بسم الله الرحمن الرحيم
الرد على كلام الأخ الحسيني
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبيه وعبده، الشافعِ الشفاعةَ العظمى يوم حشره، والمستوجب كل فضيلة لعظيم قدره، وعلو منزلته، في الدنيا والآخرة، وفي أرضه وفوق عرشه، نبي الرحمة وعلم الهدى وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
وفق الله أخي الفاضل الشريف أبا الحسين الحسيني الهاشمي –ورزقننا الله حبه الشرعي لقرابته من النبي الأمي صلى الله عليه وسلم- على جهده الكبير ونظره الجميل فيما نقلته له من كلام أهل العلم السالفين من القول بصحة الفضيلة المذكورة في أثر مجاهد –رحمه الله-، وفي حقيقة الأمر فإن الكلام الذي سقته أخي الكريم على جودته وصحة نقله عمَّن ذكر عنه، إلا أن لي فيه مناقشات عديدة أصولية وحديثية، وأبدأ بمناقشة ما أشرت أليه نقطة نقطة، وغرضي من هذا أن نُعمل الأصول في فهمنا لهذه المسألة الدقيقة التي يراد بنقل كلام أهل العلم فيها ردُّ ما ثبت في الصدر الأول الاتفاق على صحته من ثبوت هذه الفضيلة، فأقول وبالله العلي العظيم أتأيد:
قولك: ( إن جمهور أهل العلم على أنه الشفاعة ) : من هم هؤلاء الجمهور ؟ هل هم أهل القرون الأولى أم هم ممَّن بعدهم ؟، وهل كل ما ذهب إليه الجمهور من القول يكون ما خالفه باطل؟ أقول: اللهم لا. فكم من قولٍ للجمهور خالفه أهل الإسلام، بل وعملوا خلافه، والأمثلة كثيرة في معارضة العلماء لقول الجمهور..
أما قولك : ( ثبوت حكم شرعي لا يتم إلا بالدليل الصحيح الصريح . فكيف وقول مجاهد لا سند له والطبري الذي نقله ليس من أئمة الحديث كما هو معلوم ولم يذكر لنا سندا وما ثبت عنه ذلك فهو من طريق الليث بن أبي سليم وفيه مقال معروف عند أهل الحديث ) : فلي معه ثلاث وقفات:
الأولى: أن الأحكام الشرعية لا يكون ثبوتها إلا بالدليل الصحيح الصريح، غير مسلم القول به وذلك لأنني أعارضه بأبسط مثال يحضرني وهو الحديث –الضعيف- المشهور في طهورية الماء ما لم يتغير (طعمه أو لونه أو ريحه)، فهل عندك أخي الفاضل دليل (صريح صحيح) يثبت أن الماء يفقد الطهورية إذا فقد إحدى هذه الأوصاف؟ ودعني أجيبك عن هذه، فأقول لم يثبت حديث صحيح صريح إطلاقًا فضلًا عن آية تدل على هذا الأمر، بل كلُّ ما هنالك دليل صريح غير صحيح، وهو حديث أبي أمامة الباهلي –رضي الله عنه-قال قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-«إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه»، فأكون قد أجبت عن هذه.
والوقفة الثانية: مع قولك أنَّ أثر مجاهد لا سند له -!- وهذا عجيب منك –وفقني الله وإياك- وأنت الذي نقل عن الذهبي –رحمه الله- أنَّ له خمسة طرق، هذه واحدة. والأخرى: أن المروذي قد صنَّف فيه مصنَّفًا، أفيكون المروذي ذكره في مصنفه أجذم لا سند له؟!
والثالثة من الوقفات: وهي قولك: وما ثبت عنه ذلك فهو من طريق الليث بن أبي سليم وفيه مقال معروف عند أهل الحديث، فأقول نعم فيه كلام عند أهل الحديث، والسؤال هنا، هل كل من تُكلم فيه عندهم مطروحٌ حديثه؟ هذه تعرف إجابتها أنت، وذلك أنَّ الضعف المعروف في راوٍ ما، لا يعني أنَّ كل ما يُحدث به غير صحيح، وحتَّى لو كان متَّهما بسوء الحفظ كحال الليث هذا، وزد على ذلك ما ذكره بعض النقاد من أنه اختلط بأخرة، لكن علينا أن نرى وبعين الإنصاف ماذا قال أهل زمانه ومن بعدهم –ممن هم قريبون عهد به- في روايته هذه، هل تركوها وشنعوا على القائل بها لأنها مروية من طريقه؟ أو هل ذكرها أحد في كتب العلل وقد ملئت الدنيا زمانهم، ثمَّ ماذا نقول في تصحيح الأئمة -ممن سأنقل لك عنهم ذلك- لهذا الحديث؟
أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات لنستطيع الوقوف على الحالة التي روي بها هذا الحديث في ذاك الزمن.. ومن ثمَّ استخلاص الحكم عليه وعلى ما يحويه من العقيدة..
وأنبِّه هنا إلى أنني أرى فساد منهج المليبارية الذين يفرقون بين مذهب المتقدمين والمتأخرين من العلماء، وقد ردَّ عليهم علماؤنا بما كفانا مؤونة الكلام عن مذهبهم الرديء = (المسقط لجهود علماء الحديث على مر الزمن).
ونعود لما كنَّا فيه من مناقشة مقالتك الآنفة الذكر فأقول:
قد روى الأئمَّة الثقات وأخصُّ بالذكر منهم البخاريَّ ومسلم أحاديث تلقتها الأمَّة بالقبول عن خلق ممن تُكلم فيهم بله ممَّن وصفوا بالبدعة –ولي فيمن روى عنه المحدثون وهو موصوف بالبدعة جزء صغير كنت قد جمعته من كتاب تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر رحمه الله- فما ردَّ العلماء روايتهم عنهم بل قبلوها وإن كان مدار طرقها على هذا الراوي الضعيف، وأضرب مثلا قبولهم لحديث الإمام مسلم والذي فيه زيادة (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)، وأنت توافقني أنه قد ردَّها أئمة ولم يُلتفت إلى قولهم مع وجاهته من جهة الصناعة، فكان ماذا؟
إنَّ مذهب كثير من العلماء أنَّ الراوي الضعيف إذا روى عنه جمع من الثقات فإنَّ حديثه مقبول غير مردود إن لم يكن فيه مخالفة شرعية تُتَّقى، ومن هؤلاء العلماء من عارض صحة هذا الأثر عن مجاهد مع أنَّ مذهبه ما قُلت آنفا ألا وهو الشيخ الألباني رحمه الله، فقد قرر أنَّ رواية ثقة –واحد!- أو جمعٍ عن راوٍ تنفعه، فاسمع لقوله –رحمه الله – وهو يرد على الشيخ بكر أبي زيد –رحمه الله- فنقل عن الذهبي رحمه الله قوله في ترجمة مالك بن الخير الزيادي: "محله الصدق.." ثم ذكر من روى عنه وقال: " قال ابن القطان : هو ممن لم تثبت عدالته ... والجمهور على أنَّ من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما يُنكر عليه أنَّ حديثه صحيح" [ !! ].
قال الشيخ ناصر : وأقرَّه على هذه القاعدة في "اللسان" ... وبناءًا على هذه القاعدة –التي منها كان انطلاقنا في تصحيح الحديث- جرى الذهبي والعسقلاني وغيرهما من الحفاظ في توثيق بعض الرواة الذين لم يُسبقوا إلى توثيقهم مطلقًا [!]" اهـ مختصرًا. وانظر : "تمام المنة" (ص:204-206).
أمّا الراوي عن ليث وهو محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبى مولاهم ، أبو عبد الرحمن الكوفي فقد روى له : البخاري ، ومسلم، وأبو داود ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وهو كما قال الحافظ : "صدوق عارف رمي بالتشيع"، وقال الذهبي : "ثقة شيعي".، وقال في كتابه : "من تكلم فيه وهو موثق": "محمد بن فضيل بن غزوان (ع) شيعي صدوق. قال أبو حاتم: "كثير الخطأ"، وقال ابن سعد: "بعضهم لا يحتج به".اهـ . وذكر الذهبي له في هذا الكتاب يدل على توثيقه، فإن قيل: إنه أيضًا فيه مقال قلنا قد روى عنه الأثر المشهور عن مجاهد خلق منهم:
علي بن الحسن بن سليمان، وعثمان بن عبدالله بن محمد بن ابراهيم ابن أبي شيبة، وأبوه أبو بكر ابن أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى الرازي، والعلاء بن عمرو، وهارون بن معروف، والوليد بن شجاع، وأبو الهذيل، وعثمان بن محمد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وواصل بن عبدالأعلى، وعبيد بن يعيش، وجعفر بن محمد الحداد، ويحيى بن عبد الحميد، وضرار بن صرد، ومحمد بن بكير، ويحيى بن حسان،وإسحاق بن راهويه، وعلي بن بحر الفلاس، وخلق آخرون.
ورواية هؤلاء عن ابن فضيل ثابتة لا إشكال فيها، وأمَّا الرواة عن ليث فهم: محمد بن فضيل (تقدم توثيقهم له)، وداود بن عليَّة، والمطلب بن زياد (وثقه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم : لا يحتج به)، وجعفر الأحمر( هو ابن زياد الكوفي، صدوق يتشيع).
فهذه طرق عن ليث ليس فيها متروك ولا وضاع حتَّى نطرحها ولا نقبل روايتهم عن ليث هذا، وأكتفي بهذا هنا ولي عودة مع الكلام على هذا الأثر، فالله المستعان، وعليه التكلان..
وأمّا قولك: ( ورد عن مجاهد من رواية عبد الله بن يسار (ابن أبي نجيح ) أن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى؛ وهو يوافق مذهب الجمهور وابن أبي نجيح وثقه الذهبي في الميزان4 / 231 وغيره. وأما بيده لواء الحمد فلا تنافي مع القول الأول كما ذكر الشوكاني)، فأقول: وهذا لا ننكره لا من قول مجاهد ولا من قول غيره بل لا ينكره إلا غُمر جاهل ليس له مُسحة من علم، وهو لا تنافي فيه مع ما رواه من أن المقام هو الإقعاد على العرش، إذ أننا أصلًا نقول به بدليل ما صح عنه صلى الله عليه وسلم مما نقلته أنت وفقك الله، وبالله تعالى نتأيد.
وأمّا قولك: ( وأما قول أبي داود:" ما زال الناس يحدثون بهذا يريدون مغايظة الجهمية؛ وذلك أن الجهمية ينكرون أن على العرش شيء". فلا أظن و لا تظن أن الأحكام الشرعية تثبت بمثل هذا بمغايضة الجهمية)، فأقول: وأنت تتفق معي أنه ليس في كلام أبي داود الآنف الذكر أنَّ مغايظة الجهمية دليل تثبت به الأحكام الشرعية، وإنما قدَّم -رحمه الله- القولَ بأنَّ الناس –يعني العلماء- ما زالوا يحدثون بهذا –يعني الحديث-، فتأمل قوله مرَّة أخرى، ومغايظة الجهمية المذكورة من باب كبت أهل البدع بما يصح من معتقد أهل السنَّة بثبوت هذه الفضيلة له صلى الله عليه وسلم، وليست هي الدليل عندهم فتأمل ولا تتعجل..
وقولك : (التردد الحاصل في قعوده صلى الله عليه وسلم فمرة قيل على العرش ومرة قيل على الكرسي وهما متباينان وهذا الاضطراب مما يوهن ويضعف هذه الرواية والله أعلم )، قلتُ: بارك الله لك وعليك، هذا إنما نسلم به إذا كان المخرج واحدًا فكيف وهما ليسا كذلك، وأنا لا أقول بحديث عبدالله بن سلام الذي فيه الإقعاد على الكرسي لا العرش، وإنما منازعتي في تصحيح حديث مجاهد لا غير، والتردد المذكور ليس هو من جهة مجاهد حتى نقول أنَّ هناك اضطرابًا، فهو لم يروه مرة على الكرسي وأخرى على العرش حتى نجنح إلى الاضطراب المذكور.
وأمَّا قولك: ( ومن جملة الردود ما قاله ابن عبد البر: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم أحدهما هذا .... قال يوسع له على العرش فيجلسه معه وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة ومن بعدهم فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود الشفاعة )، في كلام ابن عبدالبر –رحمه الله- مغالطتين، الأولى قوله أنَّ لمجاهد قولين مهجورين عند أهل العلم، فنقول –كما قيل-: أثبت العرش ثمَّ انقش، فمن هجر هذا القول من طبقته ومن بعدها؟
والثانية، قوله: وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة ومن بعدهم، فماذا يقول ابن عبد البر –رحمه الله- بكلام أبي داود وإسحاق بن راهوية والأمام أحمد والخلال، وغيرهم من أهل العلم؟ فاعتراضك بكلام ابن عبدالبر –رحمه الله- لا تقوم به الحجة، والله أعلم.
وأما نقلك عن الإمام الذهبي –رحمه الله- قوله في هذه المسألة، فأقول: قوله : (فيردون الأحاديث الصريحة في العلو )، لا أدري ماذا أراد بهذا القول، هل أراد أن الذي يثبت الإقعاد، ينفي العلو؟
وقد اعترض عليَّ أحد الإخوة بأن القعود على العرش يستلزم أن يكون مخلوق مكافئًا لله –سبحانه وتعالى- في المرتبة على العرش!! ولعل قول الذهبي هذا مبني على نفي القول بقعود الله على العرش، أو نفي كون الله له حدٌّ.. وهذه مسألة تحتاج بحثًا مفردًا ليس هذا مكان الخوض فيه..
وأمّا تشنيع الشيخ الألباني –رحمه الله- على من قال بهذا القول فهو متابعة للذهبي كما تابع ابن خزيمة في حديث الصورة، ثمَّ أقول: إنَّ من أعجب العجب أنْ يردَّ كلام العلماء في زمن التابعين وهُمْ لم يُنقل عنهم مخالف في هذا القول، وقول الشيخ الألباني -رحمه الله- : ( ولم يتردد فيه فإنه هو اللائق به وبتورعه من إثبات كلمة ( بذاته ) والله المستعان)، فيه إشارة إلى ما ذهبت إليه من مذهب الذهبي –رحمه الله- في مسألة الجلوس على العرش (بذاته) التي تورع عن إثباتها، فتأمَّل.
وقولك: (وأما قول إبراهيم الأصبهاني: "هذا الحديث حدث به العلماء منذ ستين ومائة سنة، ولا يرده إلا أهل البدع"، قلت ( أبو الحسين ) : رده مثل الذهبي والألباني وابن عبد البر فالإقعاد على العرش مدفوع صحته، من جهة الخبر والنظر، لذا أجزم بتوفيق الله وبما تقدم أن المقام المحمود الذي وعده الله رسوله هو الشفاعة الكبرى)، قول إبراهيم المذكور لا يعارض بقول الأئمة الثلاثة المذكورين، وذلك أنَّه عليك أن تثبت المعارضة، من قول أهل العلم في زمانهم لا بقول من بعد زمانهم بخمسمئة سنة! أو يزيد..
وقولهم : لا يردُّه إلا أهل البدع حق، فلم نسمع بأحد في القرون الأولى –الثلاثة- من عارضه غير الجهمية ومن لفَّ لفهم من أهل الأهواء، ودفع صحته من جهة الخبر قد قدَّمنا القول فيها، ومن جهة النظر نقول:
ما هو المحظور من القول بهذا القول؟
وما وجه الخلل في إقعاد الله نبيَّه على العرش؟
وهل هذا الإقعاد إلا إقعاد مخلوق على مخلوق؟
وقد ذكر ابن جرير أن أهل الإسلام جميعًا سواء عندهم إقعاد النبي –صلى الله عليه وسلم- على العرش أو على الأرض، فالأمر ليس مدفوعًا البتَّة، لا من جهة الخبر –ونحن لم نقف على من عارض حديث مجاهد بخبر ينفي الفضيلة المذكورة- ولا من جهة النظر، إذ لا تلازم بين إقعاده عليه السلام على العرش وبين ما يظنُّه البعض من أنَّه سيكون بذلك مماسًّا لله، أو مساويًا له في المكانة وهي الاستواء على العرش، وكنت قد نقلت لك أنَّ هذا الإقعاد إنما هو لفترة محدودة ثم ينزل عليه السلام إلى أزواجه وجنَّاته، والله تعالى يقول : {ولدينا مزيد}.
وقولك: (وأما قول من قال تلقته الأمة بالقبول؛ قلنا لوجدناه في كتب المحدثين)، قلتُ: ألا يكفي نقل الخلال في كتابه السنة لهذا القول، ثم هل يشترط للقبول أن يكون مكتوبًا في كتب المحدثين؟ ثم القوم كانوا حفاظًا كتبهم في صدورهم يدورون في البلدان يحدثون الناس بما فيها.
وأمّا قولك: ( قلت ( أبو الحسين): قولك خطأ من ثلاث جهات:
قولك ( طائفة مختصرة) وينبغي في مثل هذا المقام أن تستقريء أقوال أهل العلم؛ ولم تعرج إلى قول شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم مع أنهما من المحققين في هذا الباب )، فأجيبك اختصاري ليس مُخِلًّا بالمرة إذ لم أشترط أنني سأذكر كل كلمة قالها أهل العلم، بل كان قصدي أنَّ الأمَّة في زمن التابعين لم يعرف فيها مخالف لمثل هذا القول، وفي ذلك يقول الآجري في "الشريعة" : "قال محمد بن الحسين رحمه الله : وأما حديث مجاهد في فضيلة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وتفسيره لهذه الآية : أنه يقعده على العرش ، فقد تلقاها الشيوخ من أهل العلم والنقل لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، تلقوها بأحسن تلق ، وقبلوها بأحسن قبول ، ولم ينكروها ، وأنكروا على من رد حديث مجاهد إنكارا شديدا وقالوا : من رد حديث مجاهد فهو رجل سوء قلت : فمذهبنا والحمد لله قبول ما رسمناه في هذه المسألة مما تقدم ذكرنا له ، وقبول حديث مجاهد ، وترك المعارضة والمناظرة في رده ، والله الموفق لكل رشاد والمعين عليه" اهـ.
والآن أوان إيراد كلام شيخ الإسلام –رحمه الله- في هذه المسألة فقد قال في "فتاواه" (4 / 374 ) :
" فَقَدْ حَدَّثَ الْعُلَمَاءُ الْمَرْضِيُّونَ وَأَوْلِيَاؤُهُ الْمَقْبُولُونَ : أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُجْلِسُهُ رَبُّهُ عَلَى الْعَرْشِ مَعَهُ . رَوَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ فَضِيلٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ؛ فِي تَفْسِيرِ : { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } وَذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى مَرْفُوعَةٍ وَغَيْرِ مَرْفُوعَةٍ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَهَذَا لَيْسَ مُنَاقِضًا لِمَا اسْتَفَاضَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ الشَّفَاعَةُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ مِنْ جَمِيعِ مَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ وَيَدَّعِيه لَا يَقُولُ إنَّ إجْلَاسَهُ عَلَى الْعَرْشِ مُنْكَرًا - وَإِنَّمَا أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْجَهْمِيَّة وَلَا ذِكْرُهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مُنْكَرٌ –" اهـ .
وأمَّا قولك: ( قولك ( إجماعا ): وهذا الادعاء لا دليل عليه؛ أولا من نقل الإجماع، وثانيا لا يثبت الإجماع بـ ( يشعر). بل يكاد الإجماع يثبت على خلاف ما ذهبت إليه )، قلتُ: وكذلك لا يثبت الإجماع على أنَّ المقام المحمود هو الشفاعة –فقط- بـ (يكادُ)، والذي يريد نقض الإجماع يأتي بالناقض من نفس طبقة المُجمعين لا ممن تأخَّر عنهم، وهم على جلالة قدرهم، لم يذكروا أحدًا –ولا أثرًا- في ردِّ قول مجاهد هذا..
وأمَّا قولك : ( قولك (ولم ينكر هذا في القرون الثلاثة إلَّا الجهمية والمبتدعة أعاذنا الله من نحلتهم وشرِّهم). فقد أنكره من هو سني وإمام )، قد قدمت الإجابة عن هذه آنفًا.
وهذا الأثر عن مجاهد لم يتفرد به ليث بن أبي سليم بل توبع فقد رواه عن مجاهد أبو يحيى القتَّات، وعطاء بن السائب، وجابر بن يزيد، فهذه متابعات لليث وإن كان في أصحابها مقال إلا أنها يتقوَّى بعضها ببعض على طريقة المحدثين، والله أعلم.
هذا ما تيسر من مناقشة ما استشهدتَّ به على تضعيف القول بحديث مجاهد، وأرجو أن تغفر لي حدَّتي –إن كان ثَمَّ- فليست مقصودة ولكن مسائل العلم يعتريها الحدة أحيانًا ومقصودنا الوصول إلى الحق –إن شاء الله-.
ولتعلم يا أخي الحسيني أنني أتقرب إلى الله بمحبتك لقول الله تعالى على لسان نبيه المصطفى –صلى الله عليه وسلم-:
{قل ما أسألكم عليه من أجر إلَّا المودَّة في القربى}.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وكتب:
ليلة السبت
الخامس عشر من شهر ربيع الأول
سنة
1432 هجرية
أبو موسى أحمد بن عياش بن موسى الغرايبة الأردني السلفي
غفر الله له زلـله، وتجاوز خطله، وختم له بالصالحات
والحمد لله رب العالمين
__________________
...::________::...
هَل صحّ قول من الحاكي فنقبله *** أم كلُّ ذاك أباطيلٌ وأسمارُ أمَّا العقول فآلت أنَّه كذبٌ *** والعقل غَرسٌ له بالصِّدقِ إثمارً "شيخ المعرَّة" ..::ــــــــــــــــــــــــــــ::.. أبو موسى الأردني أحمد بن عيَّاش بن موسى الغرايبة - غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ - آمين
التعديل الأخير تم بواسطة أبو موسى أحمد الأردني ; 05-09-2011 الساعة 05:51 AM
|