
03-11-2011, 07:19 PM
|
|
موقوف - هداه الله -
|
|
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 1,340
شكراً: 0
تم شكره 33 مرة في 31 مشاركة
|
|
تنبيهات على رسالة الشّرك ومظاهره للشيخ مبارك بن محمّد الميلي رحمه الله بقلم: الشَّيخ مصطفى بلحاج الجزائري
تنبيهات على رسالة الشّرك ومظاهره للشيخ مبارك بن محمّد الميلي رحمه الله
بقلم:
الشَّيخ الفاضل مصطفى بلحاج الجزائري وفقه الله
طالب في مرحلة الدكتوراه
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض
إنَّ الشَّيخ مبارك الميلي رحمه الله قد اعتنى في كتابه "رسالة الشرك و مظاهره" ببيان التَّوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، وبيَّن الشّرك الأكبر المنافي لأصل التَّوحيد، و الشِّرك الأصغر المنافي لكماله وبيَّن أيضا الذَّرائع و الوسائل المقرِّبة إلى الشِّرك أو الموصلة إليه، و البدع القادحة في التَّوحيد، والمعاصي المنقصة لثوابه. وقد أجمع مجلس إدارة جمعيَّة علماء الجزائر- رحمهم الله – في عصرهم على محتوى هذا الكتاب.
وقامت الجامعة الإسلاميّة بالمدينة النّبويَّة بطبعه لما رأت فيه من فائدة ، وهذه الطّبعة خالية من بيان درجة الأحاديث ، وبيان ما يشكل،ونحوه.
ثمّ قام الشَّيخ الفاضل أبوعبد الرَّحمن محمود بتحقيق الكتاب تحقيقا علميّا بذل فيه جهدًا مشكورًا فجزاه الله خيرا، غير أن العمل البشري لا يسلم من الخلل إلَّا من عصمه الله، وقد وقع في الكتاب بعض الأخطاء من مؤلفه، وفات الشَّيخ محمودًا – حفظه الله –التّنبيه عليها، فأحببت أن أنبّه على بعض ما تيسَّر لي الآن باختصار يقتضيه المقام؛ نصحا لإخواني.
ولا يخفى ما يترتَّب على هذه النصيحة من مصلحة شرعية تعود على الشّيخ الميلي نفسه؛ حيث لا يُتابع على هذه الأخطاء؛ وتعود أيضًا على غيره من طلبة العلم ليتجنبوا هذه الأخطاء وخاصة أن الكتاب قد انتشر بين النّاس، بل هناك من يدرّسه في بعض الحلقات.
و الله أسأل أن يعصمنا من الزَّلل، وأن يوفقنا للتمسُّك بالكتاب و السنّة على فهم سلف الأمّة.
وإليك المواطن المراد بيانها:
- الموطن الأوّل:
قال الشيخ الميلي رحمه الله في (ص 262):"معنى المحبة في القرآن: وقوله تعالى{فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه} المائدة : 54، فمحبة الله تعالى للعبد إنعامه عليه، ومحبة العبد له طلب الزلفى لديه.
وقوله تعالى:{إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين}" البقرة :122 "،أي يثيبهم وينعمعليهم...هذا كلام الرّاغب، وقد وضعنا نقطا للدّلالة على أنًّا حذفنا من أثنائه ما لم نر نقله" انتهى.
أقول و بالله التّوفيق: قول الشّيخ الميلي رحمه الله:(محبة الله تعالى للعبد إنعامه عليه ) وقوله في الموطن الثاني: (يثيبهم وينعم عليهم) فيه تأويل لصفة المحبّة، والصواب أن المحبة على ظاهرها ، وهو مذهب أهل السنة؛ فإنهم يثبتون لله تعالى محبة حقيقيةً تليق به، وهي من الصفات الفعليّة الاختياريّة المتعلِّقة بمشيئته سبحانه و تعالى، وكذا القول في جميع ما ورد في الكتاب و السنة من الصفات، فنثبتها لله تعالى ولا نؤولها تأويلات الأشاعرة وغيرهم ، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة في "مجموع الفتاوى" (5/195) : (ومذهب سلف الأمة و أئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه و سلم، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، فلا يجوز نفي صفات الله تعالى التي وصف بها نسفه، ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين، بل هو سبحانه { ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير} ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله" انتهى.
وقال في كتاب "التدمريّة" (ص31-32) في مناقشته لمن يثبت سبع صفات فقط وهم الأشاعرة: "فإن كان المخاطب ممن يقول: بان الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كلُّه حقيقة، وينازع في محبتّه و رضاه وغضبه وكراهيتّه، فيجعل ذلك مجازا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم و العقوبات.
قيل له :لا فرق بين ما نفيته و بين ما أثبته،بل القول في أحدهما كالقول في الآخر.
فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبّته ورضاه وغضبه، وهذا هو التّمثيل، وإن قلت: إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به و للمخلوق محبة تليق به، وله رضا و غضب يليق به، وللمخلوق رضا و غضب يليق به.." انتهى.
وقد نقل الشيخ الميلي رحمه الله كلام الراغب في معنى المحبّة مقراّ له، كما هو واضح من السياق، وحذف من كلامه ما لم ير نقله، فقال: " وقد وضعنا نقطا للدلالة على أناّ حذفا من أثنائه ما لم نر نقله" انتهى، فدلّ ذلك على انه ارتضى كلام الرّاغب، والله أعلم.
ـ الموطن الثاني:
قال الشيخ الميلي رحمه الله في (ص314):
"التوسُّل بالجاه شرك أو ذريعة إليه: والذي نقوله: إن هذا الضرب من التوسُّل، إن لم يكن شركا فهو ذريعة إليه،وإنَّ الحكم فيه ينبغي أن يفصَّل على وجه آخر، وهو أن يسلم هذا التوسُّلُ للعالم بالتوحيد وما ينافيه، حتى لا يخشى عليه من الشّرك، وأن يحذر منه الجاهل المتعرّض لمزالق الشّرك الخفيف إلى دواعي الوثنيَّة؛ خشية أن يعتقد أن لأحد حقا على الله في جلب النَّفع أو دفع الضَّر، وأنّ الصالحين مع الله تعالى كالوزراء مع الملوك، يحملونهم على فعل ما لم يكونوا مريدين لفعله، ومن اعتقد هذا فقد وقع في صريح الشّرك وجعل إرادة الله حادثة تتأثّر بإرادة غيره و علمه حادثا يتغير لعلم المخلوق.
التفرقة بين الجاهل و العالم في مقام الاحتياط:
..وسند هذه التَّفرقة ما رواه مسلم و أبو داود و النسائي،أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم سمع خطيبا يقول: من يطع الله و رسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له الله صلى الله عليه و سلم: "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله و رسوله"، فأنكر صلى الله عليه و سلم على الخطيب الجمع بين الله و رسوله في ضمير واحد، وثبت عنه صلى الله عليه و سلم الجمع بينهما في عدَّة أحاديث، منها: ما أخرجه أبو داود من قوله صلى الله عليه و سلم: "من يطع الله و رسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضرُّ إلاَّ نفسه". انتهى
و قال في(ص396):" وفي تفصيل القرطبي[1] واستحسان الحافظ له شهادة أخرى لتفرقتنا في التوسُّل (بالذات و الجاه) بين العالم و الجاهل" انتهى.
أقول و بالله التّوفيق:أجاز الشّيخ الميلي رحمه الله التوسُّل بجاه النّبيّ صلى الله عليه و سلم وذاته للعالم بالتَّوحيد! لأنَّه لا يُخشى عليه كما يخشى على الجاهل من التَّعرُّض لمزالق الشِّرك.
وفيه نظر من وجوه:
الوجه الأوَّل: الصَّحيح أنَّه لا فرق بين العالم والجاهل في الأحكام الشَّرعية.
الوجه الثّاني:الحديث الثاني الذي استدلَّ به الشيخ الميلي – وفيه الجمع بين الله و رسوله صلى الله ليه و سلم في لفظ واحد – منكر لا يثبت به حكمٌ شرعيٌ، فقد أخرجه أبو داود في"السنن" (1097)، والطبراني في "الكبير" (10499) وفي "الأوسط" (2530)، و البيهقي في "السُّنن الكبرى" (13608) من طريق عمران، عن قتادة، عن عبد ربّه، عن أبي عياض، عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا.
وهذا الحديث فيه علّة وهي تفرُّد عمران بن داور القطَّان عن قتادة، وقد أشار الطّبراني إلى ذلك بقوله " لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلاَّ عمران". انتهى
وبهذا أعلَّه المنذري، وابن القيّم، وابن الملقِّن وزاد أمرا آخر وهو جهالة عبد ربّه [2].
وعلى فرض ثبوت الحديث فليس فيه حجَّة على التَّفرقة بين العالم و الجاهل؛ لأنَّ في ذلك وصفاً للصحابي بالجهل، ولا يخفى بطلانه؛ بل الصحابي لا يتصدَّى للخطابة إلّا وهو أهلٌ لذلك، وكونه أخطأ في مسألة لا يخرج بذلك عن دائرة أهل العلم.
الوجه الثَّالث: الصحابة رضي الله عنهم هم أعلم النَّاس برسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يثبت عن أحد منهم أنَّه توسَّل بجاهه صلى الله عليه و سلم ولا بذاته، بل كانوا يطلبون منه الدعاء في حياته فيدعو لهم فلمَّا توفّي النبيُّ صلى الله عليه و سلَّم لم يتوسَّلوا بذاته ولا بجاهه، بل توسَّلوا بدعاء العبَّاس رضي الله عنه، كما في"صحيح البخاري" (964) عن أنس رضي الله عنه: " أن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان إذا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بالعبَّاسِ بن عبد المُطَّلب فقال: اللهم إنَّا كنا نتوسَّل إليك بنبيّنا فتسقينا و إنا نتوسَّل إليك بعم نبيِّنا فاسقنا، قال: فيُسْقَوْنَ"، فلو كان التَّوسُّل بجاه النبي صلى الله عليه و سلم و ذاته جائزًا لما عدلوا عنه إلى من هو دونه في الفضل.
قال ابن تيمية رحمه الله في "قاعدة جليلة في التوسُّل و الوسيلة" (ص279) : " عَلِم الصَّحابة أنَّ التوسُّل به صلى الله عليه و سلم إنَّما هو التوسُّل بالإيمان به و طاعته و محبته وموالاته، أو التَّوسُّل بدعائه وشفاعته، فلهذا لم يكونوا يتوسَّلون بذاته مجرَّدة عن هذا وهذا، فلمَّا لم يفعل الصَّحابة – رضوان الله عليهم – شيئًا من ذلك، ولا دعوا بمثل هذه الأدعية، وهو أعلم منَّا، و أعلم بما يجب لله ورسوله، وأعلم بما أمر الله به و رسوله من الأدعية، وما هو أقرب إلى الإجابة منا، بل توسَّلوا بالعبَّاس رضي الله عنه و غيره ممَّن ليس مثل النبي صلى الله عليه و سلم، دلَّ عدولهم عن التَّوسُّل بالأفضل إلى التَّوسُّل بالمفضول أنَّ التّوسُّل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنًا" انتهى.
الوجه الرَّابع: أن التّوسُّل عبادة، والعبادات توقيفيَّة، فلا تكون بالرَّأي و القياس، كما ذكره الشَّيخ الميلي نفسه.
الوجه الخامس: أنَّ العالم بالتَّوحيد هو أشدُّ النَّاس احتياطا لأمر دينه؛لأنَّ علمه بالله يورثه الخشية منه سبحانه و تعالى، وكلما كان المرء بالله أعلم كان أكثر له خشية، وخشية الله تعالى توجب له الابتعاد عن وسائل الشِّرك و ذرائعه، بل توجب له البعد عن منقصات ثواب التوحيد، قال الله تعالى : { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء}"فاطر :28" و الرَّاسخون في العلم يخافون أن تزيغ قلوبهم عن الحق، قال الله تعالى : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}"آل عمران :8"، وذلك لأنّهم علموا أنَّهم معرَّضون للابتلاء ، قال تعالى :{ليبلوكم أيُّكم أحسن عملا}"هود:7"، ولم يأمنوا مكر الله، قال عزَّ وجلَّ:{فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}" الأعراف:99"، فلو بلغ المرء من العلم ما بلغ، فليس هو على يقين من السَّلامة، والخلاصة أنَّ هذه التفرقة بين العالم و الجاهل في مسألة التوسُّل بجاه النبي صلى الله عليه و سلم وذاته[3] لا وجه لها في الشَّرع، والله أعلم.
|