![]() |
ما من أحد هو أعظم و أكبر أو هو أحقر و أصغر من أن يقال له اتّق الله .
ما من أحد هو أعظم و أكبر أو هو أحقر و أصغر من أن يقال له اتّق الله . الحمد لله ، والصّلاة ، والسّلام ، على رسول الله ، وعلى آله ، وصحبه ، ومن والاه . أمّا بعد : فقد يجد البعض منّا في نفسه شيأ إذا قيل له اتّق الله ، وهذا أمر يقبح بالمؤمن حقّا ، ويكره له أن يوقعه الحرج في بعض ما جاء في قوله تعالى : {{ و إذا قيل له اتّق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد }} فهذه صفة الكافر والمنافق و المتكبّر في الأرض المستعلي بنفسه على الحقّ و الخلق الذّاهب بها زهوا . فإذا قيل لبعضنا اتّق الله قال : مثلك لا يوصيني ... !! أو أوص نفسك ... !! أو أنا أحرص منك و أتقى ... !! أو لا توصي حريصا ... !! أو عليك بفلان أولا ... !! أو لما لم توص فلانا؟ أتستعظمه و تحتقرني ... !! أو أتخشاه و لا تخافني ... !! وغيرها من الألفاظ والكلمات المشابهة التي تدلّ على مرض القلب لما فيه من حميّة الجاهليّة و العزّة الممقوتة والإعجاب بالنّفس التي تجعل الإنسان يرغب عن قبول الوعظ و التّذكير بالله ، وكما قيل : أخذته عزة من جهله --- فتولى مغضبا فعل الضجر و إذ قد عرفت هذا أيّها السّنّي الحاذق ، و أنّها صفات لا تليق بالمؤمن الصّادق ، فاعلم يا رعاك الله أنّ الأمر بتقوى الله يتوجّه إلى أصناف من النّاس ثلاثة وهم : الصّنف الأوّل : يتوجّه الأمر إلى من دخل في الشّيء واتّصف به و بكماله ، فهذا يكون الأمر له بمعنى الثّبات فيه و المداومة عليه ومنه قوله تعالى : {{ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما }} ، و ليس في هذه الآية توبيخ الله للنّبي – صلّى الله عليه وسلّم – كما يتوهّمه بعض الجهلة ، فقد ناداه الله بصفة النّبوّة على سبيل التّشريف ، بينما جاء نداء غيره باسمه ، ثمّ استرعى السّمع لهذا التّشريف الخاص بمحمد – صلّى الله عليه وسلّم – و الأمر العام له ولغيره بتقوى الله فقال {{ يا أيّها }} حيث جعل المندى غير معلوم أولا فيكون السّامع متطلعا إلى المنادي سبحانه ، ثمّ إذا علم مَن المنادى كان ذلك كإنبائهم لتطلّعهم ، فليس في الآية الكريمة ما يوحي أنّ النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – قد غفل عن تقوى الله أو أنّه أطاع الكفّار و المنافقين – حاشاه – ، و إنّما أُمر بالثّبات و المداومة على ذلك و الزّيادة منه . الصّنف الثّاني : يتوجّه الأمر إلى من دخل في الشّيء و اتّصف به أو قد لا يكون اتّصف بكماله ، فهذا يكون الأمر له بمعنى تحقيق كماله و الثّبات عليه ومنه قوله تعالى : {{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }} وقوله : {{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا }} وقوله : {{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ماقدمت لغد }} ، وقوله : {{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }} ،وقوله : {{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ }} . الصّنف الثّالث :يتوجّه الأمر إلى الجميع ، إلى من لم يدخل في الشّيء و لم يتّصف به ، أو إلى من دخل في الشّيء و اتّصف به ، و هذا يكون الأمر له بمعنى الدخول في الشّييء و تحقيقه و تحقيق كماله و الثّبات عليه ومنه قوله تعالى : {{ ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }} فالأمر هنا موجّه إلى المؤمن و الكافر والمنافق جميعا بتقوى الله . وعلى ما تقدّم فاعلم أنّ تقوى الله تكون على قدر الاستطاعة ، قال تعالى : {{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }} ، وأنّ تقوى الله تكفّر الذّنوب وتزيد في الحسنات قال تعالى : {{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا }} و تقوى الله سبب التّيسر و الفرج قال تعالى : {{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا }} و قال تعالى : {{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً }} وتقوى الله سبب للفلاح قال تعالى : {{ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }} وتقوى الله سبب لتعليم الله عباده قال تعالى : {{ واتّقوا الله ويعلّمكم الله }} . لهذا فإن كنت متّقيا فأنت من أكرم الخلق على الله ومن أحبّهم إليه قال تعالى : {{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }} و قال تعالى : {{ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }} و قال تعالى : {{ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ }} و هي سبب لمعيّة الله الخاصّة قال تعالى : {{ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا }} . {{ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ }} يا عباد الله ؟ سبحانه ما أعظمه وأكرمه و أحلمه و أرحمه {{هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ }} . فاللهمّ اجعلنا من المتّقين ، والحمد لله رب العالمين . وصلى الله على نبيّنا محمد ، وعلى آله ، وصحبه ، وسلّم . نورالدّين بن العربيّ بن خليفة - غفرالله له ولوالديه - |
جزاكم الله خيراً. |
| الساعة الآن 11:41 AM. |
powered by vbulletin