الشبهة السادسة عشرة:
قال محمد صدقي:
"نهى بعضهم عن التحديث، وكذلك علماء التابعين".
أقول:
هذه دعوى كبيرة فأين أدلتها؟ ومن هم هذا البعض ؟.
ومن هم هؤلاء العلماء من التابعين الذين كانوا ينهون عن التحديث عن رسول الله ؟، وكيف يكون هؤلاء علماء دون تعلمهم سنة نبيهم ؟.
وقد تعلق شبيهه في حرب السنـة محمود أبو رية بما ذكره الذهبي -رحمه الله – في "تذكرة الحفاظ" (85 ) حيث قال في ترجمة أبي بكر الصديق : "ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافاً فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه".
ولقد أهمل هذا الرجل نقد الذهبي لهذه الرواية وبيانه أنها مرسلة والمرسل لا تقوم به الحجة.
وأهمل بيان الذهبي لمقصود أبي بكر على فرض صحة الرواية ألا وهو التثبت والاحتياط.
وأهمل ما نقله الذهبي في سياق الحديث عن الصديق أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً، وما علمت أن رسول الله ذكر لك شيئاً. ثم سأل الناس فقام المغيرة، فقال: حضرت رسول الله يعطيها السدس، فقال له هل معك أحد، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها.
أفمن هذا حاله ينهى الناس عن الحديث عن رسول الله .
قال الذهبي في هذا السياق: "وصح عن الصديق أنه خطبهم، فقال: "إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار".
وذكر حديثاً آخر عنه وهذا الذي رواه حديث عن النبي والذي خطب به كذلك هو حديث عن النبي لماذا تجاهل هذا الرجل حكم الذهبي على هذا الأمر؟.
ولماذا تجاهل هذه السياقات التي هي ضد منهجه وغايته؟.
ولماذا تجاهل بيان الذهبي مقاصد أبي بكر اللائقة به ويسوق النص لضد مقصده وما يليق بمكانته؟.
لقد روى أبو بكر عن رسول الله مائة واثنين وأربعين حديثاً اتفق الشيخــان على ستة منها وانفرد البخاري بأحد عشر حديثاً ومسلم بحديث( 86)" هذا على قصر مدة حياته بعد النبي واشتغاله بأعباء الخلافة والجهـاد والقضـاء على الـردة، ولو طالت به الحياة لروي عنه الكثير المبارك -رضي الله عنه-.
--------------------------------------------------------------------------------
الشبهة السابعة عشرة:
قوله: " كان أفاضلهم أقلهم حديثاً ويصدفون عنه، ولو كان واجباً لما كان هذا حالهم ".
وهذه شبهة سخيفة، والجواب عنها من وجوه:
أن الصحابة كلهم أفاضل وتفاوتهم لا يرجع إلى قلة الرواية وكثرتها وإنما يرجع إلى أمور أخرى منها:
1- أن تبليغ القرآن والسنة إنما هو واجب على عموم المسلمين في الجملة إذ هو من فروض الكفايات فإذا قام بهذا الواجب بعض الأمة سقط الحرج عن الباقين.
فمن قال: إن تبليغ القرآن كان فرضاً عينيَّاً على جميع الصحابة فضلاً عن السنة؟.
2- أن قلة الحديث وكثرته ليس سببه كراهة تبليغ السنة أو محبتها، وإنما سببه التفرغ لتحمله أولاً ثم لتبليغه ثانياً كما هو حال أبي هريرة وإخوانه من المكثرين مثل جابر بن عبد الله وعائشة وأنس وعبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس -رضي الله عنهم-.
3- أن الأمر يرجع إلى الدواعي إلى التبليغ وعدمها.
4- أن الأمر يرجع إلى اعتقادهم أن هذا التبليغ إنما هو من فروض الكفايات.
هذا مع اشتغال بعضهم بالجهاد وتفرغ الآخرين للتبليغ كما قال تعالى:
فَلَوْلا نَفَـرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَـةٍ مِنْهُمْ طَائِفـَةٌ لِيَتَفَقَّهُـوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْـذِرُوا قَوْمَهـُمْ إِذَا رَجَعُـوا إِلَيْهِـمْ لَعَلَّهُـمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122). فإذا تصدى بعضهم للجهاد وغيره من مصالح المسلمين تصدى غيرهم للدعوة ونشر القرآن والسنة فيكمل عمل بعضهم عمل البعض الآخر تبليغاً وتطبيقاً.
أما الدعوى أنهم يصدفون عن رواية الحديث وتبليغه استصغاراً لشأنه فإنها فرية كبيرة على أصحاب محمد برأهم الله منها والمؤمنون.
الشبهة الثامنة عشرة:
قول محمد صدقي:
" من كان من الصحابة كثير الحديث ملوا منه ونهوه وزجروه كما فعل عمر بأبي هريرة، وشكوا فيه وقالوا إنه يضع الشيء في غير موضعه، ونسبوه للجنون كما في كتبكم".
أقـول:
هذا الكلام كله هذيان بالباطل وافتراء على أصحاب رسول الله .
وقد سبقه إلى مثل هذا الباطل الملاحـدة وغلاة الرفض وشاركه في الإرجاف به المستشرقون ومن سار على نهجهم من المنتسبين إلى الإسلام مثل أحمد خان وأتباعه ومثل أحمد أمين وأبي رية ومن خذله الله باتباعهم، وقد دفع أباطيل هؤلاء عدد من العلماء منهم الشيخ عبد الرحمن المعلمي في كتابه " الأنوار الكاشفة"، والشيخ عبد الرزاق حمزة في كتابه "ظلمات أبي رية".
قال العلامة المعلمي في كتابه " الأنوار الكاشفة لما في أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة " (87 )، الذي دحض فيه أباطيل أبي رية وبين فيه أكاذيبه وخيانته ومجازفاته.
قال - رحمه الله -:
"وقال (ص:162) –يعني: أبا رية- " كثرة أحاديثه"( 88)، ثم قال (ص:163): وقد أفزعت كثرة رواية أبي هريرة عمر بن الخطاب فضربه بالدرة وقال له: "أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأَحْرِ بك أن تكون كاذباً".
1- قال المعلمي: "أقول: لم يعز هذه الحكاية هنا وعزاها (ص:171) إلى شرح "النهج" لابن أبي الحديد حكاية عن أبي جعفر الإسكافي، وابن أبي الحديد من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإسلام وحاله مع ابن العلقمي الخبيث معروفة.
والإسكافي من دعاة المعتزلة والرفض –أيضاً- في القرن الثالث ولا يعرف له سند.
ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبة وغيرهم بما فيه انتقاص لأبي بكر وعمر وعلي وعائشة وغيرهم وإنما يتشبث بها من لا يعقل.
وقد ذكر ابن أبي الحديد (1/360) أشياء عن الإسكافي من الطعن في أبي هريرة وغيره من الصحابة وذكر من ذلك مزاح أبي هريرة فقال ابن أبي الحديد " قلت: قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف(89 ) في ترجمة أبي هريرة، وقوله فيه حجة لأنه غير متهم عليه".
وفي هذا إشارة إلى أن الإسكافي متهم. ونحن كما لا نتهم ابن قتيبة قد لا نتهم الإسكافي باختلاق الكذب، ولكن نتهمه بتلقف الأكاذيب من أفاكي أصحابه الرافضة والمعتزلة.
وأهل العلم لا يقبلون الأخبار المنقطعة، ولو ذكرها كبار أئمة السنة فما بالك بما يحكيه ابن أبي الحديد عن الإسكافي عمن تقدمه بزمان".
ثم قال: "قال أبو رية (ص:163): "ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدرة إذ أصبح لا يخشى أحداً بعده".
قال المعلمي: أقول: لم يمت الحق بموت عمر –رضي الله عنه- وسيأتي تمام هذا".
ثم ذكر أثرين إلى أبي هريرة أحدهما معلّ بالانقطاع وفي إسناد الثاني متهم وذكر أنه يقابلهما آثار.
ثم قال المعلمي -رحمه الله-: "وبعد فإن الإسلام لم يمت بموت عمر، وإجماع الصحابة بعده على إقرار أبي هريرة على الإكثار مع ثناء جماعة منهم عليه، وسماع كثير منهم منه، وروايتهم عنه كما يأتي يدل على بطلان المحكي عن عمر من منعه.
بل لو ثبت المنع ثبوتاً لا مدفع له لدلّ إجماعهم على أن المنع كان على وجه مخصوص أو لسبب عارض أو استحساناً محضاً لا يستند إلى حجة ملزمة، وعلى فـرض اختـلاف الرأي فإجماعهم بعد عمر أولى بالحق من رأي عمر-رضي الله عنه-"( 90).
إن عدداً من الصحابة معدودين في المكثرين من الرواية فمنهم أصحاب الألوف ومنهم من روى ما يربوا على ألف حديث ومنهم أصحاب المئين ومنهم أصحاب المأتين.
فإذا كان أبو هريرة- رضي الله عنه- قد روى خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً فقد روى ثلاثة من الصحابة ما يزيد مجموعه على هذا العدد فقد روى عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- ألفي حديث وستمائة وثلاثين حديثاً.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه ألفي حديث ومائتين وستة وثمانين حديثاً.
وروت عائشة -رضي الله عنها- ألفي حديث ومائتي حديث وعشرة أحاديث.
فمجموع ما رواه هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم يبلغ سبعة آلاف حديث ومائة وستة وعشرين حديثاً.
أي أنها تزيد على مجموع ما رواه أبو هريرة بسبعمائة حديث وألف حديث.
وأربعة آخرون وهم عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وأبو سعيد وابن مسعود -رضي الله عنهم- يروون خمسة آلاف حديث ومائتين وعشرة أحاديث أي أن الفارق بسيط جداً بين مارواه أبو هريرة ومجموع ما رواه هؤلاء الأربعة فمن هم الصحابة الذين ملوهم ونهوهم وزجروهم.
لم تستطع أن تذكر من هؤلاء الزاجرين الناهين إلا عمر رضي الله عنه البريء -والحمد لله- من هذه التهمة التي يفتريها عليه الروافض والزنادقة ليشوهوه ويشوهوا أبا هريرة الذي هو قذى في أعينهم لأنه أحفظ حفاظ أصحاب محمد لسنة رسول الله التي تغيظهم كما يغيظهم أصحاب محمد .
2- ما كان الصحابة يشك بعضهم في بعض ولا يكذب بعضهم بعضاً فهذا أبو هريرة رضي الله عنه الذي يحشد أهل الإلحاد والرفض قواهم لإسقاطه وإسقاط رواياته عن رسول الله لا يلقى من الصحابة والتابعين وأفاضل الأمة - رغم أنوف الحاقدين - إلا الإجلال والإكبار والثقة الكبيرة به.
فيروي عنه من أهل العلم والفضل من الصحابة والتابعين نحو من ثمانمائة.
والأمة من التابعين الكرام ومن تبعوهم بإحسان يقدرونه ويعتزون به وبحفظه لسنة رسول الله الذي كان ثمرة لملازمته لرسول الله وحرصه على السنة كما شهد له بهذا الحرص رسول الله .
الشبهة التاسعة عشرة:
قوله: " إن أئمة المسلمين لم يتفقوا على الصحيح منها وما منهم من أحد إلا خالف في مذهبه كثيراً منها".
والجواب على هذا من وجوه:
1- أن علماء الإسلام وعلى رأسهم أئمة الفقه والحديث متفقون على تعظيم سنة رسول الله وعلى وجوب الأخذ بها في دينهم ودنياهم وأنها الأصل الثاني مع كتاب الله وعلى أنها حجة في دين الله أصوله وفروعه.
2- أنه ما من إمام إلا حث أتباعه على التمسك بالكتاب والسنة ودعاهم إلى ترك أقواله إذا خالفت الكتاب والسنة، وقد سبق أن ذكرنا أقوالهم في هذا الشأن. ومن ذلك قول الإمام الشافعي المشهور عنه عند أصحابه وغيرهم.
" إذا صح الحديث فهو مذهبي" وقوله: "إذا خالف قولي قول رسول الله فخذوا بقول رسول الله واضربوا بقولي عرض الحائط"، وقد خالف أصحابه أقواله التي خالفت ما ثبت عن رسول الله وصح عندهم من حديثه.
ونصائح أبي حنيفة -رحمه الله- لأصحابه في الأخذ بقول الله وقول رسول الله بل بأقوال الصحابة معروف، ومن هنا خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن في ثلث أو ثلثي المذهب وما ذلك منهما إلا اتباعاً للحق وتقديماً منهما لما صح لهما عن رسول الله على رأي واجتهاد شيخهما.
3- إنّ ما يحصل من بعضهم من مخالفة لحديث رسول الله فليس من المنطلق الذي يرجف به أعداء السنة - حاشاهم من ذلك - فهم يعظمون السنة ويؤمنون بها وأنها حجة من حجج الله على عباده ولا يقع لأحد منهم مخالفة لحديث ثابت إلا لعذر من الأعذار الشرعية التي يعذره الله بها.
وذلك مثل:
أ- أن تأتيه حادثة لم يكن قد بلغه فيها نص من كتاب الله أو سنة رسول الله فيجتهد فيها فيخالف نصاً عن رسول الله قد بلغ غيره من أئمة الإسلام وصحّ عندهم فقالوا به ودانوا الله به.
ب- أو يكون قد بلغه النص لكنه عند فتواه أو تدوينه نسيه فيعذره الله في ذلك ويثيبه على اجتهاده.
قال تعالى تعليماً للمؤمنين أن يقولوا: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (البقرة: 286). ثم قال الله كما في الحديث القدسي: "قد فعلت"، وقد وقعت فتاوى من بعض العلماء مخالفة لنصوص من القرآن والسنة لا تعمداً منهم وإنما هو لعذر من الأعذار التي يعذرهم الله بها، ومنها ما ذكرناه كالنسيان أو عدم بلوغ النص ويحصل مثل ذلك للأئمة الكبار للأسباب نفسها التي يعذرهم الله بها.
ومن ادعى عليهم أو على أحدهم تعمد المخالفة لما صح عن رسول الله فقد افترى عليهم افتراءً عظيماً ومن زعم لأحد منهم أنه قد أحاط علماً بكل ما صح عن رسول الله فقد غلا فيه وقال الباطل، والحاصل أننا نجزم أن علماء الإسلام المشهود لهم بالعلم والورع والتقوى وقدم الصدق في الإسلام لا يتعمدون مخالفة أو رد الأحاديث الثابتة عن نبيّهم كيف وهم يوصون برد أقوالهم إذا خالفت ما ثبت عن رسول الله كيف وبعضهم يحتج بالمرسل والضعيف أحياناً فكيف يتصور مسلم في أحد منهم أنه يرد الأحاديث الصحيحة أو يخالفها عمداً.
ج- أو يكون في المسألة حديثان أحدهما ناسخ والآخر منسوخ فيبلغ أحدهم المنسوخ دون ناسخه فيأخذ بما بلغه ويبلغ عالماً آخر الناسخ فيأخذ به، ويبلغ ثالثاً الناسخ والمنسوخ فيقدم الناسخ على المنسوخ.
د- أو يكون في الباب أحاديث مطلقة وأحاديث مقيدة أو أحاديث عامة وأخرى تخصصها فيبلغ بعضهم العامة دون المخصصات أو المطلقات دون المقيدات فيعمل ويفتي بما بلغه ويعذره الله ذلك.
ويبلغ غيره العامة والخاصة والمطلقة والمقيدة فيحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد وقد يختلفون في الأصول فيقدم بعضهم العام على الخاص والمطلق على المقيد.
وقد استوفى شيخ الإسلام الأعذار للأئمة التي يعذرهم الله بها في كتابه القيّم "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، فأوصلها إلى عشرة أسباب.
الشبهة العشرون:
قول محمد صدقي:
" لم يعتن المسلمون بحفظها في صدورهم كما اعتنوا بحفظ القرآن الشريف، فإذا كان هذا هو حال الأحاديث وما قاله المسلمون فيها، وما عملوه بها، فأي فائدة منها ترجون وأي ثقة بها تثقون؟.
وأي شيء خالفت فيه الإجماع أو ابتدعته حتى أرمي بالكفر أو المروق؟.
مع أن هذه المطاعن وأمثالها كثير لم يخل منها عصر من عصور المسلمين ولم تصدر إلا منهم.
فيجب علينا أن نقدر أخبار الآحاد حق قدرها ولا يعمينا الجهل والتعصب عن حقيقة أمرها".
والجواب من وجوه:
1- أن المسلمين من عهد الرسول في الجملة وهم يعتنون بالقرآن والسنة حفظاً وعملاً بهما.
2- أن الله لم يكلف المسلمين جميعاً بحفظ القرآن، ولذا لم يحفظه كله إلا نفر قليل من الصحابة، حتى أن من كبارهم من مات وهو لم يستوف حفظ القرآن، لكن القرآن كله محفوظ عند بعضهم ومحفوظ في جملتهم فعلى شبهته الباطلة يكون القرآن مطعوناً فيه.
أما السنة ففي الصحـابة من حفظ الكثير ومنهم المتوسط ومنهم المقلّ، وجملتها محفـوظ عند الجميع بحيث لم يضع منها شيء إذ يصــدق على القرآن وعليها قول الله جل وعلا إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9).
وحيث إن السنة هي المبينة للقرآن والشارحة له؛ فإن ضمان الله لحفظ القرآن ضمان لحفظها، بل هي داخلة في الذكر، لأنّ الذكر هو الوحي. والسنة وحي كما قال الله -تعالى- بياناً لمكانة الرسول وأقواله وأفعاله:
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ( النجم: 1-4 ). فهو معصوم من الضلال والغي، ونطقه بالسنة لا ينطلق من هوى أبداً، وإنما هو وحي يوحى من رب الأرض والسماء، ولذا كلف الله البشر جميعاً بالإيمان به وطاعته طاعة مطلقة واتّباعه والتأسي بأقواله وأفعاله وتقريراته التي يقصد بها التشريع، وذلك معلوم كله عند علماء الأمة ومعمول به ومسلم به عندهم والحمد لله.
3- وقوله: " فإذا كان هذا هو حال الأحاديث، وما قاله المسلمون فيها وما عملوه بها فأي فائدة منها ترجون وأي ثقة بها تثقون؟".
انظر إليه يسميها بالأحاديث ولا يقول سنة رسول الله ولا يبعد أنه يقصد ما يقصد أعداء الله في وصفهم للقرآن بأنه أساطير.
فإذا كان هذا هو حال الأحاديث الشريفة عندك وعند أمثالك وأسلافك المندسين في المسلمين وحالها عند اليهود والنصارى ولا سيما المستشرقين فإن لها عند المسلمين حالاً آخر مضادّاً لما تفتريه على السنة النبوية وعلى علمائها. إن لها حالاً آخر عندهم هو احترامها وإجلالها والتزامها في عقائدهم وعباداتهم وسائر شؤون حياتهم جنباً إلى جنب مع نصوص القرآن الكريم.
وهم على هذه الحال من عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولقد لقيت من العناية العظيمة من الحفظ لنصوصها والعمل بها والرحلات في سبيلها، حتى إنه ليرحل الرجل مسافة الشهر وأكثر من أجل حديث واحد، بدأ من الصحابة -رضي الله عنهم-، وألفوا فيها وفي العلوم التي تخدمها ما تزخر به المكتبات في شرق العالم الإسلامي وغربه. وأنشئوا لها المدارس إلى جانب مساجدهم التي تخرج الألوف من فحول العلماء وخاصة في السنة.
فهذا حالها عند المسلمين أما عند أعدائها من الزنادقة وغلاة الرفض والباطنية وسائر أعداء السنة فحال آخر، وقد تصدى لفضحهم وإهانتهم وإخزائهم علماء الإسلام والسنة على امتداد العصور بما فيهم محمد توفيق وأمثاله من أفراخ الزنادقة والمستشرقين ووراث الحقد على الإسلام فهذا هو ما يقوله المسلمون ويعملونه.
4- وقوله: "وأي فائدة منها ترجون؟".
فيقول المسلمون مالا يخطر ببال أعداء الله ورسوله ودينه من السعادة في الدين والدنيا والآخرة.
يرجوا المسلمون من إجلالها واحترامها والتمسك بها الفوز والفلاح في الآخرة واستقامة حياتهم في هذه الدنيا.
فلا قيمة لحياة المسلمين بدونها ودون الاستضاءة بنورها فالحياة بدونها خسران مبين وضلال مهين وغضب من رب العالمين، -والله- لحديث واحد منها خير من الدنيا وما عليها من ذهب وفضة ومال وسلطان، هذه بعض فوائدها وبها وبالقرآن ساد سلف هذه الأمة الدنيا وساسوها وفتحت بهما الشعوب والقلوب وذلت لهما أعناق الجبابرة والملاحدة والزنادقة وعتاة اليهود والمجوس والنصارى، وبضعف المسلمين في التزامها وتطبيقها نزل بهم من الذل والهوان ما نزل ولا يرفع عنهم ما نزل بهم من ذلك إلا بالعودة إليها.
5 – وقولك: "وأي ثقة بها تثقون؟".
نقول: إن ثقة المسلمين فوق ما يخطر ببالك وبال أمثالك، إن ثقتهم بها مثل ثقتهم بالقرآن ومثل ثقتهم بالرسول الكريم ويحبونها إلى درجة الإيثار على الأبناء والآباء ويوالون ويعادون من أجلها يوالون الأبعدين نسباً إن احترموها، ويعادون أقرب الأقربين إن هم نالوا من كرامتها.
لقد أهان عبد الله بن عمر ابنه وهجره من أجل حديث واحد، وهجر عبد الله بن أبي أوفى ابن أخيه من أجل حديث واحد، وشك أحد وجوه قريش في حديث واحد في مجلس الرشيد فغضب الرشيد وقال:"النطع والسيف زنديق يطعن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "(91) .
فكيف لو رأى الرشيد وسمع مثل هذه الطعون والشبهات الخبيثة، والاستهانة بعموم سنة رسول الله والسخرية بها إلى درجة أنه لا فائدة ترجى منها والدعوة إلى إسقاط كل ثقة بها. فأين سيف ونطع الرشيد عن أمثال محمد توفيق المجاهرين بالحرب على سنة محمد والمعلنين للطعن فيها والاستهانة والسخرية بها؟.
6- وقولك:" وأي شيء خالفت فيه الإجماع أو ابتدعته حتى أرمى بالكفر والمروق".
وأقول: أي شيء أبقيت للإسلام والمسلمين، إذا كنت قد حشدت كل شبه أعداء الله أو جُلَّها وطعونهم في سنة رسول الله .
ولقد خالفت بل تحديت القــرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان بهذه الحرب الضروس التي وجهتها لسنة محمد وابتدعت بدعة كفرية جلبت لها بخيلك ورجلك وخيل ورجل شياطين الإنس والجن فما تركت سلاحاً من أسلحة هؤلاء الشياطين إلا وجهته إلى نحر سنة رسول الله بل إلى القرآن نفسه وإجماع المسلمين فماذا تنتظر بعد كل هذه العداوة والعـدوان والتحدي من المسلمين وآه ثم آه على عصر الرشيد ومن قبله.
7- قولك:" مع أن هذه المطاعن وأمثالها كثير لم يخل منها عصر من عصور المسلمين ولم تصدر إلا منهم".
أقول: هذه حجة داحضة، فقد خلت القرون المفضلة من هذه المطاعن ولم تبدأ هذه الطعون أو بعضها إلا بعد انقراضها على أيدي الزنادقة ثم غلاة أهل الضلال من المنتسبين إلى الإسلام والله أعلم بإسلامهم.
ولقد تصدى لهم أهل الحق والسنة والعلم، فهتكوا أستارهم ودحضوا أباطيلهم، وهذا أمر معلوم عند أهل العلم، فهل تريد أن توهم الناس الآن أن المسلمين تواطؤا على حرب السنة على مرّ العصور؟، وهم بين طاعن وساكت، ولم يحصل اعتراض إلا على مطاعنك.
إن علماء الإسلام لم يسكتوا عن أي خطأ صدر باسم الإسلام ولو من أفضل العلماء ولو في حديث واحد أو بعضه، فكيف يسكتون عن مطاعن الملحدين ومن سار على نهجهم من الضالين في العصور الماضية أو الحاضرة، وذلك مصداق وعد الله بحفظ دينه.
8- وقولك:" ولم تصدر إلا منهم ".
أقول: هذا افتراء على المسلمين وبرأهم الله مما ترميهم به ، وإنما صدرت هذه الطعون من زنادقة في القدم والحديث يندسون بين المسلمين، وإلا من اليهود والنصارى مستشرقين ومستغربين ومن تابعهم، والله يرد مكايدهم ويدحض أباطيلهم على أيدي المسلمين.
9- وقولك:" فيجب علينا أن نقدر أخبار الآحاد قدرها ولا يعمينا الجهل والتعصب".
وأقول: أما المسلمون فيعرفون منـزلة سنة رسول الله العظيمة التي لا يقوم لهم دين ولا دنيا بدونها وبها يطاردون الجهل والتعصب الأعمى وأهلهما.
ومنهم محمد توفيق صدقي وشيوخه شيوخ الجهل والضلال والتعصب للرفض والزندقة والتزلف إلى اليهود والنصارى بالطعن في الإسلام تحت ستار حرب الجهل والتعصب، ونحمد الله ونشكره الذي أعان على دحض أباطيل وطعون أعداء الله في سنة نبيه بل في صميم الإسلام نفسه.
--------------------------------------------------------------------------------
الحواشي:
(1 ) البخاري حديث ( 111 ).
(2 ) البخاري حديث ( 112 ) ومسلم في الحج حديث 1355.
(3 ) البخاري حديث ( 113 ).
(4 ) البخاري حديث ( 114 ) وأخرجه مسلم في الوصية حديث ( 1637 ).
(5 ) المسند حديث ( 6510 ) وأبو داود في العلم حديث ( 3646 ) وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين غير الوليد بن عبيدالله وهو ابن أبي مغيث العبدري فمن رجال أبي داود. قال الحافظ في التقريب:" ثقة"، وفي إسناده عبدالله بن الأخنس وثقه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي وقال ابن حبان يخطئ كثيراً قال الحافظ في الفتح ( 10/199 ):" وشذَّ ابن حبان فقال في الثقات : " يخطئ كثيراً ".
(6 ) ( 1/104 – 105 ).
(7 ) المستدرك ( 1/ 105 ).
(8 ) انظر الصحيحة حديث ( 2026 ).
(9 ) المسند (2/176).
(10 ) الدارمي (ص 104 ).
(11 ) المستدرك ( 4/422، 508 ).
(12 ) الصحيحة حديث رقم (4)
(13 ) المسند ( 1/224 ) وإسناده صحيح.
(14 ) الإحسان ( 14/501 ).
(15 ) (1/395-397).
(16 ) (8/57-58 )
(17 ) ( 2/341-342).
(18 ) انظر "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (2/1361).
(19 ) ( 2/ 849 ).
(20 ) ( 17/338-339 ).
(21 ) التلخيص الحبير ( 4/18 ).
(22 ) الأموال (ص: 497-498).
(23 ) الأموال (ص: 500-501).
(24 ) الأموال (ص: 500 ).
(25 ) سنن الدارقطني ( 3/209-210 ).
(26 ) المصدر السابق.
(27 ) رد الإمام الدارمي على المريسي (ص:131).
(28 ) المراسيل (ص: 128)، وشرح معاني الآثار للطحاوي ( 4/375 ).
(29 ) شرح معاني الآثار ( 4/374).
(30 ) شرح معاني الآثار ( 4/374).
(31 ) هذه الروايات كلها في الأموال لأبي عبيد ( ص: 499-500 ).
(32 ) في الزكاة حديث ( 1454 ) وأخرجه في عدد من المواضيع مقطعاً.
(33 ) في الزكاة حديث ( 1800 ).
(34 ) ( 4/14 ) حديث ( 2261 ).
(35 ) ( 8/57 ) حديث (3266 ).
(36 ) ( 1/11 ).
(37 ) في الزكاة، حديث ( 1567 ).
(38 ) والنسائي في الزكاة، حديث ( 2455 ).
(39 ) في سننه ( 2/115 ).
(40 ) ( 2/15 ).
(41 ) في الزكاة، حديث ( 1568 ).
(42 ) في الزكاة، حديث ( 621 ).
(43 ) الأموال (497-503)
(44 ) ( 8/253-256 )
(45 ) الأموال (ص: 501).
(46 ) الأموال (ص: 501).
(47 ) كتاب اللباس حديث ( 5829 ) ومسلم في اللباس حديث ( 2069 ).
(48 ) كتاب العلم حديث ( 111 ).
(49 ) كتاب فرض الخمس حديث ( 3112 ).
(50 ) كتاب الإيمان ( 33 ).
(51 ) هذا القول قد ورد مقيداً بقوله " يبتغي بذلك وجه الله " رواه البخاري في الصلاة برقم (1186) من طريق الزهري عن محمود بن الربيع.
(52 ) وقد طبعت عدة مرات منها طبعة المكتب الإسلامي بتحقيق علي حسن عبد الحميد ومنها طبعة الخانجي بتحقيق د/ رفعت فوزي وتحتوي هذه الصحيفة على ( 138 ) حديثاً.
(53 ) المصنف ( 9/50 ) وانظره في سنن الدارمي ( 1/105 ) والعلم لأبي خيثمة ( ص: 145 ) وتقييد العلم ( ص: 101 ) وجامع بيان العلم ( 1/87).
(54 ) في الصحيح كتاب المساقات حديث ( 1594 ) وهو مسند الإمام أحمد ( 3/60 ).
(55 ) تقييد العلم ( ص: 93-94 ).
(56 ) تهذيب السنن (5/245-246).
(57 ) الفتح(1/208).
(58 ) المسند ( 2/90 ) إسناده يحتمل التحسين.
(59 ) المسند ( 2/152 ) إسناده حسن.
(60 ) التاريخ الكبير ( 1/325 ) إسناده حسن يحتمل الصحة.
(61 ) المسند ( 2/45 ).
(62 ) المسند ( 7/99 ) رقم الحديث ( 5042 ) تحقيق أحمد شاكر.
(63 ) المسند ( 2/29 ) إسناده صحيح.
(64 ) المسند ( 1/224 ) وانظر صحيح مسلم كتاب الجهاد حديث ( 1812 ) فقد أورده مسلم من عدة طرق بنحوه.
(65 ) الصحيح، في الرهن حديث ( 2514 ) والشهادات حديث ( 2668 ).
(66 ) السنن (1/ 105 ) وإسناده حسن.
(67 ) في الصحيح كتاب الإمارة حديث ( 1822 ) وهو في مسند أحمد ( 5/89 ).
(68 ) تذكرة الحفاظ ( 1/43 ).
(69 ) انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ( 4/136 ).
(70 ) التاريخ الأوسط(1/325) دار الصميعي للنشر.
(71 ) المسند ( 3/326 ) وهو في صحيح البخاري في البيوع حديث ( 2236 ) وطرفه في التفسير حديث ( 4633 ).
(72 ) في الصحيح في الحج حديث ( 1361 ) وأخرجه الإمام أحمد في السند ( 4/141 ).
(73 ) في صحيحه في التفسير حديث ( 4906 ).
(74 ) في المسند ( 4/374 ).
(75 ) في سننه ( 5/713 ) حديث ( 3902 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح والظاهر أنه يريد بمجموع طرقه وقال عقبة وقد رواه قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم.
(76 ) السنن (1/106).
(77 ) في الطبقات ( 7/185 ) والإسناد صحيح إلى حماد بن زيد إذ الظاهر أن شيخ ابن سعد هو محمد بن الفضل السدوسي الملقب بعارم.
(78 ) كتاب العلم رقم 146 ( ص 144 ) وصحح الألباني إسناده، وهو في الطبقات لابن سعد (6/250)،من طريق مندل بن علي وهو ضعيف عن أبي كيران لكنه لا يضر ضعفه بالاسناد الأول
(79 ) انظر كتاب دراسات في الحديث النبوي للدكتور الأعظمي ( ص 153 ).
(80 ) السنن ( 1/107 ) صحيح الاسناد والحسين بن منصور هو السلمي النيسابوري ثقة فقيه.
(81 ) الصحيح العلم ( باب 34 ) وانظر سنن الدارمي ( 1/104 ).
(82 ) المصنف ( 11/258 ) وإسناده صحيح.
(83 ) العلم رقم 66 (ص: 125).
(84 ) السنن ( 1/104 ) وجامع بيان العلم (ص 87).
(85 ) ( 1/3 ).
(86 ) جوامع السيرة ( ص: 278 ) والرياض المستطابة ( ص:140) والخلاصة للخزرجي ( 2/78).
(87 ) (ص: 152).
(88 ) يعني أبا هريرة - رضي الله عنه-.
(89 ) لم يسق ابن قتيبة مزاح أبي هريرة –رضي الله عنه- بقصد الطعن فيه وإنما ذكره في ترجمته ولعله ينوه بتواضعه لأن مزاح أبي هريرة – رضي الله عنه- صورة من صور تواضعه، والمنصف المتأمل لهذا المزاح اللطيف يدرك هذا وانظر كلام ابن قتيبة في "المعارف" (ص: 277-278).
(90 ) الأنوار الكاشفة (ص:152-156).
(91 ) "تاريخ الخلفاء" للسيوطي (ص:285).
|