ثم قال:
(الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فقد وقفت على مقال للمدعو أبي العباس عماد طارق العراقي، ما زال يلبس فيه على الجهال الأغمار مثل عماد عبدالقادر ومن على شاكلته من العوام الذين يظنون أنهم على شيء وهم مجرد مقلدة ومتعصبة ، يؤكد فيه على قضية أن مسائل الجرح والتعديل الخلافية لا إلزام فيها، وهذا مما يؤكد على أن عماد طارق من أهل الجهل والضلال بالقضايا العلمية، وبمنهج أهل الحديث ..
وقد بينت له أن جرح الرواة وتعديلهم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المجمع عليه وهذا يجب قبوله، ويجب الإلزام به ، وهذا لا ينازع فيه عماد طارق ..
القسم الثاني: المختلف فيه مع وجود راجع متوافق مع أصول الجرح والتعديل المجمع عليها ، فهذا يجب قبوله، ويجب الإلزام به باتفاق أهل الحديث ، وهذا ينازع فيه عماد طارق، مع أن علي الحلبي نفسه صرح بأنه يلزم بالجرح المفسر المقنع القناعة الشرعية!! ويسوي بينه وبين القسم الثالث وهو:
القسم الثالث: مختلف فيه إما للخلاف في بعض قواعد الجرح والتعديل ، أو لوجود قرائن تحتف بحال الراوي قد يعمل بها علماء ولا يعمل بها آخرون لاختلاف الاجتهاد فيها ونحو ذلك ، وهذا لا إنكار فيه، بل تختلف فيه أنظار العلماء، ولا يثرب أحدهم على غيره ..
وقد كنا نسمع من مشايخنا كشيخنا الألباني رحمه الله أن الاختلاف في تصحيح الأحاديث كالاختلاف في مسائل الفقه بل لعله اشد ..
ولذلك فإنكار وجوب الإلزام في مسائل الخلاف التي ليست من مسائل الاجتهاد لا نزاع فيه بين أهل العلم ، وإنما نشأ الغلط عند عماد طارق ومن على شاكلته من الجهال أنهم لا يميزون بين مسائل الخلاف ، ومسائل الاجتهاد ..
الغلط في قول بعض الناس: [ إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (ص 210) : [وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل. أمّا الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً. وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء. وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار. أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً. وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس. والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك فيها الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها]
وقال ابن القيم -رحمه الله- في إعلام الموقعين(3/ 300) : [وقولهم "إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها" ليس بصحيح؛ ...، وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء؟ وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مَسَاغ لم تنكر على مَنْ عمل بها مجتهداً أو مقلداً. وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم. والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها -إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به- الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها]
وقال الشوكاني –رحمه الله- السيل الجرّار (4/58) : [هذه المقالة -لا إنكار في مسائل الخلاف- قد صارت أعظم ذريعة إلى سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما بالمثابة التي عرَّفناك، والمنـزلة التي بيَّناها لك، وقد وجب بإيجاب الله عز وجل، وبإيجاب رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع، والنهي عما هو منكر من منكراته: ومعيار ذلك الكتاب والسنة، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفاً، وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكراً. وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك، فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولاً، ثم على العامل به ثانياً. وهذه الشريعة الشريفة التي أُمِرْنا بالأمر بمعروفها، والنهي عن منكرها، هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة]
وقد قال الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات(4/141) ينعى حال أشباه عماد طارق من مميعة الجرح والتعديل : «وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدوداً في حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظراً آخر... فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع فيقال: لم تمنع والمسألة مختلفٌ فيها، فيجعل الخلاف حجةً فى الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليلٍ يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمداً، وما ليس بحجةٍ حجةً، حكى الخطابي فى مسألة البِتْع المذكور في الحديث عن بعض الناس أنه قال: إن الناس لما اختلفوا في الأشربة وأجمعوا على تحريـم خمر العنب، واختلفوا فيما سواه، حرمنا ما اجتمعوا وأبحنا ما سواه. قال: وهذا خطأٌ فاحشٌ وقد أمر الله تعالـى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، قال: ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل للزم مثله فى الربا والصرف ونكاح المتعة لأن الأمة قد اختلفت فيها، قال: وليس الاختلاف حجة، وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين، هذا مختصر ما قال، والقائل بهذا... قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلاً لأمر الشارع وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه...»
وسيأتي إن شاء الله بيان العلاقة بين وجوب إلزام الناس بالحق في ما اختلف فيه من جرح الرواة وتعديل وقضية الإلزام بمذهب معين ..
وقبل الختام لهذا التعليق أسأله سؤالاً:
مَنْ مِنَ العلماء قال إنه لا يلزم المخالف للدليل والقواعد في جرح الرواة بقبول الحق ؟
بمعنى آخر: من من العلماء قال إن الجرح المفسر المقنع القناعة الشرعية لا يجب الإلزام به؟
أريد نصاً خاصة في المسألة وليس عموميات! فقد رددت عليك في أصل المسألة وهي قضية "الإنكار في مسائل الخلاف وليس الاجتهاد" بما فيه اجتثاث لفتنتة مميعة الجرح والتعديل ..
علماً بأن علياً الحلبي نفسه قال بالإلزام إذا كان الجرح مفسراً تفسيراً مقنعاً القناعة الشرعية ..
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد)
|