وقد أحسن العز بن عبد السلام حين قال في قواعده الكبرى :وهو يرد على المتعصبة من كل مذهب ، ومن العجب أن الناس المقلدين المتعصبين يقف أحدهم على أضعف مآخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، وهو مع ذلك يقلده فيه ، ويتعصب له ، ويترك من شهد الكتاب والسنة والإجماع والأقيسة الصحيحة له ، تعصبا وجمودا على تقليد إمامه ، بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة ، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده ، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس فإذا ذكر لأحدهم ما وطن نفسه عليه تعجب غاية العجب من غير استرواح إلى دليل ، بل لما ألفه من تعصب
وتقليد لمذهبه ، حتى ظن أن الحق منحصر في مذهبه ، وأقواله ، ولو تدبره لكان تعجبه من مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب الدليل ، فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ، ولم أهتد إليه ، ولا يعلم المسكين أن هذا يقابل بمثله ، ويفصل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح ، فسبحان الله ، ما أكثر من أعمى التعصب بصره حتى حمله على رد نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة ، والتهوين من شأنها ، وفقنا الله لاتباع الحق أينما كان وعلى لسان من ظهر أهـ
ورحم الله القاضي منور بن سعيد البلوطي حين انتقد على أهل التقليد ممن يتعصبون لمذهب مالك بالأندلس ، فأنشأ يقول معرضا بهم : عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلا هكذا قال مالك ، فإن قلت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : قاله ابن القاسم الثقة الذي على قصد منهاج الهدى هو سالك ، فإن عدت .قالوا : هكذا قال أشهب وقد كان لا تحفى عليه المسالك .
قلت : هذا هو طريق التعصب الأعمى ومذهب كل هالك . والقوم ليس بهم نصرة ، مذهب مالك وما فيه من الحق والصواب ، فمالك من علماء السلف ، وهو النجم إذا ذكر علماء السلف ، ولكن القوم تتجارى بهم الهواء كما يتجارى داء الكلب بصاحبه ، فهمهم الحرص على الجاص والمنصب والتقليد الأعمى للشيخ والطريقة ..ويردون الحق حتى لو كان آية من كتاب الله أو حديث ثابت في الصحيحين من رسول الله .وإذا جءت لتبين ماعندهم من خطا وخلط رموك عن قوس واحدة ، وحذروا منك وقالوا لخوانكم كما قال فرعون لقومه : غني اخاف ان يبدل دينكم او ان يظهر في الأرض الفساد . وليعلموا ان الحق عليه نور ، وان متم نوره إن عاجلا او آجلا ... فهل ابصرت أيها المقلد المتعصب ..
ورحم الله أبا عمر بن عبد البر حين قال في تمهيده : ألا ترى أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا وهم الأسوة فلم يعب واحد على مخالفه ، ولا وجد عليه في نفسه ، إلى الله المشتكى وهو المستعان على أمة نحن بين أظهرها تستحل الأعراض إذا خولفت .أهـ .
قلت : قوله : خولفت لا يفهم منه إلا فيما يسوغ فيه الخلاف ، وإلا إذا ظهر الحق وبان الدليل الواضح فلا عبرة للمخالف ، ولا قول لأحد مع قول الله ورسوله ، وصدق من قال : إذا جرى نهر الله بطل نهر معقل .وماأجمل كلام هولاء العلماء لو وعاه أهل منهج الدليل ! ! ! في الرد على المتعصبة في كل زمان حيثما وجدوا ..
|