![]() |
مِمَّا يدلُّ على أفضليةِ أمةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - على بني إسرائيلَ
وَمِمَّا يدلُّ على أفضليةِ أمةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - على بني إسرائيلَ أن الابتلاءَ الذي يظهرُ به الفضلُ وَعَدَمُهُ إنما يكونُ بخوفٍ أو طَمَعٍ، وقد ابْتَلَى أصحابَ النبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - بخوفٍ، وابتلاهم بطمعٍ، وابتلى بني إسرائيلَ بخوفٍ، وابتلاهم بطمعٍ، أما الخوفُ الذي ابتلى اللَّهُ (جل وعلا) به أصحابَ محمد - صلى الله عليه وسلم -: فهو أنهم لما غَزَوْا غزاة بدرٍ، وسَاحَلَ أبو سفيان بِالْعِيرِ، واستنفرَ لهم النفيرَ، وجاءهم الخبرُ بأن العير سَلِمَتْ، وأن الجيشَ أَقْبَلَ إليهم، وأخبرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، قال له المقدادُ بنُ عمرٍو (رضي الله عنه): وَاللَّهِ لو سِرْتَ بنا إلى بَرْك الغِمَادِ (3) لَجَالَدْنَا مِنْ دُونِهِ معكَ، ولو خُضْتَ بنا هذا البحرَ لَخُضْنَاهُ، ولا نقول لك كما قال قومُ موسى لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: آية 24]، بل إنا مَعَكَ مُقَاتِلُونَ (1). ولما أعاد الكلامَ قال له سعدُ بنُ معاذٍ (رضي الله عنه): كأنكَ تَعْنِينَا معاشرَ الأنصارِ- لأنهم اشترطوا عليه ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه مما يمنعونَ منه نِسَاءَهُمْ وأبناءَهم، بشرطِ أن يكونَ في داخلِ المدينةِ، ولم يَشْتَرِطْ عليهم خارجَ المدينةِ - فأخبرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنه يَعْنِيهِمْ فقال كلامَه المعروفَ المأثورَ، قال: «وَاللَّهِ إِنَّا لقومٌ صُبُرٌ في الحربِ، صُدُقٌ عندَ اللقاءِ، وَاللَّهِ ما نَكْرَهُ أن تَلْقَى بنا عَدُوَّكَ حتى ترى منا ما يُقِرُّ عَيْنَكَ، وَاللَّهِ لقد تَخَلَّفَ عنك أقوامٌ لو علموا أنكَ تلقى كيدًا ما تَخَلَّفَ عنكَ منهم رجلٌ» (2). بخلافِ بني إسرائيلَ لما امْتُحِنُوا بخوفٍ كهذا صدرَ منهم ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في سورةِ المائدةِ قوله: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: آية 22]، وقالوا له: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: آية 24]. كذلك ابْتَلَى بني إسرائيلَ بصيدٍ، وهو صيدُ السَّمَكِ المذكورُ في الأعرافِ، المشارُ له في البقرةِ (1): {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} [الأعراف: آية 163]، فَحَدَاهُمُ القَرَمُ (2) والطمعُ في أكلِ الحوتِ إلى أن اعْتَدَوْا في السبتِ، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قردةً. وقد امتحنَ اللَّهُ (جل وعلا) أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في عمرةِ الحديبيةِ بالصيدِ وهم مُحْرِمُونَ، فهيَّأَ لهم جميعَ أنواعِ الصيدِ من الوحوشِ والطيرِ، من كبارها وصغارها، ولم يَعْتَدِ رجلٌ منهم، ولم يَصِدْ في الإحرامِ، كما بَيَّنَهُ (جل وعلا) بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة: آية 94]، فما مَدَّ رجلٌ منهم يدَه إلى صَيْدٍ. فظهر بهذا أن كلتا الأُمَّتَيْنِ امتُحِنَتْ بصيدٍ، وأن هؤلاء اعتدوا على ذلك الصيدِ فمُسِخوا قِرَدَةً، وأن أولئك اتقوا الله. كذلك امتُحنوا بخوفٍ من عَدُوٍّ فَصَبَرَ هؤلاء وَثَبَتُوا، وخاف هؤلاء وَجَبُنُوا، فَدَلَّ هذا على أنهم أفضلُ منهم، وهذا مما لا خلافَ فيه، وهذا مما يبينُ أن قولَه: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أن المرادَ: عَالَمُ زَمَانِهِمْ (1). وقال بعضُ العلماءِ: هو نوعٌ من التفضيلِ آخَرُ لا يُعَارِضُ أَشرَفِيَّةَ هذه الأمةِ وأفضليتَها عليهم، وهو كثرةُ الرُّسُلِ فيهم؛ لأن الأنبياءَ أكثرُ فيهم منهم في غيرِهم (2)، وكثرةُ الأنبياءِ فيهم لا تجعلُهم أفضلَ من هذه الأمةِ، بل هذه الأمةُ أفضلُ منهم وإن كانت الأنبياءُ فيها إنما جاءها نبيٌّ واحدٌ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا معنى قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}. ================== (3) (بَرْك) بفتح الباء وإسكان الراء، وهو المشهور في روايات المحدثين. و (الغِماد) بغين معجمة مكسورة، ومضمومة لغتان مشهورتان، والكسر أفصح، وهو الأشهر عند المحدثين، والضم أشهر في كتب اللغة، وهر موضع من وراء مكة بخمس ليال، بناحية الساحل، وقيل غير ذلك، قال إبراهيم الحربي: «برك الغماد، وسعفات هجر كناية، يُقال فبما تباعد» انظر: النووي على مسلم (4/ 411)، معجم البلدان (1/ 399)، فتح الباري (7/ 232). (1) أخرجه البخاري مع شيء من المغايرة في اللفظ، كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} ... حديث رقم: (3952)، (7/ 287)، وأخرجه في موضع آخر، انظر: حديث رقم: (4609)، وقد أخرج مسلم نحوه عن سعد بن عبادة رضي الله عنه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر، حديث رقم: (1779)، (3/ 1404)، وانظر: كلام الحافظ على رواية مسلم: الفتح (7/ 288). (2) تاريخ الطبري (2/ 273 - 274)، البيهقي في الدلائل (3/ 34)، السيرة لابن هشام (2/ 653)، وذكره ابن كثير في تاريخه (3/ 262) وعقبه بقوله: «هكذا رواه ابن إسحاق (رحمه الله) وله شواهد من وجوه كثيرة»، اهـ ثم ذكر شواهده عند البخاري والنسائي وأحمد وابن مردويه والأموي في مغازيه. وراجع تعليق الألباني على فقه السيرة ص239، ومرويات غزوة بدر لأحمد باوزير ص144 - 149. (1) أي: في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} [البقرة: آية 65]. (2) وهو شدة شهوة اللحم. القاموس (مادة: القرم) (1481). (1) مضى قريبًا. (2) انظر: القرطبي (1/ 376)، أبو حيان (1/ 189). العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير |
| الساعة الآن 08:30 PM. |
powered by vbulletin