو الذي يأمر، وهو الذي ينهى.


والصّحيح أنّ هذا له حكم الرّفع كما هو مقرّر في علم أصول الحديث "أُمِرْنا"، أو"نُهينا"، أو"أُمِر فلانٌ بكذا"، أو"نُهِي عن كذا" إنّما هو ينصرف إلى الأمر أو النّهي منه -عليه الصلاة والسلام-، وإذا أُرِيد غيره قُيِّد.


إذًا هو وإن كان هو ظاهر هذا الحديث الوقف؛ لكن له حكم الرّفع، فهو مرفوعٌ حكما.


قوله -رضي الله عنه- :[أن يشفع الأذان] أي بأن يأتي بكلمات الأذان شفعًا، إمّا مثنى مثنى، أو أربعًا أربعًا، إذ الكلّ يصدق عليه الشّفع.


وقوله -رضي الله عنه- :[يوتر الإقامة] أي أن يُفْرِد ألفاظها، فتكون ألفاظها وترا إلاّ، يُسْتَثْنى من هذا الوتر التّكبير في أوّلها؛ فإنّه مثنى، وكذا التّكبير في آخرها؛ فإنّه مثنى، وكذا قول المقيم "قد قامت الصلاة" فهذه الجمل الثلاث تُسْتَثْنى من الوِتر في الإقامة كما سيأتي، هذه يثنّيها المقيم.


واستدللنا على قولنا إلا قول المقيم "قد قامت الصلاة" بما جاء في بعض ألفاظ حديث أنسٍ في الصّحيحين :"أُمِر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة إلأّ الإقامة" يعني إلاّ قول بلال :"قد قامت الصلاة" فإنّه يثنّيها.


قوله :"قد قامت الصلاة" المشروع في حقّها الشّفع، أو التّثنيّة فيها لا الإيتار.


الوجه الثّالث : في حكم الأذان والإقامة


أئمّة الإسلام وعلماء الإسلام متّفقون على أنّ الأذان من شعائر الإسلام العظيمة، وحينما اختلفوا في حكمها لا يعني ذلك عندهم أنّ الأمر فيه سهل، أو أنّ مَنْ قال بالسنيّة لا يتّفق مع مَنْ قال بالوجوب في كونها من شعائر الإسلام العظيمة، لا؛ وإنّما الكلام في الحكم فمنهم مَنْ يرى الوجوب وجوب الأذان والإقامة


هؤلاء القائلون بالوجوب يجمعهم أنّهم يقولون بالوجوب؛ ولكن اختلفوا


فمنهم مَنْ قال بالوجوب الكفائي


ومنهم مَنْ قال بالوجوب العينيّ


والقول بالوجوب الكفائي هو قول الإمام أحمد، ووجهٌ عند الشّافعيّة، وقول الإمام ابن المنذر -رحمه الله-، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله- وغيرهم من أهل العلم على أنّ الأذان والإقام واجبتان وجوبا كفائيًّا.


والقول الثّاني أنّهما سنّة قال بهذا جمعٌ، وهو قول الشّافعيّة وغيرهم على أنّه سنّة


والصّحيح هو الأوّل أعني الوجوب الكفائي، قلنا الوجوب منهم مَنْ قال بالعيني ومنهم مَن قال بالكفاية والكفاية أصحّ، القول بالوجوب الكفائي أصحّ


وحديث بلال -رضي الله تعالى عنه- الذي معنا دليل عليه أعني على فرضيّة الأذان وأنّه على الكفاية.


وممّا يدلّ على أنّه للكفاية حديث مالك بن الحويرث في الصّحيحين وهو قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"إذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدكم، وليؤمّكم أكبركم" فقوله -عليه الصلاة والسلام- :"فليؤذّن لكم أحدكم" هذا التّعبير ممّا يستدلّ به أهل العلم على أنّه فرضٌ على الكفاية؛ لأنّه الطلب أو الأمر، كيف تفرّق بين الأمر الكفائي والامر العيني؟


الطلب إذا ما طُلِب العبد أن يوجد فعلا أو أن يقوم بعمل؛ إن كان هذا الطّلب طلب الإيجاد طُلِب من كلّ شخصٍ بعينه فهذا دليل على أنّه فرضٌ عينيّ


وإذا طُلِب إيجاده ولم يُخَص به الأشخاص، إنّما القيام بالعمل فهذا دليل على أنّه فرضٌ كفائي


في الفرض العيني النّظر إلى العامل.


وفي الفرض الكفائي النّظر إلى العمل. أن يقوم به أحدٌ من عباد الله في هذا المقام، لم يُطْلب من آحاد النّاس وإنّما أن يقوم بهذا العمل أحد، ولم يُخَص به الأشخاص


فقوله -عليه الصلاة والسلام- :"وليؤذّن لكم أحدكم" ما طلب منهم جميعا الأذان، طلب من أحدهم أن يقوم به، فإذًا المراد قيام العمل وهو الأذان ، قام به بلال، قام به أبو هريرة، قام به عبد الله بن عمر -رضوان الله عليهم، أيٌّ منهم قام سقط الفرض.


ومن أدلّة فرضيّته الكفائيّة قوله -تعالى- في سورة الجمعة [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الجمعة : 9] السّعي لحضور الجمعة واجبٌ


والنّداء إلى الجمعة سببٌ إلى السّعي إليها فلذا كان النّداء واجبًا كالسّعي إلى الجمعة في الوجوب


وكما قلت هو واجبٌ على الكفاية


وثمّة أدلّة عديدة كثيرة


وممّا يدلّ أيضا وأخيرا على أنّه فرضٌ وواجب أنّه لم يتركه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سفرا، ولا حضرا، داوم عليه؛ فهذا يدلّ على وجوبه.


وهنا تنبيه قاله شيخ الإسلام -رحمه الله- في الفتاوى المصرية يقول :"قد أطلق طوائف من العلماء أنّه سنّة، ثمّ من هؤلاء مَنْ يقول : إنّه إذا اتّفق أهل بلد على تركه قوتلوا"


من القائلين بالسنيّة ومنهم الإمام الشّافعي -رحمه الله- يرى ونصّ على أنّ أهل بلدٍ لو تركوا الأذان قوتلوا


قال -رحمه الله- :"والنّزاع من هؤلاء قريبٌ من النّزاع اللّفظي؛ فإنّ كثيرا من العلماء قد يطلقون القول بالسنّة على ما يذمّ تاركه شرعا، ويعاقب تاركه شرعًا، فالنّزاع بين قائل هذا القول وبين مَنْ يقول إنّه واجبٌ نزاع لفظيّ، ولهذا نظائر متعدّدة، وأمّا مَنْ زعم بأنّه سنّة لا إثم على تاركيه، ولا عقوبة، فهذا القول خطأ" يعني من قائله ولو قال به مَنْ قال


"فإنّ الأذان هو شعار دار الإسلام، والذي ثبت في الصّحيح أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يعلّق استحلال أهل الدّار بتركه" انتهى كلامه -رحمه الله-.


كان يوصي -عليه الصلاة والسلام- أصحابه -رضوان الله عليهم- إذا ما خرجوا في غزوة أو في سريّة للجهاد إذا ما أتوا قوما انتظروا؛ فإن سمعوا أذانا من تلك البلدة او تلك القرية أمسكوا، وإن لم يسمعوا أذانا أغاروا أي أغاروا عليهم.


الوجه الرّابع : الحديث فيه الأمر بشفع الأذان؛ ولكن حصل خلافٌ بني أهل العلم في ألفاظه -في ألفاظ الأذان- وهذا الخلاف مبنيٌّ على كيفيّة الشّفع، كيف يُشْفع الأذان؟


وعندما نحكي هذا الخلاف -بارك الله فيكم- ليس من باب تشتيت ذهن الطّالب؛ ولكن لقوّته يجب أن يُحْكى لأنّ لكلّ قولٍ من تلك الأقوال دليل ثابتٌ يدلّ عليه فالقول قويٌّ، والخلاف في هذا خلافٌ قويٌّ


الشّاهد أنّهم اختلفوا مع اتّفاقهم على الشّفع، اختلفوا في كيفيّة الشّفع، وبالتّالي اختلفوا في ألفاظ الأذان على ثلاثة أقوال :


القول الأوّل فيها : أنّ ألفاظ الأذان خمس عشرة جملة، التّكبير في أوّله أربعًا، ثمّ تثنية بقيّة الألفاظ إلاّ كلمة التّوحيد في آخره، وهذا القول عليه الجمهور الإمام أحمد وجماعة.


التّكبير أربعً : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن محمّدا رسول الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله. هذه خمس عشرة جملة.


القول الثاني : أن يكون التّكبير في أوّل مرّتان كالقول الأوّل لكن قصروا التّكبير في أوّل على مرّتين فصار عندهم ألفاظه سبع عشرة جملة بتكرير التّرجيع في الشّهادتين وهو التّرجيع في الشّهادتين، التّكبير اثنتان؛ ولكن الشّهادتين يقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إلا الله، أشهد أنّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، ثمّ يرجع أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله. كما سيأتي معنا؛ لكن التّكبير مرّتان في الأوّل فصارت خمسة عشر كالسّابق؛ لكن خفّ منها التّكبير وزاد فيها في الشّهادتين أربعا اثنتين اثنتين فصارت أربعة : الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهدّ أن محمّدا رسول الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاّ الله. وهذا القول قول جماعة من الأئمّة كمالك وغيره.


القول الثالث في هذا أنّها -ألفاظ الأذان تسعة عشرة جملة هي بإثبات التّكبير في أوّل أربعًا، وبإثبات التّرجيع، التّرجيع الذي مضى قبل قليل


الأذان مع التّرجيع سبع عشرة جملة، فإذا أرجعنا التّكبير أربعًا ضُمّ إليها جملتان فصارت تسع عشرة جملة وهذا القول قال به الشّافعي -رحمه الله- وجماعة.


هذه الأقوال كلّها لها أدلّة تدلّ عليها.


إذًا إذا عرفنا أنّ الأدلّة تدلّ على هذه الأقوال فسبب الخلاف هو ما جاءت به النّصوص؛ فكلٌّ استند إلى نصّ من تلك النّصوص وتأوّل ما سواه


فالجمهور دليلهم فيه حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- عند أبي داود وغيره وهو حديث صحيح


وكذلك حديث أبي محذورة -رضي الله تعالى عنه- فقد جاء في بعض طرقه في السّنن وغيره وهو صحيح أنّ التّكبير في أوّله أربعًا.


وأيضا حديث بلال، فإنّ بلالا -رضي الله تعالى عنه- إنّما أذّن بالأذان الذي علّمه إيّاه عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-، وأذان عبد الله بن زيد فيه التّكبير أربعًا بلا ترجيع.


والقول الثاني أعني قول مَنْ قال بسبع عشرة جملة أيضا دلّ عليه حديث أبي محذورة -رضي الله تعالى عنه- عند مسلم في الصحيح


وأيضا بحديث أنسٍ في الباب عندنا وهو بشفع الأذان وأنّ عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- قد بيّن ذلك يعني الشّفع- بأنّه مرّتين مرّتين


وحديث أبي محذورة الذي عند مسلم هو في أوّله أنّ التّكبير فيه مرّتان، وفيه التّرجيع، وقد ذكر الحافظ النّووي -رحمه الله- في شرحه على مسلم أنّه هكذا وقع في أصوله أصول نسخ مسلم


وذكر أنّ القاضي عياض ذكر أيضا في رواية الفارسي لرواية الصّحيح لمسلم الصّحيح أنّها أربع تكبيرات ففي بعض نسخ صحيح مسلم أربع تكبيرات، والحديث رواه البيهقي في الكبرى بأربع تكبيرات من رواية أبي محذورة -رضي الله عنه- ثمّ قال أخرجه مسلم وذكره


فالشّاهد أنّ حديث أبي محذورة فيما يظهر فيه الأربع تكبيرات، ومَنْ قال بأنّ حديث مسلم على تكبيرتين له وجه صحيح وهذا أكثر النّسخ عليه.


والقول الثّالث وهو أنّه تسعة عشرة جملة أيضا جاء به خبر حديث أبي محذورة -رضي الله عنه- عند أحمد وغيره أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- علّمه الأذان تسع عشرة جملة.


والإقامة سبع عشرة جملة.


إذًا النّزاع قويّ والخلاف فيه قويّ، وعليه نقول : إنّ الألفاظ ألفاظ الأذان الاختلاف فيها من أنواع اختلاف التنوّع، لا التضادّ، والأذان بأيّها أذّن المؤذّن أصابَ، وإن كان يستحبّ بعض أهل العلم أذان بلال، وأذان عبد الله بن زيد -رضي الله عنهم- كالإمام أحمد وجماعة.


لكن لا نستطيع أن نقول مَنْ أذّن خمس عشرة جملة أو سبع عشرة جملة أنّه خالف السنّة، هذا صعبٌ جدًّا.


الوجه الخامس : أنّ الحديث فيه إيتار الإقامة قال :[وأن يوتر الإقامة]


واختلف أيضا في إيتار الإقامة بعد الاتّفاق على الإيتار، وكما مرّ معكم إلاّ في التّكبير في أوّل وفي قول : قد قامت الصلاة... إلى آخره على ما مرّ.


أقول : اُخْتُلِف في كيفيتها


فقيل : أنّها إحدى عشرة جملة تثنيّة التّكبير في الأوّل وفي الآخر وتثنيّة قول العبد :قد قامت الصلاة، فتكون إحدى عشرة جملة، وهذا قول الحنابلة والشّافعيّة وجمع من المالكيّة


وهذا جاء به حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- أنّها على إحدى عشرة جملة


وحُمِل حديث أنسٍ في الباب عليه.


لماذا؟


لأنّ بلالا -رضي الله عنه- أذّن بأذان عبد الله بن زيد- رضي الله عنه-؛ لأنّه علّمه الأذان، فإذن [أُمِر بلال بأن يشفع الأذان]


أيُّ أذان بأن يشفعه؟ الأذان الذي علّمه إيّأه عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-


[وأن يوتر الإقامة]


أيّ إقامة؟


الإقامة التي علّمها إياه عبد الله بن زيد- رضي الله عنه-


وحديث عبد الله بن زيد فيه الإيتار إيتار الإقامة إحدى عشرة جملة.


القول الثاني : أنّ الإقامة سبع عشرة جملة وهو تربيع التّكبير في أوّلها ثمّ تثنيّة بقيّة الألفاظ إلاّ كلمة التّوحيد في آخره "لا إله إلاّ الله" فإنّه يُفْرِدها.


وهذا قول الحنفيّة وجماعة من أهل العلم.


واستدلّوا على ذلك بما جاء في حديث أبي محذورة -رضي الله عنه- وفيه أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- كما مرّ علّمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة، أخرجه التّرمذي وغيره وقال حسنٌ صحيح.


وكلا القولين صحيح، ولهذا حمل جماعة من أهل العلم من المحقّقين على أنّ الأمر في إيتار الإقامة على التّخيير، وهذا اختاره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وداود بن عليّ، واختيار شيخ الإسلام بن تيميّة، وابن القيّم، وجمع من أهل العلم.


الوجه السّادس : في حكم التّرجيع في الأذان


هو عقد الباب هنا :[أُمِر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة]


فما هي ألفاظ الأذان؟ وما هي ألفاظ الإقامة؟


يجب أن تعرف التّرجيع


ذكرنا في ألفاظ الأذان أنّ في بعض أقوال أهل العلم الـمُسْتَنِدة إلى مَنْ قال أنّ الأذان سبع عشرة جملة، أو تسع عشرة جملة على التّرجيع.


ما هو التّرجيع؟


التّرجيع أن يقول المؤذّن بصوت خافض : أشهد أن لا إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أنّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنّ محمّدًا رسول الله.


يعني يكرّر الشّهادتين بصوت خافض، ليس سرًّا، انتبه!! لا يُسِّرُ به بصوت خافض، قال العلماء : يسمعه مَنْ حوله ممَّنْ هو في المسجد ثمّ يرجع -يعني يعود فيرفع صوته بها


يعني المرّة الأولى يخفض الصّوت، والمرّة الثّانية يرفع الصّوت، ولهذا قيل التّرجيع؛ لأنّه يرجع ويعود، هذا معنى التّرجيع


ما حكمه؟


القول الأوّل : الإباحة، أنّه مباحٌ وهذا قول الحنابلة والحنفيّة، وجماعة.


القول الثّاني : أنّه سنّة وهذا قول الشّافعيّة، وبعض المالكيّة.


القول الثّالث : أنّه خلاف الأولى قال به بعض الأحناف.


طيب. ما هذا السبب؟ لماذا حصل الاختلاف في الحكم إذا كان قد ثبت؟


سبب الاختلاف هو اختلاف الأحاديث التي وردت فبعضها أثبت التّرجيع، وبعضها لم يثبته


فمن الأحاديث التي لم تثبت التّرجيع حديث عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه- عند أبي داود، وأحمد وجماعة وهو صحيح.


وكذلك حديث أذان بلال -رضي الله تعالى عنه- فليس فيه التّرجيع؛ لأنّه أذّن على أذان ابن زيد -رضي الله عنهما- إذ هو الذي علّمه إيّاه.


والذين قالوا به استندوا إلى حديث أبي محذورة الذي مرّ قبل قليل وهو عند مسلم وغيره وهو صحيح.


إذًا ما الرّاجح في هذا؟


الرّاجح في هذا العمل بكلّ صورة من ذلك فلك أن تؤذّن بترجيع


ولك أن تترك الأذان بالتّرجيع


ولا يجوز أن تُنْكر على مَنْ أذّن بترجيع، ولا أن يُنْكر مَنْ رأى التّرجيع على مَنْ أذّن بلا ترجيع؛ وإنّما الأولى في حقّ مَنْ يؤذّن أن يؤذّن مرّة بترجيع ومرّة بلا ترجيع فالكلّ سنّة، ولهذا قال الإمام أحمد كما في مسائل أبي داود للإمام أحمد قال الإمام أبو داود : سمعت أحمد سُئِل عن رجل يرجع في أذانه" يعني مارأيك في هذا؟


قال الإمام أبو داود مفسّرا لقوله "يرجع في أذانه" قال : "يعني أذان أهل مكّة"


يفيدك هذا النّقل أنّ أهل مكّة في ذلك الوقت كانوا يؤذّنون ويُرْجِعون، المؤذّن إذا أذّن رجع.


سُئِل الإمام أحمد عن رجل أذّن يرجع في أذانه يعني ما رأيك؟


قال الإمام أحمد :"إن رجع فلا بأس، وإن لم يرجع فلا بأس"


وهنا كلامٌ لشيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله- يزيد الأمر تأكيدا كما في المجموع هنا في الثّاني والعشرين منه وقد سُئِل عن الأذان هل فرضٌ أم سنّة؟ وهل يُسْتحبّ التّرجيع أم لا؟


قال :"وأمّا التّرجيع وتركه وتثنيّة التّكبير وتربيعه، وتثنيّة الإقامة وإفرادها، فقد ثبت في صحيح مسلم والسّنن من حديث أبي محذورة الذي علّمه النبي -صلى الله عليه وسلم- الأذان عام فتح مكّة وكان الأذان فيه وفي ولده في مكّة" يعني في أبي محذورة -رضي الله عنه-


"ثبت أنّه علّمه الأذان والإقامة وفيه التّرجيع، وروى في حديثه التّكبير مرّتين كما في صحيح مسلم، وروى اربعا كما في سنن أبي داود وغيره، وفي حديثه أنّه علّمه الإقامة شفعًا، وثبت في الصّحيح عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال :"لمّا كثر النّاس تذاكروا أن يُعْلموا وقت الصّلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن يواروا نارا، أو يضربوا ناقوسا، فأُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وفي رواية للبخاري إلاّ الإقامة"، أقول : عند البخاري وعند مسلم، وعند أبي داود وعند النّسائي هذه اللّفظة وغيرهم


"وفي سنن أبي داود وغيره أنّ عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- لمّا أُرِيَ الأذان أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يلقيه على بلال فألقاه عليه وفيه التّكبير أربعا بلا ترجيع"


ثمّ قال :"وإذا كان كذلك فالصّواب مذهب أهل الحديث ومَنْ وافقهم وهو تسويغ كلّ ما ثبت في ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يكرهون شيئا من ذلك إذ تنوّع صفة الأذان، والإقامة كتنوّع صفة القراءات والتشهّدات ونحو ذلك، وليس لأحدٍ أن يكره ما سنّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأمّته، أمّا مَنْ بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرّق حتّى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه، ممّا سوّغه الله تعالى كما يفعله بعض أهل المشرق فهؤلاء من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا، وكذلك ما يقوله بعض الأئمّة ولا أحبّ تسميّته من كراهة بعضهم للتّرجيع وظنّهم أنا أبا محذورة غلط في نقله، وأنّه كرّره ليحفظه، ومن كراهة مَنْ خالفهم لشفع الإقامة مع أنّهم" هؤلاء الذين يقولون هذا القول."مع أنّهم يختارون أذان أبي محذورة -رضي الله عنه- هؤلاء يختارون إقامته ويكرهون أذانه وهؤلاء يختارون أذانه ويكرهون إقامته، فكلاهما قولان متقابلان والوسط أنّه لا يُكْره لا هذا ولا هذا، وإن كان أحمد وغيره من أئمّة الحديث يختارون أذان بلال وإقامته لمداومته على ذلك بحضرة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فهذا كما يُختار بعض القرءات والتشهّدات ونحو ذلك، ومن تمام السنّة في مثل هذا" يعني مثل هذا المقام.


"أن يُفْعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا في مكان وهذا في مكان، لأنّ هجر ما وردت به السنّة وملازمة غيره قد يفضي أن يجعل السنّة بدعة، والمستحبّ واجبا، ويفضي ذلك إلى التّفرّق والاختلاف إذا فعل آخرون الوجه الآخر، فيجب على المسلم أن يراعي القواعد الكليّة التي فيها الاعتصام بالسنّة والجماعة لاسيّما في مثل صلاة الجماعة" انظر إلى دقّة الإمام -رحمه الله- حتّى في مسألة الأذان يربطك بالإعتقاد، خلافا لهؤلاء الذين يتكلّمون في بعض أبواب الفقه حتّى إذا مرّوا على أبواب الاعتقاد أبواب في الفقه لها صلة وثيقة ما نبّهوا، مرّوا عليها مرور الكرام، هكذا أئمّة أهل السنّة كلّما جاءت المناسبة لربط النّاس بتصحيح العقائد وتثبيتها في نفوسهم نبّهوا النّاس، وعرّفوهم هذا هو الوجه الصّحيح


قال : "يجب على المسلم أن يراعي القواعد الكليّة التي فيها الاعتصام بالسنّة والجماعة لا سيّما في مثل صلاة الجماعة"


وما الذي من أعظم شعائرها النّداء إليها فقال :"وأصحّ النّاس طريقة في مثل ذلك هم علماء الحديث الذين عرفوا السنّة واتّبعوها إذ من أئمّة الفقه مَن أعتمد في ذلك على أحاديث ضعيفة، ومنهم مَنْ كان عمدته العمل الذي وجده في بلده، وجعل ذلك السنّة دون ما خالفه، مع العلم بأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قد وسّع في ذلك وكلٌّ سنّة" إلى آخر كلامه -رحمه الله-


وكرّر هذا في مواطن أخرى في نفس المقام فراجعوه -بارك الله فيكم-.


إذًا مَنْ أذّن بترجيع فلا حرج، ومَنْ أذّن بلا ترجيع فلا حرج، والاولى بأن يؤذّن بهذا تارة، وبهذا تارة؛ لكن هل لنا انتبه!!! ونحن في هذا المقام هل لنا أن نفتن النّاس؟ أعني العامّة لذي نلا يدركون هذا؟


قبل أن تبدأ بهذا وجّه، وعرّف، وعلّم وبيّن، حتّى إذا ما قمت وأتيت بالسنّة على وجهها لا تجد مَنْ يُنْكِر ذلك ويستنكره، أو يكون ذلك في سببا في افتتانه، ما أنت محدّث قوم بحديث لا تبلغه عقولهم إلاّ كان على بعضهم فتنة، حدّثوا النّاس بما يفهمون أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، فلابدّ أن يُعْطى النّاس حظّهم، وأن يُعَرَّفوا، وأن يُذكّروا، كيف ؟


بعد الصلوات، أو بعد الأوقات أنّ الإمام يُعَرِّف عندما يعلّم النّاس عقب بعض الصّلوات التي يقرأ فيها، أو يعلّمهم إذا ما أتى إلى هذا المقام يُعَرِّفهم أنّه قد جاءت السنّة بكذا وجاءت السنّة بكذا ويبيّن معنى التّرجيع، ويوضّحه لهم عمليًّا.


هل توضيح ذلك عمليًّا يتنافى مع السنّة؟؟ أبدًا، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أمر ابن زيد -رضي الله عنه- أن يعلّم الأذان بلال فعلّه عمليًّا وصعد وعلّم النّاس الصلاة وهو على منبره الشّريف -عليه الصلاة والسلام- فقال :"صلّوا كما رأيتموني أصلّي" فلابدّ من مراعاة أحوال النّاس، لابدّ من مراعاة أحوالهم وتعليمهم خاصّة إذا ما اعتادوا أمرًا وساروا عليه زمنًا طويلا، تغيير ما هم عليه فيه صعوبة، وهذا قد يسبّب ردّة فعل في أن يُنْكر العامّة السنّة بسببك، وأنت السّبب، قد يكذّبون الحديث بسبب عدم الفقه الصّحيح، ولذا لابدّ من التّعليم


قال شيخنا العلامة محمّد أمان -رحمه الله- غير مرّة :"دور طلبة العلم في كثير من البلدان الآن التّصحيح، والتّصحيح أشقُّ من التّأسيس" هي بعبارة مختصرة هو الشّيخ اعتصر واختصر ، وهناك عبارة تحفظونها عن الإمام الألباني -رحمه الله- وه وقوله دائما :"التّصفية والتّربية"


وهذه المقالات من هؤلاء العلماء مستلّة من كلام السلف، والعلماء ما جاؤوا ببدع من القول، وهو صحيح فالتّأسيس أيسر وإن كان يحتاج إلى مجاهدة فأنت عندما يأتي إليك الشابّ أو المرء إن كان كافرا فأسلم، أو كان ضالّا فاهتدى فأوّل ما يتلقّف ما تعطيه؛ إن أعطيته سنّة حُمِدت وحُمِد، وإن اعطيته خلاف ذلك والعياذ بالله ذُمَّ وذُمِمْت أيضا معه


ولهذا قال ابن شوذب -رحمه الله- : "إنّ من نعمة الله على الحدث والأعجمي إاذ تنسّكا أن يوفّقا إلى صاحب سنّة" هذا هو فهو أوّل ما يأتي إليك ما تعطيه يأخذه، ويمتلئ به رأسه، فإن كان خيرا فخير، وإن كان شرًّا فشر والعياذ بالله


ولهذا إذا أردت أن تعدّل وتصحّح يحتاج هذا الأمر إلى مضاعفة ِ[إنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ] [الزخرف : 23]. وهذا جاء ليغيّر دين الآباء والأجداد، ما هذا الدّين الجديد الذي جئت به.


أياما وشهورا وسنينا أزمانا نحن على هذا الدين، تأتي أنت تُغَيِّر؟!!، يعني نحن كلّنا على غير هداية؟!!، نحن كلّنا على ضلالة؟! هكذا صحيح؟


وكم حصلت من حزازات واحتكاكات ولّدت أثارا سيّئة فرفضت النّاس قبول الحقّ من قائله لسوء عرضه له فلابدّ أن يُعْرض الحقّ بطريقة أهل الحقّ، وعلى منهاج أهل الحقّ، النبي -عليه الصلاة والسلام- دعوته كانت من شقّين كما أفاده الإمام ابن القيّم الدّعوة الأولى دعوة الكافرين لأن يدخلوا في الدّين، هذا الشقّ الأوّل.


الشقّ الثّاني : دعوة المؤمنين لأن يثبتوا على الدّين.


ودعوة هؤلاء لأن يثبتوا تحتاج إلى مجاهدة مضاعفة، تحتاج إلى إزالة ما قد يعلق من شوائب وتصفّي وتنقّي، وترفع، وتدفع بأمر الله -جلّ وعلا- الشّبه وما أكثرها.


اليوم الشابّ تجده على السنّة إدا على غيرها لأنّه يستمع إلى زيد وعمرو، وفلان وعلاّن، وكذا وكذا فيضلّ، فلذا يحتاج الأمر إلى مزيد عناية، ومزيد تأمّل ليعرف المرء متى يُقْدم على هذا العمل، كم فتنوا النّاس، أقول كم فتنوا النّاس جمعٌ من الشّباب الأغمار الأغرار في وقت مضى في المسجد النّبوي، يدخلون إلى النّاس في الصّلوات فيصلّون بالنّعل، يصلّون الصّلوات في المسجد النّبوي بنعالهم.


نحن لا ننكر الصلاة في النّعال؛ بل هي مشروعة؛ ولكن يجب أن تراعي أحوال النّاس، هؤلاء عوام قبل أن تعرف شرعيّة الصلاة في النّعال لعلّك ما كنت تصلّي في النّعل َ[كذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ] [النساء : 94]


إذا يجب أن تراعي.


والأدهى من هذا والأمرّ يدلّ على فقه أعوج أنّ بعضا منهم كان يصلّي حافيا فإذا أراد أن يخرج من المسجد أخذ حذاءه بجواره ولبسه في المسجد وخرج!!!!، يعني ما صلّى فيه حتّى!!


إذًا كم يثوّر هؤلاء العامّة على السنّة؟!! ويبنون على ردّ هؤلاء العامة لبعض أفعال هؤلاء أنّ هذا زندقة، وأنّ هذا استهزاءٌ بالسنّة، وأنّ هذا ردٌّ للسنّة، صحيح؟ ويرتّب على ذلك أحكام.


إذًا قد تكون أنت السّبب ولهذا لا تنشر بزّك عند مَنْ لا يريده كما قاله الأئمّة، يعني علمك، لا تنشر، هذا العلم بضاعة فلا يُنْشر عند مَنْ لا يريده وهو مُعْرِضٌ عنه إنّما يُنْشَر عند مَنْ يُقْبِل عليه، ولهذا قال ابن مسعود : "حدّث النّاس ما حدجوك بأبصارهم، فإذا رأيت أعينهم تدور فأمسك" لا يستوعبون، يجب أن تراعي.


إذًا يجب أن نعظّم السنّة، ومن تعظيمنا للسنّة أن نعلّم النّاس السنّة بطريق أهل السنّة، لا تعلّم النّاس السنّة بطريق أهل الجهل والهوى أبدا، فأنت على غير المنهاج والسّبيل.


وكوننا نقول ذلك لا يعني أنّنا نعادي السنّة فلست أنت السنّة، أنت لست السنّة، وإنّما ردّت النّاس ما قمت به من فعل لا بردّ السنّة ولكن بفعل أورث فهما خاطئا لتطبيق السنّة.


إذًا يجب أن نعرف هذا وأن نميّز فإنّ هذا قانونٌ في العلم يجب أن يُعْطى حقّه لتسير النّاس على بصيرة.


الطالب : قال -رحمه الله- :[عن أبي جُحَيفة وهب بن عبد الله ... -رضي الله عنه- قال : أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في قبّة له حمراء من أدمٍ قال : فخرج بلال بوَضوء فمن ناضح، ونائل، قال : فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه حلّة حمراء كأنّي أنظر إلى بياض ساقيه قال : فتوضّأ وأذّن بلال قال : فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يقول : يمينا وشمالا : حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، ثمّ رُكِزت له عَنَزة فتقدّم فصلّى الظّهر ركعتين، ثمّ صلّى العصر ركعتين، ثمّ لم يزل يصلّي ركعتين حتّى رجع إلى المدينة]


الشيخ : ثمّ ذكر المصنّف -رحمه الله- حديث أبي جُحَيفة وهب بن عبد الله السُّوائي -بالضمّ- والكلام عليه من وجوه:


الوجه الأوّل : في قوله -رضي الله تعالى عنه- :[أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في قبّة حمراء من أدَمٍ] قوله :[من أدم] بفتح الدّال المهملة وهو جمع أديمٍ والأُدُم، هي الجلود


ثمّ قال :[فخرج بلال بوَضوء] بفتح الواو وَضوء وهو اسم للماء كما مرّ معنا في كتاب الطّهارة.


ثمّ قال :[فمن ناضحٍ ونائل] [نائل] من نال ينال تُهْمز لوقوعها بعد الألف كمثل قائل، بائع، ونحوه


وجاء في مسلم تفسير النّاضح والنّائل فقال :"فمَنْ أصاب منه شيئا" من الوَضوء، من الماء "فمَنْ أصاب منه شيئا تمسّح به" نائل ينال يأخذ، تمسّح بالوَضوء هذا.


"ومَنْ لم يُصِب منه أخذ من بلل يد صاحبه" وهذا النّضح، يعني رشّه عليه، لم يستطع أن يأخذ من الوَضوء؛ لكن هذا الذي أخذ جاءه صاحبه فقال أعطني فنضح عليه رشّ عليه، فهذه الرّواية رواية مسلم -رحمه الله- تفسّر لك معنى قوله في حديث أبي جُحَيفة -رضي الله عنه- :[فمن ناضحٍ، ونائل] يعني نال والآخر نضح على صاحبه.


ثمّ ذكر أنّه في أذان بلال قال :[أتتبّع فاه هاهنا وهاهنا يقول يمينا وشمالا : حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح]


الفلاح هو الفوز والبقاء.


والمعنى في قول المرء :"حيّ على الفلاح" أي هلمّوا إلى سبب ذلك، أي إلى سبب الفوز والبقاء.


وقوله :[حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح] أي هلمّ وأسرع ففي إسراعك وإتيانك خيرٌ كثيرٌ لك، وفوزٌ لك.


الوجه الثّاني : دلّ الحديث على أنّ من آداب المؤذّن عند الأذان أن يلتفت إلى جهة اليمين، والشّمال حين رفعه للحيعلتين


إذًا يلتفت يمينا ويلتفت شمالا هذه من الآداب.


هذا الإلتفات -أيّها الإخوة- أنّه من آداب المؤذّن وأنّه مشروعٌ له هو ممّا اتّفق عليه الفقهاء وجمهور العلماء، هذا الإلتفات محلّ اتّفاقٍ على مشروعيّته والنّدب إليه عند جمهور الفقهاء إلاّ المالكيّة فإنّهم خصّوه إذا إلتفت للإسماع، إذا ما كان يلتفت للإسماع، يعني إسماع النّاس


أمّا إذا كان لا يُسْمِعُهم فلا يُشْرع له الإلتفات، والحديث يردّه، والحديث يردّ هذا الاختيار.


الوجه الثّالث : كيف يلتفت فيها؟ كيفيّة الإلتفات.


قولان لأهل العلم:


القول الأوّل : أنّه يقول : حيّ على الصلاة عندما يؤذّن :حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح، عندما يقول : حيّ على الصّلاة مرّتين يكون الإلتفات إلى جهة اليمين في المرّتين في قوله :حيّ على الصّلاة إلتفاته في المرّتين إلى اليمين.


وإلتفاته إلى الشّمال في قوله : حيّ على الفلاح مرّتين.


إذًا على هذا القول عندما يلتفت يمينا يقول : حيّ على الصلاة، وحيّ على الفلاح في الشّمال وهذا قول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة.


القول الثّاني : أن يقول عن يمينه مرّة : حيّ على الصّلاة، ومرّة عن يساره، يعني عندما يقول : حيّ على الصّلاة في الأولى يلتفت يمينًا؛ والثّانية : حيّ على الصّلاة يلتفت شمالا، والثّالثة : حيّ على الفلاح يلتفت يمينًا، وحيّ الفلاح الرابعة -في الكلمات أعني- يلتفت شمالا وهذا اختيار بعض الحنفيّة، والشّافعيّة وقول بعض الحنابلة أيضا.


وعلى كلّ حال لعلّ الأظهر الأوّل نوعا ما، فإنّ في قوله: [فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا فيقول يمينًا، وشمالا] يمينا يقول : حيّ على الصلاة؛ شمالا يقول : حيّ على الفلاح، فهذا أظهر.


هل الإلتفات يكون بالبدن، أم بالعُنُق؟


الإلتفات يكون بالعُنُق لا بالبدن.


وهنا أنبّه على لفظة جاءت عند أبي داود وغيره حديثٌ فيه أنّه قال -أبو جحيفة يقول-:"فلمّا بلغ حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر" "لوى عنقه" ولذلك قلنا يلوي عنقه، لا الجسد، فهذا الشقّ صحيح


قوله :"ولم يستدر" هذه اللّفظة منكرة والإلتفات يمينا وشمالا ثابتٌ في الصّحيحين، ولفظة العنق لا إشكال فيها فهي صحيحة؛ أمّا "لم يستدر" هي المنكرة، تفرّد بها قيس بن الرّبيع وهو مع ثقته إلاّ أنّه سيّء الحفظ، لا يحتمل جاله قبول تفرّده.


الوجه الرّابع : في الفوائد المستفادة من هذا الحديث العظيم


أولا : نستفيد أنّه لا بأس بخدمة أهل الفضل والعلم من إحضار ماء للوضوء ونحوه من غير غلوٍّ كما فعل بلال -رضي الله عنه- بإحضاره الوضوء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.


*ثانيا* : أيضا نستفيد من هذا الحديث أنّ السنّة في السّفر قصر الصلاة، ولهذا قال :[ثمّ لم يزل يصلّي ركعتين حتّى رجع إلى المدينة] فهذه السنّة


وكما جاء في المصنّف أنّ رجلا قال لعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يعني استشكل يعني أنّه كان في سفر هو وصاحبه فقصر صاحبه الصّلاة، وأتمّ هو قال :"كنت أنا وصاحبي في سفرٍ فقصر وأتممت" يعني مارأيك؟


فأجاب ابن عمر -رضي الله عنهما- قال :"بل أتمّ وقصَّرْتَ" وقال له :قصر في صلاته، وأتممت فقال له العكس " بل أتمّ هو" لأنّه أتى بها على السنّة، وأنت الذي قصّرت


إذًا السنّة في هذا هي القصر على ما سيرد -إن شاء الله- معنا في هذه المسألة في وقت لاحق.


الفائدة الثالثة : مشروعيّة الأذان في السّفر، وهذا يؤكّد ما مضى.


فائدة أخيرة : حرص الصّحابة -رضوان الله تعالى عليهم- على التبرّك بآثار النبي -صلى الله عليه وسلم- الثّابتة الصّحيحة عنه، وأنّ هذا مشروعٌ، بخلاف ما يُدَّعى الآن في بعض البلدان في أيّام المولد كما يقولون : شعرة النّبي -عليه الصلاة والسلام-


نعم، هو توفّي وكانت شعرات من لحيته -عليه الصلاة والسلام- في جُلْجُلٍ عند أمّ سلمة -رضي الله تعالى عنها-


ما هذه الشّعرة التي تكون يوم المولد؟!! تكون في تركيا، وفي نيجيريا، وفي اسطنبول، وما أدري فين؟!!! وفي السّودان، وفي الفلبّين، هي شعرة واحدة تدرو هذه الدّنيا كلّها؟؟!! أو شعرتان؟!!


نعم، فيدّعون ويكذبون على النّاس ليتأكّلون، فما ثبت أنّه من آثاره صحّ التبرّك به وهو مشروعٌ


أمّا ما لم يثبت فلا يجوز.


نقف عند هذا وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.



*أسئلة الدّرس*


هذا سائل يقول : عندنا في بعض البلاد في ألمانيا بعض النّاس يريدون وضع إعلان كي يجمعوا النّاس لصلاة الغائب على ابن لادن، نريد منكم نصيحة لهم وكيف نقنعهم أنّ عملهم مخالفٌ للسنّة؟


*الجواب*:


إن ثبت أنّه قد مات أو قتل -أعني أسامة بن لادن- فهو أحد الذين أضرّوا الإسلام وعقيدة أهل السنّة والجماعة فيه وفي أمثاله أنّه مرتكبٌ للكبائر تحت مشيئة الله، بغضنا له ديانة وشرعا لا يعني ذلك أنّنا، أقول : بغضنا له ديانة وشرعا لما ارتكبه وما وقع فيه من مخالفات تخالف اعتقاد أهل السنّة والجماعة في أبواب شتّى لا يعني ذلك أن نتجاوز الحدّ الشّرعي نقول أفضى إلى ما قدّم وهو تحت المشيئة؛ لأنّ هذه هي عقيدة أهل السنّة والجماعة في مَنْ مات وهو مرتكبٌ لكبيرة ما لم يتب منها ولم نعلم أنّه قد تاب منها وممّا فعل.


وأمّا الصّلاة عليه كما يقولون صلاة الغائب فلا نراها، فلا نرى أن يُدْعى النّاس للصلاة عليه، إن صلّى عليه بعض النّاس في بعض الأماكن كأقاربه ونحوهم لهم ذلك.


أمّا أن يُدعى النّاس للصّلاة عليه فلا، إنّما الصّلاة على الغائب لها شروط، ولها أمور تحتفّ بها، والأصل عدم الصّلاة على الغائب، الأصل عدمه إلاّ إذا كان الذي مات قد علمنا أنّه لم يُصَلَّ عليه قطعا فيصلّي عليه آحاد النّاس أو بعض النّاس.


نسأل الله أن يعفو عنّا وعن الجميع.