وأما الصلاة جماعة في المساجد فإنما أوجبها الله على الرجال دون النساء رحمة بهن ومراعاة لظروفهن وما يلزمهن من القرار في بيوتهن للقيام برعاية أبنائهن والقيام بحقوق أزواجهن.
فإنْ رغبتْ في الصلاة في المسجد فإن الشارع يسمح لها بذلك مع بيان أن صلاتها في بيتها ومخدعها أفضل من صلاتها في المسجد ولو في مسجد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذي تعدل الصلاة فيه ألف صلاة فيما سواه من المساجد.
إلى جانب ذلك فإن رسول الله منعها من الصلاة في المسجد إذا تطيبت أو تبخرت كما سيأتي الدليل على ذلك.
فانظر إلى هذا التشريع الرحيم من جهة والحازم الحاسم للفتن من جهة أخرى.
وهاك بعض الأحاديث المتعلقة بصلاة المرأة في المسجد:
قال e : "صَلَاةُ الْمَرْأَةِ في بَيْتِهَا أَفْضَلُ من صَلَاتِهَا في حُجْرَتِهَا وَصَلَاتُهَا في مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ من صَلَاتِهَا في بَيْتِهَا"([1]).
وعن عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قالت: "لقد كان رسول اللَّهِ e يُصَلِّي الْفَجْرَ فَيَشْهَدُ معه نِسَاءٌ من الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ في مُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلى بُيُوتِهِنَّ ما يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ"([2]).
وعن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ قالت: "إن كان رسول اللَّهِ e لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ من الْغَلَسِ وقال الْأَنْصَارِيُّ في رِوَايَتِهِ مُتَلَفِّفَاتٍ"([3]).
معنى هذا أن النساء في ذلك العهد كن يبادرن بالخروج من المسجد في الظلام خشية أن يدركهن الرجال.
وعن بُسْرِ بن سَعِيدٍ أَنَّ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةَ كانت تُحَدِّثُ عن رسول اللَّهِ e أَنَّهُ قال: "إذا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فلا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ"([4]).
وعن بُسْرِ بن سَعِيدٍ عن زَيْنَبَ امْرَأَةِ عبد اللَّهِ قالت: قال لنا رسول اللَّهِ e : "إذا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فلا تَمَسَّ طِيبًا"([5]).
وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ e : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فلا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ"([6]).
فهذه الأحاديث واضحة جلية في مبالغة الإسلام في سد ذرائع الفتنة بالنساء مهما بلغ المجتمع من الإيمان والفضل والنـزاهة والعفة رجالاً ونساء، فتراه في هذين الحديثين بالإضافة إلى ما سبق يحمي حتى حاسة الشم، فيشترط على من شهدت الصلاة ألا تمس طيباً، وتراه يمنعها إذا أصابت بخوراً.
وعن يحيى (وهو ابن سعيد) عن عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرحمن أنها سَمِعَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي e تَقُولُ: " لو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e رَأَى ما أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كما مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قال فقلت لِعَمْرَةَ: أَنِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ منعن الْمَسْجِدَ؟ قالت: نعم"([7]).
هذا الحديث يفيد أنه قد حصل في عهدها تغير يقتضي منع النساء من المساجد " لو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e رَأَى ما أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كما مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ"، وذلك لمعرفتها برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغيرته ومنهجه العظيم في كل مجال، ومنها: سد ذرائع الفتن، ولا سيما أخطر الفتن وهي فتنة النساء، فهو -صلى الله عليه وسلم- يحمي حاسة البصر وحاسة السمع ويحمي الرِجل أن تمشي إلى الفتنة واليد أن تبطش أو تمس حيث لا يجوز المس، فأين الكثير والكثير اليوم من الرجال والنساء من هذه التوجيهات النبوية السديدة الرشيدة السادّة لأبواب الفتن وذرائعها؟، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في وادٍ، ودعاة الاختلاط في وادٍ آخر.
وهاك أقوال جماعة من الصحابة والتابعين في كراهتهم خروج النساء إلى المساجد:
قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (3/379-380):
"من كَرِهَ ذلك([8])
7688- حدثنا وَكِيعٌ ثنا مِسْعَرٌ عن سَلَمَةَ بن كُهَيْلٍ عن أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قال: قال عبد اللهِ: "ما صَلَّتْ امْرَأَةٌ صَلاَةً قَطُّ أَفْضَلَ من صَلاَةٍ تُصَلِّيهَا في بَيْتِهَا إِلاَّ أَنْ تُصَلِّيَ عَنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلاَّ عَجُوزٌ في مِنْقَلَيْهَا يعني خُفَّيْهَا".
7689- حدثنا وَكِيعٌ ثنا إسْرَائِيلُ عن عبد الأَعْلَى عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عن عبد اللهِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ عن الصَّلاَة في الْمَسْجِدِ يوم الْجُمُعَةِ؟ فقال: "صَلَاتُكِ في مَخْدَعِكِ أَفْضَلُ من صَلَاتِكِ في بَيْتِكِ وَصَلَاتُكِ في بَيْتِكِ أَفْضَلُ من صَلَاتِكِ في حُجْرَتِكِ وَصَلَاتُكِ في حُجْرَتِكِ أَفْضَلُ من صَلَاتِك في مَسْجِدِ قَوْمِك".
7690- حدثنا وَكِيعٌ ثنا سُلَيْمَانُ بن الْمُغِيرَةِ عن حُمَيْدِ بن هِلَالٍ عن أبي الأَحْوَص قال: قال عبد اللهِ: "الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ وَأَقْرَبُ ما تَكُونُ من رَبِّهَا إذَا كانت في قَعْرِ بَيْتِهَا فإذا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ".
7691- حدثنا وَكِيعٌ ثنا سُفْيَانُ عن أبي فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيِّ عن أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قال: "رَأَيْت ابن مَسْعُودٍ يَحْصِبُ النِّسَاءَ يُخْرِجُهُنَّ من الْمَسْجِدِ يوم الْجُمُعَةِ".
7692- حدثنا وَكِيعٌ ثنا اياس بن دَغْفَلٍ قال سُئِلَ الْحَسَنُ عن امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عليها -إن أُخْرِجَ زَوْجُهَا من السِّجْنِ- أَنْ تُصَلِّيَ في كل مَسْجِدٍ تُجْمَعُ فيه الصَّلاَة بِالْبَصْرَةِ رَكْعَتَيْنِ؟ فقال الْحَسَنُ: "تُصَلِّي في مَسْجِدِ قَوْمِهَا فَإِنَّهَا لاَ تُطِيقُ ذلك لو أَدْرَكَهَا عُمَرُ بن الْخَطَّابِ لَأَوْجَعَ رَأْسَهَا".
7693- حدثنا أبو الأَحْوَص عن سَعِيدِ بن مَسْرُوقٍ عن أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قال: "سَمِعْت رَبَّ هذه الدَّارِ –يعني: ابن مَسْعُودٍ- حَلَفَ، فَبَالَغَ في الْيَمِينِ: ما صَلَّتْ امْرَأَةٌ صَلاَةً أَحَبَّ إلَى اللهِ من صَلاَةٍ في بَيْتِهَا إِلاَّ في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ إِلاَّ امْرَأَةٌ قد أَيِسَتْ من الْبُعُولَةِ".
7694- حدثنا زَيْدُ بن حُبَابٍ ثنا بن لَهِيعَةَ حدثني عبد الْحَمِيدِ بن الْمُنْذِرِ السَّاعِي عن أبيه عن جَدَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ قالت: قُلْت يا رَسُولَ اللهِ يمنعنا أَزْوَاجُنَا أَنْ نُصَلِّيَ مَعَك وَنُحِبُّ الصَّلاَة مَعَك؟ فقال رسول اللهِ e : "صَلَاتُكُنَّ في بُيُوتِكُنَّ أَفْضَلُ من صَلَاتِكُنَّ في حُجَرِكُنَّ، وَصَلَاتُكُنَّ في حُجَرِكُنَّ أَفْضَلُ من صَلَاتِكُنَّ في الْجَمَاعَةِ".
7695- حدثنا حَفْصٌ عَنِ الأَعْمَش عن إبْرَاهِيمَ قال: "كان لِإِبْرَاهِيمَ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، فلم يَكُنْ يَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ إلَى جُمُعَةٍ وَلاَ جَمَاعَةٍ"".
فأقوال هؤلاء الأئمة تدحض دعوى الكاتب متحاملاً على من يمنع من الاختلاط الذي يدعو إليه قائلاً: "ولم يقتفوا هدي المجتمع النبوي فيه.....إلخ.
فأقوال هؤلاء الأئمة مستمدة من النصوص الدالة على وجوب سد ذرائع الفتن ومنها آيات الحجاب والأمر بغض النظر، ومن الأحاديث التي تحذر من فتنة النساء كحديث: "ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ على الرِّجَالِ من النِّسَاءِ".
وبوادر هذه الفتنة بدأت تظهر في عهد الصحابة من غير نساء الصحابة كما في حديث عائشة -رضي الله عنها-: " لو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e رَأَى ما أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كما مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ".
ومن ذُكِر من الصحابة والتابعين رأوا من فتنة النساء أكثر مما رأت عائشة –رضي الله عنها-.
ومما أوجب هذه الأقوال والمواقف من هؤلاء الأئمة ما علموه من فتنة النساء ومنها مخالفتهن للشروط التي اشترطها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على من أرادت من النساء الصلاة في المسجد.
وإذا كان هذا قد وقع من النساء في ذلك العهد الزاهر فما بالك بما بعده؟
وما بالك بما يُشاهد ويُعلم في هذا الزمان من مخالفات النساء سواء في خروجهن إلى المساجد أو إلى غيرها لتلك الشروط وزيادات عليها بما لا يخطر على بال أهل ذلك العهد الزاهر ولا حتى من بعدهم بقرون.
10- قال الكاتب: " وهكذا الحال في كثير من شؤون حياتنا اليومية، وفي واقع بيوت الكثير من المسلمين - ومنهم المانعون للاختلاط- تجدها مليئة بالخدم من النساء يقدمن الخدمة فيها وهي مليئة بالرجال الأجانب عنهن، وفي مظهر قد يكون من أشد مظاهر الاختلاط في حياتنا اليومية لا يمكن إنكاره".
أقول:
أ- هذا الاستدلال مع ما فيه من مبالغات في مظاهر الاختلاط فإنه من جنس استدلال العوام والخرافيين بما يقع في بعض البلدان من مظاهر الخرافات والشرك كدعاء الأموات الذين يعتقدون فيهم الصلاح، وكمن يحتج على جواز حلق اللحى والتشبه بالكفار في ملابسهم وكثير من عاداتهم.
ب- قولك: "وهكذا الحال في كثير من شؤون حياتنا اليومية".
أقول: سامحك الله، إن واقع هذه البلاد بلاد الحرمين التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله ومنهج السلف الصالح في عقائدها وأخلاقها بخلاف ما تدعي وستستمر إن شاء الله على هذا المنهج السلفي العظيم.
ألا ترى أيها الرجل كما يرى الناس أنها أنشأت مئات المدارس للبنات خاصة في طول المملكة وعرضها من المراحل الابتدائية إلى المتوسطات إلى الثانويات إلى الكليات.
وأنشأت لها الإدارة الخاصة يديرها النساء لا الرجال، وكذلك الدوائر الأخرى في الوزارات والبلديات، لا نعرف اختلاطاً في هذه الدوائر، وهذا مما تميزت به المملكة العربية السعودية بلاد الحرمين وبلاد التوحيد والسنة، شكر الله لها ذلك، ويشكرها العقلاء والعلماء من هذه البلاد وغيرها ونسأل الله أن يثبتها ويسدد خطاها ويقيها شر دعاة الباطل والفتن.
وكذلك العلماء المانعون للاختلاط لا نعرف عنهم أن بيوتهم مليئة بالخدم من النساء اللاتي يقدمن فيها الخدمة للرجال الذين امتلأت بهم البيوت.
فهذا التصوير للعلماء في غاية الخطورة إذ هذه الحال قد لا توجد في أحط البلدان وأبعدها عن الإسلام، فحاشا هؤلاء العلماء الذين تربوا على الكتاب والسنة أن تكون حالهم كما تدَّعي.
ويجب عليك الاعتذار إلى هذه البلاد حكومة وعلماء حيث صوَّرتهم وبلادهم بهذه الصورة المزرية، فإن بلادهم عرفت وقامت على محاربة الاختلاط في مدارسهم وفي مساجدهم ودوائر حكومتهم.
11- قال الكاتب: "إن من يحرمون الاختلاط يعيشون فيه واقعاً، وهذا من التناقض المذموم شرعا، ويجب على كل مسلم منصف عاقل لزوم أحكام الشرع دون زيادة أو نقص، فلا يجعل من حماسته وغيرته مبرراً للتعقب على أحكام الشرع".
أقول: إن الاختلاط الذي يدعو إليه دعاة الفتن في كل مجال من مجالات الحياة لا يعرف في هذه البلاد، ولن يكون ذلك إن شاء الله، ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)، فأين هو التناقض؟ وهل سلك العلماء إلا طريق الحق الذي يحترمه كل عاقل منصف من لزوم أحكام الشرع.
وأنت تدَّعي أنك على هدي المجتمع النبوي، فهل كان الاختلاط في ذلك المجتمع في كل الميادين وكل البيوت حتى يكون دعاة الاختلاط هم العقلاء المنصفون الملتزمون لأحكام الشرع؟
نعوذ بالله من قلب الحقائق والتناقض المزري.
[1] - أخرجه أبو داود، حديث (570).
[2] - أخرجه البخاري" حديث (372).
[3] - أخرجه مسلم، حديث (645).
[4] - أخرجه مسلم، حديث (443).
[5] - أخرجه مسلم، حديث (443).
[6] - أخرجه مسلم، حديث (444).
[7] - أخرجه مسلم في "الصلاة"، حديث (445) وابن أبي شيبة في "الصلاة" حديث (7684).
[8] - أي خروج النساء إلى المسجد.
__________________
|