سؤال : استفتاء في الحكم الشرعي للتأمين الكاتب : الشيخ تقي الدين الهلالي تحت هذه الترجمة جاءني الاستفتاء التالي جوابه من الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية السكرتارية الفنية بالأزهر، بواسطة صاحب الفضيلة الأمين العام لرابطة علماء المغرب الأستاذ العلامة عبد الله كنون. فأقول مستعينا بالله العلي العظيم راجيا أن يهديني سواء السبيل.
استفتاء في الحكمالشرعي للتأمين
الكاتب : الشيخ تقي الدين الهلالي
تحت هذه الترجمة جاءني الاستفتاءالتالي جوابه من الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية السكرتارية الفنية بالأزهر،بواسطة صاحب الفضيلة الأمين العام لرابطة علماء المغرب الأستاذ العلامة عبد اللهكنون.
فأقول مستعينا بالله العلي العظيم راجياأن يهديني سواء السبيل.
مقـدمة
قال الإمامالنووي في الأربعين: عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "إنالله فرض فرائض فلا تعتدوها، وحد حدودا فلا تقربوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكتعن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها" حديث حسن، رواه الدارقطنيوغيره.
قال الحافظ بن رجب الحنبلي في شرحهالمسمى (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم) ما نصه: هذا الحديثمن رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني وله علتان: إحداهما أن مكحولا لم يصح له السماععن أبي ثعلبة، كذلك قال أبو شهر الدمشقي، وأبو نعيم الحافظوغيرهما.
الثانية أنه اختلف في رفعه ووقفهعلى أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله: لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب،المرفوع، قال: وهو الأشهر. وقد حسن الشيخ هذا الحديث، وكذلك حسنه قبله الحافظ أبوبكر السمعاني في أماليه
.
وقد روى معنى هذاالحديث مرفوعا من وجوه أخر، خرجه البزار في مسنده، والحاكم من حديث أبي الدرداء رضيالله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال وماحرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسىشيئا، ثم تلا هذه الآية: {وما كان ربك نسيا} وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقالالبزار: إسناد صالح. وقد خرجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عنالنبي – صلى الله عليه وسلم – بمثل أبي ثعلبة وقال في آخره (رحمة من الله فاقبلوها) ولكن إسناده ضعيف.
وخرجه الترمذي وابن ماجهمن رواية سيف ابن هارون عن سليمان التيمي عبد أبي عثمان عن سلمان قال: سئل رسولالله – صلى الله عليه وسلم – عن السمن والجبن والفرا فقال : الحلال ما أحل الله فيكتابه والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفاعنه.
وقال الترمذي: رواه سفيان – يعني ابنعيينة – عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان من قوله، وكان أصح. وذكر في العلل عنالبخاري أنه قال في الحديث المرفوع: ما أراه محفوظا. وقال أحمد: هو منكر، وأنكرهابن معين أيضا. وقال أبو حاتم الرازي: هذا خطأ، رواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمانعن النبي – صلى الله عليه وسلم – مرسلا ليس فيه سلمان. قلت: وقد روى عن سلمان منقوله من وجوه أخر.
وخرجه بن عدي من حديثابن عمر مرفوعا، وضعف إسناده، ورواه أبو صالح المر عن الجريري عن أبي عثمان النهديعن عائشة، خرجه أبو داوود وأخطأ في إسناده، وروى عن الحسن مرسلا. و خرجه أبو داوودمن حديث ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعثالله نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهوحلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا قوله تعالى: (قل لا أجد في ماأوحي إلي محرما) الآية، وهذا موقوف. وقال عبيد بن عمير: إن الله عز وجل أحل الحلالوحرم الحرام، وما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهوعفو.
فحديث أبي ثعلبة قسم في أحكام اللهأربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها. قالأبو بكر السمعاني: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه، قال: وحكى عن بعضهمأنه قال: ليس في أحاديث رسوا الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد أجمع بانفرادهلأصول الدين وفروعه من حديث أبي ثعلبة. قال وحكى عن أبي وائلة المزني أنه قال: جمعرسول الله صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات، ثم ذكر جديث أبيثعلبة.
ثم قال ابن السمعاني: من عمل بهذاالحديث فقد حاز الثواب، وأمن من العقاب، لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقفعند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، أو وفى حقوق الدين،لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث. انتهى.
وقال الإمام ابن القيم في إعلامالموقعين ج1 ص 294 ما نصه: وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالىأن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو، عفا عنه لعباده مباح إباحة العفو، فلايجوز تحريمه ولا إيجابه، قياسا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزمرفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه، إذ المسكوت عنه لابد أن يكون بينه وبين المحرم شبهووصف جامع، أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه،ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسا على ما حرمه،وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلا لحكمه، وقد ذم تعالىمن بدل غير القول الذي أمر به، فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم. إهـ.
قال محمد تقي الدين الهلالي: قد اتضحمما تقدم أن عندنا قاعدة من أصول الفقه مبنية على نص المعصوم صلى الله عليه وسلم،وعلى البراءة الأصلية، فالأصل في كل العقود الإباحة حتى يقوم دليل على المنع، ولمالم أجد نصا في هذه المسألة عزمت على أن أقول فيها برأيي واجتهادي، فإن كان صوابافمن الله وحده، وإن كان خطأ فمني.
فكل عقدمن عقود التأمين صدق عليه حد الربا أو الميسر فهو حرام، ولو أطبق عليه أهل الأرض،من الأوروبيين وغيرهم. وكل عقد سلم من ذلك فيما يظهر لنا فهو مباح، وسأورد من ذلكأمثلة:
الأول: التأمين على الصحة: وهو أنيدفع طالب التأمين قدرا معلوما في كل شهر أو في كل سنة إلى شركة التأمين، على أنهكلما مرض يقوم المِؤمِّن – بكسر الميم – بدفع ما يحتاجه إليه من العلاج كله أو بعضهحسب الاتفاق. وحقيقة هذه القضية أن يتبرع جماعة من الناس، كل منهم بمبلغ من المال،ويرصد ذلك المال ليعالج به كل من مرض من الجماعة، ومن لم يمرض فلا شيء له. والربحالذي يبقى للشركة يكون أجرا للمشرفين عليها والعاملين فيها، ولا يظهر لي أن في هذاشيئا من الربا أو الميسر.
الثاني: التأمينعلى السيارات: من كانت له سيارة في بلد تفرض حكومته التأمين على كل سيارة، وأيسيارة وجدت بلا تأمين يعاقب صاحبها، يجوز لصاحب السيارة أن يدفع واجب التأمين، لأنهلا يتمكن من استعمال السيارة إلا بذلك، ولأن ذلك ليس بربا ولا ميسر. وإذا كانالتأمين تعويضا عن الخسائر التي تقع في المصادمات، أو احتراق السيارة، أو سرقتها،فكل ذلك تعاون محمود يدخل في قوله تعالى في سورة المائدة: {وتعاونوا على البروالتقوى} وإن كانت حكومة البلد لا تفرض ذلك، فهو جائز أو مندوب إليه بماتقدم.
الثالث: التأمين على احتراق مخازنالتجارة: متى جرت عادة أهل بلد بالتأمين على مخازن التجارة، والسفن التي تحملالبضائع، والبضائع المرسلة في القطار، أو في الجو، أو في السيارات، فكل من كانساكنا في ذلك البلد،ولم يدفع التأمين تكون بضاعته أو مخزنه أو سفينته عرضة للضياعمصادفة أو تعمدا، وكل ما أصابته جائحة يبقى وحده بلا معين، فهذا أيضاجائز.
ويدخل في ذلك من باب أخرى التأمينعلى ما يرسله الشخص في البريد و غيره لضمان سلامة وصوله، وإنما قلت من باب أخرى،لأنه داخل في عقود الإجارة.
الممنوع الذي يشبه القمار أو هو هو التأمين علىالحياة
إذا كان المؤمِّنيضمن لشخص أن يعيش زمانا معينا، كثمانين سنة في مقابل مال يأخذه منه مشاهرة مثلا،فإن عاشها فليس له شيء، وإن مات دونها أعطى ورثته ما يتفقان عليه، يظهر لي أن العقدفاسد لأن معرفة طول العمر وقصره لا يعلمها إلا الله، لأنها من مفاتيح الغيب الخمس،فأشبهت القمار على سباق الخيل، أو نزول القمر، وكذلك التأمين على البصر إذا لم يقصدالعلاج. بل قال المؤمِّن لطالب التأمين: تؤدي إلي مقدارا من المال منجما وأضمن لكصحة بصرك، فإن ذهب بصرك دفعت لك كذا وكذا من المال، سواء أوقع ذلك بعرض أو بحادث منالحوادث، فهذا العقد فاسد لأن المؤمِّن جاهل بما يصيب بصر طالب التأمين. ومثل ذلكيقال في التأمين على اليدين و الرجلين، والمعدة والقلب والدماغ و غير ذلك منالأعضاء، إلا أن يكون ذلك على سبيل العلاج كما تقدم. وأيضا، فإن هذه الأمور لا تدعوإليها ضرورة كما تدعو إلى القسم الأول المباح.
كتبت هذا وأنا كاره له خوفا من أن أحل ما حرم الله، أو أحرم ما أحل الله،فإن المفتي موقِّع عن الله، فهو على خطر عظيم حين يفتي برأيه والله يقول الحق وهويهدي السبيل.
كتبه العلامة تقي الدين الهلالي رحمه الله
المصدر http://akssa.info/hilali/play.php?catsmktba=102