الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريكَ له هو يتولى الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أمّا بعدُ:
فإنَّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في غزوة الخندق شغله القوم عن صلاة العصر حتى دخلت المغرب؛ فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: (شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ اللهُ بيوتهم نارًا).
هذا قياسٌ مع الفارق! شُغلنا عما نحن بصدده من الاستعداد لشهر رمضان وأخذ الأهبة للدخول فيه بكامل العُدة ابتغاء المغفرة والرضوان.
ولا بأسَ فإنَّ الأمور تُقدر بمقاديرها، ولكلِ مقامٍ مقال، والله المستعان وعليه التكلان.
بيّن لنا نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- أنّ في الجنة بابًا يُقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون؛ فإذا دخل منه الصائمون أُغلقَ فلم يدخل منه أحدٌ بعدهم.
وبيّن لنا نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- فضل صيام شهر رمضان فقال: (مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه).
وأخبرنا عن فضل قيامه؛ فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: (مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه).
وأخبرنا الله -رب العالمين- عن فضل شهر رمضان وأنه -تبارك وتعالى- فضَّله -لنزول القرآن فيه- بنزول القرآن فيه.
وأنزل الله -رب العالمين- القرآن في ليلة القدر منه، وجعلها الله -رب العالمين- خيرًا من ألف شهر.
وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (أنّ مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه).
والله -رب العالمين- هو الرحمن الرحيم، قد لا يستطيع المرء لمرضٍ أو عارضٍ أَلَمَّ أن يصوم، والمرضُ مرضان: مرضٌ لا يُرجى برؤه، ومرضٌ عارضٌ يُرجى برؤه؛ فإذا أَلَمَّ مرضٌ لا يُرجى برؤه -أي لا يُرجى كشفه وذهابه وشفاؤه التام منه- فهذا يُفطر المرء ويُطعم عن كل يومٍ مسكينًا، وكان أنس -رضي الله عنه- لمّا كبر يُفطر شهر رمضان فإذا كان في آخر يومٍ منه جمع ثلاثين مسكينًا فأطعمهم وجبةً واحدةً من أوسط ما يُطعِم أهله.
وهذا من فضل الله علينا وعلى الناس، ويُحصّل هو بنيته ثوابَ صيامِه إذ قطعه عنه عذرٌ كما قال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في حق مَن كان له عبادةٌ وقطعه عنها مرضٌ أو سفرٌ، كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مُقيمًا، وهذا من فضل الله على أمّة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.
مَن كانت له عبادة، مَن كان له وِردٌ بالليل وتلاوةٌ بالنهار، مَن كان له صيامٌ وقيام، وصلةُ رَحِم وسعيٌ بين المتخاصمين للإصلاح إلى غير ذلك من وسائل العمل الصالح وصوره؛ فقطعه عنها قاطعٌ لا يُدفع كمرضٍ أو سفرٍ كُتب له ما كان يعمل من العمل الصالح وهو صحيحٌ مقيمٌ، والله -رب العالمين- هو أكرم الأكرمين.
فالمرضُ الذي لا يُرجى برؤه يُطعَم عن كل يومٍ من أيامِ رمضانَ مسكينٌ وجبةً واحدةً من أوسط ما يُطعِم المرء أهله.
وأمّا المرضُ الذي يُرجى برؤه فهذا يُقضى عند الشفاء منه.
النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بيّن لنا فضل شهر رمضان، وأخبرنا أن مَن انسلخ عنه رمضان فلم يُغفر له أرغم اللهُ -رب العالمين- أنفه! -والرَّغام: التراب- يدعو عليه بالذل، (رَغِمَ أنفُ عبدٍ انسلخَ عنه رمضانُ فلم يُغفر له، قل: آمين؛ فقال: آمين) الداعي جبريل، والمُؤَمِّن رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.
فهذه فرصةٌ عظيمةٌ ستُشغلُ عند كثيرٍ من الناس وعند جماهير المسلمين بالجهاد الأكبر بالخروج في الميادين!! بالصراخ! بإخراج النساء! المحجبات المخدرات من خُدورهن للشوارع وقوارع الطرق نهبًا للعيون الظامئة.
فليُشغل عند أهل السنّة بطلب الرضوان والرحمة، وبالعبادة والذكر وتلاوة القرآن.
فلنتب إلى الله، علينا أن نرد المظالم إلى أهلها، والتوبةُ لابد فيها من: الإخلاص، والإقلاع عن الذنب، والندم على ما وقع منه، والعزم على عدم المعاودة، ورد الحقوق إلى أربابها إن كان الذنب متعلقًا بحقوق العباد، وأن تقع التوبة في الزمان الذي تُقبل منه على مستوى الفرد قبل أن تبلغ الروحُ الحلقوم، وعلى مستوى الدنيا قبل أن تطلع الشمسُ من مغربها.
فلنؤدي الحقوق إلى أصحابها، ولنتب إلى ربنا -تبارك وتعالى- توبةً نصوحًا عسى الله -رب العالمين- أن يغفر لنا.
وعلينا أن نتعلم ما يلزمنا من فقه الصيام، ينبغي علينا أن نعلم أنه يتوجب علينا أن نُبَيِّتَ النيةَ من الليل.
والعلماء لتبييت النية لكل يومٍ من أيامِ رمضان، أو بنيةٍ واحدةٍ للشهر كله على فريقين:
1. فمنهم مَن يقول: لابد من تبييت النية لكل يوم من أيام رمضان.
2. ومنهم مَن يقول: إنه إذا بَيَّت النية لرمضان كله؛ فقيامه لسحوره هذا نيةٌ ظاهرةٌ حتى ولو لم يقم فالنيةُ متصلة إلا أن يقطعه قاطعٌ بعذر ثم بعد ذلك يريد أن يُعاودَ -بزوال العذر- فعليه أن يجدد النية مرةً أخرى، وهذا أعدلُ الأقوال.
وعلينا أن نُعجل الإفطار وأن نُؤخر السحور؛ فما تزال الأمّة بخير ما عَجَّلَت الفِطر كما قال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن نُؤخر السحور.
وينبغي علينا أن نجتهد في تعلم الأذكار التي تُقال في الأحوال عند الإفطار وما يتعلق برؤية الهلال، ثم ما يكون في جميع الأحوال لكي نكون متبعين للنبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم-.
علينا أن نلتفتَ إلى أمرٍ كبيرٍ، وهو قول النبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم-: (مَن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه) وذكر رمضان كله.
الليلة الأولى من ليالي رمضان قد يفوت قيامها على كثير من المسلمين إما لجهلهم بأنها من رمضان؛ لأنه إذا ثبت رؤية الهلال فقد دخل رمضان، فمنذ دخل الهلالُ فرمضان من غروب الشمس من ليلتهم، وإذا رُؤيا هلالُ شوال، فهذا من شوال وخرج رمضان.
فعلينا أن نلتفتَ إلى هذا الأمر الكبير، وأن الناس ربما تقاعسوا عن القيام في أول ليلةٍ من ليالي رمضان على أنها ليست من رمضان وربما اعتقدوا تقديم الصيامِ على القيام فيقولون: لا نقوم حتى نصوم فيصومون أول يوم ويبدءون القيام من الليلة الثانية من شهر رمضان فلا يكونون داخلين في حديث النبي (مَن قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه)
فتحرَّى ثبوت الهلال؛ فإذا ثبت دخول الشهر فقم ليلةَ أول يومٍ منه فهذا من رمضان، هذه أول ليلةٍ من ليالي رمضان.
علينا أن نجتهد في أن نكون وراء أئمتنا في مساجدنا حتى يفرغوا من الصلاة، ومعلومٌ أن السنّة ألا يُزاد على إحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- أو على ثلاث عشرة ركعة كما قال ابن عباس -رضي الله تبارك وتعالى عنهما-.
حديث عائشة: (ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يزيد في رمضان ولا في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة)
أمّا الزاعقون الصارخون في أجواف الليالي؛ فهؤلاء ليسوا على هدي السلف ولا من السلف في قبيلٍ ولا دَبيرٍ: سكينةٌ واطمئنان، ورفقٌ وحِلم، وخشوعٌ وتُؤَدَة، وإخْباتٌ وإنابة، وتدبر فيما يُتلى.
وأمّا الأئمة فإنهم يُراعون أحوال المصلين لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (مَن صلى مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيامُ ليلةٍ) وفي رواية: (كُتب له قيامُ ليلته).
فيراعي الإمام حال المأمومين، فإذا تواطئوا على الإطالة أطال بهم، وإذا وجد فيهم ضعيفًا لا يتحمل فليرفق به، ومع ذلك لا يتنازل عن السنّة ويأتي بها على وجهها كما بينتها النصوص.
ثم كان رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يلقاه جبريل في كل ليلةٍ من ليالي رمضان يدارسه القرآن.
كثيرٌ من المسلمين يحسب أن العبادة في رمضان في الليل منه أنها وَقْفٌ على القيام فإذا صلى مع الإمام ترك الإمام قبل أن ينصرف؛ فلا يُكتب له قيامُ ليلة! ثم يذهب هو وقد يُشغل فلا يصلي بعدُ وإذا صلى فليس عنده نصٌ من رسولِ الله أنه قام ليلته كما لو صلى مع الإمام حتى ينصرف.
هنالك وسائل من وسائل الخير في رمضان:
البذل والإحسان، كان رسولُ الله أجودَ الناس، وكان أجودَ بالخير من الريح المرسلة، وكان أجودَ ما يكون في رمضان -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
مَن فطَّر فيه صائمًا كان له مثل أجره كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.
علينا أن نجتهد في تلاوة القرآن فهي من عبادة الليل في رمضان.
وكذلك مدارسة القرآن، فإن جبريل كان يدارس النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه دارسه القرآن مرتين -صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الذكر والإنابة والتفكر في ملكوت السماوات والأرض هذا كله من العبادة في رمضان، وهنالك نصٌ دلنا علينا رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بفضلٍ عظيمٍ فيه (مَن صلى الصبحَ في جماعة فقعد يذكر الله -تبارك وتعالى- في الموضع الذي صلى فيه حتى تطلعَ الشمسُ ثم قام فصلى ركعتين كُتب حجةً وعمرةً تامةً تامةً تامةً) فهذا أجرٌ كبيرٌ.
العمرة في رمضان قال فيها الرسولُ -صلى الله عليه وآله وسلم- : (عمرةٌ في رمضانَ كحجة معي) -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وأصلُ ذلك تخليص القلب من شوائبه: من شركه، من بدعته، من غِلّه، من حِقده، من حسده، من دَغَلِه، مما يشوبه، مما يُكَدِّر صفوه، إخلاصُ القلبِ لله لأن العبادات إنما تتأسس على هذا الأصل الأصيل من الإخلاص لله.
نسألُ اللهَ -رب العالمين- بأسمائه الحسنى وصفاته المُثلى أن يجنبنا مُضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يُحسن خِتامنا أجمعين، اللهم أحسن خِتامنا أجمعين، اللهم أحسن خِتامنا أجمعين، اللهم أحسن خِتامنا أجمعين يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وفرَّغه/
أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد المصري
5 من رمضان 1432هـ، الموافق 5/8/2011م.
ـــــــــــــــ
[2]- هو (محمد عبد المقصود).
__________________
يقول العلامة ربيع المدخلى حفظه الله "وقبول النصح واتباع الحق من أوجب الواجبات على المسلمين جميعاً من أي مصدر كان، ولا يجوز للمسلم أن يستصغر الناصح أو يحتقره مهما كان شأنه. وأعوذ بالله أن أرد نصيحة أو أدافع عن خطأ أو باطل صدر مني فإن هذا الأسلوب المنكر إنما هو من طرق أهل الفساد والكبر والعناد، ومن شأن الذين إذا ذكروا لا يذكرون وأعوذ بالله من هذه الصفات القبيحة. انتهى كلامه حفظه الله ورعاه وزاده علما وأدبا وورعا وتواضعا وامد الله لنا فى عمره وأماته على التوحيد الخالص
|