إضافة أخرى للشيخ عبد الله عبد الرحيم البخاي -حفظه الباري-
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فشكر الله لأخينا الشيخ الدكتور أحمد بن عمر بازمول وفقه الله لكل خيرٍ، كتابته وبيانه، والشُّكر موصولٌ لِجميع الإخوة و بالْخُصوص فَضيلة الشّيخ الدكتور مُحمد ابن شيخنا الهُمام ربيع بن هَادي، حفظهما الله تعالى.
ثم لي تنبيهٌ وتذكير يَخصُّان المقام:
فالتَّنبيه هُو: ليُعلم أنَّ لكل قَومٍ وراثٌ، و غَالب المخالفين للحقِّ وأهله شُبههم - ويظنون أنَّها أدلة- وإن اخْتَلفت فِي أساليبها، إلاَّ أنَّ المضمونَ متِّفقٌ وواحدٌ؛ لأنَّ الموردَ وَاحدٌ، قالَ الإمام ابن القيّم في (الفوائد)(ص 106) بعد أن بيَّن مقالات الفرق المخالفة للسنة والكتاب في مسألة الإيمان قالَ:"..هم كما قال عمر بن الخطاب والإمام أحمد: مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب".
و ترى أهل الباطل بجميع صنوفهم وتوجُّهاتهم يتتابعون في جوابٍ واحدٍ على أهل الحقِّ، قال الإمام ابن القيم في (الفوائد)(38-39)واصفاً الحال السِّابقة- وهي كذلك في اللاحقة-:" لما قضى في القدم بسابقةِ سلمان عرج به دليل التَّوفيق عن طريق آبائه في التمجُّس، فأقبلَ يُناظرُ أباه في دين الشِّرك، فلمَا علاهُ بالحجة لم يكن له جوابٌ إلا القيد.
وهذا جوابٌ يتداوله أهل الباطلِ من يوم حرَّفوه، وبه أجاب فرعون موسى (لئن اتَّخذت إلهاً غيري)، وبه أجاب الجهمية الإمام أحمد لما عرضوه على السياط، وبه أجاب أهل البدع شيخ الإسلام حين استودعوه السِّجن.
وها نحنُ على الأثر..."، انتهى المراد.
فصبراً أهل الحقِّ صبراً، فإنَّما النَّصر صبرُ ساعةٍ،(ولينصرنَّ الله من ينصرهُ).
و أما التَّذكير: فقد كُنتُ كَتَبتُ ردَّاً علَى تَشْغِيبات الْمَأربي في ردِّي الموسَّع عليه المسمى بـ(الفتح الرَّباني في الرد على أبي الحسن السليماني)، والّذي نُشرَ فِي هَذه الشَّبكة المباركة- بإذن الله-، ثُمَّ طُبعَ طَبْعَتَان، أسألُ الله أنْ يَنفعَ بهِ، وَكانت وَقَفاتِي وَحِواري معهُ فِي ثَلاثَة ثَوابت مِنْ ثَوابت أهل السُّنَّة السَّلفيين، حَرصَ المأربي كُلَّ الْحرص عَلى زَعْزَعَتها فِي نُفُوس العامَّة والخاصَّة من أهل السنة السَّلفيين، ومنْها : (الثَّابتُ الثَّانِي: التَّثبت)، وكان مِمَّا تَناولته في بيانِ حَقيقةِ هَذا الثابت عند أهل السنة، وطرقِ تحقيقه عندهم أنْ قُلتُ - وسأنقل كلامي كاملاً وإن كان فيه شيءٌ من التَّطويل، فأرجو المعذرة؛ وذلك لأهميته ومناسبته للمقام-: " ثانياً: قبول خبر العدل الثقة.
إنَّ ميزانَ الأخبار عند أهلِ السُّنة ميزانٌ لا يطيشُ أبداً، فهو محكوم بكتاب الله عزوجل، وبسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وبما سارَ عليه السَّلف الكرام رضوان الله عليهم، ومِنْ ذَلك قبولُ خبر العدل الثِّقة الضَّابط لما ينقله. قال الله تعالى{ يا أيها الذين أمنوا إنْ جاكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أنْ تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.
(أ) قال الإمام القرطبي-لما عدد المسائل المتعلقة بالآية الكريمة-:"الثَّانية: في هذه الآية دليلٌ على قبول خبر الواحدِ، إذا كان عدلاً؛ لأنَّه إنَّما أمرَ بالتَّثبتِ عند نقل خبر الفاسق، ومِنْ ثبتَ فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً، لأنَّ الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها"(الجامع لأحكام القرآن)(16/312).
(ب) قال الحافظ ابن حزمٍ:" ليسَ في العالم إلا عدْلٌ أو فاسقٌ. فحرم تعالى علينا قبول خبر الفاسق، فلم يبق إلا خبر العدل. وصحَّ أنَّه هو المأمور بقبول نذارته،وأمَّا المجهول فلسنا على ثقةٍ من أنَّه على الصفة التي أمر الله تعالى معها بقبول نذارته،وهي التفقه في الدين؛ فلا يحلُّ لنا قبول نذارته حتى يصح عندنا فقهه في الدِّين، وحفظه لما ضبط عن ذلك وبراءته من الفسق، وبالله تعالى التوفيق"(المحلى)(1/51 ).
(ت) قال العلامة الألوسي:" استدل الحنفية بقوله تعالى{ إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا..} على قبول خبر المجهول الذي لا تعلم عدالته، وعدم وجوب التثبت؛ لأنها دلت على أن الفسق شرطُ وجوب التثبت، فإذا انتفى الفسق انتفى وجوبه-أي التثبت- وههنا قد انتفى الفسق ظاهراً، ونحن نحكم به، فلا يجبُ التثبت! وتعقب: بأنا لا نسلم أنه ههنا انتفى الفسق، بل انتفى العلم به، ولا يلزم من عدم العلم بالشيء عدمه، والمطلوب العلم بانتفائه،ولا يحصل إلا بالخبرة به، أو بتزكية خبيرٍ له"(روح المعاني)(26/146).
(ث) قال الحافظ الإمام ابن كثير:" يأمرُ تعالى بالتثبت في خبر الفاسقِ ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وارءه. وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين،ومن ها هنا امتنع طوائف من العلماء من قبول خبر مجهول الحال؛ لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنَّا إنما أُمرنا بالتَّثبت عند خبر الفاسق،وهذا ليس بمحقق الفسقِ؛ لأنَّه مجهول الحال"(تفسير القرآن العظيم)(4/223 ).
(ج) قال شيخ الإسلام ابن القيم مستنبطاً الفوائد المستفادة من حديث خزيمة بن ثابت، والذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه شهادة خزيمة بشهادة رجلين، الحديث فيه طول، أخرجه أبوداود والنسائي، :" ومنها: الاكتفاء بالشاهد الواحدِ إذا عُلم صدقه"( الطرق الحكمية)(76-77 ).
وقال في(فصل الطرق التي يحكم بها الحاكم) (فصلٌ: الطريق السَّادس. الحكم بالشاهد الواحدِ بلا يمين. وذلك في صورٍ:..-فعدَّد صوراً ثم قال- ومنها: قبول شهادة الشاهد الواحدِ بغيرِ يمينٍ في: التَّرجمةِ، والتَّعريفِِ، والجرحِ والتَّعديل، نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين عنه،وترجم له البخاري في صحيحه فقال (باب ترجمة الحكام،وهل يجوز ترجمانٌ واحدٌ؟..وقال بعض الناس: لابدَّ للحاكم من مُتَرْجِمَيْن) قلت[ أي ابن القيم]: هذا قول مالك والشافعي، واختيار الخرقي،والاكتفاء بواحدٍ قول أبي حنيفة، وهو الصَّحيحُ، لما تقدَّم،وهو اختيار أبي بكرٍ"( الطرق الحكمية)(ص131-132)، وينظر (اللمع في أصول الفقه) للشيرازي (ص 78).
وقال أيضاً:" فصلٌ: الطريق الحادي والعشرون. الأخبار آحاداً. وهو أن يخبره عدلٌ يثقُ بخبره ويسكن إليه، بأمرٍ فيغلبُ على ظنِّهِ صدقه فيه، أو يقطع به لقرينة به، فيجعل ذلك مستنداً لحكمهِ. وهذا يصلح للتَّرجيح والاستظهار بلا ريبٍ. ولكن هل يكفى وحده في الحكم؟ هذا موضع تفصيل:
فيقال: إمَّا أنْ يقترنَ بخبرهِ ما يفيد معه اليقين أم لا ؟ فإنْ اقترنَ بخبرهِ ما يفيد معه اليقين جازَ أنْ يحكمَ بهِ وينزَّلُ منزلةَ الشَّهادة، بل هو شهادةٌ محضةٌ في أصحِّ الأقوال. وهو قول الجمهور فإنَّه لا يشترط في صحَّةِ الشَّهادة ذِكْرُ لفظ (أشهد) بل متى قال الشاهد: رأيتُ كيتَ وكيت أو سمعت أو نحو ذلك: كانت شهادةً منْه. وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع واحدٌ يدلُّ على اشتراط لفظ (الشهادة) ولا عن رجلٍ واحدٍ من الصَّحابةِ ولا قياسٍ ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسُّنَّة وأقوالِ الصَّحابةِ ولغةِ العرب تنفي ذلك.
وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة،وظاهر كلام أحمد، وحكى ذلك عنه نصَّاً. قال تعالى {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أنَّ الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم} ومعلومٌ قطعاً أنَّه ليس المراد التلفظ بلفظة (أشهد) في هذا بل مجرد الإخبار بتحريمه وقال تعالى {لكن الله يشهد بما أنزل إليك }ولا تتوقف صحة الشهادة على أنه يقول سبحانه (أشهد بكذا)…-إلى أن قال- ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أنْ يقول الدَّاخلُ فيه (أشهد أن لا إله إلا الله) بل لو قال (لا إله إلا الله محمد رسول الله) كان مسلماً بالاتفاق. وقد قال صلى الله عليه وسلم( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله) فإذا تكلموا بقول: (لا إله إلا الله) حصلت لهم العصمة وإنْ لم يأتوا بلفظِ (أشهد)… فكل مَنْ أخبرَ بشيءٍ فقدْ شهدَ بهِ وإنْ لم يتلفظْ بلفظِ (أشهد)…قال شيخنا: فاشتراط لفظ (الشهادة) لا أصلَ له في كتابِ الله ولا سُنَّة رسولهِ، ولا قول أحدٍ من الصَّحابة، ولا يتوقف إطلاق لفظ (الشهادة) لغة على ذلك. وبالله التوفيق وعلى هذا فليس الإخبار طريقا آخر غير طريق الشهادة"( الطرق الحكمية)(202-204).
(ح) قال العلامة الشيخ عبدالرحمن بن سعدي:" وهذا أيضاً من الآداب التي على أولي الألباب التَّأدب بها واستعمالها، وهو: أنَّه إذا أخبرهم فاسقٌ بنبأ، أيّ خبرٍ، أنْ يتثبتوا في خبره، و لا يأخذوه مجرَّداً؛فإنَّ في ذلك خطراً كبيراً، ووقوعاً في الإثمِ، فإنْ خبره إذا جُعلَ بمنزلة خبرِ الصَّادق العدلِ، حكم بموجبِ ذلك ومقتضاه،فحصل من تلفِ النُّفوس والأموال، بغير حقٍّ، بسبب ذلك الخبر ما يكون سبباً للندامة،بل الواجبُ عند سماع خبر الفاسق التَّثبُّتُ والتَّبين. فإنْ دلَّتْ الدَّلائل والقرائنُ على صدْقهِ،عُمل به وصُدِّقَ، وإنْ دلَّت على كذبه؛كُذِّبَ ولم يُعْمل به، ففيه دليلٌ على أنَّ خبرَ الصَّادقِ مقْبولٌ،وخبرُ الكاذبِ مردودٌ، وخبرُ الفاسقِ متوقَّفٌ فيه"( تيسير الكريم المنان)(878).
(خ) قال الإمام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي:" وهي تدلُّ على عدم تصديق الفاسق في خبره، وصرَّح تعالى في موضوعٍ آخر بالنَّهي عن قبول شهادة الفاسق،وذلك في قوله{ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} ولا خلاف بين العلماء في ردِّ شهادة الفاسق وعدم قبول خبره. وقد دلَّت هذه الآية من سورة الحجرات على أمرين:
الأول منهما: أنَّ الفاسق إنْ جاء بنبأ ممكن معرفة حقيقته، وهل ما قاله فيه الفاسق حق أم كذب فإنَّه يجبُ فيه التَّثبتُ.
الثاني: هو ما استدل عليه بها أهل الأصول مِنْ قبول خبر العدل؛ لأنَّ قوله تعالى{إنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا } يدلُّ بدليل خطابه، أعني مفهوم المخالفة: أنَّ الجائي بنبأ إنْ كان غير فاسقٍ بل عدلاً، لايلزمُ التَّبين في نبئه على قراءة (فتبينوا)، ولا التَّثبتُ على قراءة(فتثبتوا)، وهو كذلك.
وأمَّا شهادة الفاسق فهي مردودة كما دلَّت عليه آية النور المذكورة آنفاً"(أضواء البيان)(7/626-627).
وأمَّا الإمام الحافظ شيخ المحدِّثين وأميرهم أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري (رحمه الله) فقد عقدَ كتاباً في (صحيحيه) بعنوان (كتاب أخبار الآحاد) ثم بوَّبَ بـ(باب ما جاء في إجازة خبر الواحدِ الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام)(13/231-فتح) وضمَّن الباب أدلة كثيرة فلتنظر. قال الحافظ ابن حجرٍ شارحاً التبويب:" المراد (بالإجازة): جواز العمل به والقول بأنه حجة، و(بالواحد) هنا حقيقة الوحدة، وأما في اصطلاح الأصوليين فالمراد به مالم يتواتر، وقصدُ التَّرجمة الرَّدُّ به على مَنْ يقولُ: إنَّ خبرَ الواحدِ لا يُحْتَجُّ بهِ إلاَّ إذا رواه أكثر من شخصٍ واحدٍ حتى يصير كالشهادة"(الفتح)(13/233).
وقال الحافظ ابن الصَّلاح الشهرزوري:" أجمعَ جماهير أئمة الحديث والفقه على أنَّه يشترطُ فيمن يُحتَجُّ بروايتهِ؛ أنْ يكونَ عدلاً، ضابطاً لما يرويه. وتفصيله: أنْ يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، سالماً مِنْ أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفَّلٍ، حافظاً إنْ حدَّث مِنْ حفظه، ضابطاً لكتابه إنْ حدَّث من كتابه، وإنْ كان يحدِّثُ بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أنْ يكونَ عالماً بما يحيل المعاني، والله أعلم"(علوم الحديث)(104-105)، وينظر (المنهل الروي) لابن جماعة(63 ).
لذا نجدُ الأئمة قدْ تعاملوا بما ينقله-سماعاً- الثقات الأثبات إليهم، وأخذوا به، فمن ذلك:
أ/ ما قاله البرذعيُّ: " كُنَّا عند أبي زرعةَ، فاختلف رجلان مِنْ أصحابنا في أمرِ داود الأصبهاني، والمزني،وهم: فضل الرازي وعبدالرحمن بن خراش البغدادي، فقال ابن خراشٍ: داود كافر، وقال فضل: المزني جاهلٌ، ونحو هذا من الكلام. فأقبل عليهما أبوزرعة يوبخهما، وقال لهما: ما واحد منهما لكما بصاحبٍ، ثم قال: مَنْ كانَ عنده علمٌ فلم يصُنْه، ولم يقبض عليه والتجأ في نشره إلى الكلام فما في أيديكما منه شيء، ثم قال: الشافعي رحمه الله لا أعلمُ أنَّه تكلَّم في كتبه بشيء من هذه الفضول الذي قد أحدثوه، ولا أرى امتنع عن ذلك إلاَّ ديانةً، وصانه الله لما أراد الله أنْ ينفذ حكمته، ثم قال: هؤلاء المتكلمون لا تكونوا منهم بسبيلٍ؛ فإنَّ آخر يرجع إلى شيءٍ مكشوفٍ، ينكشفونَ عنه، وإنَّما يتموَّه أمرهم سنةً أو سنتين ثم ينكشفُ -( قلتُ أنا عبدالله: وهذا حال جميعِ مَنْ تستر بالسُّنَّة ليُفسد أهلها، فما يلبث إلا ويكشف الله أمرَه، فينكشف للناس، كما هو حال المأربي،وأفراخه!! وليتهم يعتبرون)-، فلا أرى لأحدٍ أنْ يُناضلَ عن أحدٍ مِنْ هؤلاء؛ فإنَّهم يُهتكوا يوماً قيل لهذا المناضلِ: أنتَ مِنْ أصحابهِ، وإنْ طلبه هذا به، لا ينبغي لمن يعقلُ أنْ يمدحَ هؤلاء -( قلتُ: قارن أخي الكريم هذا التوجيه من هذا الإمام، بما فعله المأربي مع أناسٍ من الحزبيين ودفاعه عنهم ومدحه لهم، فهل يفعلُ هذا رجلٌ يعقلُ بعد بيان الحق له!!. )-، ثم قال لي: ترى داود هذا؟ لو اقتصرَ على ما يقتصرُ عليه أهل العلمِ لظننتُ أنَّه يكيد أهل البدعِ بما عنده من البيان، والآلة؛ ولكنَّه تعدَّى- (قلت: هذا حال مَنْ تعدَّى وظلم وتجاوز الحدَّ ورفع نفسه فوق منزلتها كالمأربي، فلو أنَّه سلك سبيل أهل العلم و استمرَّ في معرفة السُّنَّة والتتلمذ على علمائها لكان خيراً له، ولكنَّه لمَّا شابه سلفه كداود الأصبهاني، كشف الله خبيئته!! وما ربك بظلامٍ للعبيد!) - ، لقد قدِمَ علينا من نيسابور فكتبَ إليَّ محمد بن رافع ومحمد بن يحيى وعمرو بن زرارة وحسين بن منصور ومشيخة نيسابور بما قد أحدثَ هناك-(قلت: لاحظ هذا الجمع من الأئمة ممن كتبَ في أمر داود! وهل يصح أنْ يتواطؤا على إلصاق فرية بداود!! كلاَّ، علماً بأنَّ منزلتهم في العلم لا تخفى على مثل أبي زرعة، فلم يرُد كلامهم ولم يطعن فيهم وفي أخبارهم، ولم يدَّعي أنَّ مادة أخبارهم من السِّكك والشَّوارع أو أنَّ نقلة الأخبار لهم مآرب ومقاصد، أو أنَّ من صدق منهم فقد ينقل ما فهم لا ما سمعَ، أو يكون قد فهم لكنه لا يحسنُ التعبير، وهكذا في سلسلةٍ من الطُّعون في نقلة الأخبار يتمثلها المأربي تشكيكاً في حملتها!! فأين صنيع أبي زرعة مِنْ صنيعِ أبي الحسن، ويا شتَّان ما بينهما!!)-.
فكتمتُ ذلك لَمَّا خفتُ عواقبهُ -( قلت: هذا هو السَّبب الذي مِنْ أجله كتمَ الرازي ما كُتِبَ إليه في أمر داود، لا أنَّه كذبهم أو طعنَ في أخبارهم!!. )-،ولم أُبْدِ له شيئاً مِنْ ذلك، فقدمَ بغداد وكان بينه وبين صالح بن أحمد حسنٌ، فكلَّم صالحاً أنْ يتلطَّفَ له في الاستئذان على أبيه، فأتى صالح أباه، فقال له: رجلٌ سألني أنْ يأتيكَ؟ قال:ما اسمه؟ قال: داود، قال: مِنْ أين؟ قال: مِنْ أهل أصبهان، قال: أي شيءٍ صناعته؟ قال: وكان صالح يروغ عن تعريفه إياه؟ فما زال أبوعبدالله (رحمه الله) يفْحَصُ عنْه حتى فَطِنَ، فقال: هذا قدْ كتبَ إليَّ محمد بن يحيى النيسابوري في أمْرِهِ: أنَّه زعمَ أنَّ القرآن محدَثٌ، فلا يقربني. قال: يا أبتِ إنَّه ينتفي من هذا، وينكرهُ، فقال أبو عبدالله أحمد: محمد يحيى أصدق منه، لا تأذن له في المصير إليَّ"( الضُّعفاء) لابي زرعة (2/551-555) من رواية البرذعي عنه، وأخرجه - من طريق البرذعي- الخطيب في (تاريخ بغداد)(8/373-374).
فهذا فالإمام أبوزرعة الرازي يحكي هذا الكلام عن الإمام أحمدَ مقرِّراً له لا ناقداً؛ بدليل سياقه له في هذا المقام، ولم يتعقبه بشيءٍ.
وللفائدة أقولُ: إنَّ الإمامَ أحمد يُقَدِّرُ الإمامَ الذُّهلي جدَّاً، فقال محمد بن سهل بن عسكر :" كنا عند أحمد بن حنبل إذْ دخلَ عليه محمد بن يحيى، فقامَ إليه وقرَّب مجلسهُ وأمرَ بنيهِ وأصحابهِ أنْ يكتبوا عنه"( تاريخ بغداد)(3/416 ).
ووردَ أبو عمرو المستملي بغداد فقدم على أحمد بن حنبل، فقال له: من أين أنت؟ قال: من نيسابور. قال أبو عبدالله محمد بن يحيى له مجلسٌ؟ قلتُ: نعم، قال: لو أنَّه عندنا لجعلناه إماماً في الحديث"(السير)(12/280).
قال فيه الذهبي:" كانت له مهابة عجيبة بنيسابور مِنْ نوعِ جلالةِ أحمد في بغداد، ومالك في المدينة"(السير)(12/274 ).
ب/ ما رواه عبدالله بن الإمام أحمد عن أبيه قال: حدَّثنا عارم بن الفضل أبو النعمان قال: سمعتُ حماد بن زيدٍ يقول:" سمعتُ هشام بن عروة ، وذكر حديث الأبق يقطع، قال: لم أسمع من أبي، ولكنْ حدثني به العدل الرِّضا الأمين على ما تغيَّبَ عليه: يحيى بن سعيد الأنصاري"(العلل ومعرفة الرجال)(1/رقم 259/375).
ولا زال الأمر كذلك حتى عصور الأئمة المعاصرين، فمثلاً:
(أ) قال الإمام الألباني (رحمه الله)لما تكلَّم عن جماعة التبليغ وأنَّها جماعة منحرفة عن السُّنَّة-وقد تقدم نقل كلامه-قال:"..فدعوة جماعة التبليغ: صوفية عصرية تدعو إلى الأخلاق، أمَّا إصلاح عقائد المجتمع فهم لا يحركون ساكناً؛ لأنَّ هذا-بزعمهم-يُفرِّق. وقدْ جرت بين الأخ سعد الحصين وبين رئيس جماعة التبليغ في الهند أو في باكستان مراسلات، تبين منها أنهم يقولون بالتوسل والاستغاثة وأشياء كثيرة من هذا القبيل، ويطلبون من أفرادهم أن يبايعوا على أربعة طرقٍ: منها الطريقة النقشبندية، فكل تبليغي ينبغي أنْ يبايع على هذا الأساس"( الفتاوى الإمارتية)(س 73 ص 38) نقلاً عن كتاب (كشف الاستار) للعريني (ص64 ).
(ب) قال العلامة حمود التويجري(رحمه الله) -بعد حكمه على جماعة التبليغ بالبدعة والضلال-:" وقد ذكرَ العلماءُ العارفونَ بجماعةِ التَّبليغِ كثيراً ممَّا هم عليه مِنَ البدعِ والخرافاتِ و الضَّلالاتِ وأنواعِ المنكراتِ وفسادِ العقيدةِ، و لا سيما في توحيد الألوهيَّةِ؛ فهم في هذا البابِ لا يزيدون على ما كان عليه أهلُ الجاهلية الذين بُعثَ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "( القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ)(ص8).
وقال:" وقد ذكرَ بعض العلماء عن التبليغيين نوعاً آخرَ من الذكر، وهو أنَّهم يكررون كلمة(لا إله) ست مئة مرَّة، ثم يكررون كلمة( إلاَّ الله) أربع مئة مرة. وذكر آخر عن عددٍ كثير من الرجال أنهم سمعوا جماعة من التبليغيين الهنود وهم في بيتٍ "(المصدر السابق/ص9 ).
و قال:" ومما ذكره بعض العلماء عن التبليغيين أيضاً أنَّ رجلاً من طلبة العلم خرج معهم.."(المصدر السابق/ ص10 ).
وقال" وذكر بعض العلماء عن التبليغيين أنهم يعتنون بالقصيدة التي تسمى بالبردة .."(المصدر السابق/ ص11 ).
وقال"وقد ردَّ كثيرٌ من العلماء على التبليغيين، وبينوا أخطائهم وضلالاتهم وخطرهم على الإسلام والمسلمين..وبعض الذين ردُّوا على التبليغيين قد صحبوهم سنين كثيرة،وخرجوا معهم في سياحاتهم التي هي مِنْ محدثات الأمور.."( المصدر السابق/ ص 322-23 ) وغير ذلك كثير في كتاب الشيخ التويجري (عليه رحمة الله).
(ج) العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان(حفظه الله) فقال مبيناً ضلال وانحراف جماعة التبليغ عن منهج أهل السُّنَّةِ:" والمقصود أنَّ جماعة التبليغ جماعة شغلت الناس في هذا الزَّمان ،وهي جماعةٌ ضالةٌ في معتقدها ومنهجها ونشأتها كما وضَّح ذلك الخبيرون بها ، مما تواتر عنهم مما لا يدع مجالاً للشك في ضلال هذه الجماعةِ وتحريم مشاركتها ومساعدتها والخروج معها، فيجبُ على المسلمين الحذرُ منها والتحذير منها"(مقدمة الشيخ لكتاب كشف الاستار عما تحمله بعض الدعوات من أخطار) للعريني (ص7 ).
وقال أيضاً (حفظه الله) مجيباً على سؤال سائلٍ:" وإنَّما يجبُ على أهل هذه البلاد التَّمسُّكُ بما همْ عليهِ من دعوةِ الحقِّ ونبذِ ما خالفَ ذلك، مِنْ أيِّ جماعةٍ، سواء جماعة التَّبليغ أوْ غيرها من الدَّعواتِ المشبوهة، وجماعة التَّبليغ قد قيلَ عنها الكثير والكثير من المخالفاتِ والبدعِ، كما بيَّنَ ذلكَ أُناسٌ عايشوها وصحبوا أهلها وعرفوا ما عندهم،وبينوا أنَّ منهج هذه الدَّعوة مخالفٌ لمنهجِ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنَّها دعوة صوفية بدعية،.."( المصدر السابق/ ص67).
قارن أخي القارئ الكريم بين أجوبة المشايخ الثلاثة (الألباني والتويجري والفوزان) حول هذه الجماعة تجد أنَّها تخرجُ مِنْ مشكاةٍ واحدةٍ، ألا وهي مشكاةِ السَّلفيَّة الحقَّة!.
واعتماد أهل العلمِ على نقول وأقوال العدول الثقات في القديم والحديث كثيرة جدِّاً، وهو مسلكٌ سُنِّيٌّ لا يشُذُّ عنه إلاَّ أحدُ رجلين:
إمَّا جاهلٌ؛ فهذا يلزم الصَّمتَ حتى يتعلم.
وإمَّا صاحبُ هوى منحرفٌ؛ فهذا نسأل الله له الهداية أو أنْ يقصم ظهره" انتهى.
فالله أسأل أن يحفظ هذه الدعوة من كيد الكائدين ودس المندسِّين، وطيش الطائشين وافتراء المفترين، إنَّه جوادٌ كريم، وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم.