الرد على كلام شيخنا الشيخ محمد ابن شيخنا ربيع المدخلي في موضوع حسين الكرابيسي وأمور أخرى الجزء الثالث
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فبعد أن ذكر شيخنا الشيخ محمد ابن شيخنا ربيع المدخلي حفظهما الله أن رده السابق سيكون آخر رد إذا به حفظه الله يرد ردا جديدا يتم نشره، ولقد كنت نبهت شيخنا أن هذا لا حاجة له، وباب الرد مفتوح.
ولقد أحزنني رده الجديد-كالقديم- لأنه اشتمل على عدة أخطاء، وكنت أحب أن يكون شيخنا موفقا مصيبا فيه، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
وسيكون هذا تكملة لما سبق.
قال شيخنا محمد: «هذه ترجمة أبي علي حسين الكرابيسي في سير أعلام النبلاء :
https://al-maktaba.org/book/22669/4620
أما العتيبي فقد نقل كلام المدعو عبد اللطيف التويجري الذي بالغ في ذم الكرابيسي، وقد كان من الأمانة ان يعزو العتيبي الى عبد اللطيف التويجري ولم يفعل تشبها بصاحبه، راجع قوقل تجد بغيتك عن الكرابيسي».
الجواب من وجوه:
الوجه الأول:عزا شيخنا محمد ترجمة الكرابيسي إلى سير أعلام النبلاء، وكنت أنا في ردي على شيخنا قد عزوت إلى عدة كتب حول الكرابيسي منها تاريخ بغداد، وسير أعلام النبلاء، وتاريخ الإسلام، والميزان، فهل ذكر شيخنا لكتاب سير أعلام النبلاء يعني أنه استفاد ترجمته من مقالي في الرد عليه، أم أن هذا أمر مشاع ومشترك يجده من يبحث في المسألة؟
فكما أن شيخنا لا يعد ما فعله سرقة علمية فكيف يجعل نقلي لكلام العلماء من كتبهم سرقة لأن شخصا آخر نقل هذا الكلام أو بعضه أو أكثره من تلك الكتب؟
إن مفهوم السرقة العلمية عند شيخنا خاطئ، وسيعود عليه وعلى غيره بالضرر، لأنه ما من دليل يستدل به في القضية إلا وستعود عليه وعلى غيره ممن يحب.
لذلك نبهت كثيرا على بطلان هذا الفهم وهذا التصور لقضية السرقة، وكلام شيخنا محمد هنا مثال حي وواضح على الخلل في مفهوم السرقة العلمية.
فهذا مقالي أما الجميع وهذا رابطه:
http://m-noor.com/showthread.php?t=18389
وهذا مقال عبداللطيف التويجري:
http://www.saaid.net/Doat/twijri/3.htm
فليقارن طالب العلم بين المقالين ليعرف المنهج الجديد الخاطئ في رمي العلماء بالسرقة العلمية ليتجنبوا هذا المسلك ويحذروه أشد الحذر.
الوجه الثاني:ذكر شيخنا محمد ابن شيخنا ربيع أن ترجمة الكرابيسي موجودة في سير أعلام النبلاء، وفي جوجل، فهلا بحث في الموضوع قبل الكلام فيه بخلاف ما هو موجود في كتب العلماء التي عزا إليها شيخنا؟
وقد أوضحت في مقالي السابق من كلام العلماء الموجود في سير أعلام النبلاء، وفي تاريخ الإسلام مما هو منقول عن أحد أكبر تلامذة الإمام أحمد وهو أبو بكر المروذي في كتابه «القصص»-على ما نقله عنه الذهبي في تاريخه- قصة الكرابيسي من بدايتها.
فلو أن شيخنا نظر في كلامهم وراجعه وعرف فتنة حسين الكرابيسي كما سطروه وبينوه لأراح واستراح.
الوجه الثالث:أن اتهام شيخنا محمد ابن شيخنا ربيع لي بأخذ مقال عبداللطيف التويجري يدل على أنه لم يقرأ مقالي جيدا، لذلك ظن بسبب تشابه النقول عن الكتب أن المقالين قد أخذ أحدهما عن الآخر.
فلا يوجد في مقالي عبارة ولا لفظة واحدة أخذتها من هذا التويجري، بل كل الذي ذكرته من كلام العلماء السابقين من كتبهم، بل في مقالي قضية لم يعرفها التويجري ولا شيخنا محمد ولا غيره، ولا نبه عليها أحد ممن قرأت كلامه من العلماء الذين ترجموا للكرابيسي، وهي قضية تكفيره للسلفيين بسبب قصة أحمد الشرّاك، وهذا يؤكد أني رجعت لكلام العلماء في كتب العقيدة إذ نقلته من كتاب السنة للخلال.
الوجه الرابع:أن شيخنا اتهم هذا التويجري بالمبالغة في ذم الكرابيسي، رغم أنه نقل كلام الأئمة كأحمد وابن معين وغيرهما، فسأعيد السؤال لشيخنا محمد والذي سألنيه سابقا: «فهل كان الإمام المبجل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل مخطئا أو مصيبا هو ومن وافقه من الأئمة في الحكم على الكرابيسي؟».
وما وجه المبالغة المدعاة؟
الوجه الخامس:أن معرفتي بقصة الكرابيسي، وعلاقة كتابه المدلسين بذم الإمام أحمد له قديم من أيام كلية الحديث، وقد قرأت كتاب شرح علل الترمذي من عام 1415هـ، وأما كتاب السنة للخلال فكنت قرأته تباعا حسب نزول أجزائه، وذكرت قصة الكرابيسي في عدد من محاضراتي ودروسي قبل نحو عشرين سنة.
وقد ذكرت قصته في محاضرة لي بعنوان: «معوقات في طلب العلم»، وطبعت في كتيّب سنة 1431هـ - 2010 وهذا رابط صورة الكتاب:
https://twitter.com/abu_omar1/status...JOwMCUKqwoAoQg
والكلام موجود تقريبا في (ص/18) لأن النسخة التي عندي على الجهاز بي دي إف عند إعداد الرسالة للطبع، وقلت فيها: «ومن طريقة الروافض: جمع مثالب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يعني: جمع الأخطاء، ومن الذي لا يخطئ؟! فجمع أخطاء العلماء والظن أن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يفعله بعض أهل الغلو أو أهل الجهل، أو من يظن نفسه على الحق، فهذا من بدع الروافض، والتي يتنزه عنها أهل السنة.
لذلك لما ألف حسين الكرابيسي كتابا في المدلسين، كتابا في علم الحديث، أراد أن ينكر المنكر، لكن صار فيه جمع أخطاء وزلات العلماء في مكان واحد، مما جعل أهل البدع يستطيلون على علماء السنة حيث ذكر فيه الحسن البصري وغيره من أهل السنة، فأنكر الإمام أحمد هذا الكتاب، وقال: إنه يجمع لأهل البدع ما لم يحسنوا.
وكذلك بعض الشباب قد يظن أنه ينكر المنكر على العالم، ويجمع أخطاءه لإنكارها، وهو في الحقيقة يجمع لأهل البدع للوقيعة في هذا العالم السلفي، فهذه طريقة من طرق أهل البدع، وهذه من الأمور المعوقة عن طلب العلم، بل هي من الصادة عن سبيل الله، لذلك فنحن لا نتخصص في بيان أخطاء السلفيين - علماء السلفيين أو طلاب العلم - لا نخصص أنفسنا للرد على أخطائهم بحجة أن يبقى المنهج صافيا.
إن بقاء المنهج صافيا إنما هو ببيان منهج السلف، وبيان الأخطاء، لكن دون جمع مثالب العالم أو طالب العلم السلفي، ودون التشهير به، بل مناصحته في السر، بيان الحق له باللين والبرهان، بالأدب والاحترام، إذا كان من السلفيين الخلص الواضحين، هذه طريقة السلف، وإلا لو أن كل طالب علم يلزم منا أن نحذر من أخطائه، للزمنا أن نحذر من أنفسنا؛ لأننا كلنا خطاؤون، كل بني آدم خطاء، فالإنسان يخطئ، يعصي، نحن مع أنفسنا ألا نعصي الله؟! ألا نقع في الخطإ؟! ألا نهم؟! ألا نزل؟! كما يقول بعض السلف: «لو كان للذنوب رائحة لما استطعنا أن نمشي بين الناس». فالله ستر علينا، فنحن لا نهتك ستر الله على عباد الله من أهل السنة وأهل الحق، إنما نهتك ستر أهل البدع لأنهم هتكوا سترهم ما بينهم وبين الله، فنحن نفضحهم لأنهم مفضوحون، ولأنهم شاقوا الله ورسوله.
أما أهل السنة، فهم أهل الستر، وأهل الصيانة، وأهل الصدق، وأهل الهدى، فنحن نعتذر لهم، وندعو لهم بالتوفيق والسداد، ونناصحهم سرا، ونكاتفهم، ونتلطف بهم».
ونقلت كلامي بطوله لأهميته في وقتنا هذا.
فانتقدت الكرابيسي في جانب واحد من الجوانب القبيحة في كتابه لعلاقة ذلك بموضوع المحاضرة.
الوجه السادس:أني في رسالة الدكتوراه وهي في تحقيق الثلث الأخير من كتاب الكنغراوي «كشف الغمة عن افتراق الأمة» قال الكنغراوي: «وكان من أصحاب الشافعي فيما قيل، وكان يقول: القرآن بلفظي غير مخلوق، يعني أنه بدا من الله على هذا النظام، ولفظي به مخلوق، ولم يرض به أحمد، وجعله جهميًّا، وصار هو يتكلم في أحمد، ولما بلغ كلامه يحيى بن معين؛ أغلظ القول فيه انتصاراً لأحمد، فتجنب أهل الحديث الأخذ عنه، فتركوه بغير حجة».
فتعقبته قائلا: «بل تركوه بحجة، وحجتهم ظاهرة، وسبب ذلك تكلمه بكلام موهم صار مدخلاً لعقيدة الجهمية في خلق القرآن، وذكر الإمام أحمد بعض الناس الذين صاروا إلى قول جهم بسبب كلام الكرابيسي، وقد حذر الإمام أحمد من الوقوع في حبائل الجهمية بالألفاظ المحدثة التي يستخدمها الجهمية كعبارة «لفظي بالقرآن مخلوق»، ولكن كابر من كابر، فلم يجد الإمام أحمد وإخوانه من أهل السنة بدًّا من التحذير من هؤلاء اللفظية حماية لعقيدة السلف. وتحذير الإمام يحيى بن معين نصرة للسنة، وليس تعصباً لفلان، أو حمية لفلان».
قال شيخنا محمد ابن شيخنا ربيع: «الذي أكبر ما أخذ عليه حصول كلام منه ضد الإمام أحمد كردة فعل لما ذمه الإمام أحمد في مسألة لفظي بالقرآن مخلوق . وقد أنكرها الإمام أحمد إمام أهل السنة سدا للذريعة».
التعليق من وجوه:
الوجه الأول:أكبر ما أخذ على الكرابيسي هو انتحاله عقيدة الجهمية وهي القول بخلق القرآن، ولكنه كان يتستر بالسنة، وفضح نفسه بقضية اللفظ التي جعلها وسيلة للقول بخلق القرآن، فهذه أعظم جناياته.
وبعدها تأتي قضية آرائه الاعتقادية الأخرى كالخروج ولمز بعض الصحابة رضي الله عنهم.
ثم تأتي قضية الإزراء بالمحدثين، وهي القضية التي كشفت حقيقة الكرابيسي وفساده مما جعله يجهر بمذهبه الجهمي بعد ذلك.
ففرق بين:
أ-قضية أكبر ما أخذ.
ب-وقضية بداية الفتنة وانكشاف الباطن والمستور.
جـ- وقضية ما أخذ عليه عموما من قضايا ومؤاخذات، ومنها طعنه في الإمام أحمد، فهي ليست الأكبر ولكنها من ضمن القضايا المأخوذة عليه.
الوجه الثاني:أن إنكار عبارة «لفظي بالقرآن مخلوق» مع كونه سدا للذريعة، إلا أنها هي في ذاتها عبارة ابتدعها الكرابيسي-ولم يسبق إليها-، وأراد بها تمرير مذهب الجهمية، وقد صرح بذلك لبعض جلسائه وقد نُقل كلامه كاملا للإمام أحمد، وعرف مقصوده ومراده وهدفه من هذا التلبيس.
فالمنع لكونها عبارة باطلة لما تحويه من باطل، وكذلك لكونها وسيلة وذريعة للخداع والتلبيس.
فهما قضيتان وليست قضية واحدة.
الوجه الثالث: أن ظاهر الأمر أن طعن الكرابيسي في الإمام أحمد هو ردة فعل، ولكن واقع الكرابيسي يدل على أنه كان يبطن السوء قبل كلام الإمام أحمد، وهذا ظاهر في كتاب المدلسين.
ولسائل أن يسأل: حسين الكرابيسي في الأصل من الفقهاء، وليس من المشتغلين بالحديث، وإنما هو مشارك فيه فقط، فما الذي دعاه لتأليف هذا الكتاب الذي هو ليس من تخصصه؟
فالذي يظهر لي بعد النظر في تاريخ حسين الكرابيسي نجد أنه صرح أنه كان هو وأبو ثور من أهل الرأي المتعصبين ضد أهل الحديث، وأنه تعلم الكلام من تلاميذ حفص الفرد-الذي كفره الشافعي لجهميته-، فلما جاء الشافعي إلى بغداد أرادوا الذهاب إليه ليسخروا به ويستهزؤوا به، فما زال الشافعي يقول: قال الله، قال رسول الله، حتى تركوا مذهب أهل الرأي واتبعوا الشافعي، فلزموا الإمام الشافعي، واستفادوا منه.
ومعلوم أن الشافعي رحمه الله ألف في الأصول كتابه الرسالة، وهو مشتمل على قضايا حديثية، فهذا يجعل الكرابيسي داخلا في علم الحديث، ولكن بخلفية أهل الرأي، وعدم تمكن في منهج أهل الحديث، فصار له اثر في دفاعه عن بعض الفقهاء الذين دخلوا في بدع، فصار يذكر أهل الحديث الثقات بأمور ليبرر دفاعه عن المبطلين فوقع له ما وقع من الضلالات في كتابه المدلسين.
قال أبو ثور: « لما ورد الشافعي العراق، جاءني حسين الكرابيسي، وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي، فقال: قد ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه، فقم بنا نسخر به، فقمت، وذهبنا حتى دخلنا عليه، فسأله الحسين عن مسألة، فلم يزل الشافعي، يقول: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أظلم علينا البيت، فتركنا بدعتنا، واتبعناه » رواه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه(ص/50)، وأبو نعيم في الحلية(9/ 103)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري(ص/ 45) وسنده صحيح.
وما يتعلق بتعلمه علم الكلام من تلاميذ حفص الفرد الجهمي، روى الخطيب في شرف أصحاب الحديث(ص/55) عن الإمام أبي بكر ابن أبي داود السجستاني قال: سمعت أحمد بن سنان-وهو ثقة-، يقول: كان الوليد الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: «عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم لست أعني الرؤساء، ولكن هؤلاء الممزقين ألم تر أحدهم يجيء إلى الرئيس منهم فيخطئه ويهجنه» قال: أبو بكر بن الأشعث: كان أعرف الناس بالكلام بعد حفص الفرد الكرابيسي، وكان حسين الكرابيسي منه تعلم الكلام».
قال شيخنا محمد ابن شيخنا ربيع: «وأما من لعن الكرابيسي وهو الإمام يحي بن معين فلا أدري هل غاب عنه تحريم لعن المسلم
وحتى منع العلماء تحريم لعن اليهودي والنصراني ما دام حيا لاحتمال أن يهديه الله للإسلام ولأن اللعن معناه الطرد من رحمة الله.
ولست هنا أزكى الكرابيسي ولكن لاستنكار من جرده من مكانته وشيطنه مبالغة ونوعا من الظلم. وكل يؤخذ من قوله ويرد مهما علا مكانه».
التعليق من وجوه:
الوجه الأول:لعن أهل البدع أو لعن الكفار أو لعن الفاسق من المسائل الخلافية، ولا أطيل فيها، ولكن الخلاصة عندي:
أن اللعن يراد به الطرد من رحمة الله، لا سيما إذا اقترن بلفظ الجلالة كقول القائل: «لعنه الله» فهنا يراد بها الدعاء، وليس الإخبار، والدعاء باللعن والطرد من رحمة الله وارد في عدد من النصوص الصحيحة في حق من يستحق ذلك، وهي مسألة خلافية.
ويراد باللعن السب والشتم، فبهذا المعنى يجوز في حق من يستحق، ومنه حديث: «لعن الله من لعن والديه» فهذا اللفظ يشمل المعنيين، فقوله: «لعن الله» دعاء بالطرد من رحمة الله، وقوله: «من لعن والديه» يعني من يسب والديه، وقد ورد تفسيره في الحديث نفسه، حيث قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال : «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» ففسر اللعن بالسب، وهذا ظاهر.
الوجه الثاني:شيخنا يرى أن الكرابيسي تعرض للظلم كما هو صريح كلامه: «ولست هنا أزكى الكرابيسي ولكن لاستنكار من جرده من مكانته وشيطنه مبالغة ونوعا من الظلم»
فكلامكم هذا يهدم سؤالكم لي في بداية ردكم الماضي، فأنتم الآن تصرحون بأنه تعرض لنوع من الظلم فمن الذي ظلمه؟!
الذي أعتقده أن حسينا الكرابيسي ظلم نفسه، وجاءه ما يستحقه من أهل الحديث، وأنا معهم في كل ما قالوه في الكرابيسي قلبا وقالبا، قديما وحديثاً، لأني درست ذلك وظهر لي صحة كلامهم، وخطأ من يظن أنه ظلم كما في تعليقي على كلام الكنغراوي في رسالتي الدكتوراه كما سبق نقله.
الوجه الثالث: إن كنت شيخنا تقول بأن الكرابيسي تعرض لنوع من الظلم -وأنا لا أوافقك على ذلك-، فأقول لكم: إن الشيخ فركوسا -رغم أخطائه وردي عليه جملة وافرة منها وشدتي عليه في أحوال عديدة- إلا أنه تعرض لأنواع من الظلم، أولها تشبيهه بالكرابيسي الجهمي الضال، وكاتهامه بالسرورية، واتهامه بالسرقة العلمية، واتهامه بأنه مدسوس، فهذا والله ظلم بيّن، يجب على المشايخ والإخوة أن يتقوا الله فيه، وكلامي هذا ليس فيه إبطال للرد على أخطاء الشيخ فركوس إلا في فهم من لا يفرق بين الجمرة والتمرة -وما أكثر هذا الصنف!-.
قال شيخنا محمد ابن شيخنا ربيع: «وهذا ليس ردا مني على العتيبي ولكن كتبته لئلا يغتر طلاب العلم بكلامه.
ولأني نصحت العتيبي على الخاص من هذا الاتجاه غير الحكيم حتى يئست من استجابته لأن عنده قدرة على كثرة الجدل وتحسين القبيح وتقبيح الحسن .
وكون نيته حسنة وأنا اشهد له ولكن لا تكفي النية الحسنة إذا فقد العالم الحكمة والبصيرة وعرف بالتسرع وعدم النظر في العواقب مما تسبب في موقف بعض العلماء وكثير من السلفيين منه وذمه والتحذير منه».
الجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن ما كتبه الشيخ محمد يسمى ردا سواء نفى الشيخ ذلك أو أثبته، فهو «رد» لغة وشرعا وعرفا، فلا حاجة لمثل هذا الكلام الخاطئ تماما. ولك الحق في الرد شيخنا كما لي الحق في الرد على ردكم.
الوجه الثاني:للتوضيح: شيخنا يقصد بالنصيحة عبر الخاص ليس هذه الأيام، ولا حول قضية الكرابيسي أصلا، لكن كانت يوم (27/ محرم/1444هـ =25/8/ 2022م) أي: قبل نحو عشرين يوما حول موضوع الشيخ فركوس وتهمة السرورية وتهمة السرقة، وقد أفهمت الشيخ موقفي، وأني أكتب وأتكلم بما أعتقد صوابه وأنه الحق وأنه الذي يحقق مرضاة ربي، وذكرت شواهد للشيخ من دفاعي عن والده في أشياء انتقده عليه بعضهم كسمير المالكي، ولكن الشيخ أصر على موقفه واستودعني الله من ذلك اليوم، ولذلك لم أرغب في مراسلته لما رد علي برده السابق حتى لا يغضب، فنشرت الرد العلمي ليقرأه الناس، ويستفيد منه من يستفيد، سالكا الطريقة العلمية السلفية في الرد والأدب مع شيخي.
فكون الشيخ يرى رأيه هو الحسن ورأي غيره هو القبيح فهذا رأيه حفظه الله، وهو مخطئ فيه خطأ جليا بينته بالأدلة، فالعقلاء -من غيري أنا والشيخ- ممن لهم أهلية النظر لهم إبداء رأيهم في ردودي هل هي حسنة أم قبيحة، فالعبرة بالحجة والبرهان لا بالدعوى.
الوجه الثالث: تقرير منهج السلف، والصبر على علمائنا ومنهم شيخنا الشيخ ربيع والشيخ عبيد والشيخ العباد والشيخ محمد بن ربيع والشيخ فركوس والشيخ جمعة وغيرهم، واحترامهم، وحفظ حقهم هو عين الحكمة والعقل والبصيرة، وهو موجب التأني وعدم التسرع، وحساب العواقب، وأما الإسراع في الطعن والتحذير والإسقاط لأهل العلم فهو مخالف للحكمة والبصيرة كما هو معلوم.
الوجه الرابع:إن شيخنا محمد ابن شيخنا ربيع يعلم أن علماء السنة يزكون أسامة بن عطايا العتيبي قديما وحديثا، ويعرفون منزلته، لكن ما وجد الطعن والتحذير إلا بسبب التحريش، والنميمة، والكذب عليه، وبعض الأمور تعود إلى موقف خاطئ لذلك العالم كموقف الشيخ عبيد من فتنة الحجوري الذي كان على عكس موقف الشيخ ربيع، كذلك موقفي من فتنة الخوارج في ليبيا ضد الجيش الليبي والذي وقع فيه كثير من المشايخ في فخ الخوارج ومن هؤلاء المشايخ الذين خدعهم الخوارج: «الشيخ ربيع، والشيخ عبيد، والشيخ صالح السحيمي» وغيرهم، فقمت قياما قويا في بيان الحقيقة، وإجلاء الغبش عن هؤلاء المشايخ، وتفهيمهم الحقيقة المغيّبة عنهم بسبب الصعافقة وعملاء الخوارج، وأنت يا شيخنا كنت شاهدا على هذه البصيرة، وهذه الحكمة، وهذا العقل، وهذا الموقف السلفي الشجاع.
ثم تتابع المشايخ ليقرروا ما كنت أفهمهم إياه، حتى ظهرت الحقيقة عند صبيان السلفيين فضلا عن كبارهم.
فما أفعل لمن يستجيب للتحريش من المشايخ؟ وهل أنا الملوم على أخطائهم وعدم تثبتهم أو على إصرارهم على أخطائهم؟
الله عز وجل كلفني بأن أتبع الحق، وأقدم مرضاته على مرضاة شيوخي والناس أجمعين، وإني أربأ بك أن تريد مني أن أكون إمعة مقلدا حتى ترضى عني؟
فلا والله لن أقلدك ولن أقلد من هو أكبر منك، ولا من هو مثلك، ولا من هو دونك، مع حبي لكم واحترامي لأهل العلم قاطبة، لكني أتبع الحق، وأنصر الصواب وإن غضب الأحباب والأصحاب.
سمه عنادا، سمه تعصبا، سمه جدلا، سمه ما تشاء، فالعبرة بالحقائق لا بهذه الأسماء التي تطلق في غير محلها.
وأنا صبرت على أذية (والدكم) لي، وأذية الشيخ عبيد، وغيرهما من مشايخ آذنوني وظلموني ظلما بينا ظاهرا، وسأصبر على أذيتكم لي، وأذية غيركم، وسأتعامل معكم بمنهج السلف، فلن أسعى لإسقاطكم، ولا الانتقام لنفسي، ولا نصرة باطل لإشفاء غيظٍ.
بل سأستمر في بيان الحق بالحجج والبراهين، وسأستمر في توضيح منهج السلف للشباب، وسأقف أمام كل محاولة لتمرير قواعد جديدة، أو إبطال قواعد سلفية ثابتة، أو إبعاد القواعد التي يجب أن تكون حاضرة، فالحق أحب إلي من نفسي.
فسأستمر إن شاء الله في نصرة المنهج السلفي شاء من شاء، وأبى من أبى، ورضي من رضي، وغضب من غضب.
ولا أقول إلا: غفر الله لكم شيخنا، ووفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
د. أسامة بن عطايا العتيبي