عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-22-2012, 06:23 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

و قد علق أيضا على هذا المقال بكلام ماتع في مسألة تحكيم القوانين.
قال -وفقه الله-: (وحتى لا يقع اللبس والخلط في هذا الموضوع من بعض مَنْ لم يضبط كلام العلماء المعاصرين؛ أقول:

مسألة تبديل القوانين لها ثلاث صور:

الأولى: أن يكون ذلك عن استحلال أو جحود؛ سواء كان في حكم واحد أو أكثر، فيصرح بلسانه: أَنَّ هذه القوانين أفضل من الشريعة أو مثلها أو يجوز الحكم بها، أو ينسبها إلى الشرع كما هو الحال في الياسق الذي حكم به جنكيزخان؛ فهذا كفرٌ أكبر لا خلاف فيه بين أهل السنة.

الثانية: أن يبدِّل الشريعة كلها رأساً على عقب بالقوانين الوضعية؛ فهذه عند شيخ الإسلام رحمه الله تعالى صورة يحكم فيها رب العالمين، وعند الشيخ الألباني رحمه الله تعالى موضع يقبل الجدال وهو يرجِّح عدم الكفر إلا باستحلال اللسان؛ لأنَّه مثل هذا قد يكون بلسان الحال رافضاً للحكم بالشريعة كما يقول مَنْ يحكم بكفره؛ لكن لسان الحال يحتمل ذلك ويحتمل غير ذلك، وعند الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى لا يكفر هذا إلا بالاستحلال أو نسبتها إلى الشريعة كما هو ظاهر في شريط "الدمعة البازية"، وقد ترجَّح عند بعض علماء بلاد الحرمين بأنَّ هذه من الكفر الأكبر، وقد بيِّن ذلك الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى في رده على خالد العنبري.

الثالثة: أن يبدِّل حكماً واحداً من غير استحلال ولا جحود؛ فهذه لم يقل بأنه من الكفر الأكبر إلا القطبية ومَنْ تأثر بهم كما في كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله أحكامه وأحواله).

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى [المجموع 35/388]:
((إنَّ الحاكم إذا كان دَيِّناً لكنه حكم بغير علم: كان من أهل النار، وإن كان عالماً لكنه حكم بخلاف الحق الذى يعلمه: كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم: كان أولى أن يكون من أهل النار؛ وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص.
وأما إذا حكم حكماً عاماً فى دين المسلمين فجعل الحقَّ باطلاً والباطلَ حقاً والسنةَ بدعةً والبدعةَ سنةً والمعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً، ونهى عما أمر اللهُ به ورسولُه، وأمر بما نهى اللهُ عنه ورسولُه: فهذا لون آخر؛ يَحكمُ فيه ربُّ العالمين وإله المرسلين، مالك يوم الدين، الذي له الحمد في الأولى وفى الآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم)).

وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في شريط "الكفر كفران": ((هذا المسلم والقاضي الذي يحكم بما أنزل الله عادةً؛ حكم في قضية ما بغير ما أنزل الله، ما أظن أنَّ مسلماً يحكم بمجرد أن صدر منه هذا الحكم المخالف الشرع، أنه يحكم عليه أنه كفر، ما أظن أحداً يفعل هذا. فأريد أن أقول في قضية أخرى لسبب أو آخر، تكرر ذلك السبب أو تجدد، مش مهم، وإنما حكم أيضاً بغير ما أنزل الله، كذلك أنا أقول: لا أستطيع أن أقول أنه كفر كفر اعتقاد، وكفر ردة، إلى متى سنكرر … خمس مرات، عشر مرات، مائة مرة .. إلخ. متى أستطيع أن أقول بأن حكمه هذا يدينه بأنه كفر ردة وليس كفر عمل فقط، إذا بدا منه ما يُنبئ عما وقر في قلبه، إذا بدا منه شيء عما وقر في قلبه؛ وهو أنَّ هذا الحكم لا يصلح الحكم به بالرغم أنه مما أنزل الله، هنا يقال بأنَّ كفره كفر ردة. فلا نعود لعلنا نلتقي: أنَّ هذا الذي اتخذ نظاماً قد يكون سبب قول القائلين: أنَّ هذا كفر ردة، هو أنهم اتخذوا نظامه دليلاً على ما وقر في نفسه بأنَّ الحكم في الإسلام لا يصلح، أنا أقول: إنْ صح حكمهم أو استنباطهم، فيكون هذا حكماً صحيحاً مطابقاً للكفر الاعتقادي.
إذن مناط الحكم والبحث والتفريق بين كفر وكفر وهو: أن ننظر إلى القلب؛ فإنْ كان القلب مؤمناً والعمل كافراً: فهنا يتغلب الحكم المستقر في القلب على الحكم المستقر في العمل، أما إذا كان ما في القلب مطابق للعمل؛ أي هو لا يقر هذا الحكم الذي جاء به الشرع: إما إعراباً وإفصاحاً بلسانه، أو تعبيراً بلسان حاله؛ يعني التعبير قد يكون بلسان القال أو بلسان الحال، إذا كان تعبيره عن كفره القلبي بلسان القال انتهى الموضوع، أما إذا كان بلسان الحال؛ هنا لسان الحال قد يقبل الجدال، فماذا تقول الآن بمثل هذا التفصيل؟!!)).

قلتُ:
وإذا كان السبب المكفِّر محتملاً، فلا ينبغي للمسلم أن يقدم على تكفير مَنْ ثبت إسلامه بيقين إلا بيقين لا شك فيه، ولا يحكم بمجرد الشواهد والدلائل:
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى [الصارم المسلول 1/516]: ((فإنَّ التكفير لا يكون بأمر محتمل)).
وقال [المجموع 34/136]: ((فلا يزول الإيمان المتعين بالشك، ولا يباح الدم المعصوم بالشك))، ويقول [المجموع 12 /466]: ((ومَنْ ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك))، وقال [المجموع 23/11]: ((لفظ "الشك" يراد به تارة ما ليس بيقين وإنْ كان هناك دلائل وشواهد عليه)).

وخلاصة ما عليه القطبيون ومَنْ تأثر بهم في هذه المسألة:
1- تكفير مَنْ يبدِّل حكماً واحداً، وهذا عين مذهب الخوارج الأوائل، لأنَّ الحكم المبدَّل هو الحكم بغير ما أنزل الله، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في [الروح ص267] ((الحكم المبدَّل وهو الحكم بغير ما أنزل الله؛ فلا يحل تنفيذه ولا العمل به ولا يسوغ إتباعه، وصاحبه بين: الكفر، والفسوق، والظلم)). فمَنْ بدَّل حكماً واحداً فهو كمن ترك حكماً واحداً سواء، لأنَّ الحاكم إذا ترك حكماً لا شك أنه سيحكم بشيء آخر؛ وهذا الشيء الجديد هو البديل، وما سوى ذلك فسفسطة لا فائدة فيها.
2- عدم النظر والاعتبار إلى الأعذار التي قد تمنع من الحكم بكفر ذلك الحاكم عيناً، ولا مراعاة شروط التكفير وموانعه.
3- دعوى الإجماع على مثل هذه الحالة!.
4- تنزيل قوله تعالى: ((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ))، على مثل هذه الحالة، مع إنها نزلت في كفار جحدوا ما أنزل الله.
5- التشكيك أو الرد لأثر عبدالله بن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية السابقة: ((ليس الكفر الذي تذهبون إليه؛ إنه كفر دون كفر)) من جهة الإسناد أو الدلالة أو التنزيل على واقع الحكام اليوم.
6- التسوية بين كتاب الياسق الذي حكم به جنكيزخان وبين القوانين الوضعية التي يحكم بها في كثير من بلاد المسلمين؛ مع إنَّ الأول نسبه صاحبه إلى الشرع وأنه من عند الله كما نقل ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية، بينما لم يقل ذلك مَنْ يحكم بالقوانين الوضعية اليوم.
7- التفريق بين الحكم بغير ما أنزل الله في قضية واحدة لهوى أو رشوة أو قرابة، وبين تبديل حكم واحد؛ مثل جعل حكم السارق السجن لا قطع اليد، وهو تفريق حادث لا برهان عليه.
8- وصف العلماء السلفيين المخالِفين لهم في هذه المسألة بالإرجاء أو بالعملاء أو علماء السلاطين والطواغيت.
9- كثرة التأليف والكتابة في مثل هذا المسألة وإشغال الشباب الناشئ بها؛ لأنَّ مشكلة العصر عندهم هي القوانين الوضعية وليس الشرك والقبور والمراقد!، وعندهم توحيد الحاكمية أخص خصائص توحيد الإلوهية كما قال قطبهم الأكبر، وسنَّه لهم قانوناً عاماً لا يقبل الجدل!.
والله أعلم ).

شبكة سحاب السلفية:
http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=126131
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .

التعديل الأخير تم بواسطة بلال الجيجلي ; 10-22-2012 الساعة 07:44 PM
رد مع اقتباس