عرض مشاركة واحدة
  #29  
قديم 06-17-2019, 08:06 PM
الصورة الرمزية أسامة بن عطايا العتيبي
أسامة بن عطايا العتيبي أسامة بن عطايا العتيبي غير متواجد حالياً
المشرف العام-حفظه الله-
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 3,485
شكراً: 2
تم شكره 254 مرة في 196 مشاركة
افتراضي

الحلقة التاسعة والعشرون من التعليق الرزين على تحقيق الدكتور عبد الله البخاري لكتاب أصول السنة لابن أبي زمنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فمن الملاحظات التفصيلية على تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد الرحيم البخاري لكتاب أصول السنة لابن أبي زمنين:

أولاً: في باب الإيمان بالحجب لم يذكر في تعليقه على الباب الحديث الصحيح المشهور في إثبات الحجب وهو حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: «إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - وفي رواية: النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» رواه مسلم في صحيحه.

-------------

ثانياً: عند تخريجه لرقم(40) وهو مرسل زرارة بن أبي أوفى رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت لجبريل هل رأيت ربك? قال: «يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور ولو دنوت إلى واحد منها لاحترقت».
لم يذكر أي شاهد له، مع وجود شاهد مشهور وهو ما رواه ابن الأعرابي في معجمه والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية وغيرهم من طريق أبي مسلم قائد الأعمش عن الأعمش عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سألت جبريل عليه السلام، هل ترى ربك؟ قال: إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور، لو رأيت أدناها لاحترقت». وسنده ضعيف لضعف قائد الأعمش، وانقطاعه بين الأعمش وأنس رضي الله عنه، فإنه لم يسمع منه وإنما رآه، وغالب حديثه عنه أخذه من أبان بن أبي عياش المتروك.

وهذا تنبيه تكميلي فقط.

-------------

ثالثاً: روى ابن أبي زمنين برقم(41) أثر عبيد الله بن مقسم: أنه ذكر: "أن دون العرش سبعين ألف حجاب، حجب من ظلمة، لا ينفذها شيء، وحجب من نور لا ينفذها شيء، وحجب من ماء لا يسمع حسيس ذلك الماء شيء إلا خلع قلبه، إلا من ربط الله على قلبه».

ولم يحكم الدكتور على سنده بشيء، بل اكتفى بقوله: «مقطوع على عبيدالله بن مقسم. أخرجه ابن خزيمة في التوحيد(1/رقم33)(ص50) من طريق بحر بن نصر الخولاني عن أسد به نحوه».

وعليه ملاحظات:

الملاحظة الأولى: رواية ابن خزيمة بلفظ: «أن دون الرب يوم القيامة سبعين ألف حجاب، حجاب من ظلمة لا ينفذها شيء، وحجاب من نور لا ينفذها شيء، وحجاب من ماء لا يسمع حسيس ذلك الماء شيء إلا خلع قلبه إلا من يربط الله على قلبه» فلفظه ممكنٌ أن يقال بنحوه إلا أوله، فهو : «دون الرب يوم القيامة»، فليست هذه اللفظة بنحو : «دون العرش».

الملاحظة الثانية: أن الدكتور لم يحكم على سنده، ولم يذكر الخلاف في لفظه، فأين التحقيق حينئذ؟! طبعا غير النفخ!

الملاحظة الثالثة: أن الترجيح بين اللفظين من الناحية الإسنادية فيه صعوبة، فكلا الراويين عن أسد بن موسى ثقة، وهما بحر بن نصر الخولاني المصري، ونصر بن مرزوق المصري، وإن كان الثناء على بحر بن نصر أظهر وأكثر، ويظهر أنه أوثق، فقد يكون نصر بن مرزوق وهم فيه.
ومما يؤيد رواية بحر بن نصر عند ابن خزيمة: ما رواه أبو حازم سلمة بن دينار عن عمر بن الحكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «والذي نفسي بيده إن دون الله عز وجل يوم القيامة سبعين ألف حجاب، منها حجاب من نار، وحجاب من نور، وحجاب من ظلمة»
رواه أبو الشيخ في العظمة من طريقين عن أبي حازم به، وسنده صحيح موقوفاً.

وفي الباب حديث مرفوع عن سهل بن سعد وعبدالله بن عمرو رواه أبو يعلى وابن أبي عاصم في السنة والروياني وغيرهم، لكن مداره على موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.

-------------

رابعاً: روى ابن أبي زمنين (رقم41) من طريق أسد قال: وحدثنا هشيم (عن) بشير قال: أخبرنا يونس بن عبيد عن مجاهد قال: «بين الملائكة وبين العرش سبعون حجابا من نار، وسبعون حجابا من ظلمة، وحجاب من نور، وحجاب من ظلمة».

وعلى عمل الدكتور عبدالله بن عبدالرحيم وتخريجه ملاحظات:

الملاحظة الأولى: قام الدكتور بتعديل «عن بشير» إلى «بن بشير» دون تنبيه لما قام به، مع وجود احتمال بأن يكون من روايته عن أبيه بشير، وهو احتمال ضعيف هنا.

الملاحظة الثانية: حكم على الأثر بأنه «صحيح عن مجاهد»، ويحتمل أنه أراد صحة سنده عند ابن أبي زمنين، أو صحته بغض النظر عن سند ابن أبي زمنين بل بما ورد من أسانيد أخرى.
فإن كان أراد صحة سند ابن أبي زمنين فهذا غلط، لأنه من طريق يونس بن عبيد عن مجاهد، وهو لم يسمع منه، فسنده منقطع.
وإن كانت الرواية «هشيم عن بشير» فبشير والد هشيم مجهول، وأما إن كانت «هشيم بن بشير» فلا يكون في السند راو ضعيف، ولا تدليس هشيم لكونه صرح بالتحديث! ولكن يوجد انقطاع بين يونس ومجاهد.

الملاحظة الثالثة: ذكر الدكتور أن للأثر طرقاً، ورقّمها من (1) إلى (3) ولم يذكر طريق يونس بن عبيد الذي خرجه ابن أبي زمنين، ولم يقل في كلامه : «وله طرق أخرى عن مجاهد»!!
فتعامل مع السند بإهمال وعدم اهتمام، إلا ما يرد من احتمال حكمه على الإسناد في قوله: «صحيح عن مجاهد» وبينت أنه ليس بسند صحيح عن مجاهد.

الملاحظة الرابعة: أن ابن خزيمة روى هذا الأثر في كتابه التوحيد من طريق بحر بن نصر عن أسد عن هشيم عن أبي بشر عن مجاهد به، ليس فيه يونس بن عبيد، وفيه بدل منه «أبو بشر»، وهذا يؤكد وجود خلل في رواية ابن أبي زمنين، إما أن يكون خطأ من الناسخ للمخطوط، أو يكون خطأ من نصر بن مرزوق في روايته عن أسد بن موسى، ولكن الأظهر وجود احتمال خطأ من الناسخ، لا سيما إذا علمنا أن لفظ الأثر هو لفظ رواية أبي بشر، وإذا علمنا أن يونس بن عبيد ليس له رواية عن مجاهد لكونه لم يسمع منه، ولم أجد رواية له عن مجاهد مطلقا إلا في هذه الرواية عند ابن أبي زمنين، مما يؤكد وجود الخطأ. والله أعلم.

وكذلك رواية ابن خزيمة تخالف رواية ابن أبي زمنين في المتن، ففي رواية ابن أبي زمنين: «سبعون حجابا من نار، وسبعون حجابا من ظلمة»، وفي رواية ابن خزيمة: «سبعون حجابا من نور، وحجاب من ظلمة».

الملاحظة الخامسة: أن رواية هشيم عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن مجاهد معلولة سندا ومتناً.

أما سندا: فقد رواه سنيد-كما في التمهيد لابن عبدالبر-، وابن خزيمة في التوحيد، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات كلهم من طريق هشيم عن أبي بشر عن مجاهد به، لم يصرح فيه هشيم بالتحديث من أبي بشر، وهشيم مشهور بالتدليس.


وأما متناً: فلفظ رواية أبي بشر عن مجاهد: «بين الملائكة وبين العرش سبعون حجابا من نار...».
وفي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد: «بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب حجاب من نور وحجاب من ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة».
وفي رواية العوام بن حوشب عن مجاهد: « بين الملائكة وبين العرش سبعون ألف حجاب من نور».
فتتفق رواية أبي بشر مع رواية العوام بأن الحجب بين «الملائكة» وبين «العرش».
وتختلف الروايتان مع رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد بأن الحجب بين «السماء السابعة» وبين «العرش».

وتختلف رواية أبي بشر عند من رواه مع بعضها البعض، كما أنها تختلف عن رواية ابن أبي نجيح والعوام بن حوشب في عدد الحجب.
فرواية أبي بشر فيها عند ابن أبي زمنين: «سبعون حجابا من نار، وسبعون حاجابا من ظلمة..»، وعند ابن خزيمة: «سبعون حجابا من نور، وحجاب من ظلمة..»، وفي رواية أبي الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات: «سبعون حجابا: حجاب من نار، وحجاب من ظلمة، وحجاب من نور وحجاب من ظلمة».
وفي رواية ابن أبي نجيح: «سبعون ألف حجاب؛ حجاب من نور وحجاب من ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة».
وفي رواية العوام بن حوشب: «سبعون ألف حجاب من نور».

فيتبين بما سبق أن رواية هشيم عن أبي بشر عن مجاهد ضعيفة سندا، مضطربة متناً، ومخالفة لرواية العوام وابن أبي نجيح. والله أعلم.

الملاحظة السادسة: نقل الدكتور عبد الله بن عبدالرحيم هداه الله عن الذهبي قوله: «هذا ثابت عن مجاهد إمام التفسير»، وعن الشيخ الألباني تصحيحه لإسناده، وكلامهما مختص برواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، وليس متعلقا برواية ابن أبي زمنين لا سندا ولا متنا، ففي هذا خلط مستقبح ومستهجن من طالب حديث.

الملاحظة السابعة: قال الدكتور أصلحه الله: «وانظر تقوية السيوطي لطرقه في اللآلئ المصنوعة(1/18)».

وهذا غريب من الدكتور!

فالسيوطي يتكلم عن تقوية حديث سهل منفرداً، وكذلك حديث سهل وابن عمرو مرفوعا ولفظ حديثهما معاً: «دون الله تعالى سبعون ألف حجاب من نور وما تسمع نفس شيئا من حسن تلك الحجب إلا زهقت نفسها». والذي حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، فذكر له السيوطي من الشواهد المرفوعة والموقوفة ما يدفع عن الحديث الحكم بوضعه ثم قال: «فهذه الطرق تقوي الحديث ويتعذر معها الحكم عليه بالوضع»، ولا يتكلم عن أثر مجاهد رحمه الله.
يؤكده تلخيص ابن عراق في تنزيه الشريعة(1/ 142) لكلام السيوطي: «(تعقب) في الحديثين بأن حبيبا ليس هو الوضاع إنما هذا حبيب بالتصغير ابن حبيب بالتكبير وهو أخو حمزة الريات، وهو إن كان ضعيفا لم يتهم بوضع وموسى بن عبيدة وإن كان ضعيفا لم يتهم بكذب ولا وضع، وأخرج له الترمذي وابن ماجه، وعمر بن الحكم بن ثوبان تابعي من رجال مسلم، والحديث أخرجه أبو يعلى والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه وله شواهد كثيرة ومتابعات تقضي بأن له أصلا، ويتعذر معها الحكم عليه بالوضع أكثرها عند أبي الشيخ في العظمة».

وقول السيوطي في تعقيبه الذي نقله ابن عراق بأن حبيب بن أبي حبيب هو أخو حمزة الزيات غلط، بل هو حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، وهو متهم بالوضع، وهو ممن يروي عن هشام بن سعد، ويروي عنه محمد بن يوسف بن أبي معمر الذي رواه ابن الجوزي من طريقه.

بقي في باب الإيمان بالحجب الأثر رقم(44) وسأتكلم عنه بإذن الله في حلقة مستقلة بإذن الله.

وبهذا القدر أكتفي.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد

كتبه:
د. أسامة بن عطايا العتيبي

14/ 10 / 1440 هـ

التعديل الأخير تم بواسطة أسامة بن عطايا العتيبي ; 06-18-2019 الساعة 02:47 AM
رد مع اقتباس