![]() |
مناقشة علمية بخصوص تفسير أبو بكر الجزائري لقوله تعالى: {وما رميت إذ رميت}
مناقشة علمية بخصوص تفسير أبو بكر الجزائري لقوله تعالى: {وما رميت إذ رميت} إعداد/ محمد بن صالح الدهيمان يوم الأحد التاسع من محرم من عام ألف وأربع مئة وثلاث وثلاثين مدينة سكاكا منطقة الجوف بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صلي وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال أبو بكر الجزائري في كتاب (أيسر التفاسير) في سورة (الأنفال) الآية (17): "وحتى رمي رسوله المشركين بتلك التي وصلت إلى جل أعين المشركين في المعركة فأذهلتهم وحيرتهم بل وعوقتهم عن القتال وسببت هزيمتهم، كان الله تعالى هو الرامي الذي أوصل التراب إلى أعين المشركين". أقول مستعين بالله: الذي يظهر من الكلام السابق أن أبا بكر الجزائري قرر بأن رمية الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي بالواقع رمية الله -تعالى- عندما قال: "وحتى رمي رسوله المشركين" ثم قال: "كان الله تعالى هو الرامي"، فنهاية هذه الجملة مكملة لبدايتها، فأبو بكر الجزائري -كما يظهر- أضاف فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الله -تعالى-، خلافاً لما يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأن فعل العبد مختص به ولا يضاف إلى الله تعالى، وبأن الرمي مثبت لكلا الطرفين: للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولله -تعالى-، وقد فسر السعدي في تفسيره بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو من رمى وأن الله -تعالى- هو من أوصل الرمية، وفسر ابن كثير الآية بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد رمى والله أوصلها إلى أعين المشركين، ولكن الشيخ السعدي وابن كثير -رحمهما الله- لم يضيفا فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الله -تعالى- كما فعل أبو بكر الجزائري، وفيما يلي أورد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الرد على من قال بإضافة فعل العبد إلى الله -تعالى-. قال شيخ الإسلام أحمد تقي الدين المعروف بابن تيمية -رحمه الله- في كتاب (تلخيص الاستغاثة) ص. (333) ط. مكتبة (الغرباء الأثرية) المجلد (1): "وأما استشهاده بقوله -تعالى- وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فمن هذا الجنس وهو قد سبقه إلى هذا المعنى الذي توهمه طائفة من الجهال و ذلك أن الله -تعالى- لم يضف الرمي هنا إلى نفسه لمجرد كونه خالقا لأفعال العباد فإن هذا قدر مشترك بين رمي النبي صلى الله عليه وسلم و سائر أفعاله غير الرمي و بين رمي غيره من الناس و بين أفعالهم فإن فعال العسكرين يوم بدر خلقها الله تعالى كما خلق سائر أفعال الحيوان لو جاز أن يقال إن الله رمى لكونه خلق حركة العبد لقيل إنه يكر و يفر و يركب و يعدو و يصوم و يطوف و نحو ذلك لكونه يخلق ذلك و قد روي أن المحاصرين لعثمان رضي الله تعالى عنه كانوا يرمونه بالحجارة فقال لم ترموني فقالوا لم نرمك و لكن الله رماك قال كذبتم لو رماني الله لأصابني وأنتم ترمونني ولا تصيبونني وهو صادق في ذلك فإن الله تعالى لما رمى قوم لوط و أصحاب الفيل أصابهم و لكنهم هم رموا عثمان و الله تعالى يقول وما رميت إذ رميت و لكن الله رمى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من تراب أو غيره فرمى بها المشركين فأصابت عيونهم وهزمهم الله تعالى بها ولم يكن في قدرة النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بل الله تعالى أوصل ذلك إليهم و الرمي له طرفان خذف بالمرمي ووصول إلى العدو و نكاية فيهم و النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأول و الله فعل الثاني و المعنى ما أوصلت الرمي إذ خذفته و لكن الله أوصله و هزمهم به فالذي أثبته الله لنبيه غير الذي نفاه عنه وقد أثبت له رميا بقوله إذ رميت و نفى عنه رميا بقوله وما رميت وكان هذا غير هذا لئلا يتناقض الكلام ولو كان المراد كما ظنه هذا و أمثاله ممن يحتج بهذه الآية على أن الله خالق أفعال العباد و يضحك المعتزلة و غيرهم من القدرية عليه إذا احتج بهذه الآية ولو كان المراد لساغ أن يقال مثل هذا في جميع أفعال العباد فيقال ما ركبت إذ ركبت و لكن الله ركب و ما ظننت إذ ظننت و لكن الله ظن و ما أكلت إذ أكلت و لكن الله أكل لكان يقال لكل من رمى بالقوس وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى و يقال للكفار إذا رموا المسلمين ما رميتم إذ رميتم و لكن الله رمى و أشباه هذا مما لا يقوله مسلم ولا عاقل ثم إن الله تعالى ذكر هذه الآية لبيان نعمته على نبيه و على المؤمنين يوم بدر وما أيدهم به من النصر فلو أريد كونه خالقا لفعله لكان هذا قدرا مشتركا بين جميع الناس بل لا بد أن يكون لرميه خاصة يعجز عنها الخلق فعلها الله تأييدا لنبيه و نصرا له و إنعاما عليه و على المؤمنين فتبين أن هذه الآية حجة عليه لا له كالأولى و أن الله تعالى فرق بين فعل الخلق و فعل نفسه ولم ينزل أحدا منزلة نفسه في الأفعال و مما يبين ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تنفى عنهم باتفاق المسلمين من قال إن الله تعالى خالقها ومن قال إنه لم يخلقها لا يجوز أن يقال هذا ما أكل ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف ولا ركع ولا سجد ولا صام و لا سعى ولكن الله هو الذي أكل و شرب و قعد وركب و طاف و ركع و سجد و صام و سعى و سواء كانت الأفعال محمودة أو مذمومة و سواء كانت سببا لخرق العادة أم لا فلا يقال إن موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر ولكن الله ضرب ولا يقال إن نوحا ما ركب في السفينة و لكن الله ركب ولا يقال إن المسيح ما ارتفع إلى السماء بل الله ارتفع ولا يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما ركب البراق بل الله ركب و أمثال هذا فالفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله تعالى إلا على إن الله تعالى خلقه و جعل صاحبه فاعلا كقول الخليل عليه السلام رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي و كما قال ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك و قال تعالى و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون و قال و جعلناهم أئمة يدعون إلى النار و لا يقال إن الله يقيم الصلاة و يدعو إلى النار ولا إنه قد أسلم و قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا ولا يوصف الله تعالى بالهلع و الجزع و جماع الأمر أن الله عز وجل لا يوصف بمخلوقاته وهذه هي أدلة السلف و أهل السنة على أن كلام الله تعالى غير مخلوق قالوا لأنه سبحانه لا يوصف بما خلقه في غيره فإذا خلق في غيره حركة أو طعما أو ريحا أو لونا كالسواد و البياض لم يوصف بأنه هو المتحرك بها ولا بأنه متروح أو أبيض أو أسود و إذا خلق في غيره كلاما لم يوصف بأنه هو المتكلم به و يعبرون عن ذلك بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ولم يعد على غيره و اشتق لذلك المحل منه اسم ولم يشتق لغيره فإذا خلق في محل حركة أو علما أو قدرة كان ذلك المحل هو المتحرك العالم القادر لا الخالق لتلك الصفة فيه" انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. |
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. جزاك الله خيرا على هذا البيان المفصل. |
جزاك الله خيراً أخي عمر، ويا حبذا لو يشاركنا الشيخ أسامة برأيه في هذا الموضوع لأنه يهمني.
|
جزاكم الله خيرا
|
بسم الله الرحمن الرحيم،
الأخ عيسى بن عامر السلام عليكم، جزاك الله خيراً لدعائكم لنا ونشكر لكم تعقيبكم. |
شكر الله لك أخي محمد الدهيمان وكل من علق من الإخو الأفاض على موضوعك وبهذه المناسبة انقل كلام شيخ الاسلام في مجموع الفتاوى (2/ 331)
حسث قال: الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: {وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى - كَمَا تَظُنُّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الغالطين - فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى يُقَالَ لِلْمَاشِي: مَا مَشَيْت إذْ مَشَيْت وَلَكِنَّ اللَّهَ مَشَى وَيُقَالُ لِلرَّاكِبِ: وَمَا رَكِبْت إذْ رَكِبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ رَكِبَ وَيُقَالُ لِلْمُتَكَلِّمِ: مَا تَكَلَّمْت إذْ تَكَلَّمْت وَلَكِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ وَالصَّائِمِ وَالْمُصَلِّي وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَطَرْدُ ذَلِكَ: يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُقَالَ لِلْكَافِرِ مَا كَفَرْت إذْ كَفَرْت وَلَكِنَّ اللَّهَ كَفَرَ وَيُقَالُ لِلْكَاذِبِ مَا كَذَبْت إذْ كَذَبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ كَذَبَ. وَمَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا: فَهُوَ كَافِرٌ مُلْحِدٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.وَلَكِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ رَمَاهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يُوصِلَ الرَّمْيَ إلَى جَمِيعِهِمْ فَإِنَّهُ إذْ رَمَاهُمْ بِالتُّرَابِ وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ} لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يُوصِلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَوْصَلَ ذَلِكَ الرَّمْيَ إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ بِقُدْرَتِهِ. يَقُولُ: وَمَا أَوَصَلْت إذْ حَذَفْت وَلَكِنَّ اللَّهَ أَوْصَلَ فَالرَّمْيُ الَّذِي أَثْبَتَهُ لَهُ لَيْسَ هُوَ الرَّمْيُ الَّذِي نَفَاهُ عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ بَلْ نَفَى عَنْهُ الْإِيصَالَ وَالتَّبْلِيغَ وَأَثْبَتَ لَهُ الْحَذْفَ وَالْإِلْقَاءَ وَكَذَلِكَ إذَا رَمَى سَهْمًا فَأَوْصَلَهُ اللَّهُ إلَى الْعَدُوِّ إيصَالًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ: كَانَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْصَلَهُ بِقُدْرَتِهِ.) وهذا (مختصر)حول هذه المسالة وبسطها في كتب العقائد مطول فلينظر |
بسم الله الرحمن الرحيم،
الأخ المكرم أحمد بن صالح الحوالي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاك الله خيراً، فلقد أضفت للمناقشة اقتباساً هاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث الفرق الذي يظهر لنا بين قول أبي بكر الجزائري وقول ابن تيمية هو التالي: ابن تيمية -رحمه الله استخدم المعنى (أوصل) أما أبو بكر الجزائري فاستخدم الفعل نفسه (رمى) ولذلك يظهر لنا أنها إضافة فعل العبد لله تعالى. فابن تيمية قال: كَانَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْصَلَهُ بِقُدْرَتِهِ. أما أبو بكر الجزائري فقال: كان الله تعالى هو الرامي. فتمعن جيداً تجد أن الفرق هو الفعل نفسه عند أبي بكر الجزائري، أما عند ابن تيمية فالمعنى هو المستخدم في كلامه. إذاً الفارق بين الرجلين هو الكلمتين (رمى) و(أوصل) فيما يظهر لنا، والله تعالى أعلم. |
| الساعة الآن 12:30 AM. |
powered by vbulletin