الموضوع: أبواب في الصبر
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06-26-2011, 12:09 PM
سالكة سبيل السلف سالكة سبيل السلف غير متواجد حالياً
زائر
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 1,225
شكراً: 20
تم شكره 157 مرة في 107 مشاركة
Icon55




الباب الثاني
في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه
قد تقدم بيان معناه لغة وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل مالا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها وسئل عنه الجنيد بن محمد فقال: (تجرع المرارة من غير تعبس) وقال ذو النون: (هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، واظهار الغني مع حلول الفقر بساحات المعيشة) وقيل: (الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب) وقيل: (هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى) وقال أبو عثمان: (الصبار هو الذي عود نفسه الهجوم على المكاره) وقيل: (الصبر المقام على البلاء بحسن الصحة كالمقام مع العافية) ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر وصحبة البلاء بالصبر وقال عمرو بن عثمان المكي: (الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعة) ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى وقال الخواص: (الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة) وقال رويم: (الصبر ترك الشكوى) فسره بلازمه وقال غيره: (الصبر هو الاستعانة بالله) وقال أبو علي: (الصبر كاسمه) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الصبر مطية لا تكبو) وقال أبو محمد الجريري: (الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما) قلت: وهذا غير مقدور ولا مأمور، فقد ركب الله الطباع على التفريق بين الحالتين وانما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد، وساحة العافية أوسع للعبد من ساعة الصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور: (ان لم يكن بك غضب على فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي)
ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر)، فان هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له وقال أبو علي الدقاق: (حد الصبر أن لا يعترض على التقدير) فأما اظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب: (انا وجدناه صابرا) (سورة ص: 44) مع قوله: (مسنى الضر) (الأنبياء: 83) قلت: فسر اللفظة بلازمها وأما قوله: (على غير وجه الشكوى) فالشكوى نوعان: أحدهما الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب: (إنما أشكوا بثى وحزني إلى الله) (يوسف: 86) مع قوله: (فصبر جميل) (يوسف: 18، 83) وقال أيوب: (مسني الضر) مع وصف الله له بالصبر وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي) الخ وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك) والنوع الثاني - شكوى المبتلي بلسان الحال أو المقال فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى اليه وسنعود لهذه المسألة في باب اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما ان شاء الله تعالى وقيل: (الصبر شجاعة النفس) ومن هاهنا أخذ القائل قوله: (الشجاعة صبر ساعة) وقيل: (الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب)، والصبر والجزع ضدان ولهذا يقابل أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) (ابراهيم: 21) والجزع قرين العجز وشقيقه، والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع من أبوك؟ لقال: العجز ولو سئل الكيس من أبوك؟ لقال: الصبر والنفس مطية العبد التي يسير عليها الى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الحطام والزمام للمطية فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب وحفظ من خطب الحجاج: (اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه) قلت: والنفس فيها قوتان: قوة الاقدام وقوة الاحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الاقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الاحجام امساكا عما يضره ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما يندفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على ذاك وأفضل الناس أصبرهم على النوعين، فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام ولا يصبر عن نظرة محرمة وكثير من الناس يصبر عن النظر وعن الالتفات إلى الصور ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعف شيء وأعجزه وأكثرهم لا صبر له على واحد من الأمرين وأقلهم أصبرهم في الموضعين وقيل: (الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة) ومعنى هذا: أن الطبع يتقاضى ما يجب وباعث العقل والدين يمنع منه والحرب قائمة بينهما وهو سجال، ومعرك هذا الحرب قلب العبد والصبر والشجاعة والثبات


يتبع

التعديل الأخير تم بواسطة سالكة سبيل السلف ; 06-26-2011 الساعة 12:44 PM
رد مع اقتباس