الفصل الرابع
ذكر شبهات أهل الأهواء حول السنة في العصر الحاضر ودحضها.
وفي القرن الرابع عشر استفحلت الفتنة ضد الشريعة الإسلامية كتاباً وسنة، وأقول: كتاباً وسنة؛ لأنّ الطعن في السنة طعن في القرآن. على أيدي أناس ينتمون إلى الإسلام.
وجاءت فتنتهم امتداداً للفتن السابقة ومبنية على شبهاتها، وانتشرت الفتنة في الشرق والغرب على أيدي بعض أعداء الإسلام من المستشرقين أحياناً، وعلى أيدي أناس ينتسبون إلى الإسلام في الغالب، ويرجع هذا البلاء في نظري إلى مدرستين يجمعهما عصر واحد وهدف واحد كان من ورائها الاستعمار الصليبي.
إحداهما: مدرسة أحمد خان الهندي مؤسس جامعة عليكره.
لقد تأثر هذا الرجل بالحضارة الغربية تأثراً عميقاً فدفعه ذلك إلى الدعوة بحماس إلى تقليدها، وإلى تفسير الإسلام والقرآن بما يطابقها ويطابق هوى الغربيين، بل أرى أنه إلى جانب هذا كان متأثراً بفكر الباطنية يظهر ذلك في تفسيره وكتاباته.
لقد نسب إليه أنه أنكر الجنة والنار.
وقال عن الملائكة بأنها: "القوى المدبرة للعالم التي يمكن السيطرة عليها أو هي القوى التي في مقدور الإنسان تسخيرها"( 22).
وقال عن الجن بأنهم:" سكان الغابات والصحاري من البشر"( 23).
ومثل تأويله الشيطان: بأنه القوى العدائية التي لا يملك الإنسان السيطرة عليها ( 24).
بل أنكر الأحاديث الثابتة التي تدل على أنهم خلقوا من نار، وأنها تتحرك بالإرادة وتتشكل بأشكال مختلفة ( 25).
هذا ما نقله عنه الشيخ محمد إسماعيل السلفي في كتابه "مقالات سرسيد"، وأضيف أن إنكاره هذا لم يتوقف عند إنكار السنة بل تجاوزه إلى إنكار الآيات القرآنية المصرحة بأن الله خلق الجان من مارج من نار.
قال تعالى: خَلَقَ الإِنسان مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّار * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ( الرحمن: 14-15 ).
وقال تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ( الحجر:27).
وقال تعـالى لإبليس حين أبى أن يسجد لآدم: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَـهُ مِنْ طـِينٍ(الأعراف:12).
والجنّ ذرية إبليس، قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ( الكهف:50 ).
ولقد جره تهوره في إنكار المغيبات وإنكار المعجزات إلى إنكار ما صرح به القرآن الكريم، كإنكاره إلقاء إبراهيم- عليه الصلاة السلام- في النار، وإنكاره ولادة عيسى -عليه الصلاة السلام- من غير أب، والتقام الحوت ليونس -عليه الصلاة والسلام-.
فمثل هذا الرجل الذي جمع بين العقلية الغربية والباطنية لا يستغرب منه أن يتناول السنة بالطرق الباطنية، أو ينكرها، أو يضع لتأويلها وإنكارها القواعد والمناهج الفاسدة المشككة فيها.
انظر إليه يقول: "بعد وفاة النبي ظلت الروايات تتناقل على الألسنة إلى عهد التصنيف في الكتب المعتمدة غير أننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن الهيئة التي دونت بها كتب الأحاديث تلك التي كان مبناها روايات الذاكرة.. بينما البعد الزمني كفيل بمزج الزائد بها وإضافة الجديد إليها"( 26).
ويؤكد تشكيكه في السنة ورواتها بقوله:
" بأن مادون في هذه الكتب من الأحاديث إنما هي ألفاظ للرواة ولا نعرف ما بين الأصلي-الصادر من شفتيه عليه الصلاة والسلام- والمعبر به من وفاق وخلاف، وليس من العجب أن يخطئ أحد الرواة في فهم الحديث مما يكون سبباً في ضياع المفهوم الصحيح" (27 ).
ويقول: "وإنَّا لا ندري عن الأحاديث التي وثقت، أَوُجِّهَت الجهود إليها من حيث المضمون والمحتوى أم لا؟، وأي السبل سلكت في ذلك؟." ( 28).
وجهل هذا الرجل أو تجاهل ما كان يتمتع به الصحابة والتابعون وأئمة الحديث وحفاظه من الأمانة والعدالة والحفظ المذهل وجهل أو تجاهل العناية التي لا نظير لها في أمة من الأمم بسنة رسول الله حفظاً ومراعاة لألفاظها ومعانيها.
وإذا كان لا يدري هل الجهود قد وجهت إلى الأحاديث من حيث المضمون والمعنى أو لا، ولا يدري أي السبل التي سلكت في ذلك؛ فكل هذا راجع إلى جهله أو سوء قصده، وتاريخ أئمة الحديث وواقعهم يشهدان أن جهودهم العظيمة كانت موجهة إلى الأسانيد وإلى ألفاظ الحديث ومعانيه بدقة بالغة لا تجد لها نظيراً.
ومن المستنكر المستفظع لدى العقلاء أن يأتي إنسان جاهل بعلم من العلوم أو صناعـة من الصناعات الدنيوية فيضع لها قوانين وشروطاً يمليها على كبار خبرائها وعباقرتها ظاناً أنه قد أَتى بما لم تستطعه الأوائل، وظاناً أنّ أهل تلك العلوم قد قصرت مداركهم عن الشروط والقوانين التي عن طريقها يتقنون علومهم وصناعاتهم ويحفظونها من الخلل والضياع.
فلو جاء هذا المسكين إلى كبار المتخصصين في الطب أو الهندسة أو علمـاء الذرة، أو جاء أعجمي لا يعرف العربيـة إلى فطاحل علوم النحـو والتصريف والبلاغة بأنواعها يقترح عليهم ضوابط وقواعد لعلومهم فهل سيقابل بالتقدير والاحترام؟.
وما مصير العلوم الشرعية والدنيوية لو قبلوا من الجهلة والموسوسين ما يتخيلونه من المقترحات والشروط عليهم؟
إنه الهدم كما يريد هذا الرجل وأمثاله لسنة رسول الله بل للقرآن نفسه.
يقول أحمد خان:" والمعيار السليم لقبولها:
هو أن ينظر إلى المروي بمنظار القرآن فما وافقه أخذناه وما لم يوافقه نبذناه..، وإن نسب شيء من ذلك إلى الرسول فيجب فيه توفر شروط ثلاثة:
1- أن يكون الحديث المروي قول الرسول بالجزم واليقين.
2- أن توجد شهـادة تثبت أن الكلمات التي أتى بها الراوي هي الكلمات النبوية بعينها.
3- أن لا يكون للكلمات التي أتى بها الرواة معان سوى ما ذكره الشرَّاح.
فإن تخلف أحد هذه الشروط الثلاثة لم يصح نسبة القول إلى الرسول أو أنه حديث من أحاديثه"( 29).
والجواب أن يقال:
أولاً: إذا تحقق الشـرط الأول على ما فيه من بلاء فيكـون اشتراط الأخيرين من الهذيان يقصد بهما التهويل.
لقد وضع علماء الحديث شروطاً حيث قالوا في تعريف الحديث الصحيح:" هو رواية عدل تام الضبط متصل السند غير معل ولا شاذ"، ولهم بحوث عميقة في رد الروايات المردودة -ومنها المكذوب المفترى على رسول الله- كفيلة بحفظ السنة وحمايتها من الدخيل والكذب والأخطاء والأوهام.
قال الحافظ ابن كثير-رحمه الله-: " معرفة الموضوع المختلق المصنوع، وعلى ذلك شواهد كثيرة:
منها:
1- إقرار واضعه على نفسه قالاً أو حالاً.
2- ومن ذلك ركاكة ألفاظه وفساد معناه.
3- أو مجازفة فاحشة.
4- أو مخالفة للكتاب والسنة الصحيحة.
فلا تجوز روايته لأحد من الناس إلاَّ على سبيل القدح فيه ليحذره الناس ومن يغترّ به من الجهلة والعوام والرعاع"(30 ) .
ثم قال:" والواضعون أقسام كثيرة:
منهم زنادقة ،ومنهم متعبدون يحسبون أنهم يحسنون صنعاً... إلخ "(31).
وقد بين الحافظ ابن حجر الدوافع إلى الكذب على رسول الله فقال رحمه الله:
" والحامل للواضع على الوضع:
1- إما عدم الدين، كالزنادقة.
2- أو غلبة الجهل، كبعض المتعبدين.
3- أو فرط العصبية، كبعض المقلدين.
4- أو اتّباع هوى بعض الرؤساء.
5- أو الإغراب لقصد الاشتهار"( 32)
__________________
اللهم اشف ابني حمود وألبسه لباس الصحة والعافية يا رب
|