عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 11-10-2012, 02:02 PM
أم سمية السلفية أم سمية السلفية غير متواجد حالياً
العضو المشاركة - وفقهـا الله -
 
تاريخ التسجيل: May 2010
الدولة: المملكة المغربية حرسها الله من كل سوء
المشاركات: 88
شكراً: 21
تم شكره 3 مرة في 3 مشاركة
افتراضي

الفصل الثاني منزلة السنّة عند الصحابة الكرام فمن بعدهم من خيار الأمة وسادتها


أولاً: منزلة السنة عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

1- سألت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما تركنا صدقة"، فغضبت على أبي بكر وهجرته... فأبى عليها ذلك أبو بكر وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ" (6 ).

كأنه كان نصب عينيه قول الله تعالى:  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ( النور: 63 ).

2- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي وائل قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد،(يعني المسجد الحرام) قال: جلس إليّ عمر في مجلسك هذا، فقال: "هممت ألا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين قلت: ما أنت بفاعل، قال:لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك قال: هما المرآن يقتدى بهما " (7 ).

وقد يكون حكم المسألة الكبيرة في القرآن والسنة، فيكتفي الصحابة في الاستدلال عليها ببعض من السنة، فلا يسمع معارضاً لا من الصحابة ولا من التابعين؛ لأن سنّة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم جميعاً حجة وأي حجة مثل القرآن، ولها عندهم منزلة وأي منـزلة.

3- وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسـابه على الله"، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها. قال عمر- رضي لله عنه-: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله -عز وجل- قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحق"( 8).

إن كُلاً من أبي بكر وعمر قد احتج بالسنة في حضور الصحابة الكرام وأقروهما على هذا الاستدلال، وهما أفضل الصحابة، وفي المسألة نصان من القرآن الكريم، وهما: قوله تعالى:  فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ  ( التوبة: 5 ). وقوله تعالى:  فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ  ( التوبة: 11 ). وترجح رأي أبي بكر؛ لأنّ مانعي الزكاة أخلوا بشروط العصمة الواردة في الحديث الذي استدل به عمر وفي الآيتين المذكورتين وفي غيرهما.

والشاهد أن في احتجاج أبي بكر وعمر بالسنة في مسألة عظيمة منصوص عليها في القرآن وبحضور الصحابة الكرام دليل واضح على منزلة السنة عند الصحابة جميعاً، وأنه لا ينكر على أحد إذا سلك هذا المنهج، وأن للمسلم أن يسلك هذا المنهج وله أن يجمع بين القرآن والسنة، وله أن يكتفي بالنص من القرآن؛ شريطة أن يكون استدلاله صحيحاً بعيداً عن اتباع الهوى وتتبع المتشابهات كما هو فعل أهل الأهواء والزيغ، ومنهم أعداء السنة وخصومها.

4- ولما قال معبد الجهني وجماعة معه في البصرة بالقدر، وبلغ ذلك ابن عمر من طريق يحيى بن يعمر وحميد بن عبدالرحمن الحميري قال ابن عمر: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم إني برئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر"، ثم روى عن أبيه الحديث المشهور الذي فيه سؤال جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان فأجابه رسول لله صلى الله عليه وسلم على أسئلته إجابة شافية، ومن إجابته عن السؤال عن الإيمان قوله: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (9 ).

والشاهد أن الصحابي الجليل عبدالله بن عمر اكتفى في هذه المسألة العقدية الكبيرة بالاحتجاج بالسنة النبوية مع أن هناك آيات في الإيمان بالقدر، وفي هذا دليل على منزلة السنة عند أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

والأدلة من تصرفاتهم كثيرة لا يتسع المقام لسردها.

5- وعن سالم بن عبدالله بن عمر أن عبدالله بن عمر قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنَّكم إليها " قال: فقال بلال ان عبدالله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبدالله فسبّه سباً سيئاً ما سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: "والله لنمنعهن "( 10).

6- وعن سعيد بن جبير أن قريباً لعبدالله بن مغفل خذف فنهاه، وقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، وقال: "إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكأ عدواً ولكنها تكسر السن وتفقأ العين" قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- نهى عنه، ثم تخذف لا أكلمك أبداً " ( 11).

7- ورحل كل من أبي أيوب الأنصاري وجابر بن عبدالله الأنصاري مسيرة شهر من أجل حديث واحد.
هذه هي منزلة السنة النبوية عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سار على نهجهم التابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى في تعظيم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجون بها في كل جوانب الدين العقدية والعملية، ويعملون بها في كل شؤون حياتهم ويشدون الرحال إلى مختلف البلدان لحفظها وتدوينها ونشرها وتعليمها كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

ثانياً: منزلة السنّة عند التابعين وأهل الحديث والفقهاء.

1- اهتموا بحفظها والتفقه فيها والتعبد بها، فتجد الواحد منهم يحفظ ألوف الألوف من الأحاديث.

2- اهتموا بالرحلة في سبيلها، فتجد الكثير منهم يرحل إلى البلدان المختلفة ليتلقاها من أفواه العلماء بها، حتى إن بعضهم ليرحل مسافة شهر من أجل حديث واحد.

3- اهتموا بتدوينها في المصنفات والجوامع والمعاجم والمسانيد وكتب الصحاح والسنن.

4- اهتموا بتواريخ رجالها من ولادتهم إلى وفياتهم، وبيان أحوالهم من قوّة وضعف، وأحوالهم في شيوخهم –أيضاً- من قوّة وضعف.

وبيان أحوال الحفاظ المتقنين والنقاد المبرزين، وأحوال من تغيّر حفظه ومتى حصل هذا التغير، ومن روى عنهم قبل التغير وبعده، كل ذلك في كتب الرجال المشهورة، بل خصّصوا كتباً في الحفاظ وطبقاتهم، وفي المدلّسين وطبقاتهم، وفي المختلطين، وفي الضعفاء والمتروكين، وألفوا كتباً في علومها، وألّفوا الكتب في الوضع والوضاعين.

كلّ ذلك نصحاً لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين، وحفاظاً على السنّة النبوية، وحماية لها، وتمييزاً بين مقبولها ومردودها.

وتحقّق بهذه الأعمال وعد الله  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(الحجر:9).
مما حدا بأحد أئمة الحديث -وهو أبو حاتم محمد بن حبان البستي- أن يقول: :" ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم، وذلك أنه لم يكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ألفٌ ولا واوٌ، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، لحفظ هذه الطائفة السنن على المسلمين، وكثرة عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء ما شاء." ( 12).



--------------------------------------------------------------------------------

الحواشي:

(1 ) أخرجه مالك في الموطأ (2/899)، بلاغاً، والحاكم في المستدرك (1/93) متصلاً مرفوعاً، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2937)، وقال ابن عبدالبر في التمهيد (24/331): ((وهذا أيضاً محفوظ معروف مشهور عن النبي  عند أهل العلم شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد)).
(2 ) أخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن (1/6) حديث (12)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه حديث (12)، وأخرجه أبو داود في السنة حديث (4604) بلفظ أطول وفيه: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه...))، وأخرجه الترمذي في العلم، حديث (2664).
(3 ) أخرجه أبو داود في السنة حديث (4605)، والترمذي في العلم حديث (2663)، وابن ماجه في المقدمة حديث (13)، وإسناده صحيح وصححه الألباني في صحيح أبي داود وصحيح ابن ماجة.
(4 ) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام حديث (7280).
(5 ) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام حديث (7283)، ومسلم حديث (2283).
(6 ) صحيح البخاري فرض الخمس حديث ( 3093 ).
(7 ) الصحيح الاعتصام بالسنة حديث ( 7275 ) وهو في مسند الإمام أحمد ( 3/410 ).
(8 ) البخاري في الزكاة حديث ( 1400 ) ومسلم في الإيمان حديث ( 20 ).
(9 ) صحيح مسلم الإيمان حديث (1).
(10 ) صحيح مسلم الصلاة حديث ( 442 ).
(11 ) صحيح مسلم الصيد والذبائح حديث ( 1954 ) وأخرجه البخـاري في الذبائح والصيـد حديث ( 5479 ) وفيه " لا أكلمك كذا وكذا ومثله في مسلم أيضاً ".
(12 ) كتاب المجروحين ( 1/25).

--------------------------------------------------------------------------------


انتهت الحلقة الأولى ويليه الحلقة الثانية بمشيئة الله تعالى
__________________
استخدم زر التحكم لتعديل توقيعك
__________________
اللهم اشف ابني حمود وألبسه لباس الصحة والعافية يا رب
رد مع اقتباس