عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 11-09-2012, 09:15 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

الدعوة إلى الله في الريرمون:

فتوكلت على الله وسافرت بالقطار إلى مدينة ملوي فكنت أسمع بالشيخ عبد الظاهر الريرموني أنه من دعاة السلفية فسألت عنه فوجدته، ونزلت عند مغربي يسمى الشيخ إبراهيم الدادسي وهو طبيب عيون يقدح العيون على طريقة الطب الإسلامي القديم بميل من حديد بدون تخدير فيخرج البياض من العين ثم يعالج الجرح بالأدوية إلى أن تشفى العين التي كانت عمياء لا تبصر شيئا ويعود إليها نورها بإذن خالقها، وهذه الطريقة لا تزال مستعملة إلى يومنا هذا في بعض القرى النائية عن المدن في بلاد المغرب وغيرها.

فوجدت الشيخ عبد الظاهر الريرموني وفرح بي وأظهر السرور وأكثر الترحيب واعتذر لي عن دعوته إياي إلى قريته الريرمون، فقال: أيها الأخ العزيز إن ضيافتك واجبة علي ولكن قريتي تبعد عن هذه المدينة بقدر نصف ساعة للراكب على الحمار الفاره، وأنا لا أشتغل في الغيط يعني- في المزرعة- وكل أهل القرية يخرجون إلى غيطانهم صباحا ويرجعون مساء وأنا أجيء كل يوم إلى هذه المدينة فأمكث فيها من الصباح إلى المساء، فإن دعوتك إلى القرية فإما أن تبقى وحدك أو تتكلف المجيء كل يوم معي صباحا وترجع مساء وفي ذلك من المشقة عليك ما لا يخفى، فشكرته على ذلك ورأيت عذره قائما.

وأقمت عند الشيخ إبراهيم الدادسي بمدينة ملوي من مديرية أسيوط، من بلاد الصعيد أربعة أيام ثم عزمت على التوجه إلى قصبة المديرية وقاعدتها، وهي مدينة أسيوط، وكنت أجتمع بالشيخ عبد الظاهر الريرموني كل يوم ونتذاكر مسائل العلم. وفي صباح يوم الخميس استعددت للسفر بالقطار إلى أسيوط، فبينما أنا على ذلك إذا براكبين على حمارين قد أقبلا ونزلا وسلما على الشيخ إبراهيم الطبيب وقالا له: أين الأستاذ المغربي الذي بلغنا أنه عندك؟ فقال لهما وأشار إلي: هذا هو يريد أن يسافر إلى أسيوط الآن. فقال أحدهما وهو الشيخ عبد العليم رحمة الله عليه: أيها الأستاذ إن إخوانك السلفيين في الريرمون يقرؤونك السلام ويلتمسون أن تتفضل عليهم بالزيارة ولو ليوم واحد فإن أستاذنا الشيخ عبد الظاهر أخبرنا منذ أربعة أيام بقدومك فالتمسنا منه أن يدعوك إلى قريتنا، فقال: إنك مستعجل تريد السفر إلى أسيوط ولا تستطيع أن تزورنا فقلنا له: ولا يوما واحدا فقال: ولا يوما واحدا وكررنا عليه الطلب في اليوم الثاني والثالث حتى يئسنا منه، فأرسلنا إخوانك لندعوك إليهم لما علموا أنك عزمت على السفر إلى أسيوط وقالوا لنا: إن وجدتموه سافر فسافرا إلى أسيوط وأبلغاه دعوتنا، واعلم أيها الأستاذ المحترم أننا معشر السلفيين في قرية الريرمون لا يزيد عددنا على مائة بيت، وقد اشتدت العداوة بيننا وبين قومنا المبتدعين عباد الأضرحة وشيوخ التصوف حتى انتقلت العداوة من أمور الدين إلى أمور الدنيا، وشيخ البلد منهم والعمدة معهم ونحن محاربون لأجل عقيدتنا فنرجو أن يهدي الله بك إخواننا ويجمع شملنا على كلمة التوحيد وأتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا تخيب رجاءنا، فقلت لهما: أيها الأخوان العزيزان لستما في حاجة إلى كل هذا الإلحاح فإنني نذرت لله أن أدعو إلى توحيده وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حيثما كنت وهذا أهم غرض لي في الحياة.

* الدعوة إلى الله في الصعيد

فركبت أحد الحمارين وتوجهت إلى الريرمون مع الشيخ عبد العليم فلما وصلت نزلت في مندرة- أي مضيف- الشيخ إسماعيل الصيفي رحمة الله عليه، واجتمع الإخوان السلفيون واحتفلوا بي كأني أحد الأمراء، ولم يكن عندي من الكتب إلا مجموعة الرسائل التي نشرها عيسى بن رميح رحمه الله وهي رسائل في التوحيد، فبدأت الدعوة بعد صلاة المغرب في المندرة المذكورة واجتمع أهل القرية كلهم تقريبا فلم تسعهم المندرة فجلسوا في الشارع. وكان في مقدمتهم شيخ البلد الشيخ يوسف رحمة الله عليه فأخذ يلقي علي أسئلة في التوسل بالأولياء وشد الرحال إلى زيارة قبور الصالحين والذبح والنذر وأوراد الطريقة والاستمداد من الشيوخ والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وما إلى ذلك وأنا أجيبه بحلم وأناة وصبر وهبنيه الله لم أعهده في نفسي قبل ذلك.

إذا اصطفاك لأمر هيأتك له يد العناية حتى تبلغ الأملا

وحضر هذا الدرس أستاذ الجماعة الشيخ عبد الظاهر الريرموني فأخذ يبحث عن عثراتي في النحو والصرف واللغة، ويلقي علي أسئلة بقصد الزراية وإظهار نقصي فقابلت- بتوفيق من الله- كل ذلك بأدب وحلم كما يفعل التلميذ المتأدب مع أستاذه، وصرت إذا أجبته عن سؤال فلم يقبل جوابي أسلم له وأقول له: تفضل يا حضرة الأستاذ وأفدنا في هذه المسألة بما علمك الله، فصبر الجماعة لهذه المقاطعات على مضض ثم عيل صبرهم فقال الشيخ إسماعيل صاحب البيت: يا شيخ عبد الظاهر هذه المسألة اللغوية التي تقطع بها على الأستاذ المغربي كلامه لا فائدة لنا فيها دعها إلى الوقت المناسب لها، ثم انطلقت في الوعظ شوطا أو شوطين، وإذا بالشيخ عبد الظاهر يعود إلى أسئلته فأعود أنا إلى التسليم والأدب، فيزداد المستمعون غيظا ويعيدون عليه قولهم، واستمر الأمر على ذلك ثلاث ليال ولم ينته عما نهوه عنه فخشنوا له القول وانتهروه فقال لهم: هذا ضيفي أصنع به ما أشاء ويحق لي لو شئت أن أقول له: إن أيام الضيافة ثلاثة، وقد انقضت فتفضل فارحل لقلت له ذلك، فقال له أحدهم وأظنه الشيخ إسماعيل: (إيه ده يا خوي أنت ما تقدرش تقوله كده ده ما هو ضيفك ده ضيفنا إحنا دعوناه واحنا كبناه بعدما ترجيناك أنت تدعوه ويئسنا منك) معناه: ما هذا يا أخي؟! إنه ليس ضيفك وإنما هو ضيفنا نحن ولا تستطيع أن تقول له: ارحل فعند ذلك غضب الشيخ عبد الظاهر ولم يعد يحضر دروس الوعظ والدعوة.

* السر الخفي *

كأني بك أيها القارئ قد تلجلج في صدرك سؤال تريد الإجابة عنه، وهو لماذا امتنع الشيخ عبد الظاهر عن دعوتك، ولماذا يعكر درسك، وفي النهاية يريد أن يطردك؟

الجواب: إذا ظهر السبب زال العجب. اعلم يا أخي أن الشيخ عبد الظاهر كان قد خط لنفسه خطة في الدعوة، وهي أنه كان يفرض على كل واحد من السلفيين في الريرمون أن يبايعه بيعة تشبه في بعض نواحيها بيعة المريد المتصوف لشيخ الطريقة، وكانت شروط هذه البيعة شديدة إلى حد أنه لو وقع من أحد الإخوان شيء طفيف مما يخالف ما يريده الشيخ عبد الظاهر، يغضب عليه ويقول له: انتقضت بيعتك فتب إلى الله، وبايعني من جديد فلا يسعه إلا أن يتوب ويبايع من جديد وإلا طرده الشيخ وأخرجه من حظيرة الإخوان.

ومن أمثلة ذلك أن الشيخ عبد الظاهر كان قد بلغ من العمر خمسا وثلاثين سنة ولم يتزوج فعتب عليه بعض الجماعة وقالوا له: أنت أستاذنا وإمامنا فلا ينبغي لك أن تبقى عزباً وأنت تعلم ما فرض الله على مستطيعى الباءة فقال لهم: أنا فقير لا يرض أحد أن يزوجني ابنته، فقال أحدهم: أنا أزوجك ابنتي فسكت الشيخ، ومضى على ذلك سنتان فجاء خاطب فخطب الفتاة فوعده أبوها خيرا، فلما سمع بذلك الشيخ غضب عليه غضبا شديدا وقال له: انتقضت بيعتك فتب إلى الله واعدل عن تزويج الفتاة بذلك الخاطب فقد وعدتني بها منذ سنتين فكيف تزوجها شخصا آخر؟! فقال: أيها الأستاذ حقا عرضت عليك ابنتي فلم تجبني ببنت شفة، ومضى على ذلك سنتان فلم يبق عندي شك أنه لا أرب لك فيها فقال الشيخ: كان الواجب يقضي عليك حين جاءك الخاطب أن تأتيني، وتسألني عن رأي في التزوج بها فإما أن أتزوج وإما أن أرخص لك في تزويجها فاختلف الإخوان السلفيون في هذه القضية، فبعضهم صوب رأي الشيخ وبعضهم صوب رأي أبي الفتاة واشتد نزاعهم. وكان كثير من الإخوان يشكون في البيعة، ويظنون أنها غير مشروعة وليست من السنة في شيء، لأنهم لم يروا أحدا من الدعاة إلى السلفية فرضها عليهم قبل هذا الشيخ فهاتان مسألتان معضلتان تحتاجان إلى أبي حسن يكشف عنهما ظلام الإشكال ويبين حكم الله فيهم، ولما رآني الشيخ عبد الظاهر في مدينة ملوي، خاف أن أتصل بإخواننا فيسألوني عن القضيتين فأجيب بخلاف رأيه فلذلك فعل ما فعل ليحول بيني وبينهم، ولم يدر أنه لا حيلة تنفع في رد المقدور فوقع ما خافه ولذلك أخذ يعاكسني في دروس الوعظ وحاول أن يطردني.

* * *
* عودة إلى دروس الوعظ*

استمررت في إلقاء الدروس كل مساء في مندرة الشيخ إسماعيل الصيفي، ونسيت أن أقول إن الشيخ عبد الظاهر الريرموني رحمه الله بلغ في المعارضة والمعاكسة إلى أن خالفني في أمر لم يزل يقرره ويدعو إليه، وهو منع شد الرحال إلى زيارة قبور الصالحين، فقال له إخوانه: يا لله العجب.. أنت نفسك لم تزل تقرر المنع فقال: تغير رأي وهل أنا معصوم! ومن طباع المصريين المحمودة- وما أكثرها - أن المرءوس إذا ظهر له الحق لا يفكر في مذهب الرئيس واعتقاده بل يتلقى الحق بالقبول وإن خالف رئيسه، ولذلك كان الناس في أثناء الوعظ يتوبون إلى الله ويعلنون توبتهم من الشرك والبدعة ففي كل ليلة يتوب اثنان أو ثلاثة.

وفي الليلة السادسة أو السابعة قام شيخ البلد فأعلن توبته وقال: أيها الشيخ المغربي: إنك لم تأتنا بشيء جديد فكل هذه المسائل التي دعوتنا إليها سبقك إليها الشيخ علي التونسي والشيخ عبد الظاهر الريرموني وفلان وفلان ولكن الفرق بين دعوتك ودعوتهم أننا إذا جادلناك تصبر على جدالنا وتجيبنا بلطف ولين حتى نقتنع وننتقل إلى مسألة أخرى ثم أخرى إلى أن يزول ما عندنا من الإشكال. وأما الدعاة الذين تصدوا للدعوة قبلك فقد كان لهم أسلوب آخر متى جادلناهم وعرضنا عليهم شبهاتنا قالوا لنا: كفرتم! فنقول لهم: وأنتم أكفر ونفترق على أقبح ما يكون، ثم التفت إلى الشيخ إسماعيل الصيفي صاحب البيت وقال له: يا شيخ إسماعيل جزاك الله خيرا على دعوة هذا الأستاذ المغربي الذي هدانا الله إلى الحق بسببه، ولك الفضل والحق أن تكون الدروس في مندرتك، وأن يكون الأستاذ المغربي ضيفك ولكني أطلب من فضلك أن تسمح لي بأن يكون الأستاذ أسبوعا عندك وأسبوعا عندي. هذا في الدروس الخاصة التي تلقى في المنادر وأنا أطلب من الأستاذ المغربي أن يلقي لنا درسا في المسجد الجامع يوميا وأن يصلي بنا الجمعة مادام مقيما عندنا فقال الشيخ إسماعيل: إني أقبل هذا الاقتراح بكل سرور.

فانتقلت إلى مضيف شيخ البلد واستمررت على إلقاء الدروس وأضفت إليها درسا بعد العصر في المسجد الأعظم، واعتذرت إلى الشيخ يوسف عن قبول ما عرضه علي من صلاة الجمعة إماما وقلت له: إنني لا أحب الدعاء للملك فؤاد في كل خطبة ولا أريد أن أكون سببا في شر يصيبك فحسبي أن ألقي الدروس، فقال رحمه الله: أيهما صواب، الدعاء للملك في كل خطبة جمعة أم تركه على ما جاءت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت له: أنا أرى تركه هو الصواب فقال: (إيه ده يا خوي) نحن نعبد الله أو نعبد فؤاد؟ إذا رأيت الملك فؤادا أمامك في الصف الأول فلا تبال به أنا المسؤول وصل كما أمرك الله واخطب كما أمرك الله.

وبعد توبة الشيخ يوسف تاب أهل البلد عن بكرة أبيهم إلا بيتين، أحدهما بيت شيخ الطريقة والثاني بيت العمدة المرفوت، والمرفوت عندهم هو المعزول، وخدامهما، وبعدما كان السلفيون ممنوعين من جميع المساجد لأنهم وهابيون أهل مذهب خامس تصافح أهل القرية كلهم وزال كل ما كان بينهم من العداوة في الدين والدنيا، وانتقلت العزلة التي كانت ملازمة لهم إلى شيخ الطريقة والعمدة المرفوت وخدامهما، فأخذوا يصلون منعزلين في زاوية في وسطها قبر عليه تابوت كانوا يعبدونه، وبلغت العداوة بين الفريقين إلى أن صار يتهم بعضهم بعضا بإحراق الزروع في البيادر، واتهم المبتدعون السلفيين بإحراق تابوت ذلك الضريح الذي كانوا يعبدونه. والحقيقة أن امرأة أوقدت شمعة تتقرب بها إلى صاحب الضريح وجعلتها على التابوت فلما انقضت الشمعة وصلت النار إلى التابوت فأحرقت بعضه.

وكأني بعابد القبر يقول يا هذا لقد أسرفت في القول فهل يعبد مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبرا؟ فأقول في الجواب: يمكنك أن تغالط بهذا الكلام غيري أما أنا فلا تستطيع أن تغالطني لأنني أنا بنفسي كنت أعبد القبور، فهداني الله إلى توحيده وهدى بي خلفا كثيرا ولله الحمد وأريدك على ذلك ما يخرسك ويلقمك حجرا أن الجهال في هذا الزمان من أهل البلاد الإسلامية - وما أكثرهم- يعبدون القبور والأنصاب بل والأشجار ويعبدون كل شيء حتى الحمير ودونك البرهان القاطع:

أما عبادة الأضرحة فأمر متواتر مشاهد بالعيان في أكثر البلدان المنتسب أهلها إلى الإسلام كما هو في بلاد النصارى وهؤلاء يزيدون التماثيل.

وأما عبادة الأشجار فقد حدثت من عهد بعيد فقد ذكر ابن أبي شامة في كتاب البدع له: أن شجرة كانت تعبد في دمشق في زمانه. وأما في هذا الزمان فحدث عن البحر ولا حرج فقد شاهدت شجرة عظيمة وافرة الأغصان تعبد في مصر، وأخبرني الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة أنه هم بقطعها وأخذ فأسا واشتغل طول الليل إلى أن كاد الفجر يطلع فلم يستطع أن يقطع إلا جزءاً يسيراً من أغصانها، فجاء عبادها في الصباح بالنذور فوجدوا بعضها مقطوعا فغضبوا غضب العابد لمعبوده، واتهموا الشيخ المذكور ورفعوا شكوى إلى العمدة فطالبهم بالبينة فقالوا: لا يوجد أحد في هذه الناحية يشنع على المتبركين بها إلا هذا الرجل، فقال العمدة: إنني لا أستطيع أن أعاقبه بهذه الحجة التي لا تتجاوز الظنون. وأخبرني الحاج (محمد أجانا)- وهو رجل قضى عمره في البدع حتى بلغ السبعين ثم هداه الله إلى التوحيد بدعوتنا- أن له شجرتين يعبدهما الفلاحون إحداهما اسمها أبو بكر والأخرى نسيت اسمها، وأن الفلاحين يضعون أدوات الحرث وغيرها مما يثقل عليهم حمله إلى جانب إحدى الشجرتين فلا يتجرأ أحد أن يسرق شيئا من ذلك مع أنهم سرقوا حصر المسجد ولو ذهبنا نعدد وقائع عبادة الأشجار لطال بنا الكلام.

وأما عبادة الأحجار فهي كثيرة أورد بعض وقائعها: فمن ذلك حجر كبير ناشز في جبل بالصعيد في مديرية أسيوط أخبرني أصحابنا أنه كان يسمى الشيخ دغارا وأن جماعة منهم ذهبوا ذات ليلة بمعاولهم، واشتغلوا طول الليل فتركوا الشيخ دغارا أثرا بعد عين. ومنها أن صخرة في مرسى مدينة طنجة داخل البحر تسمى سيدي ميمون يعبدها أهل تلك الناحية. وسبب إطلاعي على عبادتها أني كنت راكبا في سيارة حافلة من طنجة إلى تطوان سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة وألف بتاريخ النصارى وأتباعهم، وكان إلى جانبي رجل معه امرأة فسلم على وقال لي: أنا ممن يحضر دروسك في الجامع الكبير، وقد هداني الله إلى التوحيد بسبب ذلك ولكن زوجتي هذه لا تزال متمسكة بالشرك فأرجو من فضلك أن تعظها لعل الله يهديها بوعظك كما هداني أنا وذكر لي قضية اشتد نزاعهما فيها تتعلق بعبادة الصخرة البحرية المسماة بسيدي ميمون وحاصلها أنها لا يعيش لهما الأولاد إذا بلغ الصبي سنة يموت، فنذرت زوجته أن تذبح عن ولدها في كل سنة شاة لسيدي ميمون، وقد حانت النهاية السنة الأولى من عمر الصبي قال: فامتنعت أنا من الوفاء بهذا النذر، وقلت: إن عمر الصبي بيد الله وميمون صخرة لا تضر ولا تنفع فلم تقبل. فوعظتها من طنجة إلى تطوان مدة ساعة ولا أدري هل انتفعت بوعظي وتابت من الشرك أم بقيت على شركها. وأكتفي بهذا القدر من الشواهد على عبادة الأحجار.

ومن عبادة المياه أن بئرا بالقصر الكبير يعبدها السفهاء ويسمونها سيدي ميمونا ويزعمون أن ابن أمير الجن شمهورش كثيرا ما يحضرها خبرني بذلك غير واحد في البلد المذكور وشاهدت حوادث أخرى من عبادة المياه فلا أطيل بذكرها.

وأما عبادة الحمير فأذكر فيها قصتين: إحداهما وقعت في طرابلس الغرب على ما حدثني به ثقة، وذلك أنه كان في تلك الديار شيخ متصوف اسمه عبد السلام الأسمر كان يرقص مع أصحابه ويضربون بالدفوف حتى يخروا صرعى على الأرض ويعتقدون أن الدف الذي كان يضرب به الشيخ عبد السلام نزل من الجنة، وكان يضرب به علي بن أبي طالب للنبي، والشيخ عبد السلام والمريدون المنقطعون للعبادة معه لم يكونوا يكتسبون معيشتهم لأنهم كانوا بزعمهم متوكلين. وكان للشيخ المذكور حمار يطوف على بيوت البلدة وحده كل صباح ومساء وعليه خرج فكلما وقف بباب بيت يضع أهله شيئا من الطعام في ذلك الخرج فيرجع إلى الشيخ والمريدين بطعام كثير غدوة وعشية، فلما مات الشيخ وتفرق المريدون وبقي الحمار بلا عمل فصار الناس يقدمون له العلف ويتبركون به إلى أن مات فدفنوه وعكفوا على قبره يعبدونه. والقصة الثانية في المغرب الأقصى: قرأت في سنة ستين وتسعمائة وألف بتاريخ النصارى في صحيفة العلم مقالا لمعلمة اسمها خديجة النعيمي من الدار البيضاء قالت خديجة: خرجنما مع نسوة جاهلات نتجول خارج المدينة فمررنا بكوم من حجارة فأخذت النسوة يقبلن تلك الحجارة ويتمسحن بها قائلات: (أنتاع الله لله يا للاحمارة) معناه نسألك متاع الله أي ما أعطاك الله من الكرامة يا سيدتنا الأتان، قالت: فأنكرت صنيعهن وقلت لهن: ويحكن تتخذن أولياء حتى من الحمير، فقلن لي: اسكتي إنك لا تعرفين قدر هذه الولية فكم قضت من حاجات ونخاف عليك أن تضربك ضربة يكون فيها حتفك فسلمي للفارغ لكي تنجي من العامر (قلت: وهذا مثل يضربه المغاربة لمن اعترض على عبادة شخص وقال: إنه لا ينفع ولا يضر يقول له عباده: (سلم للخاوي تنج من العامر) معناه هب أنه فارغ من الولاية فخير لك أن لا تعترض عليه وأن لا تنكر ولايته لأنك إن استمررت في الإنكار يخشى عليك أن تصادف وليا حقيقيا فيصبك بشر). ثم وجهت الكاتبة المذكورة دعوة إلى العلماء وقالت: يا علماء الدين اتقوا الله وعلموا الناس توحيد الله وشعائر دينهم، فإنكم ضيعتم الأمانة التي حملكم الله إياها حتى وصل الناس إلى عبادة الحمير دون الله. فكتبت ثلاث مقالات تلبية لدعوتها ونشرت في صحيفة العلم ولم يلب دعوتها أحد غيري من قراء صحيفة العلم وهم يعدون بالآلاف وأظن أن هذا القدر يكفيك إن كنت منصفا، ويقمعك إن كنت متعسفا.

*عودة إلى الريرمون *

أول جمعة صليتها إماما في الريرمون في المسجد الأعظم كانت يوم عيد عند أهل الريرمون، وتمكن السلفيون لأول مرة من الصلاة في المسجد الأعظم وتعانق الناس، وصاروا إخوانا متحابين. وكان للسلفيين مسجد بنوه باللبن وسقفوا نصفه بخشب النخل فصلى في ذلك اليوم الشيخ عبد الظاهر في ذلك المسجد إماما، وقال في خطبة الجمعة يا إخواننا لا يخفى عليكم (أن المركب اللي فيها ريسين تغرك) يعني أن السفينة إذا كان لها ربانان فمآلها الغرق لأن الربانين يختلفان فيؤدي اختلافهما إلى اختلاف النوتية ويفضي بهم ذلك إلى الغرق، وأن هذا المغربي قد فرق جماعتنا ووالى أعدائنا وأحدث فتنة في البلد، ولا يستمع لحديثه، فما فرغ من الصلاة ولم يصل معه إلا الشيوخ الضعفاء الذين شق عليهم المشي للجامع الأعظم- حتى غضبوا عليه وزجروه زجرا شديدا وقالوا له: ما نظن إلا أنك أصبت بالجنون وأن هذه الصلاة التي صليناها خلفك مشكوك في صحتها لأنك تكلمت باللغو الذي لا يناسب خطبة الجمعة، وهذا الرجل الذي تكلمت فيه بغير حق ما رأينا منه إلا خيرا وهو يجلك غاية الإجلال فقال لهم: هذا فراق بيني وبينكم.

وقبل ذلك بيوم دعاني أحد الإخوان للغداء ودعا الشيخ عبد الظاهر، فقال لي: يا شيخ محمد سمعت بأن المنافق يوسف شيخ البلد جاءك وأظهر لك أنه تاب من شركه وبدعته؟ فقبلت توبته وأظنك لا تعلم أنه كبر عدو للسلفيين ولي أنا بالخصوص وأنا شيخ هذه الطائفة وإمامها، فإن كان صادقا فيما يزعم فهلا جاء إلى والتمس مني العفو وبايعني بل أنت بنفسك يجب عليك أن تبايعني وأن لا تخرج عن رأي!! فقلت له: يا شيخ عبد الظاهر والله أني لأحب أن أرضي الله ثم أرضيك ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فهب أن رجلا في الروضة- وهي بلدة قريبة من الريرمون- يدعو إلى مثل ما ندعو إليه من التوحيد وإتباع السنة وهذا الشيخ يوسف عدو لي ولك، فجاءه هذا الداعي ودعاه فتاب إلى الله على يده من الشرك والبدعة وبقي مع ذلك مصرا على عداوتنا، ألا ينبغي لنا أن نفرح بتوبته لأنه أنقذ من شر عظيم يوجب له الخلود في نار جهنم، أما عداوتنا نحن فإنها معصية لا يخرجه من الإسلام وقد تزول فنصطلح معه ونعود إلى الوفاق فقال لي: هذا رأيك أنت، أما أنا فأقول: يجب على كل من أراد أن يتوب من الشرك والبدعة أن يرضيني ويبايعني فقلت له: إني أوثر رضي الله على رضاك فقال: هذا فراق بيني وبينك. وسمعت بأنه كان يتعاطى الأفيون وهو مخدر سام- الله أعلم بصحة هذا الخبر- وبقيت في الريرمون على تلك الحال نحو ثلاثة أشهر، ثم حان وقت الحج وكنت في أثنائها أظهر الغنى ولم أسمح لأحد أن يدفع عني أجرة البريد لرسالة أرسلها في البريد فضلا عن غير ذلك حتى صار الناس يعتقدون أنني غني، ولم يتجرأ أحد أن يقدم لي شيئا لا دراهم ولا ثيابا إلا شيئا من الخبز اليابس وشيئا من السمن في إناء من خزف انكسر حين ركبت العربة قبل أن اصل إلى مستقري في القاهرة وإلا كسوة كسانيها الشيخ يوسف رحمه الله بعد أن قدم لها مقدمات من الإلحاح الكثير.

* المناظرة *

لما استجاب لي شيخ البلد وتبعه الناس كلهم إلا من ذكرت- أعني العمدة المرفوت وشيخ الطريقة- أصاب هذين الرجلين من الغم والحزن شيء كثير فبعثا إلى الجامع الأزهر ودعيا أحد كبار الأساتذة المعروفين بغزارة العلم وطلاقة اللسان لمناظرتي فجاء الأستاذ الأزهري ونزل في قصر العمدة المرفوت، فجاء أصحابنا وأخبروني بقدومه وقالوا لي: ناظره فستنتصر عليه يقينا فإن الأزهريين ضعفاء في علم السنة والتوحيد ونحن العوام نغلبهم، فقلت لهم: إني أرى في هذه القضية رأيا مخالفا لرأيكم، وهو أنني لا أناظره فأنا حارث وزارع وقد دعوت أهل البلد فاستجابوا لي؟ فليتقدم وليدعهم هو إلى الرجوع إلى الشرك والبدعة فإن رجع معه أحد فأبعده الله ومن تبعه فهو له ومن تبعني فهو لي، والمناظرة تعتريها المشاغبة ثم المضاربة فلا تحق حقا ولا تبطل باطلا فقالوا لي: كلامك هذا يسبب لنا الهزيمة ويصدق قول أعدائنا إنك مغربي حاج ما درست في الأزهر ولا عندك الشهادة العالمية فقلت لهم: صدقوا أنا جاهل ما درست في الأزهر ولا عندي الشهادة العالمية، ولكن هذه المسائل التي أدعو إليها لو جاء شيخ الأزهر ومعه علماء الأزهر كلهم لم يستطيعوا أن ينقضوا منها شيئا غير أنني لا أحب المناظرة ودعوا الأعداء يقولون ما شاءوا، فلم يعجبهم كلامي.

وبقي الأستاذ الأزهري في بيت العمدة خمسة عشر يوما حاول في أثنائها أن يهجم على في الدرس الذي ألقيه كل يوم بعد العصر بالمسجد الجامع فنهاه شيخ البلد وقال له: نحن نثق بهذا الرجل ولا نشك في صحة ما دعانا إليه والله إن فتحت (بقك) أي فمك بكلمة واحدة لآمرن خفيرين أي حارسين يأخذانك إلى محطة السكة الحديدية لأنك تريد أن تحدث تشويشا وفتنة، فبقي شيخ الطريقة وصاحبه العمدة حائرين وفي النهاية عمدا إلى حيلة مكنتهما مما أراد.

وذلك أننا كنا في شهر رمضان وفي ذات يوم دعاني العمدة الحقيقي وهو رجل ملحد إلى العشاء فأجبته، وألقيت كلمة أمامه فقال لي: أنا على الحياد لست معك ولا مع خصومك يعني شيخ الطريقة والعمدة المرفوت، ولكن عقيدتكم أنتم أقرب إلى العقل من عقيدتهم لأن عبادة القبور وشيوخ الطريقة إهانة للكرامة الإنسانية.

ولما انصرفت من عنده كان طريقي يمر على باب قصر العمدة المرفوت فلما حاذيت بابه جاءني شيخ الطريقة وسلم علي وقال: إن سعادة العمدة يدعوك إلى فنجان قهوة فقلت: عندي الآن درس، فقال لي: لا يستحسن أن ترد دعوته ولا تزيد على خمس دقائق، فذهب بي حتى أدخلني إلى مقصورة وجدت فيها شيخا ذا عمامة ولحية فظهر لي أنه هو العالم الأزهري الذي دعي إلى مناظرتي، وكان ظني صادقا فلم يكد المجلس يستقر بي حتى هجم علي الأستاذ الأزهري وقال لي: يا فلان بلغني أنك تقول كذا وكذا وكذا وعدد مسائل من التوحيد وأتباع السنة فقلت له: أما كذا وكذا فقلته حقا وذكرت له دليله وأما كذا وكذا فلم أقله. ووقعت المناظرة فعلا، فحانت مني التفاتة فرأيت حديقة القصر كلها عمائم وقلانس لم يبق أحد من أهل البلد إلا حضر وتركوا لذلك صلاة التراويح فلم تزد المناظرة على نصف ساعة وكان الأستاذ الأزهري نسيت اسمه الآن من خيرة علماء الأزهر فجعل يقول في أثناء المناظرة أشهدكم أني رجعت عن كل ما قلته في هذا الأستاذ المغربي؛ فإن الناس نقلوا لي عنه مسائل مكذوبة عليه، وأشهد أنه من العلماء المحققين وإن كنت أخالفه في بعض المسائل. فعند ذلك علم العمدة المرفوت أنه أخفق في سعيه، فقال: أيها الأستاذ أرجوكم أن تقطعوا هذه المناظرة أنا ما دعوت الأستاذ المغربي إلى المناظرة، وإنما دعوته لأتعرف به ويشرب عندي فنجانا من القهوة، فانتهت المناظرة على ما يحبه أصحابنا ويكرهه خصومنا، ومن رأي أني أبعد عن المناظرة وأتجنبها فإذا اضطررت إليها استعنت بالله وخضت غمارها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا)).
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
رد مع اقتباس