( 4 )
وقفة مع صاحب المقالة الرائعة التي كشفت زيف " القرني " وأفكاره المترهلة .. .. ..
( " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، ومن العجز والكسل ، ومن الجبن والبخل ، ومن غلبة الدين وقهر الرجال " .
شيء من الهم والحزن أصابني ، فطفقت إلى كتاب الله أقرؤه ، وأخذت أردد الدعاء الذي به أرجو الله أن يذهب همي وحزني ، ثم تذكرت ذلك الكتاب الذي سمعت وقرأت الكثير عنه ، والذي بيع منه أكثر من مليون نسخة ، وأصبح حديث الملايين من المسلمين في أنحاء العالم يلهجون بتفرده في بث روح من الطمأنينة والدعة لكل من يقرأه من الحزانى . فقلت ربما فيه ما يخفف من حدة ما أجد .
لم أجد صعوبة في العثور عليه ، فعند أول مكتبة توقفت عندها وجدت منه نسخا فاخرة متعددة الألوان والأشكال على شكل جبل يستند على طاولة عريضة . نقدت الكاشير الثمن الذي سيذهب لجيب أحدهم لقاء طبعته الفاخرة ، مستغربا المبالغة في ثمنه مقارنة بالهدف السامي الذي أرهق صاحبنا نفسه من أجله ، ورددت : ليت صاحبنا طبعه طبعة شعبية على نمط إصدارات " مطبعة مدبولي " يكون بمقدور جيوب كل الحزانى الفقراء من المسلمين قراءته ، وما أكثرهم !
لم أكد أهم بقراءة مقدمته ، حتى انتابني حزن أشد مرارة من الحزن الذي يراودني ألمه منذ أيام .
شعرت أنني ربما كنت ضحية خدعة أحد ما . وما إن استرسلت في القراءة حتى تذكرت هدم الأضرحة والمزارات التي أصبحت وسيلة للتبرك بها من دون الله ، فقلت في نفسي : وما الفرق بين ضريح يتبرك به من دون الله ، وكتاب يتبرك به من دون كتاب الله ؟! .
وأضفت : ألم يكن هذا الدعاء الذي بدأت به مقالي هذا كافيا عن وضع كتاب ، كان يمكن أن يحل بالملايين من الدولارات التي دفعت مقابله مشاكل الملايين من المسلمين في شتى بقاع الأرض ! خصوصا وأن صاحبه يؤكد أنه ألفه نفعا للمسلمين وتقربا لله تعالى ، راجيا أن يجعله في موازين حسناته في الآخرة ! ولست أدري في أي الموازين ستذهب تلك النقود التي دفعها كل حزين مقابل كتابه ؟! .
كما لست أدري كم من الأرباح التي جناها من يقف وراء تأليف وطباعة وتوزيع الكتاب ، ذهبت صدقات للفقراء والمحزونين من المسلمين ؟ وكم قارئ منهم تردد على " حزن " في المفاضلة بين شراء كتابه الذي يثق في أنه سيجد فيه حلا لمشاكله ، وبين شرائه قوت إسبوعه ، وليس يومه ، وخاصة صاحب الليموزين الذي سيرد ذكره لاحقا في هذا المقال !
انتابني تساؤل مؤرق كلما انتهيت من قراءة صفحة من صفحاته : ربما هو الشيطان ينزغك شعور بالغثيان مما تقرأ . فأدعه جانبا متناولا كتاب الله عز وجل ، فيتلاشى كل ذلك الشعور . إذا هو ليس الشيطان من ينزغني ذلك الشعور .
إنها تلك السخرية من عقل القارئ ، إنها هذه الدعوة الجادة والمتعمدة من المؤلف لأن يغيب فيها القارئ عقله تماما أثناء قراءته الكتاب ، وليستسلم لما يقرره صاحبنا حول كل تلك القضايا المصيرية للأمة التي يتناولها في كتابه وكأن الله وهبه الإحاطة بكل العلوم ، وكأن كتابه هذا قرآن منزل منزه عن كل عيب ، معصوم عن كل خطأ أو ظلال . بل شعرت وكأنما صوت نشاز يقول : لتحوز السعادة ، اشتر هذا الكتاب ودع غيره من الكتب .. كل الكتب .
تكاد لا تخلو صفحة واحدة من صفحات كتاب صاحبنا من تناقض ما ، مع العقل والمنطق ، أو فصام ما ، مع الفهم والوعي ، وفي كثير من الأحيان مع الدين ومع صاحب الكتاب أيضا ، بل ومع صفحات أخرى من الكتاب ذاته . إرباك وتداخل بين الكثير من المفاهيم التي يطرحها صاحبنا .
فهو يجعل من المناقص التي ارتكبها ميزات ، ومن المثالب التي وقع فيها جماليات ، لا لشيء ! ولكن فقط لأنه هو تعمدها دون غيره من العارفين والعالمين الفرق بين سرقة إبداع الآخرين ، وعدم بخس الناس أشياءهم . ولأنه هو من قرر ووضع تلك المبادئ وليس غيره ، فإنه يراه الحق الذي لا يأتيه الباطل أبدا من أي صوب !!!
هل المطلوب أن يطرح القارئ عقله جانبا قبل أن يشرع في قراءة كل كتاب يشابه كتاب صاحبنا ؟ أو أن يتجاهله بقصد أو دون قصد إذا ما وجد حرجا أو خجلا في ما يقرأ ، والذي يتطلب منه التوقف عنده مراجعة عقله فيه .
وهل يعقل أنه في الوقت الذي لم يلتفت فيه أغلب المسلمين لما في القرآن الكريم ، وعبر قرون من الزمن من حل لمشاكلهم النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، يتمكن هذا الكتاب وحده من اكتساح كل أحزان وهموم ومشاكل المسلمين ليحولها أثرا بعد عين ؟ حتى أصبح العالم الإسلامي يتفيأ في ظلال السعادة التي تورقها هذه الشجِِرة الوارفة ، جاعلة من الحزن صفحة من الماضي مطوية للأبد .
وهاهي المصانع تنبت في كل الوطن الإسلامي مشرعة أبوابها للملايين من العاطلين عن العمل ، بعد أن قرءوه على عجل ! وهاهي المشاريع الزراعية الإسلامية تثمر ما يأكله المسلم ، ولم يعد المسلم بحاجة لما يصنعه ويزرعه النصارى واليهود والبوذيين والهندوس والسيخ ! لقد توقف المسلمون عن التدخين ، وأغلقت مقاهي الثمامة أبوابها لانكفاء الزبائن ، وقطعت القنوات الفضائية العاهرة العربية المسلمة إرسالها بعد أيام قليلة من صدور كتاب " لا تحزن " .
" بخس الناس أشياءهم "
وربما يكون الكتاب ألف بطريقة مشابهة لطريقة القص واللصق لجهود وتعب آخرين ، فقرر جامعه أن يصفها ويعلق عليها في كتاب واحد رغما عنهم ودون استئذانهم في النقل من كتبهم ، ودون الإشارة لهم أو لحقوقهم ... وحيث قد يفتخر صاحب الكتاب بأنه وزع منه أكثر من مليون نسخة ، أي أن أرباحه التي تجاوزت هذا المليون ملايين من النقود ذهبت لغير أصحابها الذين لم يعطوه الإذن في اقتطاع نصوصهم من كتبهم ولصقها في كتابه دون الإشارة إليهم ودون استئذانهم وباعترافه ، ولعل ذلك هو ما أعطاه مشروعية تجاهلهم ، ولو استأذنهم لأشار لهم ، ولربما عندها لم يكن بمقدوره بخسهم حقوقهم . فإلى أي الجيوب ذهبت تلك الأرباح ؟ وهل حصل أي من الذين تم السطو على حقوقهم على شيء منها ؟
ببسيط العبارة هذا النوع من النقل يعني شيئا واحدا فقط دون سواه من مسميات ومصطلحات ، إنه " بخس الناس أشياءهم " .
وإذا لم يسمع أي قاص ولاصق عن شيء اسمه حماية الحقوق الفكرية للمبدعين ، فإن ذلك لا يعفيه من تهمة بخس الناس أشياءهم والسطو على إبداعهم واستغلاله بغير وجه حق في وجه من الوجوه أدى لكسب مادي غير مشروع ، مهما استعرض على شاشات القنوات الفضائية تعابير من الورع والتقوى ، والسمو عن الصغائر، والزهد بالدنيا ومتاعها . أو حسب أنه يحسن صنعا مستندا فقط لحسن نواياه وبحثه عن رضى الله ، فالكثير ممن يفجرون أنفسهم بالمسلمين في العراق ، وبما يزرعونه في أجسادهم من متفجرات أدت لزهق أرواحهم وأرواح بريئة حرم الله قتلها ، إنما يبتغون رضى الله ومغفرته حسب فهمهم !
ومن البديهيات اعتبار استخدام أي نصوص من إنتاج أدبي في مؤلف جديد ، دون الإشارة للمرجع الذي اجتزأت منه تلك النصوص ، أو دون أخذ الإذن من أصحابها ، سرقة أدبية على أعلى المستويات ، وسرقة لا يمكن لأي منطق أو موضوعية أو شرع أن ينكرها ، خصوصا وأن قوانين الحماية الفكرية التي تتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية ، والتي لم تعد خافية على أحد ، تحرم النقل من إبداعات الآخرين دون الإشارة إليها ، أو دون أخذ الإذن منهم في عدم الإشارة إليها.
ومن المفارقات الغريبة في هذا الزمان أن يقوم مؤلف بوضع توطئة ساذجة في مقدمة كتابه يُقـَعّد فيها مبادئ واهية خاصة به وحده دون العالمين ، يضفي فيها مشروعية دينية وعلمية واهية على بخسه أشياء الناس ، درءا لمواجهته المتوقعة بمثل هذا الاتهام من قبل ناقد سوي أو حاقد ، في إشارة واضحة من المؤلف لشعوره بحقيقة ما يفعل ، وإعلان صريح عن الخوف الذي انتابه من عواقبه ساعة وضعه الكتاب .
" لمن الكتاب ؟ ... لمن ؟ "
لمجتمع عربي يعاني أغلبه من اليأس والاكتئاب والقنوط والاتكالية ، وجد في كتاب يدعو للخنوع والضعف والضعة والاستسلام للأمر الواقع مبررا شرعيا ودينيا كان وما زال يبذل هذا الأغلب النفيس من أجل العثور عليه ، عله يستريح من ألم التحقير واللوم والعتاب والتأنيب التي ينزغه بها المجتمع من حوله ، كما ينزغه بها أيضا ضميره لوصوله لهذه الحال المزرية .
وفيما هذا المجتمع يعلم أن بمقدوره إحداث التغيير الإيجابي القادر على تخليصه من ربق وضعه المرير الذي يعيشه مع شيء من التضحيات التي تتناسب مع المردود ، إلا أن لا مبالاته وخنوعه الذين استمرأهما ، جعلاه يتعود الاستسلام على يأس مفرط لهذا الواقع ، دون الجرأة على القيام بأية مبادرة جادة لتغيير هذا الواقع ، فآتى هذا الكتاب بمثابة المنقذ لاستمرارهم في وضعهم الذي تعودوه ولا يجرءون على تغييره ، ليضفي على هذا الاستمراء للواقع المرير ، والخنوع له واللامبالاة تجاهه ، صبغة شرعية دينية تمنحه المشروعية الكافية تماما لإحجامهم عن القيام بأية مبادرة إيجابية تنهي مأساتهم التي تعودوا .
صاما آذانه عن كل صوت يدعوه للنهوض والعمل وبث روح الحماس الذي لم يتعود للتغيير للأفضل في النفوس والأرض ، أخذ هذا الأغلب من المجتمع ، وفي هوس محموم تدعمه دعاية هدفها الربح المادي في الاندفاع للاستظلال تحت هذه المظلة الشرعية التي تقيه الشمس ولا تقيه لهيبها اللافح ، ولا غبار الصحراء الخانق .
مظلة هذا الكتاب الذي أصبح شماعة غالبية المجتمع العربي من الواهنين مستمرئي الضعة والضعف والفشل ، التي لطالما ركنوا لها تبريرا لفشلهم . كتاب فيه وجدوا ضالتهم التي تعطي مشروعية من الدين للبقاء على وضعهم المزري الذي سيرضه الله لا محالة بشرط شراء وقراءة هذا الكتاب فقط .
ـ لا تستطيع حل مشكلتك ؟
اشتر هذا الكتاب الذي سبق واشتراه أكثر من مليون مسلم غيرك واقرأه كما قرءوه لتحفل بسعادة غامرة ، ولكن دون أي حل لمشكلتك . إنه الشعور بالسعادة الغامرة التي يمنحك إياها فيما أنت في حالة من التراكم المستمر لمشاكلك ! إنه التغييب التام لك عن مشاكلك ، أو العكس.
ـ سقط جدار منزلك ؟
لا تهتم اشتر كتاب " لا تحزن " وستشعر بسعادة غامرة ! فيما يبقى جدارك على حاله .
دخل عليك لص من الجدار المهدم ؟
لا تهتم اشتر كتاب " لا تحزن " وقم بقراءته ، وفيما اللص ينهب منزلك ! فإنك ستشعر بسعادة غامرة .
" وضرب صاحب الليموزين مثلا "
يقول صاحب الكتاب في إحدى صفحاته ، والذي ليس في الدين من شيء أن أنظره " أنا صاحب هذا المقال " العصمة من الزلل : " بثمانمائة ريال فقط أمكن لسائق ليموزين سعودي يعيل أسرتين في منزلين منفصلين مكونتين من زوجتين وأربعة عشر طفلا أن يعيش سعيدا جذلا بهذا الدخل الشهري الزهيد " .
ولم يلتفت صاحب الليموزين هذا أبدا لارتفاع الأسعار ، أو التضخم الاقتصادي ، أو جشع التجار ، وتزايد متطلبات ووسائل الحياة ، في ذات الوقت والمكان الذي يلبس فيهما الكثير في العالم الإسلامي عباءة تعادل أكثر من عشرة أضعاف دخل ذلك المواطن السعودي الجذل بدخله المبارك ، ويتدهنون بدهن العود الكمبودي الذي يعادل ثمن التولة منه الدخل الشهري لذلك السائق المحظوظ .
وليت صاحبنا أبلغ سائق الليموزين هذا عن تكاليف سياراتهم ومنازلهم ومكاتبهم ، ومصاريف رحلاتهم وتنقلاتهم ، ومصاريف كتابة وطباعة ونشر وتوزيع وأرباح كتبهم ؟! فهل أبلغ سائق الليموزين شيئا من ذلك ؟ لعله يزداد سعادة وجذلا على سعادته وجذله .
أفلا تعمل بنا يا صاحب الكتاب " الفلتة " معروفا لن ننساه لك في الدنيا والآخرة ، وتدلنا على عنوان سائق الليموزين هذا الجذل كي نسأله وجها لوجه عن هذه الكرامة التي نغبطه عليها ، لعلنا نطالب الدولة الكريمة بأن تقلص الرواتب التي على المبالغة فيها مقابل دخل صاحب الكرامة الكبرى صاحب الليموزين ، فإننا لم نحفل بالسعادة ولا الجذل الذين حفل بهما.
فالتقلص الدولة إذا الرواتب التي لا تجلب الجذل ولا السعادة ، وليعمل جميع أبناء الوطن سائقي ليموزين في مطاراتها بمدخول لا يتجاوز ثمانمائة ريال كي نحفل أخيرا بالسعادة والجذل الذين لطالما بحثنا عنهما بكل ما نملك من مال وعلاقات ، ووجدهما صاحب الليموزين هذا الوحيد ذو الثمانمائة ريال . وإني لأدعو صاحب الليموزين هذا أن يكشف النقاب عن نفسه كي نخرس للأبد ، ونتحول من مهنة ناقد تعيس حزين ، إلى مهنة سائق ليموزين سعيد جذل .
إن صاحب الليموزين هذا ليستحق نصبا تذكاريا من الدولة تضعه في وسط أفخم ساحة في العاصمة ، كي يكون قدوة ونموذجا لكل الحزانى والمكتئبين والنزغين بالبطالة وقلة الفرص الوظيفية وانخفاض الرواتب ، فهو يجعل الدولة في حل من واجباتها في توفير أسباب السعادة للمواطن بما تقدمه من رواتب تتجاوز الثمانمائة ريال بكثير لأفراد يقل الكثير من أفراد أسرهم عن الستة عشر نفسا . ولسعادة مضمونة وسريعة وفعالة ليكتفي العزاب منهم بخمسين ريالا بالشهر.
ويرى صاحبنا أن هذا الجذل الذي يعيشه صاحب الليموزين مصدره هذا الاكتفاء على فرح غامر بما يسد رمقه وأسرته وحسب !
وهل ثمانمائة ريال يمكن لها أن تسد رمق ستة عشر نفسا ؟ يا صاحب الكتاب ؟!. حد الكفاف لمثل هذه الأسرة في المملكة العربية السعودية يحتاج يا " صاحب الكتاب الذي حقق الملايين من الأرباح " لأكثر من أربعة أو خمسة أضعاف الثمانمائة ريال التي تسوق لها . إلا إذا كان المقصود أسرة تعيش في دارفور ) إ . هـ .
|