اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوصهيب اليمني
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الكريم أسامة العتيبي -وفقك المولى-
...
وإشكالي في الآتي:
1- أن هؤلاء الثقات الذين رووا عن هارون، كلهم روى عنه نفس هذا الحديث بعينه، أفلا يُضعِّف هذا من كون الراوي مشهورا بالرواية، بخلاف ما لو كانت روايتهم لأحاديث مختلفة؟، مع إقراري بحصول نوع قوة للراوي ولو كان الإسناد والمتن واحدًا.
2- أنَّ هارون هذا حسب علمي القاصر ورجوعي لكتب التخاريج، والأطراف، والتراجم ليس له رواية في كتب الرواية، ولا يعرف بغير هذا الحديث.
3- أنَّه لو فرضنا ارتفاعه بتلك القرائن عن الجهالة إلى مرتبة الصدق-ولا يبعد هذا-، فهذا لا يعني بالضرورة قبوله في كل ما روى بل قد يخطئ الثقة، وهذا الحديث منها للقرائن الآتية.
4- أنَّ هارون بن مسلم روى هذا الحديث من طريق الإمام المشهور قتادة بن دعامة، ولا يخفى عنكم أنَّ مثل هذا التفرد عن إمام مشهور، دارت عليه أسانيد الشام، وله من التلاميذ ما الله به عليم، يُوجب الريبة الشديدة في استقامة هذا الإسناد، وثبوته عن قتادة، هذا إن رواه راوٍ صدوق لا يُعرف بملازمة قتادة!، فكيف بمجهولٍ لا يُعرف ضبطه أصلًا، ولا بالأخذ عن قتادة بحيث يجبر تفرده بهذا الإسناد.
5- أنَّه اجتمع مع التفرد الشديد في إسناده تفرده بمتنٍ يتعلق بأدب شامل لكافة الرجال من المسلمين بل والنساء كذلك، وهو النهي عن الصلاة بين السواري.
فإن قيل: قد أشار الإمام الألباني-رحمه الله- إلى أنَّ حديث أنس يشهد له –أي بمعناه-فأقول: بل أثر أنس -إن قلنا بتضمنه الرفع- يدل غاية ما يدل على الكراهة فـ:
- قوله: (كنا نتقي هذا): إنما يفيد الكراهة التزيهية، بخلاف لفظة النهي، فظاهرها يقتضي التحريم وهو ما اختاره العلامة الألباني-رحمه الله-.
- أنَّ قول الراوي عن أنس (فأضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين) يدل دلالة قوية على الكراهة، ووجه ذلك:
-أنَّهم صلوا بين الصفين، ولو كان أنسٌ –رضي الله عنه- سمع تحريم ذلك من النبي-صلى الله عليه وسلم- لاجتنبه.
-فإن قيل: قد قال الرواي: (فاضطرنا الناس).
-فأقول: ليس المراد هنا الاضطرار بالمعنى الشرعي، وإلا فتفكر أخي ما هي الضرورة الشرعية التي تتخيلها بحيث دفعت أنس-رضي الله عنه- لارتكاب محرم، هل هدده الناس بالعصي أم ماذا؟ بحيث أكرهوه على الصلاة بين السواري، فبحسب فهمي القاصر أنَّ حمل هذه الكلمة على الاضطرار الشرعي، والضرورة فيه قصورٌ في تصور الحادثة والله أعلم، ولكن مراد الراوي ما يكون من التضييق والمدافعة في بعض الصفوف بحيث يدفعك لصف آخر، لكن لا تصل إلى الازدحام في كل المسجد، وإلا لجَازت الصلاة بين السواري، سواء عند القائلين بالتحريم أو الكراهة، وحينئذ فلا وجه لتقدم أنس وتأخره، فكان حقه حينئذ الصلاة بين السواري ولا حرج عليه.
6- ثم إنْ فرضنا جدلًا أنَّ أثر أو حديث أنس يشهد لمعناه بالمطابقة، فهذا لا يرفع النكارة الإسنادية التي إنما ترتفع بالمتابعة على الإسناد لا على المتن، والخطأ في الأسانيد أكثر بكثير من الخطأ في المتون، فيظل الحديث ضعيفًا ولفظة "ننهى" غير ثابتة.
7- أنَّ الإمام ابن المديني-رحمه الله- قد قال عن هذا الحديث -كما نقله ابن رجب في "فتح الباري"-: إسناده ليس بالصافي، قال : وأبو مسلم هذا مجهول . ا.هـ
8- وكذا نقل عن ابن المنذر قوله : لا اعلم في هذا خبرا يثبت ا.هـ
9- ثم إنَّه بحسب اطلاعي المحدود، لا أعلم أحدًا من السلف صرَّح بتحريم الصلاة بين السواري، وهو المقتضى للنهي، فهذا مما يزيد المتن ضعفًا، إلا على تأويل الكراهة فينتفي هذا الوجه، وتبقى الأوجه السابقة.
10- ثم لو فرضنا جدلًا صحته -مع بُعد هذا في نظري لنكارة الإسناد- وقويناه بما ورد موقوفًا على ابن مسعود-رضي الله عنه-، أفليس حمله على الكراهة التنزيهية، هو الأولى والأقرب؟، فلا تطمئن النفس أبدًا لتحريم أمرٍ ما، وتأثيم الناس بناء على حديثٍ بلغ أدنى مراتب القبول بِشق الأنفس-إن صح التعبير-وأعتذر عن الإطالة شيخنا ولكن أردت إتمام صورة المسألة في ذهني.
1- فهل ترتفع النكارة بعد هذا شيخنا؟، وما وجه ذلك؟ و لو قال أحدٌ بضعفه محتجًا بما سبق فهل يُعترض عليه بتصحيح أو تحسين الإمام الألباني -رحمه الله-؟
2- ثم أليس إيراد ابن حبان للراوي في كتاب الثقات، مع بُعد مرتبته عن طبقة ابن حبان وعدم تصريحه بالتوثيق في خلال الترجمة مما يُضعِّف هذا التوثيق؟
تنبيه للأعضاء:ليس فيما ذكرتُ تنقصًا للإمام الألباني-رحمه الله-، بل كما يُخالفُ المرءُ غيرَه من أئمة المذاهب الأربعة في الفقه أحيانًا، كذلك قد يُخالف الإمام الألباني في الحديث أحيانًا، ولَمخالفة الإمام ابن المديني على القلب أشد من مخالفة الإمام الألباني-رحمه الله- أقول هذا معتذرًا ودفعًا لما قد يَرد في الأذهان وجزاكم الله خيرًا.[/size]
كتبه: ابوصهيب عاصم بن علي الأغبري
|
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد أحسنت أخي أبا صهيب في تتبعك لمخرجي هذا الحديث، وفي بحثك عن حال رواته، وهذا يبين أنك مستفيد في فن التخريج يرجى لك المستقبل المشرق في علم الحديث فأسأل الله لك التوفيق والثبات..
أما الإشكال الأول: [1- أن هؤلاء الثقات الذين رووا عن هارون، كلهم روى عنه نفس هذا الحديث بعينه، أفلا يُضعِّف هذا من كون الراوي مشهورا بالرواية، بخلاف ما لو كانت روايتهم لأحاديث مختلفة؟، مع إقراري بحصول نوع قوة للراوي ولو كان الإسناد والمتن واحدًا.]
التعليق:
أن غالب ما يطلق على الراوي بأنه مشهور أي بكثرة الرواية، وإنما تأتي الشهرة غالباً بسبب كثرة مروياته فيكثر تلامذته مما يجعله مشهوراً..
وقد تكون الشهرة موجودة بسبب حديث واحد اشتهر به هذا الراوي وعرف به فتكون غرابة الحديث سبباً لشهرته عند المحدثين، وسبباً لشهرة راويه عندهم سواء كانت شهرته بالثقة أو الصدق أو الضعف أو الكذب والوضع!
فلا يظهر من حال هارون بن مسلم ما يوجب تضعيفه لكونه لم يأت بما هو منكر في الشريعة-وسيأتي ما يتعلق بالطرد-، ولم يأت بما خالف فيه الثقات، فالذي جاء به يكثر في روايات أتباع التابعين من الثقات والضعفاء ..
ومع شهرة هذا الحديث مع تفرد هارون به لم نجد من كتب في الضعفاء كالبخاري والنسائي والعقيلي وابن عدي وابن حبان والدارقطني وصف هذا الراوي بأنه منكر الحديث أو أنه روى حديثاً منكراً بل أقوى ما ورد فيه قول علي بن المديني: إسناده ليس بالصافي وقول ابن المنذر في الحديث: لم يثبت، وكذا قول ابن مفلح في الحديث : فيه لين ..
ثم يأتي قول ابن المديني وقول أبي حاتم إنه مجهول!
وأما الإشكال الثاني: [2- أنَّ هارون هذا حسب علمي القاصر ورجوعي لكتب التخاريج، والأطراف، والتراجم ليس له رواية في كتب الرواية، ولا يعرف بغير هذا الحديث.]
التعليق
نعم هو كذلك..
وأما الإشكال الثالث [3- أنَّه لو فرضنا ارتفاعه بتلك القرائن عن الجهالة إلى مرتبة الصدق-ولا يبعد هذا-، فهذا لا يعني بالضرورة قبوله في كل ما روى بل قد يخطئ الثقة، وهذا الحديث منها للقرائن الآتية].
التعليق
هذا صحيح على سبيل الإجمال، ولكن لا يقال هنا لأنه ليس له إلا حديث واحد فرد..
ولا تظهر قرينة لتخطئته فيما روى ولكنه لم يتأهل إلى مرتبة الصدق ولكن مشاه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ..
وتمشيتهم له لما له من الشاهد من حديث أنس وهو في معناه في البعد عن الصلاة بين السواري وإن كان لفظه ليس فيه الطرد الذي يفيد تأكيد الابتعاد عن الصلاة بين السواري ..
وأما الإشكال الرابع [4- أنَّ هارون بن مسلم روى هذا الحديث من طريق الإمام المشهور قتادة بن دعامة، ولا يخفى عنكم أنَّ مثل هذا التفرد عن إمام مشهور، دارت عليه أسانيد الشام، وله من التلاميذ ما الله به عليم، يُوجب الريبة الشديدة في استقامة هذا الإسناد، وثبوته عن قتادة، هذا إن رواه راوٍ صدوق لا يُعرف بملازمة قتادة!، فكيف بمجهولٍ لا يُعرف ضبطه أصلًا، ولا بالأخذ عن قتادة بحيث يجبر تفرده بهذا الإسناد.]
التعليق
القول بالنكارة هنا جار على الأصل عند أهل الحديث، لأن هذا الراوي غير المعروف والذي ليس بمشهور تفرد به عن قتادة دون بقية تلامذته وأصحابه، مع اهتمام أهل الحديث بحديث قتادة وجمعهم له..
لكننا وجدنا الأئمة مع علمهم بهذا وعملهم به، وعلمهم بحال هارون في هذه الراواية إلا أنهم لم يصفوا روايته بالنكارة ولم يشددوا عليه ونحن المتأخرون نقف حيث وقف المتقدمون ولا نتقدم بين أيديهم لا سيما وكلامهم موجود غير مفقود، وهم أساطين هذا الفن ورؤوسه ومع ذلك لم يشددوا في هذا الحديث بل وجدنا من تسامح في تصحيحه وتقوية شأن راويه حيث صححوا حديثه كحال ابن حبان وابن خزيمة والحاكم..
وأما الإشكال الخامس : [5- أنَّه اجتمع مع التفرد الشديد في إسناده تفرده بمتنٍ يتعلق بأدب شامل لكافة الرجال من المسلمين بل والنساء كذلك، وهو النهي عن الصلاة بين السواري.]
هذا المتن لم يتفرد به بل له ما يشهد من المرفوع والموقوف ..
أ- أما المرفوع فحديث أنس رضي الله عنه: [كنا نتقي هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] .
ومع تبويب غير واحد بما لا يفيد نهياً ولا كراهة إلا أنا وجدنا من بوب بما يفيد ذلك
فقد بوب ابن حبان لحديث أنس هذا: ذكر الزجر عن الصلاة بين السواري جماعة
وبوب له ابن خزيمة: باب النهي عن الاصطفاف بين السواري
وبوب له الترمذي: بَاب ما جاء في كَرَاهِيَةِ الصَّفِّ بين السَّوَارِي
والبيهقي بوب له: باب كراهية الصف بين السواري
وقال الحافظ في فتح الباري (1/578) : [لورود النهى الخاص عن الصلاة بين السواري] ثم ذكر حديث أنس فقط..
ب- وحديث معاوية بن قرة وفيه هارون كما هو أصل بحثك لكنه روي على لون آخر لعله أصل تلك الرواية الغريبة ..
فقد قال البخاري في صحيحه: [ورأى عمر رجلا يصلي بين أسطوانتين فأدناه إلى سارية فقال صل هنا ]
وقد وصله ابن أبي شيبة كما ذكره الحافظ في تغليق التعليق (2//246)
قال ابن أبي شيبة في مصنفه (2/146رقم7502) حدثنا محمد بن يَزِيدَ عن أَيُّوبَ عن أبي الْعَلَاءِ عن مُعَاوِيَةَ بن قُرَّةَ عن أبيه قال رَآنِي عُمَرُ وأنا أُصَلِّي بين اسطوانتين فَأَخَذَ بِقَفَائِي فَأَدْنَانِي إلَى سُتْرَةٍ فقال صَلِّ إلَيْهَا
ولا أدري هل هذا الإسناد مستقيم أم فيه زيادة عن بين أيوب وأبي العلاء لأني أظنه أبو العلاء أيوب بن مسكين القصاب الواسطي وهو شيخ صدوق وسط لا بأس به وقد تكلم في حفظه..
فلعل هذا أصل الحديث وهم فيه هارون بن مسلم والله أعلم.
جـ - حديث ابن عباس مرفوعاً ..
رواه الطبراني في المعجم الأوسط(3/340) ، والكبير(11/357)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان(2/162) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن أبي يزيد المديني عن عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((عليكم بالصف الأول وعليكم بالميمنة وإياكم والصف بين السواري))
وإسناده ضعيف إسماعيل بن مسلم ضعيف . وأما أبو يزيد فقد وثقه ابن معين.
ورواه عبد الرزاق (2/58) : عن ابن جريج قال أخبرني غير واحد عن بن عباس قال: عليكم بميامن الصفوف وإياكم وما بين السواري وعليكم بالصف الأول.
وابن جريج سمع من عطاء وغيره من تلامذة ابن عباس رضي الله عنهما فإسناده قوي موقوفاً..
ومن الموقوفات:
ما رواه عبد الرزاق في مصنفه وابن المنذر في الأوسط والطبراني في الكبير وسحنون في المدونة وغيرهم عن أبي إسحاق عن معد يكرب قال: قال ابن مسعود: (لاتصفوا بين السواري ولا تأتموا بالقوم وهم يتحدثون).
وأختم هذا بقول الإمام ابن المنذر في الأوسط: [ليس في هذا الباب خبر يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه ، وأعلى ما فيه قول أنس : كنا نتقيه . ولو اتقى متق كان حسنا ، ولا مأثم عندي على فاعله].
وفيما بعد إن شاء الله أراجع ما كتبته مع إتمام ما بقي من كلام ..
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد