المخالفة الرابعة : الأصول الفاسدة التي أصلها الحلبي
واعتمد عليها في رده للحق
ذكر الحلبي أصولاً عديدةً في كتابه منهج السلف الصالح وطبقها في أحكامه وتزكياته من غير أن يذكر من سبقه على هذا التأصيل, مع أن هذه الأصول مخالفة لما عليه العلماء في نقدهم وتعاملهم مع المخالفين, ومن هذه القواعد الفاسدة (اعتبار أقوال الأئمة في الجرح والتعديل من قبيل المسائل الاجتهادية التي يجوز فيها الخلاف ولا يصح فيها الإنكار أو الإلزام , ومن أجل ذلك بتر الحلبي وحرف كلام الصنعاني وزعم أنه لاإلزام إلا بالاقتناع, وكذلك التشويش على وجوب قبول خبر الثقة ، وزعمه أن الإمتحان لا يكون إلابمن هُمْ رُؤُوسٌ فِي البِدْعَة ولا يمتحن بأَتْباعِهِم وَأَشْياعِهِم ،وقوله لا نجعل خلافنا في غيرنا سبباً للخلاف بيننا) .
وسأذكر قاعدةً واحدة من هذه القواعد الجديدة التي اعتمدها الحلبي في تأصيلاته الجديدة وهي قوله:
( لا نجعل خلافنا في غيرنا سبباً للخلاف بيننا )
كرر الحلبي هذه القاعدة كثيراً في كتابه منهج السلف الصالح مبتغياً في ذلك الوصول إلى: أنه لا يصح الخلاف بين الجارحين في جرحهم للرواة وذلك لاختلاف أسباب الجرح عند أهله, حتى ولو كان المجروح من المبتدعة المعروفين ببدعتهم.
ذكر الحلبي كلام الشيخ ربيع في نصيحته لفالح الحربي والتي جاء فيها (( ومما جرح به عكرمة: أنه على مذهب الصفرية الخوارج. وقد جرحه بذلك بعض الأئمة – ولم يقبل البخاري جرحهم, لضعف حجتهم)) فقال الحلبي معلقاً:
( فثمة تفسير للجرح, وحجة – إذن – لكن البخاري رد ذلك واستضعفها!!
فهل إذا تكرر هذا الاختلاف – قبولاً ورداً – في تاريخ عالم النقد – أو الجرح – حاضراً, أو مستقبلاً – يكون سبباً للخصومة, أو الإسقاط, أو التنازع بين هؤلاء المختلفين أنفسهم – وهم على منهج صدق واحد , واعتقاد واحد حق-؟!
وهل لما خالف البخاري – في ذا – من خالف – ممن جرح وطعن -, كان ذلك سبباً في إسقاط البخاري – مع الإقرار بالفارق!- أو استئصاله , أو الطعن به؟!
مع التذكير أن موضوع الإمام البخاري – هنا – عقائدي !! وهذا عين ما أكرره – دائماً – وقد انتقده علي (بعض الناس ) – بغير حق -: ( لا نجعل اختلافنا في غيرنا سبباً للخلاف بيننا) .... .وجلي – جداً – أن مرادي بـــ ( اختلافنا ) أي: أهل السنة, ودعاة منهج السلف). [ منهج السلف ط2،صفحة 324, حاشية رقم (1) ].
وقال الحلبي في صفحة ( 326): ( وهذا – نفسه- معنى ما أكرره – دائماً – من قولي: (( لا يجوز أن بجعل خلافنا ( الاجتهادي المعتبر= نحن أهل السنة ) في غيرنا ( ممن خالف السنة: من مبتدعٍ , أو سنِّيّ وقع في بدعة ): سبباً في الخلاف بيننا ( نحن أهل السنة ), بل نتناصح بالعلم والحقّ, ونتواصى بالصبر والمرحمة.....)) .
وكرر هذه العبارة في صفحة ( 337) حاشية رقم (2).
وفصل الحلبي قاعدته هذه تفصيلاً آخر كما في محاضرةٍ له بعنوان(( الجرح والتعديل – أصول وضوابط)) قائلاً:
(( ونقطة متعلقة بهذا الأمر – أيها الإخوة في الله – أيضا – وهي :
إن اختلافنا في غيرنا من مبتدع من حزبي من حركي من تكفيري من صوفي
من غير ذلك ممن ليس بنقي، لا يجوز أن يكون سببا نختلف فيه فيما بيننا،
فإن اختلفنا ، فليكن الاختلاف موصولا بوجهات النظر ؛ حتى ينصح بعضُنا بعضا ، ويوصل بعضنا حقه لأخيه ، أما أن نختلف فيما بيننا ؛ لأننا اختلفنا في هذاالمبتدع ، أو في ذاك ، فنتدابر ، ونتقاطع ، ونتهاجر ، ونتصارم ؛ فإننا سنفتت بعضنا بعضا ، ولو بعد حين ! ومن سيكون الفرح؟ومن سيكون المسرور ؟ومن سيكون ذا الحبور ؟
إلا هذا المبتدع الهالك المغرور !
لماذا؟ لأنه أصبح ينظر وينتظر، ينظر إلى الخصام ، وينتظر النتيجة؛ ليكون واحدٌ من هؤلاء المختلفين ساقطا ،فيرتاح منه ، وينأى بنفسه عنه.
فهذا الاختلاف الذي – قد – ينشأ بين أهل السنة ؛لأنهم اختلفوا في غيرهم، لم يختلفوا في غيرهم بسبب اختلافهم في الأصول ، أو في القواعد ، أو في التأصيل المنهجي ، وإنما اختلفوا في تطبيق هذه القواعد والأصول.
عليه فما عرفتُه قد لا تعرفه ، وما وقفتَ عليه قد يكون غائبا عني ، ويكون حكمي بقدر علمي ، ويكون حكمك مبنيا على معرفتك ؛ فتكون النتيجة منك بحسب علمك ، ومن بحسب جهلي .
نعم ، هنالك خطأ ، لا يمكن أن يكون زيد أو عمرو سنيا ومبتدعا في آن ! لا بد أن يكون : إما سنيا ، وإما مبتدعا ، ولكن قد تختلف الأنظار ، كما اختلفت – من قبلُ – الأقوال .لا يمكن أن يكون ثقة ، ومتروكا في آنٍ ، وإنما هذا يكون باختلاف الأنظار في الحكم على هذه الأفكار .
وكذلك – أيها الإخوة – لا يلزم من هذا الأمر – الذي أسلفته وذكرته من إن اختلفنا في غيرنا لا يجوز أن يكون اختلافا بيننا – أقول : لا يلزم من هذا أن نسكت عن الحق ، أو أن نغمض عيوننا عن الحق ، أو نغلق باب التواصي بالحق ، والتواصي بالصبر .
باب البيان ، باب النقد ، باب الرد ، فهذه أبواب مشْرَعة ، ولكن لمن هو أهل لها ، وبقواعدها المنضبطة ، وأصولها الأمنية " اهـ
وقاعدة الحلبي هذه قائمة على ثلاثة أركان هي:
الركن الأول: المختَلِفَان: فزعم الحلبي أن الاختلاف بين أهل السنة مطلقاً, ولم يفصل الحلبي في ذلك.
وعلى قاعدة الحلبي هذه أن الثناء على أهل البدع وتزكيتهم والدفاع عنهم, بل والرد على من تكلم فيهم وحذر منهم وجرحهم, سواء أكان هذا المبتدع من الصوفية على اختلاف أشكالها, أم من التكفيريين أم من الحزبيين أم من غيرهم, لا يؤثر على منهجه بل يبقى مع ذلك كله من دعاة المنهج السلفي ودعاة السلف, وهذا من اجتماع النقيضين فلا يتصور أن دعاة المنهج السلفي الحق يزكون ويثنون ويدافعون عن أصحاب المناهج المنحرفة, إلا إذا جهلوا حالهم, وخفيت عليهم بدعتهم, ومتى ما عَلموا أو أُعلموا بادروا إلى بيان الحق والتراجع عمّا أسلفوا من أقوال وهذه صفة لأصحاب المنهج السلفي يتميزون بها عن غيرهم.
وقاعدة الحلبي هذه تخالف ما عليه إجماع أهل السنة من وجوب التحذير من المبتدعة نصحاً للأمة من شرهم وبدعهم, بل الواجب بغض أهل البدع ومعاداتهم بقدر ما عندهم من مخالفة للكتاب والسنة, بل والصحيح ذكر عيوبهم ومساوئهم للحذر منهم ومن بدعهم.
وقال الشيخ الفوزان –حفظه الله- :(( تحرم زيارة المبتدع ومجالسته إلا على وجه النصيحة له والإنكار عليه، لأن مخالطته تؤثر على مخالطه شرا وتنشر عداوته إلى غيره ، ويجب التحذير منهم ومن شرهم إذا لم يكن الأخذ على أيديهم ومنعهم من مزاولة البدع وإلا فإنه يجب على علماء المسلمين وولاة أمورهم منع البدع والأخذ على أيدي المبتدعة وردعهم عن شرهم. لأن خطرهم على الإسلام شديد ،ثم أنه يجب أن يعلم أن دول الكفر تشجع المبتدعة على نشر بدعتهم وتساعدهم على ذلك بشتى الطرق،لأن في ذلك القضاء على الإسلام وتشويه صورته)) ا.هـ [عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها أو ينقصها( صفحة 239)]
وعلى فهم الحلبي وقاعدته لا يمكن تبديع من انتسب إلى منهج السلف ظاهراً حتى ولو ارتكب ما يُبدَع به, ولذلك لا نرى الحلبي بدع أحداً في الآونة الأخيرة, بل نراه قد تراجع عن تبديع من كان يرى بدعته وانحرافه.
مع أن العلماء لهم تفصيل في ذلك فهم يفرقون بين من وقع في بدعة ظاهرة وبين من وقع في بدعة خفية, وهم كذلك يفرقون بين العالم المجتهد الذي وقع في بدعة من جهة خطأه في استدلاله أو لغياب الدليل عليه وبين من وقع في بدعة متبعاً لهواه معرضاً عن أدلة الكتاب والسنة إلى غير ذلك من أنواع التفصيل والتأصيل لوقوع السني في بدعة معينة.
ومن ذلك كلام الشيخ ربيع لمّا سأله سائل السؤال الآتي:
هل كل من وقع في بدعة مبتدع؟
فأجاب حفظه الله تعالى قائلاً: (( من وقع في بدعة ظاهرة واضحة كالقول بخلق القرآن, أو دعاء غير الله أو الذبح لغير الله أو شيء من هذه الأمور الواضحة فهذا يبدع بالبدعة الواحدة.
وإذا كانت البدعة من الأمور الخفية ووقع فيها من يتحرى الحق خطأً منه فهذا لا يبدع ابتداءً, وإنما ينصح ويبين له خطؤه, وإذا أصر عليها يبدع حينئذٍ.
يقول ابن تيمية رحمه الله: - (( كثير من علماء السلف والخلف وقعوا في بدع من حيث لا يشعرون, إما استندوا إلى حديثٍ ضعيفٍ, أو أنهم فهموا من النصوص غير مراد الله – تبارك وتعالى – أو أنهم اجتهدوا )).
فإذا عُرف من عالم فاضل يحارب البدع ويدعوا إلى السنة, وعرفوا صدقه وإخلاصه وتحذيره من البدع, فوقع بسببٍ من الأسباب في شيءٍ من البدع الخفية فلا نسارع في تبديعه, هذا هو القول الصحيح, وإلا حكمنا على كل من وقع في بدعةٍ أنه مبتدعٌ لما سلم أحد من أئمة الإسلام فضلاً عن غيرهم )) [مجموع كتب ورسائل وفتاوى الشيخ ربيع جزء 14, صفحة 158-159 ].
الركن الثاني: المُختلَف فيهم: أطلق الحلبي المختلَف فيهم بحيث تضمن كلاً من (المبتدع, والسنِّيّ الذي وقع في بدعة) كما صرح بذلك, وفصل في المبتدع فجعله شاملاً لكل من ( حزبي, حركي, تكفيري, صوفي ).
وصورة الاختلاف أن يختلف رجلان من أهل السنة أو أكثر في رجلٍ من المبتدعة فيثني عليه أحدهم ويزكيه, ويذمه الآخر ويحذر منه.
ويريد الحلبي أن لا يختلف هذان الرجلان بينهما, بل عليهما أن لا يتكلم احدهما في الآخر مع اختلاف دعوتهما, وموقفهما من أهل البدع, بل وفي الحقيقة اختلاف منهجهما, حتى ولو كان المختلَف فيه من رؤوس المبتدعة.
وهذا ممكن في وقت بيان الحق وإظهار الأدلة للمخالف في جرح المبتدع, أما بعد ذلك فغير ممكن, لأن السكوت عن المزكي لأهل البدع ولمن أثنى عليهم ودافع عنهم هو إقرار لتزكيته ودفاعه من جهة, ومن جهة أخرى لا بد من بيان الأصول المخالفة لمنهج السلف الصالح ومن ذلك ما اعتمد عليه المزكي للمبتدعة من أصول منحرفة جعلته يناضل عن أهل البدع ويدافع عنهم.
وكيف تصور الحلبي أن أهل السنة يختلفون في صوفيٍ أو حزبيٍ أو غير ذلك, والحق أن ذلك لا يجري على قواعد أهل السنة ومنهج السلف, وإنما يمكن أن يجري على قواعد غيرهم.
وهنا تجتمع قاعدة الحلبي التي نتحدث عنها بالقاعدة البنائية الظالمة؟!.فالمطلوب من المختلفين أن يعذر أحدهما الآخر ولو كان الاختلاف في أحد رؤوس البدع كالصوفية وغيرها!!
وهذا هو عين مراد حسن البنا من قاعدته : ( فلنجتمع على ما اتفقنا عليه, وليعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه), فمبدأ اجتماع المسلمين أهم عندهم من تصحيح العقيدة والمنهج, فلا إشكال من اجتماع المسلمين على عقائد فاسدة ومناهج مخالفة لمنهج السلف الصالح.
لكن الملاحظ أن قاعدة البنا عامة شاملة لكل مختلف, والحلبي خص العلماء والدعاة وأهل السنة على حسب زعمه, لكنه في النهاية تجتمع القاعدتان في السني إذا انحرف وتغير منهجه.
ومع ذلك كله أراد الحلبي أن يبرئ قاعدته من الاشتراك مع قاعدة البنا, لكنه لم يستطع ذلك فالتطبيقات العملية مؤكدة لاشتراك القاعدتين في المعذرة بين المختلفين.
لكن ما اختلفت فيه قاعدة الحلبي هو تأكيد الحلبي على وجوب التصحيح العلمي لكن من غير الحكم على المخالف لمنهج السلف, وهذا التصحيح المزعوم نظري أكثر مما هو عملي تطبيقي, بل الواقع أن الذي جرى عليه التصحيح والتغيير هو من ادعى التصحيح العلمي والتناصح بالعلم, ولهذا السبب حذر أئمة السلف من الجلوس مع أهل البدع وذلك خوفاً على القلوب من التأثر بشبههم, وصيانةً لها من استحسان بدعهم.
الركن الثالث: سبب: الاختلاف وهذا ما أهمله الحلبي ولم يشر إليه ولو بأدنى إشارة, مع أنه أصل الموضوع وبه يحصل الخلاف بين المختلفين, وبه يعرف أن المختلف من أهل السنة من غيرهم, وبه يعرف أيعذر المختلف أم لا إلى غير ذلك.
فلم يفرق الحلبي في تقعيده هذا بين من لم يتبين له حقيقة المبتدع ولم يظهر له ابتداعه, وبين من عرفه وظهر له أمره وبان له ابتداعه, فجعلهما الحلبي على حدٍ سواء, مع أن علماء أهل السنة يفرقون بينهما, فيعذرون من لم يظهر له ذلك ويبينون له وينصحونه, وأما من ظهر له ذلك وأصر على ترك الحق فهذا يعامل معاملة المبتدع ويلحق به.
فهل الحلبي لا يعرف حال من زكاهم وأثنى عليهم, أو هو من أعرف الناس بهم وبمناهجهم؟!!.
ومن أعظم الأدلة على معرفته بهم أنه كان يجرحهم ويذمهم ويطالبهم بالتوبة والرجوع إلى الحق, ومن أمثلة ذلك قوله في المغراوي المغربي: (( أقول والله شهيد، أن ما وقفتعليه من ملاحظات عدد من الإخوة... أقول هذه الأخطاء أخطاء واضحة، تخالف منهج السلف.ويجب على الشيخ المغراوي أن يتراجع عنها بصورة واضحة، ومايظن أنه له فيه سلف أو قضية علمية، يرفع الأمر إلى علماء ، والحمد لله موجودون، أما القضايا اللي هو مخطئ فيها، وبينها الشيخ ربيع وغيره من المشايخ،لا يجوز السكوت عنها، ولا تلمس الاعتذار فيها، بل يجب أن يرجع عنها بكل وضوح،وصلى الله على نبينا محمد)).
وقال في أبي إسحاق الحويني: (( فإذا قال أبو إسحاق الحوينيفي محمد عبد المقصود وفوزي السعيد وربعِهم من التكفيريين الجهلة، الذي يطعنون بنا وبمشايخنا، ويتهموننا بالإرجاء قال أنهم علماء!! فهذا يدل على جهله، ويدل على ابتداعه،ويدل على أنه على وشك الخروج من السلفية التي لم يعرف إلا بها، و لم ندعواله وننتصر له إلا بسببها، فإذا خرج منها وناوأ أشياخها وأهلها وأبناها؛ فالحق -والله- أغلى منه وأغلى من ألف مثله)).
وقال أيضاً:
(( لكن أبى أبوإسحاق إلاّ أن ينقُلَ نفسَهُ من قائمة أهل الحديث لِيَضَعها في قائمة الوُّعّاظ والقُصّاص -وللأسف!-؛ فلم نَرَ له، ولم نسمع منه -ولا عنه- عِلما حديثِيًّا، ولاعملاً إسنادِيّاً منذ سنوات وسنوات، ونراه يتنقّلُ هُنا وهُناك، ويكثر أشرطتُه ومجالسه؛ لكن في الوعظ والقَصص الذي قد يُتقِنُهُ الجهلة أكثر من إتقان أهل العلم وطلبته له؛ فنسأل الله أن يردّهُ إلى أهل الحديث ردّا سالما، إنّه سميع مجِيب...)).
وبعد هذا غير الحلبي رأيه فيهم وبدأ يثني عليهم ويؤصل القواعد للدفاع عنهم, مع أنه لم يذكر أسباب تغير كلامه فيهم, ولم يبين بوضوح هل أنهم تركوا ما كانوا عليه, بل كلامه يدل على أنهم باقون على ما هم عليه من مخالفات للمنهج السلفي, بدليل أنه يرى أن لهم أخطاء لكنها لا تبدعهم, فما الذي جرى؟؟ إنه تغير القواعد السلفية التي كان ينصرها الحلبي, وأبدلها بقواعد خلفية بعيدة كل البعد عن منهج السلف, ومنها هذه القاعدة, ومع ذلك كله يريد الحلبي من العلماء أن يعذروه في رأيه وثنائه على أهل البدع.
والمصيبة أن الحلبي لم يذكر أدلةً على قاعدته هذه, ولم يذكر من سبقه إلى ذلك لا من المتقدمين ولا من المعاصرين, وهذا لوحده كافٍ لإسقاط القاعدة وبيان فسادها ومخالفتها لأصول منهج السلف الصالح, بل إن العلماء بينوا فساد هذه القاعدة وحذروا منها كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ بكر عبد الله أبو زيد في كتابه "هجر المبتدع":
(( المبحث التاسع : عقوبة مَن والى المبتدعة
كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق فالساكت عن الحق شيطان أخرس كما قال أبو علي الدقاق (م سنة 406 هـ) رحمه الله تعالى.وقد شدد الأئمة النكير على من ناقض أصل الاعتقاد فترك هجر المبتدعة، وفي معرض رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على (الاتحادية) قال: (ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم، أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم أو معاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدري ما هو؟ أو من قال: إنه صنف هذا الكتاب؟ وأمثال هذه المعاذير، التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات، لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فسادًا ويصدون عن سبيل الله...).
فرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وسقاه من سلسبيل الجنة آمين، فإن هذا الكلام في غاية الدقة والأهمية وهو وإن كان في خصوص مظاهرة (الاتحادية) لكنه ينتظم جميع المبتدعة، فكل من ظاهر مبتدعًا فعظمه أو عظم كتبه، ونشرها بين المسلمين، ونفخ به وبها، وأشاع ما فيها من بدع وضلال، ولم يكشفه فيما لديه من زيغ واختلال في الاعتقاد، إن من فعل ذلك فهو مفرط في أمره، واجب قطع شره لئلا يتعدى إلى المسلمين.
وقد ابتلينا بهذا الزمان بأقوام على هذا المنوال يعظمون المبتدعة وينشرون مقالاتهم، ولا يحذرون من سقطاتهم وما هم عليه من الضلال، فاحذر أبا الجهل المبتدع هذا، نعوذ بالله من الشقاء وأهله )).
وأختم كلامي في فساد هذه القاعدة بذكر كلام العلماء فيها ومنهم:
أولاً: كلام الشيخ أحمد بن يحيى النجمي - رحمه الله -
تعقب الشيخ النجمي كلام الحلبي (( فإذا ضاقت الأمور, واختلفنا في فلان, فلا يجوز البتة أن نجعل اختلافنا في غيرنا سبباً للاختلاف بيننا, وإلا كان سبيلاً كبيراً يستفيد منه المخالفون أكثر ما يستفيدون))
فقال الشيخ النجمي – رحمه الله -:(( على أيِّ شيءٍ يجب اجتماعنا, أليس على الحق؟ بلى, فإن خالف الحق أحد وجب علينا أولاً أن ننصحه, ونبيّن له, فإن رجع, وإلا فإنه يجب علينا أن نعتبره شاذاً, ونرفضه, فإن أيّده أحد, وأعانه على باطله أنكرنا على المؤيد, وهجرناه, وبالأخص إذا كانت بدعته أو مخالفته واضحةً, وضارّةً كبدعة الخوارج, ولا يجوز أن نترك الإنكار على المميع حرصاً على جمع الكلمة, ولا شك أن بدعة الخوارج بدعةٌ ضارةٌ بالدين, فإن افتينا بجواز الأخذ للعلم عمّن يرى رأي الخوارج, فقد أعنا على هدم الدين, وشجعنا المفسدين, وهل وجد فينا التكفير والتفجير والتدمير إلا حين تتلمذ مجموعات من الشباب على هؤلاء ومؤيدهم, ولا يجوز أن نقول: هؤلاء يحفظون القرآن, وعندهم علم, فالجهل خير من التتلمذ على أيديهم, وأين أنت من قول بعض السلف:((من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام )) أخرجه البيهقي في الشعب.
وصبيغ سيّره عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الكوفة, ونهى عن مجالسته, أليس لأن عمر رضي الله عنه خاف على المسلمين من العدوى بفكره؟ بلى, أفيليق بعد ذلك ونحن ننتمي إلى أهل الحديث, واتباع الأثر أن نغضب على من قال لا يؤخذ العلم على من يرى رأي الخوارج, ولا على من يدافع عمّن يرى رأي الخوارج, ويعتذر له, ويبرر مسلكه أو يؤويه في بيته, ويتظاهر بصحبته, ويحتفظ به, فلا يخرجه من منهج السلف بخارجيته؟!! بل يرى أنه إن كان له ذنب فذنبه صغير لا يستحق أن يخرج به من المنهج السلفي, أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لعن الله من آوى محدثاً )) رواه مسلم, وأي حدثٍ أعظم من حدث الخوارج.
فهل يصح أن يقال: إنه لا يخرج من السلفية مع ما ورد في الأحاديث المخرّجة في (( الصحيحين )) أو أحدهما أو مخرجة في غيرهما بسندٍ صحيح, وإني والله أربأ بك يا شيخ علي وأنت من المعدودين من أصحاب الحديث أن تتوقف في إخراج من يدين بهذا الفكر الخارجي من السلفية)) .
ثانياً: الشيخ ربيع بن هادي المدخلي – حفظه الله -.
سئل الشيخ – حفظه الله - عن قاعدة: لا نجعل اختلافنا في غيرنا سبباً للاختلاف فيما بيننا؟.
فأجاب الشيخ :(( بأنها قاعدة فاسدة, وإنهم من خلالها يريدون التوصل إلى عدم تبديع وجرح من هو أهل للجرح والتبديع مثل المغراوي وأبي الحسن الماربي ومحمد حسان)).
والمقصود بيان مخالفة هذه القاعدة لأصول منهج السلف في باب التعامل مع المخالف, فإن الأصل السلفي في هذا الباب قائم على بيان السنة ودعوة الناس للالتزام بها والانقياد لها, والتحذير مما يخالفها ويضادها من الدعوات المنحرفة والمناهج المخالفة, ثم ما يتبع ذلك من التحذير ممن ينتسب للمناهج المخالفة لمنهج السلف والرد على شبهاتهم وبدعهم, فإن هذا من أعظم الدفاع عن الدين الله تعالى بل هو الجهاد باللسان في الرد والذب عن دين الله تعالى.
فقاعدة الحلبي هذه تقضي بعدم التحذير من المخالف أو الاختلاف معه مادام يظهر انتسابه لمنهج السلف, وكأن الانتساب لمنهج السلف الصالح ليس له حقيقة غير الادعاء الظاهر, فمن كان مدعياً لانتسابه ظاهراً فلا يضره ما خالف فيه بل يبقى في الحقيقة سلفياً صدرت منه أخطاء لا تؤثر على سلفيته, حتى ولو كانت هذه الأخطاء عبارة عن سلوك حزبيً أو فكرً تكفيريٍ أو دخولٍ في السياسة والانغماس فيها أو عدم التبرؤ من رأسٍ من رؤوس التكفير أو غير ذلك, فإذا كانت هذه الأخطاء ما علم صاحبها بالحق لا تخرجه عن حقيقة الدعوة السلفية فبماذا يخرج إذاً؟؟ مع أن هذه البدع من أخطر ما وجد في هذا العصر, فما أصاب المسلمين من فتنٍ وفرقةٍ ومصائبَ ومحنٍ إلا بسبب هذه البدع وشيوعها بين الناس, فما نراه اليوم في عالمنا الإسلامي من بُعدٍ عن حقيقة الإسلام إلا بسبب هؤلاء الدعاة الذين أشغلوا المسلمين بالسياسات الحادثة والبدع الظالمة بدعوى الاهتمام بأمور المسلمين, فترى الجهل قد عم بلاد المسلمين, والبدع قد انتشرت, وأصبح السلفيون في غربةٍ عظيمةٍ ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
التعديل الأخير تم بواسطة الحارث بن همام ; 10-15-2010 الساعة 08:50 PM
|