![]() |
[ الْصَّائِمُوْنَ الْمُفْلِسُونَ مفرغا] خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ 19 رَمَضَانَ . لِفَضِّيَّةٌ الدُّكْتُوْرُ مُحَمَّدٍ سَعِيْدٍ رَسْلَانَ - حَفِظَهُ الْلَّه
· المقدمة. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)-1 -(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)2 -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)-3 أما بعد :- فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلاله وكل ضلالة في النار ؛ أما بعد:- · فرض الصيام ؛ والحكمة منه.. فقد بيّن الله تعالى الحكمة من فرض الصيام فقال -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)-1 أي:- فرضنا عليكم أيها المؤمنون الصيام كما فرضناه على الأمم قبلكم ، لعلكم بأدائكم هذه الفريضة تنالون درجة التقوى ، التي هي أسمى الدرجات وأعلاها ، وأرفع المنازل وأفخمها ، وبذلك تكونون ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه . وقد قال تعالى -( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)2 والتقوى :- فعل المأمورات وترك المنهيات ؛ والصيام الذي لا يثمر التقوى حابطٌ ؛ فاقد القيمة كالزرع الذي لا محصول له آخر المَوْسِم . فوا أسفاه..! فيما كان إذاً حرث الأرض والسقي والتسميدُ ، وبذل المجهود ، وطول الضنى ، واحتمال العنى . · حقيقة الصوم أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - " مَن لَم يَدَع قَوْل الْزُّوْر وَالْعَمَل بِه ، فَلَيْس لِلَّه حَاجَة فِي أَن يَدَع طَعَامَه وَشَرَابَه . " وفي رواية صحيحة للنسائي " مَن لَم يَدَع قَوْل الْزُّوْر وَالْجَهْل وَالْعَمَل بِه ، فَلَيْس لِلَّه حَاجَة فِي أَن يَدَع طَعَامَه وَشَرَابَه" 1 والجهل ها هنا : ضد الحلم ، ليس بالذي هو ضدد العلم ؛ " مَن لَم يَدَع قَوْل الْزُّوْر وَالْجَهْل - أي:- السَفَهْ والنَّذَقَ ، والطَيْشَ وخِفَة العقل -وَالْعَمَل بِه، فَلَيْس لِلَّه حَاجَة فِي أَن يَدَع طَعَامَه وَشَرَابَه" 2 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-: "رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوْعُ، وَ رُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا الْسَّهَرُ"3رواه بن ماجة واللفظ له ، والنسائي . ورواه بن خزيمة والحاكم ولفظهما :-" رُبََّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوْعُ وَ الْعَطَشُ و رَبََّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ الْسَّهَرُ" 4 والحديث بروايتيه حديث صحيح ؛ وقد جمع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك كله في قوله :-" لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالْشُّرْبِ ؛ إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ الْلَّغْوِ وَالْرَّفَثِ "5 رواه ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- وهو حديث ٌ صحيح " لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالْشُّرْبِ - من الطعام والشراب- ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ الْلَّغْوِ وَالْرَّفَثِ "1 · العبادة الحقيقة، والصوم المثمر العبادة الحقيقة تَدفع صاحبها إلى فعل الخيرات ، والتحلي بمكارم الأخلاق ، والإحسان إلى الناس والإنكفاف عن الأذى والشر ؛ وكل عبادة لا تثمر ذلك فهي عبادة لا خير فيها ، ومن ثم لا خير فيها لصاحبها. في صحيح الأدب المفرد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : " قِيَلَ لِلْنَّبِيِّ -صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ -: يَا رَسُوْلَ الْلَّهِ ! إِنَّ فُلَانَةَ تَقُوْمُ الْلَّيْلَ وَ تَصُوْمُ الْنَّهَارَ وَ تَفْعَلُ ، وَ تَصَدَّقْ ، وَ تُؤْذِيَ جِيْرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟ فَقَالَ رَسُوْلُ الْلَّهِ -صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَ سَلَّمَ- لَا خَيْرَ فِيْهَا ، هِيَ مِنْ أَهْلِ الْنَّارِ ".2 "تَقُوْمُ الْلَّيْلَ وَ تَصُوْمُ الْنَّهَارَ وَ تَفْعَلَ .! -هكذا بإبهامٍ للتفخيم والتعظيم والتكثير ، وَ تَصَدَّقْ - ولم يذكر المُتَصَدق به ، لتهويله وتفخيمه ، وهي مع ذلك - تُؤْذِيَ جِيْرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟ فَقَالَ رَسُوْلُ الْلَّهِ -صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَ سَلَّمَ- لَا خَيْرَ فِيْهَا ، هِيَ مِنْ أَهْلِ الْنَّارِ "3 فلم يعتدَّ بهذا الذي أتت به من الصيام والقيام وفعل الخيرات والصدَّقة ، لأنه لم يثمر شيء ذا قيمة " وَ تُؤْذِيَ جِيْرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟قَالَ:- لَا خَيْرَ فِيْهَا ، هِيَ مِنْ أَهْلِ الْنَّارِ . قَالَ : وَ فُلَانَةَ تُصَلِّيَ الْمَكْتُوْبَةَ ، وَ تَصَدَّقْ بِأَثُّوَارٍ- جمع ثورٍ وهي القطعة من الجبن المجفف – تَصَدَّقْ بِأَثُّوَارٍ- والتنوين في بأثوارٍ للتقليل – تَصَدَّقْ بِأَثُّوَارٍ، وَ لَا تُؤْذِيَ أَحَدا ؟ ، قَالَ- صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ - : هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ "1 شتان بين العبادتين ، بين عبادة تدفع إلى الخير ، وعبادةٍ لم تُوقف صاحبها عن الإيغال في الشر ، عبادةٌ قومت الظهور بطول قيام الليل ، وقومت المعدة بصيام النهار ، ولم تُقَوِّم اللسان بالإستقامة على أمر الله ، أو حتى بالكف عن إيذاء خلق الله . فشتَّان ما بين العبادتين. · العبادة المردودة والعمل المفلس وما أتعس الصائم المفلس ! أخرج مسلم في صحيحه بسنده ، عن ابي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- قال :" أَتَدْرُوْنَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوْا : الْمُفْلِسُ فِيْنَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ . قَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِيْ ، يَأْتِيَ يَوْمٌ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِيَ قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكْلَ مَالِ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا . فَيُعْطَىَ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ . فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ ، قَبِلَ أَنَّ يُقْضَىَ مَا عَلَيْهِ ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ . ثُمَّ طُرِحَ فِيْ الْنَّارِ" 2 فهذا أتى بصلاةٍ وأتى بصيامٍِ وزكاة ؛ ولكنه في الوقت عينه أتى بما أذهب ما أتى به من خير؛ حتى مَحَقَه ، حتى نسفه . وتأمل خمسة أفعالٍ وردت في الحديث " شَتَمَ هَذَا .. وَقَذَفَ هَذَا.. أَكْلُ مَالِ هَذَا .. سَفَكَ دَمَ هَذَا .. ضَرَبَ هَذَا" تأمل هذه الخمسةََ الأفعال :- " شَتَمَ .. وَقَذَفَ .. أَكْلُ .. سَفَكَ .. ضَرَبَ " ثم أعجب .! متى كان هذا الرجل صائما.؟ وكيف كان يجد وقتا لأداء الصلاة.؟ وهو يقوم بهذه الجرائم كلها.؟ وكيف يكون مزكيا وهو يأكل أموال الناس .؟ يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ - صيام ٍ عن أي شيء .؟ وَزَكَاةٍ- كيف تكون الزكاة زكاةً، وهو يأكل أموال الناس .؟ وَأَكْلُ مَالِ هَذَا ..، فاعجب ! كيف كان هذا يجد وقتا لأداء الصلاة ، وهو عاكف على هذه الجرائم كلها.؟ · الأعمال الذي تنهي عن الجرائم والمنكر إن الصيام الحقيقي ، والصلاة التامة ، والزكاة المقبولة ، هي العبادات التي تمنع صاحبها من الوقوع في هذه الجرائم الخمس ؛ الشتم ، والضرب ، والقذف ، وأكل أموال الناس ، وسفك دمائهم . لا يمنع من هذا ، ولا يكف عنه ؛ إلا الصيام الحقيقي والصلاة التامة ، والزكاة المقبولة ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ذكر أن هذا الرجل له صلاة ٌ وصيامٌ وزكاة ، ولم يمنعه ذلك من الوقوع في تلك الجرائم. فمفهوم هذا ؛ أنه لو كان قد صام صياماً حقيقيا ، وصلى صلاةً تامة ، وزكى زكاة مقبولة ؛ لانكف عن فعل هذه الشرور ، ولحجزته عن الوقوع في تلك الآثام ، ولاستقام على الجادة ، وعلى صراط الله المليك العلام . · الإفلاس الحقيقي وأسبابه.. لقد أشار رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الحديث إلى الإفلاس الحقيقي ؛ أشار إلى الإفلاس الحقيقي؛ إنه الإفلاس الخُلُقيُ في الدنيا . الإفلاس الحقيقيُّ:- هوالإفلاس الخُلُقيُ في الدنيا ، وهو مؤدٍ إلى الإفلاس الأخروي من الحسنات حتى تفنى ؛ ثم يُطرح من سيئات ضحاياه على سيئاته ، ثم يُطرح في النار. فالإفلاس الخُلُقيُ في الدنيا هو الذي أدَّى إلى الإفلاس الحقيقي في الأخرة بخلوه من حسناته ، وبِطرح سيئات خصومه عليه ، ثم بطرحه بعد في النار . أخرج بن ماجة بإسندادٍ صحيح عن ثوبان - رضي الله عنه - عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال:-" لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاما مِنْ أُمَّتِيْ يَأْتُوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بَيْضَاءَ فَيَجْعَلَهَا هَبَاءً مَنْثُوْرا"1قومٌ مجتهدون ، الذي يأتي يوم القيامةبِأَعْمَالٍ كأَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ وهي سلسلة جبال تمتد إمتداد طويلا . ثقيلة هي جدا لو تدبرت.! عظيمة هي جليلة لو تفكرت . ! فمن أتى بأمثال جبال تهامة يوم القيامة من الأعمال العظيمة البيضاء ، لقد أتي بأمرٍ كبير."فَيَجْعَلَهَا هَبَاءً مَنْثُوْرا"1-. هؤلاء قومٌ من فَعْلَةِ الخيرات ، من أهل العكوف على الصالحات ، بدليل كثرة ما يأتون به من العمل الصالح يوم القيامة يقول رسول الله:- " يَأْتُوْنَ بِأَعْمَالٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بَيْضَاءَ فَيَجْعَلَهَا الله هَبَاءً مَنْثُوْرا ؛قَالَ ثَوْبَانُ- رضي الله عنه- يَا رَسُوْلَ الْلَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، حَلِّهِمْ لَنَا"2من الحلية ، وهي الشيمة و السمة والعلامة؛" ألَا نَكُوْنَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ - فيه خوف الصحابة من أن يتطرق إلى قلوبهم شيء من الدغل المحبط للأعمال ، المفسد لجليل صالح الأقوال؛ فيقول :-" يَا رَسُوْلَ الْلَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، حَلِّهِمْ لَنَا ؛ ألَا نَكُوْنَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ " 3 وفيه دلالة على أن الإنسان ربما كان سيئاً من حيث لا يعلم ، وهو يحسب نفسه صالحا ،-(وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا*)-4 قَالَ رسول الله -صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ-:"أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُوْنَ مِنْ الْلَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُوْنَ "5 يكرزون القيام ، ويعانون العنت والمشقة ، ويتحملون وَيَأْخُذُوْنَ مِنْ الْلَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُوْنَ -صلاةً وتلاوةً وركوعاً وسجودا وذكرا- أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُوْنَ مِنْ الْلَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُوْنَ ؛ وَلَكِنَّهُمْ أقَواْمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ الْلَّهِ انْتَهَكُوهَا"6 هذه هي العلة .! هذا هو الداء الدوي ؛ الذي أفسد هذا الجسد وهو يبدو في عافية وستر ، متماسكاً قائما ، فنخرت فيه هذه العلة، فتهاوى مُتَصًدِّعا ، وتساقط مُتَدَاعِيا .! " إِنَهُمْ أقْوَمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ الْلَّهِ انْتَهَكُوهَا "1 لهم ظاهر يسُّر ، وباطن من دونه يضُّر ! كالقبر ؛ يَرُوعُك منظره ، وبداخله جِيفة ونتن . · عاقبة انتهاك محارم الله .. انتهاك محارم الله دليلٌ على فساد العباد ، وحبوط العمل ؛ لأن انتهاك المحارمِ معناه فساد النفس ، وفقدان الورع ، وعدم الوقوف عند حدود الله ؛ وهو يعني فساد الإيمان ،-(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)- 2، -(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)-3، -(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)- 4 فإذا فقد المنتهكون حدود الله - خصال العدل ، والعلم ، والإيمان -؛ فماذا بقي لهم من عملٍ صالح .؟ بل ماذا بقي لهم من دين .؟ أؤلئك " قَوْمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ الْلَّهِ انْتَهَكُوهَا " فهذا دليل علي ضعف الرقابة لله ، بل على عدمها ؛ وعليه فتكون الأعمال الظاهرة لاستجلاب استعجاب الناس به ، واقبالهم عليه ، ورفعهم إياه فوق قدره . · معالجة النفس وتعاهُدها.. تَعَاهَدْ نفسك في ثلاث" إذا عملت فاذكر نظر الله إليك ، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك ، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك " وتعاهد نفسك في تلك الثلاث " إذا عملت فاذكرنظر الله إليك،وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك ، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك " قال سفيان " ما عالجت شيءً أشد عليَّ من نفسي ؛ مرة عليَّ ومرة لي " مَرة غالبة ، ومرة مغلوبة والحياة عناءٌ ، والحياة كدٌّ وتعب ، عناءٌ ونَصَبْ ، مجاهدة ٌوابتلاء ،سعادةٌ يسيرةٌ وشقاء ، وكذا الحياة ! لأنها ليس لها بقاء ، -(وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ*)- فالباقية هنالك ؛ فقدم للتي تبقى ، واحذر التي تفنى. ولوكانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى لفُضلت الأخرة على الدنيا ، فكيف والدنيا من خزف يفنى ، والأخرة من ذهب يبقى .؟! · مراقبة الله ومحاسبة النفس عن ميمون بن مِهران قال :" لايكون الرجل تقيا حتي يكون لنفسه أشد محاسبةً من الشريك لشريكه ، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه ، فلينظر ما يدخل بطنه" فهذه أدَّل دلائل التقوى . وقد كان بعض السلف في موضعٍ كثر فيه أكل الحرام ؛ فدخل مسجدا ، فلما أقيمت الصلاة تدافع الناس إلى الصف الأول ، فقال معلماً ومرشدا :- " كل من حلالٍ وصلِ في الصف الأخير " هذا لرعاية الحال ؛ وأمَّا المنافسة على الصف الأول فشيءٌ كبير ، والرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - دلَّ على فضل ذلك بقوله :" ولَوْ عَلِمَ الْنَّاسُ مَا فِيْ الْنِّدَاءِ وَ الْصَفُ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوْا إِلَا أَنْ يَسْتَهِمُوا- أي يقترعوا- عَلَيْهِما لفعلوا"1 ولكنه يقول :- ما لهؤلاء القوم قد عكسوا الأمر فساروا يتدافعون إلى مايشق عليهم فعله ، وتهاونوا في أوجب ما يجب عليهم فعله ، وهو رقابة الله - تبارك وتعالى- في المطعم والمشرب ؛ لينظر أحدكم ما يدخل جوفه فإن البطن أول ما يُنْتِنُ من المرء بعد موته. "لا يكون الرجل تقيا حتي يكون لنفسه أشد محاسبةً من الشريك لشريكه" خصمٌ هي.! فلا بد من رعاية حق الله فيها ، ولا بد من حملها على أمره ، ولابد من قصرها على اجتناب نهيه ، وإلا فإنها أمارة بالسؤء جملة ،"وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ، ومشربه ". وعن بلال بن سعد قال :- " لا تكُنْ وليَّا لله في العلانية عدوا لله في السر " أولئك " قَوْمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ الْلَّهِ انْتَهَكُوهَا " لأن الذي يبلغ عمله أن يكون يوم القيامة كأمثال جبال تهامة ، هذا وليٌّ لله في العلانية ، فهذا عملٌ صالح عظيم . "بَيْضَاءَ " في وصف الأعمال ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- ؛ وهوعدوٌ لله في السر "لا تكن وليًّا لله في العلانية، عدواً لله في السر" أولئك " قَوْمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ الْلَّهِ انْتَهَكُوهَا " · فضل الصيام على العباد.. إن الصيام يورث التقوى ، ومراقبة الله تعالى وصلاح القلوب . قال عبد العزيز بن أبي روّاد:-"أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم " لما.! وقد عملوا صالحا ؟ بل عملوا صالحا اجتهدوا في عمله. يقول :-" أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم " أيُقبل منهم أم لا .؟ فليست العبرة بكثرة العمل ؛ وإنما العبرة كل العبرة في تصفية العمل من شوائبه ، مما يُحبطه . ليست العبرة بالعمل ، وإنما العبرة بتصفية العمل من الشوائب ، من شاب شيب له ، ومن كدَّر كُدر عليه ؛ ومن صفي صُفَيَّ له . فأخلص ؛ إنما يتعسر من لم يُخلص ؛ قال عليٌّ - رضي الله عنه –"كونوا لقََبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل ، ألم تسمعوا الله -عزوجل يقول --( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)-1" يتبع بحول الله وقوته .... |
· أعمال في العشر الأوخر...!
إن صيام رمضان ؛ مايزال يرتقي بالنفس في مدارج الكمال ، حتي يبلغ الصائم العشر الأواخر من رمضان ، وفيها الإعتكاف ؛ لعكوف القلب على الله ، ولجمعية القلب على سيديه ومولاه ؛ وللفكر في تحصيل مرضات الله ، وما يُقرب منه تعالى في علاه . وفي العشرإلتماس ليلية القدر وهي خير من ألف شهر . · حال النبي –صلي الله عليه – وسلم في العشر في الصحيحين عن عائشة- رضي الله عنه - قالت:- " كَانَ رَسُوْلُ الْلَّهِ -صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَل الْعَشْر شَد مِئْزَرَه ، وَأَحْيَا لَيْلَه ، وَأَيْقَظ أَهْلَه . " هذا لفظ البخاري " كَانَ رَسُوْلُ الْلَّهِ -صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَل الْعَشْرشَد مِئْزَرَه ، وَأَحْيَا لَيْلَه ، وَأَيْقَظ أَهْلَه . "1 قد يفهم فاهمٌ أن قَوْلها - رضي الله عنها- " وَأَحْيَا لَيْلَه" أنه كان يُحيي الليل كله بالصلاة ، وقد ردَّت هي- رضي الله عنها- هذاالفهم فقالت:- "ما علمت رسول الله -صلي الله عليه وسلم - صلى ليليةً كاملةً حتى اصبح " ولكن؛ أحيا ليله بالصلاة ، بتلاوة كتاب الله ، بالذكر بالفكر في أحوال الأخرة ، والقيام بين يدي رب العزة -تبارك وتعالى -في القيامة يقرِّب عبده يدنيه ، يلقي عليه كنفه .يُقرره أتذكر ذنب كذا ، أتذكر ذنب كذا ..؟ فيقول أي ربي ، أي اذكر- أي ربي أذكر- ، حتى إذا أيقن بالهلكة ، قال له ربه وهو الرحمن الرحيم:- " قد سترت ذلك عليك في الدنيا ، وأنا أغفره لك اليوم ، ويأمر به إلى الجنة" أحيا ليله ، يُحيي ليله بالعبادة ، ليس شرطاً بالصلاة في طول الليل؛ فما فعل ذلك في ليلة حتي أصبح- صلى الله عليه وسلم -،كما قالت عائشة - رضي الله عنها- ولفظ مسلم "، أَحْيَا الْلَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ " 2- صلى الله عليه وآله سلم- وَجَدَّ في العبادة بالزيادة على العادة . وَجَدَّ ..! وهو رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تاخر . وَجَدََّ - في العبادة بالزيادة على العادة ،وَشَدَّ الْمِئْزَرَ للتفرغ للعبادة بالتشمير بالإجتهاد ، أو هو كناية عن اعتزال النساء . "وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ "1-صلى الله عليه وآله سلم- وفي رواية لمسلم عن عائشة -رضي الله عنه -قالت :-" كَانَ رَسُوْلُ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِيْ الْعَشْرِ ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِيْ غَيْرِهِ" 2. ï لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يلتمس ليلة القدر .عشر رمضان الأخيرة فيها الخيرات ،وفيها الأجور الكثيرة ، وفيها الفضائل المشهورة ، والخصائص العظيمة ï وقد كان النبي - صلى الله عليه وآله سلم- يعتكف العشر الأواخر من رمضان ،إلا أن يكون - صلى الله عليه وسلم - مسافراً في جهادٍ في سبيل الله في غزوٍ ، لإلتماس مرضات الله . · سنة الإعتكاف والحكمة منها.. فالإعتكاف سنة من السنن الثابتة ، دلَّ عليها كتاب ربنا ، وسنة نبينا ، وإجماع الأمة ، والمقصد الأجل تفريغ القلب للعكوف على العبادة والذكر ،لالتماس الأجر بتحري ليلة القدر ، وبالبعد عن الدنيا ، بكل ما فيها من مآسيها ، ومباهرها ، بكل مايشغل القلب عن الرب -تبارك وتعالى- وصراطه المستقيم وطلب الأخرة . وفي العشر الأواخر من شهر رمضان ليلية القدر ، وهي خير من ألف شهر ، وللعشر من الخصائص الجليلة ما ياتي ذكره بعد بحول الله وقوته . وصلي الله وسلم علي نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين . الحمد لله رب العالمين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحد لا شريك له هو يتولى الصالحين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم- صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين ؛ أما بعد : · خصائص العشر الأواخر من رمضان فعشر رمضان الأخيرة فيها الخيرات ، والأجور الكثيرة ، وفيها الفضائل المشهورة ،والخصائص العظيمة ؛ ومنها:- ï أن النبي - صلى الله عليه وآله سلم - كان يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيره ، وهذا شامل للإجتهاد في جميع أنواع العبادة ، من صلاةٍ وتلاوةٍ وذكرٍ وصدقةٍ وغيرها . ï ومن خصائص العشر أن النبي - صلى الله عليه وآله سلم - كا يُوقظ أهله في العشر للصلاة ،" َأَيْقَظ أَهْلَه.. وَأَحْيَا لَيْلَه " كأن الليل كان مواتي ؛ بل كان.إلا يذكر فيه الله ، فإذا عُبد فيه الله حييا ،"أَحْيَا لَيْلَه ،وَأَيْقَظ أَهْلَه." للصلاة والذكر حرصاً على اغتنام هذه الليالي المباركة ، لأنها فرصة العمر ، وغنيمة لمن وفقه الله ومن الخسران العظيم والحرمان الكبير أن يمضي المسلمون هذه الأوقات الثمينة في اللهو الباطل ، العبث الفاجر ، واللغو الزائل ، وهذا من تلاعب الشيطان بهم ، ومن مكره بهم ، وصدّيه إياهم عن سبيل الله ، ومن إغواءه لهم وقد قال ربنا -جل وعلا- للشيطان اللعين :- -(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)-1 فمن تبع الغاوي فهو غاوي ، من اتبع الغَوِيْ ، فهوغَوِي ، ومن اتبع الشيطان فهومن الغاوين كما قال رب العالمين . فمن الخسران المبين ، من الخسارة الفادحة أن تُمَضَّى الأوقات في ليال العشر في اللهو الباطل ، وقد تكالب المنحرفون والمنحرفات على المسلمين في مخادعهم ، ليشغلوهم عن العبادة والتلاوة والذكر ؛ وليغروهم بالنظر والإستماع إلى كل ما حرم الله -جلا وعلا- مما هو فسوقٌ محض ، وزيفٌ صِرف ، ومعصية بَحْت. ï من خصائص العشر ؛الإعتكاف فيها ، والإعتكاف سنة ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع الأمة ، وقد اعتكف النبي - صلى الله عليه وسلم - واعتكف معه أصحابه ، وبعده ، فاعتكفوا معه ،واعتكفوا بعده - صلى الله عليه وآله وسلم و رضي الله عنهم-. · متي تكون ليلة القدر تحديدا.؟ أخرج مسلم في صحيحه بسنده من رواية أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال :-"اعتكفرَسُوْلُ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ . يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ . -أي:قبل أن تُظْهَر له- فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ .-أي: في عام- يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ. فَلَمَّا انْقَضَيْنَ -يعني: العشر الأوسط - أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ -أي:أزيل ، يعني: الخباء الذي كان يعتكف فيه - صلى الله عليه وسلم - يُضرب له في المسجد-. فَلَمَّا انْقَضَيْنَ . أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ-أي:أزيل- ثُمَّ أُبِيْنَتْ لَهُ أَنَّهَا فِيْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ . فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ - أي :الخباء-فَأُعِيْدَ . ثُمَّ خَرَجَ عَلَىَ الْنَّاسِ . فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا الْنَّاسُ ! إِنَّهَا كَانَتْ أُبِيْنَتْ لِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَإِنِّيَ خَرَجْتُ لَأُخْبِرَكُمْ بِهَا . فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ1-أي: كلٍ يدَّعى أن الحق له - وفي رواية "يَتَلَاحَيَانِ "2 كلٍ قد أمسك بلحية صاحبه. وفي رواية "يَسْتَبَّانِ" 3 "مَعَهُمَا الْشَّيْطَانُ . فَنُسِيتُهَا . فَالْتَمِسُوْهَا فِيْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ . الْتَمِسُوْهَا فِيْ الْتَّاسِعَةِ وَالْسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ " 4 فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الْشَّيْطَانُ . فَنُسِيتُهَا 5" أوفَّأُنْسِيْتُهَا .6 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي نُسي تحديد علمها بقطعٍ ويقين ، لا أنها في العشر الأواخر من شهر مضان ، وهذا من شؤم الخصام والخلاف والجدال "فجاء رجلانيَحْتَقَّانِ.. يَسْتَبَّانِ.. يَتَلَاحَيَانِ مَعَهُمَا الْشَّيْطَانُ . فَأنُسِيتُهَا . فكم من خير يرفع لوقوع الخصام والخلاف والجدال ، والمناقرة كمناقرة الديوك . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَالْتَمِسُوْهَا فِيْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ . الْتَمِسُوْهَا فِيْ الْتَّاسِعَةِ وَالْسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ "1 بين أبو سعيد - رضي الله عنه - أن :-التاسعة هي الثانية والعشرون ، والسابعة هي الرابعة والعشرون ،والخامسة هي السادسة والعشرون . يتبع بحول الله وقوته .... |
فَفَّهِم - رضي الله عنه - أن ليلة القدر قد تكون في الأشفاع ، كما تكون في الأوتار من العشر الأواخر من رمضان ، وإلي هذا أشار شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - " فِيْ تَاسِعَةٍ تَبْقَىَ ، فِيْ سَابِعَةٍ تَبْقَىَ ، فِيْ خَامِسَةٍ تَبْقَىَ "2 في ثالثة تبقى
إذا كان الشهر تسعةً وعشرين ،وإذا كان الشهر ثلاثين ، فيصدق أن تكون في الأوتار ؛ كما يصدق أن تكون في الأشفاع ؛ وعليه فمن أراد أن يصيب ليلة القدرفعليه أن يجتهد في العشر الأواخر كلها ، من غير ما تميز ؛ وإن خصّ الأوتار بمزيد عناية فلا بأس ، لدلالة النصوص على ذلك. · فضل ليلة القدر في العشر الأوخر ليلة القدر التي شرفها الله تعالى على غيرها ، ومن أعلى هذا الأمة بها ؛ وأنعم عليها بجزيل خيرها ، وأشاد الله تعالى بفضلها ، فقال -جل وعلا- -(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ *)-1 1. نزول القرأن الكريم فيها. من بركة ليلة القدر أن هذا القرآن المبارك ، أُنزل فيها ، وقد وصفها الله تعالى بأنه يفرق فيها كل أمرٍ حكيم ، من أوامر الله المحكمة ، العظيمة المتقنة ، التي ليس فيها خللٌ ولا نقصٌ ولا باطل-( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)- 2 -(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)- 3القدر بمعني الشرف والتعظيم ، أو بمعني التقدير والقضاء ، 2. فصل الأقدار من اللوح المحفوظ إلى الكتبة .. لأن ليلة القدر يفصل فيها من اللوح المحفوظ إلي الكتبة ما هو كائن في امر الله - سبحانه وتعالى - في تلك السنة من الأرزاق والآجال والخيروالشر ؛ من يولد ومن يموت ، من يرفع ومن يخفض ، من يُعَز ومن يُذَل ، من يُعطى ومن يُحرم ، من يحج ومن يعتمر ؛ إلي غير ذلك من ألوان التقدير ؛ لأن التقدير -كما هو معلوم- تقدير أزليّ كتب الله -تبارك وتعالى- مقادير كل شئ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة -(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)- 1 والله رب العالمين يجعل نسخة من هذا التقدير الأزلي في ليلة القدر من كل عام ،إلى الكتبة ، وفيها ما هو كائن ، من أمر الله - سبحانه وتعالى - في تلك السنة ، من الأرزاق والآجال ، والخير والشر ، وغير ذلك من كل أمرٍ حكيم من أوامر الله المحكمة المتقنة . وليلة القدر شريفة عظيمة ، يُقدر الله فيها ما يكون في السنة ، إلى ليلة القدر من العام بعده ، وما يقضيه الله تعالى من أوامره الحكيمة ، وأموره الجليلة . 3. خير من ألف شهر -(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)-2 يعني: في الفضل والشرف، وكثر الثواب والأجر ، لذا من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وفي سورة القدر من فضائل ليلة القدر أن الله أنزل فيها القرآن المجيد ، الذي به هداية البشر ، وسعادتهم في الدنيا والأخرة ، وكذلك ما يدل عيله الإستفهام من التفخيم ، والتعظيم-(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)- 3 وكل ما أدراك في القرآن أداره.... وكل ما يدريك لم يدره لذا قال بعد هذا الإستفهام ، الذي هو للتفخيم والتعظيم والتشويق ،-(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)- 1فكل وما أدراك في القرآن أداره ؛ وهي خيرٌ من ألف شهر كما قضي بذلك ربنا -جل وعلا- . 4. نزول الملائكة وفيهم جبريل –عليه السلام- .. والملائكة تتنزل فيها ، وهم لا يتنزلون إلا بالخير ، والبركة والرحمة ، حتى تضيق بهم الأرض ، وهو أحد القولين في معنى القدر ، القدر الشرف ، والقدر الضيق ، قالوا : لأن الأرض تضيق بالملائكة من كثرتهم ، والملائكة لا تتنزل إلا بالخير والبركة ،والرحمة ، وَالرُّوحُ :- وهو جبريل -عليه السلام - 5. عموم السلام على أهل الأرض ومما يدل على فضلها في سورة القدر أنها سلام -(سَلَامٌ هِيَ )- 2وقد أتي بالجملة معرفة الطرفين ؛ لا بل أنه -جل وعلا- ذكرها هكذا تفخيماً وتعظيماً ، وتكريماًوتشريفا-(سَلَامٌ هِيَ )-3 فدل على كونها سلام لُحْمَةً وسُدى .فهي سلامٌ محض -(سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)-4؛ فهي ساجية صافية ،"طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ " كما قال سول الله إذ هي سلام ، تتنزل فيها الملائكة ، يتنزل فيها من ربنا السلام .. السلام؛ علي أهل الأرض ، حتي يصيروا إلى السلام ، من بعد الضيق والشدة والعناء والكرب ، فتجد الروح منطلقها والقلب مستقره ، لا يدري أحد متى يجد قلبه مستقره ؛ -(سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)-1 لكثرة السلامة فيها من العذاب لماي قوم به العبد من طاعة الله -جل وعلا- ومما يدل على عظيم قدرها ورفعة شأنها وجليل قدرها أن الله أنزل فيها سورة برأسها ، تُتلي يتعبد لله بتلاوتها ، إلى أن يرفع الله الكتاب المجيد بين يدي الساعة من الصدور والسطور . · القول الأرجح في ليلة القدر زمنا.. ولا تختص ليلة القدر بليلة معينة في جميع الأعوام ، بل تنتقل ، فتكون في عام ليلة سبع وعشرين مثلا ، وفي عام ليلة خمس وعشرين .. وهكذا ، تبعا لمشيئة الله تعالى وحكمته ؛ ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - " أَلْتَمَسُوْهَا .... فِيْ تَاسِعَةٍ تَبْقَىَ ، فِيْ سَابِعَةٍ تَبْقَىَ ، فِيْ خَامِسَةٍ تَبْقَىَ " 3 قال الحافظ في الفتح: " الأرجح أنها في العشر الأخير ، وأنها تنتقل " فالأرجح علي حسب دلالات النصوص ،أن ليلة القدر في العشرالأواخر من شهر رمضان ؛ وأنها في أوتار العشر وأنها تنتقل ؛ فليست في ليلة بعينها ؛ فتكون ثابتة في كل عام ، ولكنها تنتقل كما هو الأرجح . · الحكمة من إخفاء ليلة القدر .. وقد أخفي الله تبارك وتعالى عن العباد تحديد ليلة القدر بقطع ، رحمةً بهم ، ليكثر عملهم في طلب ليلة القدر في تلك الليالي الفاضلة ، بالذكر والصلاة ، وبالدعاء والإخبات ، وبالبكاء والإنابة ؛ ليزدادوا من الله قربا ،وليكثر لهم من الله الثواب ،وليُعلم من كان جاد في طلبها حريصا عليها ، ممن كان كسلان متهاونا . أخفى الله رب العالمين رضاه في طاعته ، فلا تدري بما يرضى عنك مما تتزلف به إليه ، ولا تدري أي ذلك يقبل لديه ، ويعتمد عنده ؛ فأخفى رضاه في طاعته ، كما أخفى سخطه في معصيته . وقد أخفى الله رب العالمين ساعة الإجابة في يوم الجمعة في ساعاته ، والأرجح أنها الساعة الأخيرة قبل المغرب من يوم الجمعة ، لا يوافقها عبد يسأل الله رب العالمين أمراً من أمور الدنيا والأخرة إلا أتاه الله إياه ؛ وذلك ليحرص الناس على فعل الخيرات ، وبذل النفوس في طاعة الله ، وتفريغ الأوقات لعبادة الله ، فأخفى الله رب العالمين ليلة القدر في العشر الأوخر من رمضان. قال رسول الله " فَنُسِيْتُهَا 1.. وَعَسَىَ أَنْ يَكُوْنَ خَيْرا لَكُمْ "2 ؛أي: لتزدادوا اجتهادا في العبادة والطلب ؛ ولأنكم إذا علمتم تحديدها بقطع في ليلة محددة توفرتم على العبادة في تلك اللية ، ثم كسلتم بعد ذلك وفترتم عن العبادة والذكروكذلك فعل المتقين ، فان النبي الأمين - صلى الله عليه وآله وسلم - مع أن الله -جل وعلا-قد أخبره أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه ،إلا أنه "كَانَ يَقُوْمُ الْلَّيْلَ حَتَّيَ تَتَوَرَّمقُدَامَاهُ ، حَتَّىَ تَتَفَطَّرُ قَدَمَاهُ2" ؛ فلما رُجِعَ في ذلك قال :"أَفَلَا أَكُوْنُ عَبْدا شَكُوْرا " - صلى الله عليه وآله وسلم - · خير الدعاء في ليلة القدر.. يُسأل الله -تبارك وتعالى- في ليلة القدر وفي كل حين العفو والمعافاه ، يسأل العبد ربه-جل وعلا- في ليلة القدر العفو والمعافاه ؛ قالت عائشة - رضي الله عنها- كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد في المسند " قُلْتُ يَارَسُوْلَ الْلَّهِ ! أَرَءَيْتَ إِنَّ وَافْقَتُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، مَا أَقُوْلُ فِيْهَا .؟ قَالَ : قُوْلِيْ الْلَّهُمَّ أَنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّيْ"4 . لو كان هناك طلبٌ هو أعلى من هذا لذكرالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم– لعائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها-؛ لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أخبر أنها أحب الناس إليه ؛لما سأله عمرو بن العاص - رضي الله عنه –: " مِنْ أَحَبِّ الْنَّاسِ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : عَائِشَةَ ، قَالَ : فمِنَ الْرِّجَالِ ؟ قَالَ : أَبُوْهَا" 1- رضي الله عنه وعنها وعن الصحابة أجمعين- فهذا اختيار الحبيب للحبيب ، يختار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في الليلة المباركة التي يُقبل فيها الدعاء ، ويُجزل فيها العطاء ، وتُمحي فيها الخطايا ، وتُزال فيها السيئات ، يختار لها رسول الله هذا الدعاء " الْلَّهُمَّ أَنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّيْ" 2 ولو كان هناك ما هو فوقه ، لذكره لها - صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنها- هو العفوّ ، وهو يحب العفو ، فيحب أن يعفو عن عباده ، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض ؛ فإذا عفا بعضهم عن بعض ، عاملهم بعفوه ؛ وعفوه أحب إليه من عقوبته . كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:" أَعُوْذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ . وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ "3 كما في صحيح مسلم ، عفوه أحب إليه من عقوبته " وَأَعُوْذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ "4:- من نقمتك قال مُطَرِّف بن عبد الله :" لأن أبيت نائما وأصبح نادما ، أحب إلي من أن أبيت قائما ، وأصبح معجبا " · الخاتمة.. الإخلاص الإخلاص.! نسأل الله أن يرزقنا إياه ، هو عقدة المسألة ، وحرفها وقطبها الذي عليه تدور؛ أولئك " قَوْمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ الْلَّهِ انْتَهَكُوهَا " فلم ينفعهم عملٌ صالح ، وتأمّل في وصف ما يكون ،أَعْمَالٍ كأَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بَيْضَاءَ يَجْعَلَهَا هَبَاءً مَنْثُوْرا " كالقطن المنتوف ، المندوف ؛ يَجْعَلَهَا الله هَبَاءً مَنْثُوْرا " والجبال متماسكة ، صلبة قائمة ، متلاحمة ؛ بذراتها وبصخرها ، وبمكوناتها . ولكن وا أسفاه..! ما من لُحْمَةً ها هنا تربط ، فأعمالٌ متناكرة ، لا حقيقة لها ، يَجْعَلَهَا الله هَبَاءً مَنْثُوْرا" " لأن أبيت نائما وأصبح نادما ، أحب إليَّ من أن أبيت قائما ، وأصبح معجبا "؛ لأنه لايقبل مع الإعجاب عمل ، والندم من شروط التوبة ، فإذا استكملت شروطها ، كانت نصوحا مقبولا . فاحرص في العشر الأواخر علي التصفية ، والتزكية ، على الكتاب والسنة ، ومنهاج النبوة وخلِّف دنياك وراءك ،وأقبل صحيحا ، حتى تصير معافا . اللهم أنك عفو تحب العفو فاعفوا عنا . وصلي الله وسم علي نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين تم بحمد الله وقوته فرغته / أم معاوية السلفية المصرية السبت 20 من رمضان 1432 |
| الساعة الآن 05:59 PM. |
powered by vbulletin