منتديات منابر النور العلمية

منتديات منابر النور العلمية (http://m-noor.com//index.php)
-   الأســــــــــــــــــــــــرة الـمـســــــــــلـــــمــــــــة (http://m-noor.com//forumdisplay.php?f=18)
-   -   عبدالله بن أبي بكر - رضي الله عنهما -مع زوجه عاتكة بنت زيد - رضي الله عنها -: (http://m-noor.com//showthread.php?t=11340)

أم سمية السلفية 05-12-2012 03:10 PM

عبدالله بن أبي بكر - رضي الله عنهما -مع زوجه عاتكة بنت زيد - رضي الله عنها -:
 
عبدالله بن أبي بكر - رضي الله عنهما -مع زوجه عاتكة بنت زيد - رضي الله عنها -:

قُدِّر لعبدالله بن أبي بكر - رضي الله عنهما - أنْ يَتزوَّج من عاتكة بنت زيد، وهي بنت زيد بن عمرو بن نفيل القُرشية العدوية، من الصحابيات المهاجرات، وكانت حسناء جميلة ذات خلْقٍ بارِع[الاستيعاب في معرفة الأصحاب؛ لابن عبدالبر (3/ 1876)]، فأحبَّها حبًّا شديدًا حتى غَلبتْ عليه نفسَه، وشغلتْه عن مَغازيه وغيرها، فأمَرَه أبوه بطلاقها[ أُسد الغابة؛ ابن الأثير (7/181)]، فأخذ يُردِّد:
يَقُولُونَ طَلِّقْهَا وَخَيِّمْ مَكَانَهَا
مُقِيمًا تُمَنِّي النَّفْسَ أَحْلامَ نَائِمِ
وَإِنَّ فِرَاقِي أَهْلَ بَيْتٍ جَمِيعَهُمْ
عَلَى كَثْرَةٍ مِنِّي لَإِحْدَى العَظَائِمِ
أَرَانِي وَأَهْلِي كَالْعُجُولِ تَرَوَّحَتْ
إِلَى بَوِّهَا قَبْلَ العِشَارِ الرَّوَائِمِ

فعَزم عليه أبوه حَتَّى طلَّقها، ثم تبعتْها نفسُه، فهجم عليه أبو بَكر، وهو يقول:
أَعَاتِكُ لَا أَنْسَاكِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ
وَمَا نَاحَ قُمْرِيُّ الْحَمَامِ المُطَوَّقُ
أَعَاتِكُ قَلْبِي كَلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
إِلَيْكِ بِمَا تُخْفِي النُّفُوسُ مُعَلَّقُ
وَلَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْيَوْمَ مِثْلَهَا
وَلا مِثْلَهَا فِي غَيْرِ جُرْمٍ تُطَلَّقُ
لَهَا خُلُقٌ جَزْلٌ وَرَأْيٌ وَمَنْصِبٌ
وَخَلْقٌ سَوِيٌّ فِي الْحَيَاءِ وَمَصْدَقُ

فسمِعه والده الصديق، فرقَّ له قلبُه، فأمَرَه فارتَجعها، فقال عبدالله حين ارتَجعَها:
أَعَاتِكُ قَدْ طُلِّقْتِ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ
وَرُوجِعْتِ لِلأَمْرِ الَّذِي هُوَ كَائِنُ
كَذَلِكِ أَمْرُ اللَّهِ غَادٍ وَرَائِحٌ
عَلَى النَّاسِ فِيهِ أُلْفَةٌ وَتَبَايُنُ
وَمَا زَالَ قَلْبِي لِلتَّفَرُّقِ طَائَرًا
وَقَلْبِي لِمَا قَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سَاكِنُ
لِيَهْنِكِ أَنِّي لَا أَرَى فِيهِ سُخْطَةً
وَأَنَّكِ قَدْ تَمَّتْ عَلَيْكِ المَحَاسِنُ
وَأَنَّكِ مِمَّنْ زَيَّنَ اللَّهُ وَجْهَهُ
وَلَيْسَ لِوَجْهٍ زَانَهُ اللَّهُ شَائِنُ[الاستيعاب في معرفة الأصحاب؛ لابن عبدالبر (4/ 1877)]

ومن هنا يتضح لنا صفاتٌ جليَّة في نفس عبدالله بن أبي بكر - رضي الله عنهما - ومن هذه الصفات: برُّه بوالده وطاعته له في غير معصية لله تعالى، وهذا واضِح من استجابته لأمر والده الصديق بطلاق من يَعشَق من النساء، وهي زوجه عاتِكة - رضي الله عنها - وليس هذا غريبًا عن صحابي جليل، عُرِف عنه التضحية والفداء لله ولرسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - وإنَّ كان هذا الأمر قد خالَف هواه، ولكنَّه الانقياد والاستسلام لله تعالى، وثاني هذه الصفات الاعتراف بالذنب ضِمنًا، وهذا واضِح في طلاقه لزوجته - رضي الله عنها - لأنَّه علِم أنَّه قصَّر في حقِّ الله - تعالى - بسبب انشغاله بزوجتِه؛ مما دفعه للاستجابة لوالده، وهذا اعتراف بالتقصير والخطأ، وهذه شِيمة عظيمة لدى المسلمين بشكل عام، وتُحسَب لعبدالله هنا بشكل خاص، خاصَّة إذا علِمنا أنَّ العِشق (المُباح) من أشدِّ الأمور على النَّفس وأصعبها، وفِراق المحبِّ ليس بالأمر الهَين، وهو يُغالِب النفوس إنْ لم تكن هذه النفوس كِبارًا، وصفة أخرى واضِحة جليَّة، وهي الوفاء للزَّوجة الكريمة الأصيلة، وهذا واضِح من خلال الأبيات التي وردتْ على لسانه في حقِّ زوجته، بعدما طلَب منه أبوه إرجاعها، ولا شكَّ أنَّ عبدالله كان يُحبُّ زوجه عاتِكة حبًّا كبيرًا، وهذا يَتضِح لنا بشكل أكثر وُضوحًا عندما نَسمَع خبَره معها - رضي الله عنهما - أنَّه قبْل وفاته ومن شدة حبِّه لها، اشترط عليها ألا تتزوَّج بعده، على أنْ يَجعل لها طائفة من ماله، وذكَر البعض أنَّه جعَل لها بعض أراضيه، وذكر آخرون أنه كَتَب لها حائطًا[التاريخ الأوسط؛ للبخاري (1/ 36)، والطبقات الكبرى؛ لابن سعد (8/ 265) وقد وافقتْ - رضي الله عنها - على ذلك، وتَبتَّلت وجعلتْ تَمتنع عن الرجال بعد وفاة عبدالله - رضي الله عنه - وكثُر خاطبوها؛ لحسْنها وتقواها، وقيل: تزوَّجها زيد بن الخطاب، على خلاف في ذلك[الاستيعاب في معرفة الأصحاب؛ لابن عبدالبر (4/ 1876)]، واستشهد عنها يوم اليمامة، وقد تزوَّجها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعدما حاجَجَها في تَمنُّعها عن الزواج بعد عبدالله بن أبي بكر؛ لأنَّه أعطاها بعض ماله على أنْ تَبقى دون زواج بعده، وبعدما أقنعها عمر بالحكم الشرعي، وافقتْ على طلبِه وتزوَّجها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - واستُشهد عنها، ومن ثم تزوَّجها الزبير بن العوام - رضي الله عنه - وقُتِل عنها شهيدًا؛ ولذلك كان أهل المدينة يقولون: "من أراد الشهادة فليتزوَّج عاتكة بنت زيد"[الطبقات الكبرى؛ لابن سعد (3 / 83)]، ثم خطَبَها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بعد انقضاء عدتها من الزبير، فأَرسلتَ إليه إنِّي لأضنُّ بك يا بن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القتل، وتزوَّجها الحسن بن علي، فتُوفِّي عنها، وهو آخر من ذُكر من أزواجها، والله أعلم[الاستيعاب في معرفة الأصحاب؛ لابن عبدالبر (4/ 1876)].
رثاء زوجته عاتكة بنت زيد له:
إنَّ الزوج يَحتلُّ مكانةً عظيمة في قلْب زوجته، وفِقدان الزوج لهو من أصعب البلايا التي تَنْزل بالزوجة في حياتها؛ فهي تفقد الخلَّ والصاحب، والقلب الحاني عليها، ومن تستقيم به حياتُها، وتقضى به حاجاتها؛ لذلك كان فِراق عبدالله صعبًا على قلب زوجه عاتكة بنت زيد، مع علْمها بحبِّه الشديد لها؛ ولكثرة حبِّه لها اشترط عليها ألا تتزوَّج بعد موته مقابل أنْ يَكتُب لها مالاً أو أرضًا؛ وذلك لأمور عدة، منها غَيْرته عليها - رضي الله عنه - مع حبِّه الشديد لها، ولطمعه أن تكون زوجته في الآخرة؛ لأنَّ المرأة كما ورد تكون لآخر أزواجها في الدنيا في الجنَّة إنْ دَخَلوا جميعًا الجنة بإذن الله - تعالى - لما ورد في الحديث: ((أيُّما امرأةٍ تُوفِّي عنها زوجها فتَزوَّجتْ بعده، فهي لآخر أزواجِها))[قال عنه الألباني-رحمه الله-: حديث صحيح؛ انظر صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 525)]، ولذلك عندما رحل عبدالله بن أبي بكر عن الدنيا، رثتْه عاتكة بشعر حسَن، قالت فيه:
رُزِئْتُ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ
وَبَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَمَا كَانَ قَصَّرَا
فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً
عَلَيْكَ وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أَغْبَرَا
فَلِلهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَهُ فَتًى
أَكَرَّ وَأَحْمَى فِي الْهَيَاجِ وَأَصْبَرَا
إِذَا شَرَعَتْ فِيهِ الأَسِنَّةُ خَاضَهَا
إِلَى الْمَوْتِ حَتَّى يَتْرُكَ الرُّمْحَ أَحْمَرَا[الاستيعاب في معرفة الأصحاب؛ لابن عبدالبر (4/ 1876)]

ولم تكن - رضي الله عنها - راغِبة في الزَّواج بعده، لولا أنَّ أمير المؤمنين بيَّن لها أنَّ هذا الفعل خلاف الأَولى، على الأقلِّ تقع فيه إنَّ هي أصرَّت عليه، فتَنازلتْ عن ذلك، وقَبِلتْ بالزواج من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ويُروى أنَّ عائشة - رضي الله عنها - قالتْ عندما تَزوَّجت عاتكة بعمر بن الخطاب؛ تُذكِّرها برثائها لعبدالله بن أبي بكر ووعْدها له بعدم الزواج مقابل الأرض التي وهبَها إيَّاها، مُقتبِسة شعر عاتكة في رثاء عبدالله:
فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي قَرِيرَةً
عَلَيْكَ وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أَصْفَرَا!
ردِّي علينا أرضَنا! [الطبقات الكبرى؛ لابن سعد (8/ 208)]
وتزوَّجها عمر بن الخطاب في سنة اثنتي عشرة من الهجرة، فأَولَم عليها، ودَعا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم علي بن أبي طالب، فقال له علي: "يا أمير المؤمنين، دعْني أُكلِّم عاتكة"، قال: "نعم" فأخذ علي بجانب الخِدر، ثم قال: "يا عدية نفْسها أين قولُك:
فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً
عَلَيْكَ وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أَغْبَرَا؟

فبَكتْ، فقال عمر: "ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟ كلُّ النساء يَفعلنَ هذا"[الاستيعاب في معرفة الأصحاب؛ لابن عبدالبر (4/ 1877)].
منقول


الساعة الآن 09:57 PM.

powered by vbulletin