بسم الله الرحمن الرحيم
مَواقفٌ للسّلف وأتباعهم
ممّن خالف الحقّ أو ابتدع
فهل هم غُلاةٌ -أيّها الدُّعاة-؟!!
أَخِي الكَرِيم...
«...إِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ خِطَابٌ بِلِسَانٍ، أَوْ هَجَمْتَ عَلَى كَلاَمٍ فِي كِتَابٍ؛ فَإِيَّاكَأَنْ تُقَابِلَهُ مُقَابَلَةَ المُغَاضَبَةِ البَاعِثَةِ عَلَى المُغَالَبَةِ قَبْلَ أَنْ تَتَيَقَّنَ بُطْلاَنَهُ بِبُرْهَانٍ، وَأَيْضاًفَلاَ تُقْبِلْ عَلَيْهِ إِقْبَالَ المُصَدِّق بِهِ، المُسْتَحْسِنِ إِيَّاهُ قَبْلَ عِلْمِكَ بِصِحَّتِهِ بِبُرْهَانٍ قَاطِعٍ؛ فَتَظْلِمفِي كِلاَ الوَجْهَيْنِ نَفْسَكَ، وَتَبْعُدَ عَنْ إِدْرَاكِ الحَقِيقَةِ...»قالَهُ ابنُ حَزْمٍ الظّاهِرِيُّ«مداواة النفوس».
**_____***_____**
الحمدُ للهِ ذي الجلال والإكرام، المُنزّه عمّن سواه -الذي لم يلد، ولا والد له، ولا ندّ، ولا شبيه به- المتفرّد بصفات الكمال، له الأسماء الحُسنى...
والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى نبيِّنا محمّدِ بنِ عبد اللهِ، وعلى آلهِ وأصحابِهِ الطيّبينَ الطَّاهِرِين، وَمِنْ بَعْدِهِم إِخْوَانِهِ المُغتَرِبِين بإتّبَاعِ سُنّتهِ في كلِّ صُقعٍ وَحِين.
أمّا بعدُ:
فَفِي هذا العصر وبالذّات العقود المتأخّرة؛ وخاصّة منها العُشريّة الأخيرة «والمسلمون -ولله الحمد- يعايشون يقظة علمية تتهلل لها سُبُحَات الوجوه، ولا تزال تنشط متقدمة إلى الترقي والنضوج في أفئدة شباب الأمة، مدها ودمها المجدد لحياتها، إذ نرى الكتائب الشبابية تترى يتقلبون في أعطاف العلم مثقلين بحمله يعلون منه وينهلون، فلديهم من الطموح، والجامعية، والاطلاع المدهش والغوص على مكنونات المسائل، ما يَفرحُ به المسلمون نصراً، فسبحان من يحيى ويميت قلوباً.
لكن، لابد لهذه النواة المباركة من السقي والتعهد في مساراتها كافة، نشراً للضمانات التي تكف عنها العثار والتعصب في مثاني الطلب والعمل من تموجات فكرية، وعقدية، وسلوكية، وطائفية، وحزبية...
وقد جعلت طوع [إخواني هذه الأُكتُوبةَ التي حَوَتْ أسطُراً يسيرة] تكشف المندسين بينهم [من المنفلتين!] خشية أن يُرْدُوهُم، ويضيعوا عليهم أمرَهم، ويبعثروا مسيرتهم في الطلب [أو على الأقل في ثقتهم بمنهجهم -وهو الأصل-]، فيستلُّوهم [من بين إخوانهم؛ بعد أن كانوا معهم وراء علمائهم المعروفين بالسنّة والوسطيّة] وهم لا يشعرون(!)»(١).
وللأسف! نَجِدُ بعض الدُّعاة -وطبعاً من تَبِعهم من الشباب-، وحملة الأقلام المنتسبين لمنهج السلف، لم يقفوا الموقفَ الواجب المُشرّف؛ بل-وكأنّهم!- ساروا يمشون يُرَوِّجون -وإن لم يقصُدوا- منهج أهل الباطل، ثم صاروا يتلمّسون ليلمسوا مسوّغاتٍ قد يُسندوا إليها ظُهُورَهُم بعدَ ظُهُورِهِم؛ حتّى وإن كان على حساب الدين والمنهج الذي إليه ينتسبون؛ ولو بقولٍ شاذٍّ، أو كلامٍ لعالِمٍ مرجوحٍ، أو بعبارة منسوخة مِراراً -بل والناسخ لها نُسِخَ بدورهِ تكراراً-!!... المهم؛ أن يقيموا لما عندهم عِبرة... وأنّى لهم هذا؟!
ومن هذا الطراز -هداهم الله- أصحابُ (المنهج الأفيح) الذين انتصروا له، ونافحوا عنه وبه، في وقتٍ بيّنَ فيه علماءُ السنّة الأقحاح حال هذا المسلك المُعوَّقُ، والمُعْوَج، الأعرج... حيثُ يُلحَظُ ممّا يُكتبُ من القوم كأنّ نار (منهج الموازنات -وهو أصلُ البليّة هاته- والتميّع ثمّ تمييع المواقف مع المخالف! الناتج عنه) تضطرِمُ متزايدة شعلتُها في الأُفُق، فيما يخبو نور -منهج المحدِّثين بحق-: (الجرحُ والتعديل) بالإنصاف والعدل؛ حتى ظهر أثرهُ عليهم في واقعهم حقا، فاكتَفَوا بـ: (الموازنة) في أحسن أحوالهم، وبـ: (التعديل) دائما -وهو أصلُ حالهم-!!
فكانت العَباءة مُفصّلة جدُّ فضفاضة؛ عرضها يُقارب طولها، وعن طولها فلا تَسَلْ!
وهذا مستفيض عنهم -أو قُلْ: بلغ حدّ التّواتر!-؛ منشورٌ في رسائل بعضهم، ممتلئةٌ به مواقعهم ومنتديات أتباعهم، طافحةٌ به دروسهم ومحاضراتهم المسجّلة...
لم نتهجَّمُ عليهم بالشّائعات، ولا نحن بمحض التَّخرُّصات والتّخمينات نرميهم؛ وإنّما هو ثابتٌ عنهم، وهم ثابتون عليه!
وعليه: فرأيتُ -لِمَا بين يديّ من معطيات- أن أجمع ما تناثر، وألُمَّ شعثَ أطراف ما تشتّت وتبعثر؛ بحيث يحصلُ لنا الموضوع مُزداناً بِنُقُولاته، مع لفتِ الانتباه بالتعليق والإشارة على بعض ما يُنتَقَدُ بِحَسَبِ المَوْضِعِ والحاجة؛ لإثارة حُبِّ البحثِ كوسيلةٍ للتَّنْقيبِ عن الحقّ بالدّليل؛ بل للظّفَر به ولا يُقبَلُ عنه بديل.
كل هذا نُصرة لمنهج أسلافنا الأبرار الذين نصروا منهج المحدّثين-توحيدا وإخلاصا، وإتباعا وبالآثار اقتفاء، وما كان لصيانة الملّة من العلوم-، ونشروا العلم بكل الفنون في رُبُوعِ الدُّنيا، كما دفعوا عنه شُبَهَ وضلالات أهل البدع ومن سايرهم، وحذّروا من كل ما أُدخِلَ فيه وليس منه، وإن أُلبِسَ ثوب الحق، وشُدَّ خصرُهُ بحزام الصّدق في ما يظهرُ للناس...
مع علمي أنّ الذي انتقيتُ -بفضل الله وحده- سوف لن يُرضِ الكثير ممن ميّعَ أو تنطّع -وما أكثر مواقعهم جاورونا بها في قرية (النت)، ولكن لا يَهُم-؛ إذ أُوَجِّهُها لطالب الحق والباحث عن الحقيقة، أو من أراد أن يلتحق بركبهم وإن لم يَكُنْ منهم بادئ الأمر.
أمّا وإن تقع بين يَدَيْ مُمَيّعٍ -وهذا الباعث لكتابة هذه الأحرُف- احترف الانحراف عن منهج أهل الحديث -وإن كان يدَّعي أنّه منه ويزعم-؛ فحتما سيُطلِقُ لسانهُ في الأسطر رامياً لها ولِي بالغُلوِّ والتّطرُّف(٢)!!
السؤال الوجيه: هل يجرؤ أحدهم رميَ هؤلاء السلف بما يرموننا به هنا؛ إذا أثبتنا أننا وعلماءنا المعاصرين على نَفَسِهِم؛ بل وهم كانوا أشد؟!
أو تقع تحت عَيْنَيْ مَن عُرِفَ بالغلو؛ فـ (قد) تَقرُّ عينُهُ لشيءٍ في نفسِهِ! كعدم اعترافه بجنانه وأنّهُ لا يرفع رأساً -على الأقل- ببعض علمائنا وطُلاّب العلم الكُثُر؛ ممّن لا يرضاهم (هو) لشدّةٍ مذمومة أو حدّةٍ فيه(٣)؛ وما ذاك إلاّ بتتبُّع العثرات -مع ندرتها!-، والتربُّص بالترصُّد لِعلماءٍ هُم من جُملةِ البَشَر -لم يدّعوا عصمة الأنبياء والمرسلين-؛ وتحميل كلامهم ما لا يحتمل متبوعا بكلام السلف -والذي في أهل البدع الغليظة وقتهم- مع إرادة تنزيله عليهم اليوم! -بعيدا عن تحقيق مناطه-... وبالتالي تكون الفاجعة والجناية معاً؛ إسقاط كل من عُقدت عليه الخناصر وأُشير لهُ بالبنان!
فبربّك -يا أخي- من يَسلَمُ حينذاك؟!
والعبرةُ ليست بهذين الصنفين المتطرِّفين: شدّة وغلُوّاً، وتساهُلاً وتمييعاً؛ وإنّما العبرة بمن -وما- كان وسطا بينهما مقيما الشِّرعة على نفسه ميزاناً، ونِعْمَ الميزانُ هُو.
هذا المحفّز الحاثُّ لنصح هؤلاء الإخوة، بِضرب الأمثلة لهم من كلام علماء السلف ممّن لا نحتلِفُ وإيّاهم على إمامتهم في الدّين؛ لتكون عوناً لنا (نحن أهل السنّة) -بعد الله- في تبليغهم ما يجب أن يعلموه، ولهم العَوْنُ في فهمٍ ما عادَوْهُ لِما -أو لمَّا- جهلوه؛ {ليهلك من هلك عن بيّنة ويحي من حيّ عن بيّنة}[الأنفال: ٤٢].
فيا أيّها الرّاغب في السنّة؛ الطالب للحق؛ الباحث عن الحقيقة «... اليوم أخوك [المشفق على نفسه وإخوانه] يشدُّ عَضُدَكَ، وَيَأخُذُ بِيَدِكَ، فاجعل طوع بنانك»(٤)ما يأتي، وتأمّلهُ بعين باصرة، مصطحباً معك الإخلاص والإنصاف؛ إذ هو الفصلُ بينك ومن خالفك، وهو الفضلُ لك -بعد الله- عليه وحدك.
وهاك من أقوالهم صُوَراً بها يُـكتفى؛ فتأمّلها -رَحِمَكَ اللهُ- وتجرَّد.
***** *****
١- قال المرُّوذِيُّ:
إن أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- ذكر حارثًا المُحاسِبِيَّ، وقال:
«حارث أصل البلية -يعني: حوادث كلام جهم-، ما الآفة إلا حارث»(٥).
٢- وعن أبي الحسين محمد بن أحمد الحنظلي ببغداد يقول: سمعت أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي يقول:
«كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل؛ فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قومُ سوء؛ فقام أبو عبد الله -وهو ينفض ثوبه- فقال:
زنديق، زنديق، زنديق؛ ودخل البيت».
·قلتُ [ولا أريدُ بـ: (قلتُ!) مضاهاة لكلام شيوخنا الأبرار ولا حتّى طلبة العلم؛ ولكن لتمييز نفيس دُرر كلامهم ممّا هو دونه -أي: كلامي- وهو دونه في كل ما يأتي]:
كيف لو كان الإمامُ المُبجَّلُ في وقتنا، وسمع أولئك المنتسبين للسلف والمدّعين الاشتغال بعلم الحديث؛ يقولون في إخوانهم قبيح الكَلِم! ويرمونهم بالفواقر التي تورّعوا -هُم أنفسهم!- في تصويبها للمبتدعة تحقيقا.
بِمَاذا يصفهم يا تُرى، وبأيّ سَوْطٍ كانوا سيُجلَدُون؟!
٣- قال الذهبي في عبد الكريم بن أبي العوجاء:
«زنديق معثر»(٦).
٤- قال أبو داود السجستاني: «قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة، أترك كلامه؟
قال: لا، أَوَ تعلمهُ أن الرجل الذي رأيتَهُ صاحب بدعة، فإذا ترك كلامه فكَلِّمْهُ وإلا ألحقهُ به»(٧).
·قلتُ: كثيرٌ من المخدوعين -في أيّامنا هذه- يخلِطونَ بين:
إلحاق المتشدّق بالسنّة دعوى -وهو يُداهِن ويُهادِنُ أهل البدع وأصحاب المقالات المخالفة- بالمبتدعة ديانةً؛ بعد تبليغه الحُجّة، وتعليمِه ما قد يُعذَرُ لاحتمال جهله به -كشخصٍ-، أو جهله بأصل الفعل أو القول -كبِدعةٍ-... وما يترتّبُ الحكم على الأوّلِ إلاّ لاكتسابه صفة الثانية تقعُ عليه.
و«من لم يُبدّع المبتدعَ؛ فهو مُبتدعٌ» بإطلاق!... بعيدا عن إنصاف أهل السنّة، ضاربين صفحا عن مدى علم أو جهلِ من كان الأصلُ فيه البراءة حيــال تبديع ذاك أو الآخر، وكذا وموقفهُ من كلِّ ذي بدعة أو ابتداع. وهذا المسلكُ سبيلٌ مطروق من (الحدّاديّة)؛ إذ فيه الإلزام بما لا يلزم، ودعوةٌ مُبطّنة للتقليد الأعمى، وتحفيزٌ على العصبيّة السَّادِرَة،... كل هذا باسم السنّة؛ لتسويق أفكار الخلف الناتجة عن سقيم فهمهم لعقلهم الخرِف(٨)!
فليس هذا من منهج أهل السنّة والسلف؛ فكيف يكونُ عليه أتباعهم الذين يقصّون على آثارهم، هذا إن لم يكنُ التقصيرُ حاصل أحيانا بتخفيف الشدّة والتعنيف على المخالف؛ للظروف -نظرا للمصالح والمفاسد- والتأني في مُناصحة المُحدِثِ الأشهر والسّنوات؛ لاعتبارات كثيرة يراها الناصِحُ...؛ فكيفَ يُرمونَ بهذه الشدّة وبذاك الإجحاف! ولم يكن عليه أهل القرون الثلاثة؟!!
ولِمَ لَمْ يرموا بـ (الغُلُو) من نُقلت عنه تلك الشدّة على هؤلاء المخالفين والمبتدعة؟!
ما سِرُّ التفريق بين المتقدّمين والمتأخرين في الحمل عليهم، مع أن لازم مسلك القوم يقتضي أن يُشنّع على المتقدّمين زيادة؛ لِما فيهم من الشدّة الفائقة على المبتدعة؛ بل ثبت عن بعضهم أن حظُّوا على قتل بعض المبتدعة!
٥- وجاء في «تاريخ الدوري» (٣/٧٧) ترجمة (رقم ٣٠٩):
سمعت يحيى [يعني: ابن معين] يقول: وذكرتُ له شيخنا كان يلزم سفيان بن عيينة يقال له: ابن مناذر -وهو: محمد بن مناذر مولى بني صبير بن يربوع شاعر معروف-(٩)؟
فقال: «أعرفه كان صاحب شعر، ولم يكن من أصحاب الحديث، وكان يُرسل العقاربَفي مسجد الحرام حتى تلسع الناس! وكان يَصبُ المداد -أي: الحبر أو الصّمغ- في المواضع التي يتوضأ منها حتى تسود وجوه الناس!
ليس يروى عنه رجل فيه خير».
·أقولُ: من شرِّ البليّة -من البريّة- ما يُضحك! ورَحِم الله الإمام ابنَ معينٍ رحمةً واسعة. فالبيان لما عليه الرجال يكون بما قلَّ أو كَثُرَ، لِما في المقام من العلاقة بدين الله وبأخذ العلم الشرعي عنه -وهو حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ الأصل الثاني بعد القرآن-؛ وكذا فعل الإمام.
٦- وفي «سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي» (٢/٤١٠):
وسمعتُ -أي: البرذعي- أبا زرعةَ يقولُ: قلنا ليحيى بن معين: أن سويد بن سعيد يحدث عن ابن أبي الرجال، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- قال:
«من قال في ديننا برأيه فاقتلوه».
فقال يحيى: «سويد ينبغي أن يبدأ بهفيُقتل... »(١٠).
·قلتُ: هذا الذي أشرتُ إليه قريبا؛ ولعلّه أحدُ الأمثلة.
٧- قال ابن محرز(١١):
سمعتُ يحيى بن معين يقول: -وذكر أبا سليمان الجرجاني- فقال:
«أبو جرجان ينبغي أن نهدم حول داره أربعين دارا هكذا، وأربعين دارا هكذا، وأربعين دارا هكذا، وأربعين دارا هكذا».
فقال أبو خيثمة: يا أبا زكريا فيدخل دارك في هذا الهدم؟!
قال: «لا أبالي يبدأ بداري أولاً حتى تطهر تلك البلاد منه».
·قلتُ: وهنا لفتةٌ لطيفة تضمّنت أمرين:
الأول: التشنيع الواضح والتعنيف على من خالف الحق؛ كونهُ عضُدا لأهل الباطل؛ فتأمّل -أخي الأريب- ألفاظ الإمام فيه.
والثاني: الإنصاف والعدل الذي ينضحُ به كلام الإمام ابن معين -رحمه الله-؛ ليس حاله كمَن يأكُل الدُنيا بالدّين -وهو في بحبوحة غير مُكرهٍ ولا مُضطَرٍّ كما هو مُشاهَدٌ في عصرنا هذا!-؛ حتّى وإن تعارض أو فاته من مصالحهِ الدنيوية -لكلمته هاته- ما لا تهون على غيره تركُها ولو بتفكيره! فلله درّهُ من إمام.
٨- قال أبو نعيم في «الحلية»(٩/١٠٦):
حدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول:
«مَن حدَّث عن أبي جابر البياضي بَيَّضَ الله عينيه»اهـ.
·قلتُ: أي أعماهُما؛ لأنّهُ مُتّهمٌ بالكذبِ... وما أكثر مَن حالهُ كهذا الأخير؛ بل ربَّما يزيدُ عنه بالعداوة لأهل السنّة والطّعن عليهم -في كل فرصة تسنح- لا يتورّع البتَّةَ! وإذا قيل فيه مِعشار ما قيل في هذا؛ قالَ وقال معه أعوانه:
أنتم: (غُلاةُ التجريح! وجماعةُ الإقصاء! وأهلُ الجرح والتجريح! والسّبابة... وخوارج التجريح!) وهلُمّ سَحبا!
فماذا أبقيتم للخوارج ومن كان في فلكهم بعد هذا؛ فحسبُنا الله ونِعمَ الوكيل...
٩- قال ابن محرز(١٢):
وسمعت يحيى وذكر حسين الخياط؟
قال: «أخذ حجة من آل المطلب بن عبد الله بن مالك، فذهب إلى الأهواز فقعد بها!».
فقال أبو خيثمة: يا أبا زكريا إنه يحدث!
فقال: «ما يكتب عنه إلا من لعنه الله وغضب عليه!».
·قلتُ: هلاَّ رُمِيَ يحي ابنُ معين بِمَا يُرمى بِهِ عُلماؤُنا اليوم! خاصّة وأنهُ تلفّظ بكلمة في حقِّ من يُحدِّثُ عن (حسين الخياط) وليس هو؛ فهل يجرؤ أحدُهم في عصرنا هذا أن ينسِبَ للإمام تلكم (القاعدة) القاعدة! والتي يعيبون بها أهل السنّة ظُلما وجوراً: «من لم يُبدّع المبتدع؛ فهو مُبتدع» بإطلاق!... هلاَّ تجرّؤوا! وليتهم يتجرَّؤون...
١٠- جاء في «سؤالات البرذعي لأبي زُرعة»(٢/٤٤٣):
قلتُ [البرذعيُّ]: عمر بن عبد الله بن أبي خثعم؟
قال [أبو زرعة]: «واهي الحديث، حدث عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث لو كانت في خمسمائة حديث لأفسدتها».
·قلتُ: ليت شعري؛ أين أصحاب منهجِ المُوازنات من هذا... أين؟!
ليتَ قومي يعلمون!
١١-قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان الدليل على بطلان التحليل» (ص ١٣٨):
ولما وضع بعض الناس كتابا في الحيل اشتد نكير السلف لذلك، قال أحمد بن زهير بن مروان: كانت امرأة هاهنا تمر، وأرادت أن تختلع من زوجها، فأبى زوجها عليها، فقيل لها لو ارتددتِّ عن الإسلام لَبِنْتِ مِن زوجك! ففعلت ذلك! فذكر ذلك لعبد الله -يعني ابن المبارك- وقيل له: إن هذا في كتاب الحيل، فقال عبد الله:
«من وضع هذا الكتاب فهو كافر، ومن سمع به فرضي به فهو كافر، ومن حمله من كورة(١٣)إلى كورة فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو كافر».
وقال إسحاق بن راهويه عن شقيق بن عبد الملك: أن ابن المبارك قال:
في قصة بنت أبي روح حيث أمرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسان، فذكر شيئا، ثم قال ابن المبارك -وهو مُغضب-:
«أحدثوا في الإسلام، ومن كان أمر بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده، أو في بيته [...] ولم يأمر به فهو كافر»، ثم قال ابن المبارك:
«ما أرى الشيطان كان يحسن مثل هذا حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم! فأشاعها حينئذ، أو كان يحسنها، ولم يجد من يمضيها حتى جاء هؤلاء».
·قلتُ: كما يقعُ التشنيع على المبتدعة والمخالفين للحق؛ يلحقُ كتبهم سواء بسواء. بل قد يكون -أحيانا- التحذير ممّا كتبوه أشد من التحذير من أعيانهم؛ خاصّة إذا مات وكان محسوبا على الإسلام والسنّة، ويملكُ من مفاتيح البيان وسلاسة التعبير؛ بحيث يكون بِمَظِنّة أن يَدُسَّ -أو دَسَّ- في كتبه بمعسولِ الكلام... ما به قد يسلبُ الألباب ويُبهر به الأنظار؛ فيصرف وجوه الناس إليه مع أنّهُ رجل ضال!
والسّلفُ كانوا يُعاملون الكُتبَ وما في جنسها كما يُعامِلون أصحابها؛ لأن ما سُطِرَ ما هو إلاّ عرض لعقل هذا الأخير وما فيه من ضلال؛ بل خطرهُ يكمنُ -كذلك- كونهُ يبقى إرثاً للأجيال من أبناء المسلمين يتوارثونه، ولا أحد يضمن -بعد مُضيِّ حِقب متطاولة- أن يُنفى الدّخيل ويُعرف؛ بل قد يُرفع وأنّه الدين! وفي ما يأتي نقلُهُ خير دليل؛ فانظره أخي -غير مأمور-:
... يُتبع