بيان حال علي الحلبي قديمًا وحديثًا:
كان علي الحلبي في حياة مجدد العصر الإمام الألباني : داعية إلى السنة مع إخوانه من أهل السنة، ومعاديًا للبدعة وأهلها؛ فقد كان يحارب التحزب ويحذِّر من مسالكه وعواقبه، ويحارب التكفير ومنهج القطبيين، ويحارب الذين يطعنون بالعلماء والمشايخ السلفيين، ويحارب الحركيين والسياسين، ويحارب الأفكار والدعوات الحادثة، ويصرح في التحذير من المخالفين جماعات وأفرادًا، ويذكرهم على وجه التعيين؛ وينصر أصول أهل السنة، وينقض أصول المبتدعة على اختلاف أصنافهم، ولا شك أنَّ هذا ما استفاده الحلبي من مجالساته للشيخ الألباني :؛ كما لا يخفى على أحد من حال الشيخ الألباني مع المخالفين.
الحلبي ومسائل الإيمان:
وقبيل موت الإمام الألباني :؛ أثار الدَّعي ومشعل الفتنة محمد أبو رحيم مسألة الإرجاء وجنس العمل ومسائل الكفر والإيمان بين السلفيين، فعظَّم هذا الجهول - في كتابه [حقيقة الخلاف بين السلفية وأدعيائها] - كتاب "ظاهر الإرجاء في الفكر الإسلامي" للقطبي المعروف سفر الحوالي، بعد أن كان هذا الكتاب الفاسد في طي النسيان والإعراض، وصار يوجِّه سهام الطعن بالإرجاء للحلبي حصرًا، فتصدَّى الحلبي لهذا الدَّعي، وصار بينه وبينه ردود، وبلغ الأمر للشيخ الألباني ، فصوَّب الألباني الحلبي وغلَّط أبا رحيم كما في تسجيل صوتي معروف، فصار هذا الدَّعي يوجِّه سهام الإرجاء بعدها للشيخ الألباني نفسه، ويستدل بكلام الحوالي في ذلك، فسقط القناع عن وجهه وسقط من أعين السلفيين ولا كرامة.
لكنَّ المؤسف حقاً أنَّ الحلبي لم يتكلَّم في مسائل الإيمان في أول الأمر عن رسوخ قدم في العلم كما كان الشيخ الألباني يؤصِّل ويفصِّل حينما بلغه كلام البعض فيه وأنه وقع في الإرجاء، لهذا رأينا الحلبي في أول الأمر قد وافق وأقرَّ رسالة مراد شكري الموسومة بـ "إحكام التقرير لأحكام التكفير"، وهي رسالة صرَّح فيها كاتبها بمذهب أهل الإرجاء بلا مراء، وبخاصة في حصر الكفر بالتكذيب والجحود والاستحلال وإخراج العمل من نفس الإيمان!!.
حيث قال مراد شكري: "لا يكفر المسلم إلا إذا كذَّب النبي ج فيما جاء به وأخبر، سواء أكان التكذيب جحودًا كجحود إبليس وفرعون، أم تكذيبًا بمعنى التكذيب"، وقال: "وبهذا التقرير لا يمكن أن يكون عَمَلٌ من الأعمال كفرًا ناقلًا من الملة إلا إذا تضمن ضرورة وقطعًا التكذيب؛ وذلك مثل سب الله أو سب رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو السجود لصنم أو إلقاء المصحف في القذر"، وقال: "والمقصود أنَّ السجود للصنم أو سب الله أو شتم الرسول يتضمن التكذيب للمعلوم من الدين بالضرورة لزامًا"، وقال: " فظهر وتبين أنَّ عدَّ السلف العمل من الإيمان إنما يتعلق بكماله؛ وليس بالإيمان نفسه".
قلتُ:
ولا يشك سلفيٌّ - يعرف العقيدة السلفية ويعرف عقيدة أهل الإرجاء - أنَّ حصر الكفر المخرج من الملة بالتكذيب هو مذهب أهل الإرجاء.
وقد كُتِبَ على غلاف الكتاب عبارة:
"قرأه وراجعه وقام على طبعه الشيخ علي الحلبي"!!.
ولما بلغ كتاب مراد شكري إلى اللجنة الدائمة برئاسة مفتي العصر الشيخ ابن باز ، أفتت اللجنة بأنه كتاب ينصر مذهب الإرجاء وحذَّرت من الكتاب وصاحبه، فاضطرب علي الحلبي في ذلك الوقت اضطراباً شديداً بين المماطلة في مسألة موافقة صاحب الكتاب وبين الاعتراف بالغلط والرجوع للحق، ثم بعد أخذ وعطاء ومماطلة وجدل استقر حاله إلى الاعتراف بالغلط والتراجع عن موافقته للكتاب وصاحبه.
ومما قاله الحلبي وقتئذ في [مجلة الفرقان العدد (101)]: "الكتابُ إنما يعبر عن وجهة رأي مؤلفه فيما بحثه وظهر له" ، مع إنه راجعه بنفسه وقام على نشره من غير أن يبين أي خطأ فيه!.
وقال في آخر كلامه على الكتاب: "وإني بحمد الله وتوفيقه بريء من ذلك كله، قله وجله، موافق ما عليه علماء الإسلام، والأئمة الأعلام، وما أكون قد أخطأت فيه أو التبس علي من أمره شيء في هذا الباب وغيره فإني راجع عنه، آيب إلى الصواب من غير مكابرة ولا ارتياب".
قلتُ:
ولما أُخبر الشيخ الألباني : في أواخر أيامه بطعونات سفر الحوالي فيه في كتابه "ظاهر الإرجاء"، واتهمه بالإرجاء في أكثر من موضع، ردَّ الشيخ : عليه بتعليقات متينة في كتاب "الدرر المتلألئة"، كما رد عليه في حواشي بعض كتبه، كما بيَّن الشيخ الألباني عقيدته بجلاء في شريط جمعه مع خالد العنبري.
وقد سُئِل الشيخ ابن باز : مسائل عدة في أواخر حياته أيضاً عن الإرجاء ومذهب المرجئة، فبرأ أهل السنة الذين لا يكفِّرون تارك المباني الأربعة وغيرها من فرية الإرجاء؛ التي أوَّل مَن ادَّعاها في هذا العصر سفر الحوالي في كتابه "ظاهرة الإرجاء"!، كما برأ الشيخ الألباني من الإرجاء.
ثم مات الشيخان ابن باز والألباني رحمهما الله تعالى، وأُنشئت اللجنة الدائمة برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ حفظه الله تعالى، والحرب في مسألة الإيمان لازالت سجال بين الحلبي ومحمد أبو رحيم.؟
ومما زادها ضراوة تغير حال محمد إبراهيم شقرة من نصرة الألباني والدفاع عنه وعن عقيدة السلف في مسائل الإيمان إلى نصرة أبي رحيم، ومن ثم نصرة رؤوس المكفِّرة والقطبيين في هذا العصر، وهذا تغير غريب!، والحمد لله الذي كشف حاله للسلفيين حتى بان لهم أمره بوضوح.
ثم قام البعض بعرض حواشي الحلبي على كلام الأئمة والعلماء في كتاب "التحذير من فتنة التكفير" في طبعته الأولى إلى اللجنة الدائمة الجديدة، وما في الحواشي من بتر لبعض كلام أهل العلم وتحريف، ومن سوء الفهم لبعض كلامهم، بل فيها حصر الكفر في الجحود والتكذيب، ومسائل أخرى، فقامت اللجنة بالتحذير من كتاب [التحذير من فتنة التكفير]، ومن كتاب [صيحة نذير بخطر التكفير]، وكلاهما من تأليف الحلبي، وبينت ذلك في فتوى مفصَّلة، جاء في آخرها: "فإنَّ اللجنة الدائمة ترى أنَّ هذين الكتابين لا يجوز طبعهما ولا نشرهما ولا تداولهما؛ لما فيهما من الباطل والتحريف".
وبهذا بدأ نزاع الحلبي مع اللجنة الدائمة، وأوقعه القطبيون في فتنة عظيمة لم يخرج منها إلى الآن!!.
ثم بدأ الخلاف في مسألة تارك جنس العمل، والتفريق بين الجنس والآحاد؛ فحذَّر الشيخ ابن عثيمين : في أواخر أيامه من مسألة تقسيم الأعمال إلى جنس وآحاد والخوض في هذه الفتنة، وكذلك برأ الشيخ ابن عثيمين الشيخ الألباني من فرية الإرجاء واشتدَّ قوله في الطاعنين فيه.
والذي ينبغي أن يعرفه الجميع؛ أنَّ اللجنة الدائمة أصابت في نقد مواضع من حواشي كتاب الحلبي وبينت أغلاطه في الرسالة في طبعتها الأولى، ونحن كنا ننتقد مثل تلك المواضع في كتاب التحذير للحلبي ونستغرب من حاله وتناقضه!، لكننا نعلم أنَّ الحلبي قد تدارك هذه الأغلاط في الطبعة الثانية للكتاب.
ولو أنَّ الحلبي اعترف بهذه الأغلاط، وبيَّن أنه تراجع عنها لكفى السلفيين فتنة عظيمة، ولكنه لم يظهر التراجع، ولم يظهر تصويب اللجنة من حيث ردها في مواضع من الطبعة الأولى، بل رد على اللجنة بأنه لم يحصر الكفر بالجحود في كتابه، ويشير إلى مواضع من الطبعة الثانية!، وهكذا باقي المسائل، بينما موضع النزاع كان في الطبعة الأولى، وكلنا يومئذ يعرف صنيع الحلبي ونستنكره، وصنيعه هذا يدل على عدم الانقياد للحق وعدم الاعتراف بالغلط، وكذلك يدل على عدم الأمانة في الرد وعلى مراوغة في قبول الحق، لكننا كنا نحسن الظنَّ به ونرى أنَّ ما كتبه الحلبي بعد ذلك من كتابات تدحض شبة التكفيريين تدل على تراجعه وأنه ظهر له من المعرفة في هذه المسائل ما لم يعرفه من قبل.
أقول:
ومن المواضع التي غلط فيها الحلبي في حواشي كتابه [التحذير من فتنة التكفير]:
في [ص7] نقل الحلبي تعريف ابن حزم للكفر من كتابه [الإحكام في أصول الأحكام: 1/49] وعزاه خطًا للمحلى!؛ وحصره في الجحود، وبتر بقية كلام ابن حزم، حيث نقل عنه قوله: "الكفر صفة من جحد شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه" وتوقف الحلبي هنا، بينما بقية كلام ابن حزم مباشرة: "بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معًا، أو عمل عملًا جاء النص بأنه مخرجٌ له بذلك عن اسم الإيمان".
وفي [ص11] نقل الحلبي كلامًا للشيخ عبد الرحمن السعدي من كتابه [الإرشاد إلى معرفة الأحكام] مبتورًا هكذا: "حد الكفر الجامع لجميع أجناسه وأنواعه وأفراده هو جحد ما جاء به الرسول أو جحد بعضه"، بينما قال السعدي في أوله: "المرتد: هو الذي كفر بعد إسلامه بقولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ أو شكٍّ، وحد الكفر...".
وفي نفس [ص11 هامش1] قال الحلبي: " إنَّ مَنْ ثبت له حكم الإسلام بالإيمان الجازم، إنما يخرج عنه بالجحود له أو التكذيب به. أما إذا كان شاكًا، أو معاندًا، أو معرضًا، أو منافقًا: فإنه أصلًا ليس بمؤمن".
قلتُ:
فعنده - هنا - المسلم لا يخرج عن الإسلام إلا بجحود أو تكذيب!!، وهذا موافق لمذهب أهل الإرجاء كما هو معلوم.
مبدأ الفتنة في مسألة الحكم على الأعيان والموقف من المخالفين:
ولابدَّ أن يعلم القارئ أنَّ قبيل موت المشايخ الثلاثة "الألباني وابن باز وابن عثيمين" رحمهم الله تعالى أحدث عدنان عرعور - مع رديفه أحمد سلام - جملة من القواعد والأصول في مسألة الحكم على الأعيان والتعامل مع المخالفين، وأقاموا من أجل ذلك عدة دورات وندوات في استقطاب الشباب السلفي في بريطانيا وغيرها، ودعوتهم إلى قبول هذه القواعد الباطلة.
وتعرض هؤلاء في مجالسهم للكلام في منهج الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في النقد والرد والموقف من المخالف ومسائل الجرح والتعديل، وحذَّروا الشباب من هذا المنهج الذي يصفونه بالغلو والتشديد والتجريح، ودافعوا عن سيد قطب ومنهجه ودعوته وعظَّموه، وأظهروه للشباب أنه أفضل مَنْ تكلَّم في المنهج!.
فتصدَّى لهم الشيخ ربيع حفظه الله تعالى، وبيَّن فساد قواعدهم ومنهجهم وبطلان أصولهم ودعوتهم، فجنَّ جنونهم، وأعلنوا الحرب الضروس على الشيخ ربيع، فكان هذا الأمر هو بداية فتنة هؤلاء، لا كما يظن البعض - عن جهل أو تلبيس - أنَّ الشيخ ربيعاً هو الذي أحدث الفتنة وبدأ الحرب مع هؤلاء.
وقد حاول عدنان عرعور أن يستحصل على كلام للمشايخ الثلاثة في نصرة منهجه الباطل وذم المنهج الذي يدافع عنه الشيخ ربيع بعدة أساليب ماكرة، فما حصل على ما أراد، لأنَّ العلماء فطنوا لمكره ومراوغاته.
فقد جاء في مقال [موقف إمامنا الألباني من رد الشيخ المدخلي على الشيخ عدنان فيما نقله شيخنا الحلبي] لعماد طارق العراقي في "منتديات كل السلفيين"!، والتي هي بإشراف علي الحلبي نفسه؛ قال عماد أبو العباس: "وقفتُ على مقطع صوتي لشيخنا الحلبي نقل فيه حفظه الله موقف الشيخ الألباني : من مؤاخذات الشيخ ربيع المدخلي على الشيخ عدنان عرعور حفظهما الله جاء فيه: "عندما ذكرتُ لشيخنا الألباني حفظه الله شيئًا من حجج الشيخ ربيع في الرد على عدنان ونقضه ونقده، قال: هذه أمور حق يجب على عدنان أن يجيب عنها بوضوح، ولا يكتفي بمجرد القول أو مجرد أن يقول: إجمال وتفصيل!، وعموم وخصوص!، إلى آخر هذه الكلمات التي قد لا تصلح ولا تنفع في مثل هذا".
قلتُ:
فانتقادات الشيخ ربيع لقواعد عدنان عرعور وتأصيلاته الباطلة حق يجب على عدنان عرعور أن يجيب عنها بوضوح، لا مراوغة ولا تلاعب، ولا مجرد القول بإنَّ فيها إجمالًا يحتاج إلى تفصيل، أو عمومًا يحتاج إلى تخصيص، فإنَّ هذه الأساليب لا تنفع ولا تصلح، بل يجب أن يقرر الحق ويرجع عن الباطل.
وفي تسجيل صوتي في مقال بعنوان [المكالمة التي أُجريت بين الشيخ عدنان حفظه الله والشيخ العثيمين :] في "منتديات كل السلفيين" أيضًا!، سُئل الشيخ ابن عثيمين : عن عدنان عرعور: $السائل: يا شيخ ما قولك في الشّيخ عدنان عرعور؟ الشيخ ابن عثيمين: تكلَّم فيه الناس، وأنا يعني لا أعلمُ عنه...؛ لكن تكلَّم فيه بعضُ النّاس. السائل: نعم؛ تكلَّم فيه الشيخ الفوزان، والشيخ الغُديّان، ....، ومحسن العبّاد وغيرُهم، هل يا شيخ تنصح به أم لا؟ الشيخ ابن عثيمين: هؤلاء العُلماء الثلاثة عندنا ثقات، السائل مقاطعًا: وحتى الشيخ ربيع تكلم فيه، فواصل الشيخ ابن عثيمين كلامه: أقول هؤلاء الثلاثة عندنا ثقات، السائل: هل لا نسمعُ له يا شيخ؟، الشيخ ابن عثيمين يسأل: نعم؟، فيعيد السائل سؤاله: هل لا نسمعُ له؟، نصحونا بعدم السماع لأشرطته....، فقال الشيخ ابن عثيمين: لو نَصَحنِي هؤلاء...، لأخذتُ بنصيحتِهم".
قلتُ:
فالشيخ ربيع حفظه الله تعالى لم يتفرد في نقض تأصيلات عدنان عرعور، بل وافقه أهل العلم الأكابر، ونصحوا بعدم السماع لدروسه ومجالسه؛ هؤلاء العلماء الذين أوجب الشيخ ابن عثيمين : الأخذ بنصحهم.
وفي تسجيل صوتي [في المقال السابق]؛ سُئل الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى: هُناكَ بعضُ القَواعد يا شيخ قَدْ تَلتبِس عَليْنَا فَنَوَدُّ طرحَها عَلى فضيلَتِكُم لِتُبدُوا تعليقَكُم عليهَا، وهل هيَ مُوافقة لما عليهِ أهلُ السنةِ من أصُول ثَابتَة وضَوابِط مُستَقرة مثل القَاعدَة التَالية: "نُصَحِّح ولا نُجَرِّحْ"، والقاعدَة الأخرَى: "إذَا حَكَمتَ حُوكِمتَ وَ إذَا دَعوتَ أُجِرتَ"؟
فقال الشيخ العبّاد: هَذهِ القَواعد التي ذَكرتَها أو التي أَشرتَ إليهَا من صَاحبُها؟
فقال السائل: يا شيخ صَاحبُهَا يُدعَى عدنان عَرعُور.
فقال الشيخ العباد حفظه الله تعالى: "أَنا نَصيحَتي لكُم أنَّكُم لا تَشتَغلُونَ بِكلامِه ولا بِقواعدِه!، ولا تَلتفتُونَ إلى ما عندَهُ!، لأنَّ عندَه تخليط!!، وأنا سبقَ وأن اِطَّلعتُ على شيءٍ من كلامِه، وَرَأيتُ فيهِ كلامًا مَا يَصلح ولا يَنبَغي، ولهذا ينبَغي اجتناب يعني كلامه، وعدم الاهتمام والاشتغال بهِ، والإنسَان يَشتغل بِكَلام العُلمَاء المحقِقين مثل أشرطَة الشيخ ابنُ باز، والشيخ العُثيمين، وأشرطَة الشيخ الفَوزَان، وأشرطَة الشَيخ عَبد العزيز آل الشيخ، وغيرهم منَ المشَايخ المعتمدين والمأمون جانبهم. وأما الأخ عدنان عرعور فأنا سبق وأن اطلعتُ على شيء من كلامه ورأيتُ أنَّ عنده تخليط ما يصلح أن يلتفت إليه، ولا أن يشتغل بكلامه، هذا كلامي باختصار بدون حاجة إلى أن تذكرون قواعده وغير قواعده".
فقال له السائل: نصيحة أخيرة؛ هل تُحضر دروسه؟
فكان جواب الشيخ حفظه الله تعالى: "والله ما ينبغي أن تحضروا دروسه".
قلتُ: فليس عدنان عرعور داخلًا في رسالة [رفقًا أهل السنة بةأهل السنة] حتى في نظر كاتب الرسالة نفسه!.
بل أقول:
قد كان الحلبي في أول الأمر موافقًا تمام الموافقة لما عليه الشيخ ربيع حفظه الله تعالى من ردود على قواعد عدنان عرعور، فقد سُئل عن عدنان عرعور في شريط مسجل عنوانه [رحلة بلاد الحرمين] بتاريخ 28 رمضان 1422 هجري الموافق 13/12/2001: ماذا ظهر لكم بارك الله فيكم في القول في عدنان عرعور؟ فكان جواب الحلبي: $ليس عندنا من جديد بعد ما ذكره وتكلَّم به كثيرًا فضيلة أستاذنا الشيخ ربيع، والأمر كما قيل:
إذا قالت حذام فصدقوها فإنَّ القول ما قالت حذام
فإذا كان عند الآخرين شيء من الرد والبيان فليبينوا ذلك، والقضية تنتهي بالرجوع إلى الحق والانصياع إليه، أما مجرد التهويش ومجرد الكلام هكذا بصورة أو بأخرى للرد على كلام شيخنا أبي محمد حفظه الله، فهذا لا يصلح، فنحن مع الحق وأهل الحق بكل ما وافق الحق".
قلتُ:
فبداية الفتنة كانت من تأصيلات عدنان عرعور وحربه ضد المنهج السلفي وأهله، وقد كان العلماء الأكابر المذكورون آنفاً وغيرهم مؤيدين لردود الشيخ ربيع على عدنان عرعور، وتكلَّموا فيه وجرحوه؛ حتى الحلبي نفسه أيَّد الشيخ ربيعاً في ردوده. ثم صار الحلبي بعدُ يناصر عدنان عرعور، ويدافع عنه، ويلتمس له المعاذير، ويتكلَّم فيمن يبين انحرافاته ويحذِّر الشباب من ضلالاته!، ويصفهم بالغلاة وأهل التجريح، والله المستعان.
وأقول:
ممن تأثر بعدنان عرعور وتلبيساته محمد عبدالرحمن المغراوي وهو من دعاة المغرب، وقد دخل في فتنة عدنان مناصحاً له، فلما ناقش عدنان في مخالفاته ولم يكن راسخاً ولا مؤهلاً لمثل ذلك، استطاع عدنان بمكره أن يُلبِّس عليه ويخدعه، حتى صار من المدافعين عنه. ثم ظهر للسلفيين من مخالفات المغراوي، وبخاصة تكفير الأمة بالجملة والتكفير بالمعصية وغير ذلك مما امتلئت كتبه وتسجيلاته بها، فحذَّر العلماء منه، وممن حذَّر منه الشيخ ابن عثيمين :.
وقد سُئل الحلبي - بعد السؤال عن عدنان عرعور - في نفس الجلسة آنفة الذكر عن المغراوي فقال: "نقول: هذه الأخطاء أخطاء واضحة تخالف منهج السلف، ويجب على الشيخ المغراوي أن يتراجع عنها بكل صورة واضحة، وما يظن أنه له فيه سلف أو قضية علمية يرجع الأمر إلى العلماء، والحمد لله موجودون. وأما القضايا التي هو مخطئ فيها وبينها الشيخ ربيع وغيره من المشايخ لا يجوز السكوت عنها، ولا تلمس الاعتذار فيها!!، بل يجب أن يرجع عنها بكل وضوح"، لكن الحلبي بعد ذلك أيضاً صار من المناصرين عن المغراوي والمدافعين، نسأل الله تعالى الثبات على الحق ونعوذ به من التلون في الدين.
فتنـــة المأربـــي:
ثم جاءت فتنة المأربي وتأصيلاته المحدثة المخالفة لمنهج السلف الصالح أيضًا قبيل موت المشايخ الثلاثة حول مسألة الحكم على الأعيان والموقف من المخالفين نفسها، وذلك في كتابه [السراج الوهَّاج في صحيح المنهاج]، الذي أراد أن يجعله منهجًا للسلفيين في هذا العصر، وأراد أن يستحصل تزكية للكتاب ودعاية لنشره من أكابر أهل العلم؛ بالأخص من قبل الشيخ ابن باز :، ولكنَّ الشيخ : أحال الكتاب إلى الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ مفتي المملكة حاليًا، وقد أبدى عليه بعض الملاحظات ورفع الأمر للشيخ ابن باز، وتوفي الشيخ ابن باز ولم يحصل المأربي على غايته، {والله غالب على أمره}
ومما يدل على أنَّ المأربي هو الذي أشعل الفتنة بين السلفيين بعد فتنة عدنان عرعور، وأراد بالكتاب التحذير من منهج الشيخ ربيع الذي يصفه بالغلو والتجريح؛ ما قاله أخيرًا في كتابه الذي دافع فيه عن أهل الباطل والبدع؛ وبالأخص قادة الإخوان المسلمين، وسماه [الدفاع عن أهل الإتباع "رد علمي على الشيخ ربيع المدخلي" في مجلدين ضخمين!]: "لقد أنكرْتُ طريقةَ الشيخ ربيع منذ عدة سنوات في كتابي "السراج الوهاج" الذي كتبته في 1418هـ!!، وقد طُبِعَ الكتاب ثلاث طبعات قبل ظهور اختلافي مع الشيخ ربيع!، ولقد صرح الشيخ ربيع نفسه في رده عليّ في كتابه: "انتقاد عقدي ومنهجي على السراج الوهاج" وغيره، فقال: "إنني عندما راجعتُ الكتاب - يعني السراج الوهاج - علمتُ أنه يقصدني بذلك" يعني: تحذيري من عدة صور من الغلو الواقع فيه، وقال أيضًا: "وقد كنتُ مستيقنًا بلاءه منذ 1416هـ". أهـ. وذلك لما يجد مني من كثرة المناقشة والإنكار عليه فيما خالف فيه المنهج السلفي!. فالشيخ ربيع نفسه يصرح باختلافي معه منذ سنوات، لكن صاحب هذه الشبهة لا يدري بشيء من ذلك، أو يدري لكنه واقع في غلو آخر، وفي طرف مقابل لربيع وحزبه!!، ومن هنا فلا يرضى إلا عمن وافقه حذو القذة بالقذة!!، ومعاذ الله أن أهدم غلوًا، وأشيد مثله أو أشد!!. نعم، لم يظهر إنكاري على الشيخ ربيع من أول الأمر!؛ لأنني كنتُ أسعى إلى الإصلاح والتقويم مع جمع الكلمة ما أمكن، فلما رأيتُ القوم لا يرضون إلا بالتورط معهم في غلوهم، وأشاعوا باطلهم وافتراءهم، وأظهروا ما في ضمائرهم؛ كان لزامًا عليَّ أن أعلن نقض باطلهم بالأدلة الشرعية، والآثار السلفية، وقد كان فلله الحمد والمنة".
وقال المأربي في [الشريط رقم "6" من القول الأمين الوجه "2"]: "الشيخ ربيع نفسه الذي قرأ الكتاب - السراج الوهاج - وذكر لي بعض الملاحظات، فمنها ما أخذتُ بقوله فيها، ومنها ما تركته من أجل ألا يكون خلاف بيني وبينه!، وإلا أنا لستُ مقتنع بقوله آنذاك!، ومن ذلك: هذا الكلام الذي نقلته قبل قليل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وأنه اتفاق أهل السنة؛ أنَّ المسلم يحب ويبغض على حسب ما فيه من خير وشر، فكان الشيخ يقول هذه ذريعة لأهل الموازنة، فقلتُ: ليس فيها ذريعة لأهل الموازنة، وممكن أن أقيد الكلام، قال: أحسن أن تتركه، فتركتها فقط إجلالًا له، أما أنا مقتنع بهذا الأصل؛ فإنه أصل أهل السنة والجماعة".
قلتُ:
وقد قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى معلِّقًا على هذا الكلام في مقدمة كتابه [انتقاد عقدي ومنهجي على السراج الوهاج]: "بناء على كلامه هذا؛ فهناك أشياء من ملاحظاتي لم يقتنع بها!، ولعله لم يقتنع بكل ملاحظاتي!!، وفي نظري أنها حق وقيمة، بذلت غاية وسعي في بيانها نصحًا لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين، فدفعني هذا الموقف المريب من أبي الحسن إلى إبراز ملاحظاتي إعانة له على التواضع ومعرفة قدر نفسه.
وأخيرًا: فإني أُحذِّر من كتاب "السراج الوهاج" لأبي الحسن المصري المأربي في طبعاته الثلاث التي انتشرت في الناس مع الأسف انتشارًا واسعًا؛ لما فيها من المخالفات الضارة، وأحذر من طبعه مرة أخرى، إلا بشروط:
الأول: أن يقوم بالتعديل الكامل.
الثاني: أن يحذف من الغلاف قوله: "راجعه وقدم له جماعة من هيئة كبار العلماء وغيرهم".
الثالث: أن يصرح بأنه كانت عنده أخطاء كثيرة بينها له الشيخان: الشيخ ابن عثيمين /، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله المفتي الحالي للملكة العربية، وأن يبرز هذه الملاحظات ويوضحها، ويبين أنه كان لها أثر في تصحيح منهجه، وأنَّ للشيخ ربيع ملاحظات هامة استفاد منها، وكان لها أثرها في منهجه، وأن يشكر لهم ما قاموا به من جهد في نقد كتابه وتقويمه.
الرابع: أن يحذف المقدمات التي لم يتعقبه أصحابها، وخاصة مقدمات من مدحوا الكتاب.
الخامس: أن يتواضع لله رب العالمين ولا يتباهى بهذا الكتاب على أحد من المسلمين فضلًا عن السلفيين، وأن يعتذر عما سلف منه من الإشادة بهذا الكتاب والتباهي به".
أقول:
وقد شقَّت هذه الفتنة صف السلفيين، وكان المأربي فيها يراوغ ويتقلَّب، وكان الحلبي ومَنْ معه في مركز الإمام الألباني يتقلَّبون معه!.
فقد كانوا يجلسون مع الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله تعالى فيكونون معه ضد المأربي!، ويجالسون المأربي فيكونون معه ضد الشيخ ربيع!، كانوا يتفقون مع الشيخ ربيع في صيغة لبيان تراجع وتوبة المأربي المزعومة!، ثم إذا وصلوا إلى المأربي تغيرت الشروط وصيغة البيان!!.
وقد ذكر عماد طارق في أحد مقالاته في "منتديات كل السلفيين" وثيقتين يظهر فيهما تقلّب الحلبي وتلونه، بين مجلسه واتفاقه مع الشيخ ربيع، وبين لقائه واتفاقه مع المأربي:
وإليكم التفصيل نقلًا من مقال عماد طارق بحروفه: [بيان مكة الموقع بين الشيخ ربيع ومشايخ الشام والشيخ محمد بازمول]
"بسم الله الرحمن الرحيم؛ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذا مجلسٌ علميٌّ مباركٌ تم في ليلة الأحد 12/ 9/ 1423 هـ، وذلك في منزل فضيلة أستاذنا الشيخ أبي محمد ربيع بن هادي المدخلي زاده الله من فضله، وبحضوره حفظه الله، وكان الحاضرون كلًا من: الشيخ سليم الهلالي، والشيخ محمد موسى نصر، والشيخ علي الحلبي، والشيخ محمد عمر بازمول وفقهم الله جميعًا لكل خير، وتم التداولُ العلميُّ المنهجيُّ في أمورٍ عدة، من أهمها: اليقينُ الجازم أنَّ هذه الخلافات الواقعة بين السلفيين -ولا يزال منها بقايا - هي خلافاتٌ من نزغ الشيطان، وقد أدرك الجميع -بحمد الله- آثار هذه الخلافات السيئة وتبعاتها الخطيرة. وإننا لنحمد الله تعالى على ما وفق وسهل من إنهاء هذه الفتن - بآثارها، وخلافاتها، وأضرارها -في هذا المجلس المبارك- بحمده سبحانه. وقد تم الاتفاقُ على أمورٍ؛ أهمها وأولها: توكيد ولزوم إنهاء هذه الفتنة، وإغلاق أبوابها وأسبابها.
ومن تلكم الأمور العلمية المنهجية التي اتفق عليها الحاضرون جميعًا:
أولًا: أنَّ خبر الآحاد الذي لم يختلف في صحته علماء أهل السنة خبرٌ يفيد العلم والعمل، ويحتج به في العقيدة والأحكام بدون تفريق. وأنَّ قول من ذكره بالظن ونحوه إنما هو قولٌ مخالفٌ للحق الراجح من أقوال أهل الحديث قاطبةً، وأنَّ القائل بذلك قائلٌ بقول الأشعرية، متأثرٌ بهم.
ثانيًا: ما تكرر ذكره من مسألة "المجمل والمفصل" وما يتعلق بها؛ الحق فيه ما يأتي: مسألة "المجمل والمفصل" مسألة - بهذا الاصطلاح - لا تبحث إلا في كلام الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-. بحث هذه المسألة في كلام العلماء يسمى "إطلاقات العلماء"- كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية. الإطلاق المغلوط الذي يوضحه ويبينه كلامٌ آخر للقائل نفسه يعامل كالآتي:
أ. تخطئة هذا الإطلاق - بحسبه - بدعةً أو غلطًا.
ب. قبول ذلك البيان.
ج. عدم الحكم على هذا المُطْلِق الغالِط حكمًا عينيًا بأنه "مبتدع" إلا إذا كان مبتدعًا أصلًا أو صاحب هوى.
د. وأما طالب العلم السلفي المعروف بسلفيته ومنهجه إذا واقع شيئًا من ذلك؛ فإننا نخطئه في إطلاقه، ونجعل صوابه المبين هو الغالب، مع نصيحته وتذكيره وبيان الحق له؛ إلا إذا ظهرت معاندته وانكشف إصراره.
هـ. لا يجوز اتخاذ هذه المسألة "إطلاقات العلماء" ذريعةً لتمشية كلام المبتدعة المشهورين كأمثال سيد قطب وغيره.
ثالثًا: الكلام في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالسوء ضلالٌ عريضٌ، ولا يجوز لمسلمٍ كائنًا من كان قبوله، أو التسهيل منه. ومن صدرت منه كلمة فيها ما يشعر بشيءٍ من انتقاصهم -رضي الله عنهم- فيجب عليه وجوبًا حتميًا الرجوع عنها، واستغفار الله منها وعدم اختلاق المعاذير فيها، فأمر الصحابة -رضي الله عنهم- جدٌّ، وهم ي أمناء الشريعة وحراس الملة، وهو بابٌ يجب إغلاقه امتثالًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا".
رابعًا: الجماعات الحزبية المتناثرة في الساحة كــ "جماعة الإخوان المسلمين" و "جماعة التبليغ" و "حزب التحرير" و "جماعة الجهاد" والتكفيريين والسروريين والقطبيين ومن على شاكلتهم هم جماعات خارجة على السنة، ومخالفة لمنهج السلف؛ لما هو معلوم عنها من انحرافات وضلالات، ولا يجوز الدفاع عنها بأيّ من الصور من - تأصيلٍ أو غيره - ، وأما دعوى بعض الناس أنَّ منهج أهل السنة "واسع" فهي كلمة باطلة؛ لما يبنى عليها من إدخال أهل البدع في السنة، والتهوين من ضلالاتهم وانحرافاتهم .
خامسًا: منهج أهل السنة منهج منضبط سائر أهله فيه على طريقة راسخة ثابتة من منهج الاستدلال وقاعدة التصور العلمي، وأصول الولاء والبراء. أما المبتدعة والحزبيون على سائر أصنافهم فليسوا منه وليس منهم؛ مع حرصنا ورغبتنا أن يرجعوا إليه ، ويتركوا ما هم عليه؛ والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة".
سادسًا: التثبت عند أهل العلم منهج منضبط، له صوره ووجوهه، وأما رد الحق ودلائل الصواب بدعوى "التثبت" فطريقةٌ حادثةٌ مخالفة لمنهج السنة وطريقة أهلها.
ودعوى عدم قبول الخبر إلا بالسماع المباشر من قائله: دعوى باطلة!، تردها مناهج العلماء وطرائقهم المفصلة. وطرق قبول الخبر متعددة معلومة، وهي جميعًا مبنية على الحجة العلمية، والبينة الشرعية.
سابعًا: قول بعض الناس: "نصحح ولا نجرح" باطلٌ بيقين، فلا يزال أهل الحديث من قبل ومن بعد -يجرّحون مَنْ يستحق التجريح بالقواعد العلمية والأصول الشرعية، ومن ذلكـ بثوبٍ آخر- ضلالًا قول من قال: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".
هذا مجموع ما تباحث به المشايخ، وهم ولله الحمد متفقون على هذه القواعد العلمية من قبل ومن بعد، وإنما هم يؤكدونها، ويحققون القول فيها أكثر وأكثر حرصًا على وحدة الكلمة، ورغبةً صارمة في قطع الطريق أمام المتربصين المتصيدين من الحزبيين وأشكالهم، ونصرةً للدعوة السلفية، وانتصارًا لدعاتها وعلمائها.
وعليه؛ فإننا ننصح - في الختام - بنصيحتين:
الأولى: أنَّ كل مخالفٍ لهذه القواعد يجب أن يرجع إلى هذا الحق الصريح، وأن يؤوب إلى هذا النهج الصحيح؛ كائنًا من كان بوضوح وبيان وظهور حق، دونما تلبيس أو تدليس.
الثانية: أن يرجع طلبة العلم السلفيون إلى سابق ما عهدناه منهم؛ من طلب العلم ونشر السنة، والانشغال بالدعوة إلى الحق، والتآخي والتناصر والتعاون على البر والتقوى، دون الاشتغال بالقيل والقال مما يفرح الشيطان، وينعش جنده وأتباعه، ويشمت الأعداء.
هذا ما وفقنا الله تعالى إليه توكيدًا وتثبيتًا، ونصرةً للحق وأهله.
ونشهد الله تعالى على ذلك؛ ظاهرًا وباطنًا، وهو سبحانه خير الشاهدين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، الشيخ محمد موسى نصر، الشيخ علي الحلبي، الشيخ سليم الهلالي، الشيخ محمد بن عمر بازمول" انتهى.
قلتُ: يلاحظ القارئ المتتبع للخلاف في فتنة المأربي وتأصيلاته الفاسدة وتقريراته الباطلة أنَّ كلام الحلبي هنا صريح في بيان المسائل المنتقدة على المأربي، ودعوته للرجوع عنها.
ثم كتب عماد طارق بعد ذلك في نفس المقال: [البيان التوضيحي للشيخين سليم الهلالي وعلي الحلبي حول بيان مكة]
قالا بعد خطبة الحاجة:
أمّا بعد:
فما أن حططنا رحالنا في منازلنا - بعد انتهاءِ عمرتنا، وانقضاء سفرنا - إلا وتوالت علينا الاتِّصالاتُ مِن عددٍ مِن الأقطار، وكثيرٍ من الأمصار؛ حول "البيان" العلميِّ الصادر عنّا في مكّةَ - قبل يومين - بمشاركة بعض المشايخ الأفاضل، في منزل فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي زاده اللهُ مِن فضلهِ أثناءَ زيارتنا له - على عادتنا في كلِّ عام حجٍّ أو عُمرة - والتي لم تنقطع منذ أكثر من عشرين عامًا.
والتنوُّعُ في هاتيك الاتصالاتِ هو السِّمةُ المميّزةُ لها؛ ما بين مستفسرٍ ومستنكرٍ، أو مستفصلٍ ومستنصر!.
فأحببنا -تعاونًا على البرِّ والتقوى-كتابةَ نُبذة موجزةٍ حول مُجمَل ما جرى في سَفرِنا هذا -في بلاد الحرمين الشريفين- الذي شَمَل المدينة النبويّة، ومكة المشرّفة، وبينهما الرياض وجُدّة.
ولقد كان مِنّا في هذه الرحلةِ المباركة لقاءاتٌ علميّة عدّةٌ مع مشايخ الدعوة السلفيّةِ البَرّة، وعُلمائها الأبرار، وفي مقدّمتهم شيخنا الأستاذ الشيخ محمد بن عبدالوهاب البنا، وشيخنا الأستاذ عبدالمحسن العبّاد، ومعالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، وفضيلة الشيخ حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ، وفضيلة الشيخ صالح السدلان، وفضيلة الشيخ عبدالرحمن الفريوائي، وفضيلة الشيخ عاصم القريوتي، وفضيلة الشيخ سمير الزهري، وفضيلة الشيخ وليد سيف النصر، وفضيلة الشيخ صالح السحيمي، وفضيلة الشيخ محمد عمر بازمول، وفضيلة الشيخ عبدالسلام بن برجس، وفضيلة الشيخ إبراهيم الرحيلي، وفضيلة الشيخ محمد بن عبدالوهاب العقيل، وفضيلة الشيخ عبدالله العبيلان وغيرهم حفظهم الله أجمعين، وزادهم توفيقًا.
وكان آخِرُ اللقاءات العلمية هذه في مكّةَ -والفضلُ لله- مع فضيلة الأستاذ الشيخ ربيع بن هادي حفظه المولى وقد جرى التباحُث والتشاورُ- في معظم تلك اللقاءاتِ، وفي جُلِّ المجالس بشأنِ الخلافات الجارية بين السلفيِّين في كثير من البلدان؛ ممّا أوقعهم في التفرق والتّشتُّت، وأشمتَ بهم أعداءَهم، وأفرح بهم مخالفيهم!.
وكانت نظرة هؤلاء المشايخ الأفاضل جميعًا -ولله الحمد- متوحِّدة أنَّ هذا التّفرُّق ليس له ثمرةٌ إلا المزيد مِن السوء والبلاء، وشماتة المخالفين والأعداء، وأنَّ الواجبَ الحتْمَ العملُ على إنهاء آثاره، والتعاضدُ على إطفاءِ ناره، وأنَّ الأصلَ احتواءُ أيِّ خِلاف علميٍّ بين السلفيِّين؛ ليستمروا على ما هم عليه من وحدة المنهج والعقيدة، وسلامة الصدور والقلوب، وترك أدنى حظوظٍ نفسيّة قد تكدِّر صفاءَ الأخوّة، وتعكّر نقاء المحبّة، وبخاصّة إدراك المشايخ حفظهم الله أنَّ هناك أيدي خفيّة تُغذي هذا الخلاف.
فكان بَعدُ آخِرًا - والموفِّق الله - لقاءُ فضيلةِ الشيخ ربيع بن هادي في منزله كما قدّمنا، وكان لقاءًا حَسَنًا رائعًا؛ كما هو الظنُّ والأَمل في المشايخ الأفاضل أحسن الله عواقبهم.
ثم جرى بَحثٌ عامٌ حَوْلَ بعض المسائل العلميّة التي كانت سببًا في تفرُّق الشباب، وتشتُّت كلمتهم، وانشغالهم بها عمّا هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم؛ كمثل مسألة خبر الآحاد، ومسألة التثبُّت، ومسألة المجمل والمفصّل، وغيرها مِن المسائل، التي هي مِن مقرّرات دعوتنا السلفية، ومِن أُصول معارفنا العلميّة -مِن قبل ومن بعد-.
وعليه؛ فإنَّ هذه المسائلَ ليست مُتعلِّقةً بحكمِ - فضلًا عن تحكيم - فيما هو جارٍ من ردود وأجوبة وخلافات بين الشيخ ربيع والشيخ أبي الحسن حفظهما الله، قد أدلى فيها كلٌّ منها بدلوهِ، ولكنّها بيان لحقٍّ نَدينُ اللهَ بهِ، ونبرأُ إلى الله مما يُخالفه في مسائل طُرحت على الساحة، ونُسب إلينا فيها خِلافُها؛ مما يضادُّ الحقّ وأهله؛ حتى إنّنا تُنُوولنا مِن بعض الأقلام، ووُجِّه إلينا بسببها عددٌ مِن السهام!.
فلكي نَرُدَّ الحقَّ إلى نِصابه، ونُرجع الصواب إلى بابه، ونوافق الهدى في لُبابهِ؛ كان منّا كتابةُ ما نعتقد في هذه المسائل، حتى نكون عونًا لإخواننا على الحقّ، ونصرةً لهم في تحقيقهِ وتأصيلهِ.
ولْيعلم جميعُ إخواننا -الذين سألونا، وهاتفونا - وغيرهم أنّ كتابتنا هذه جاءت منّا عفوَ الخاطر دون ترتيب ولا تخطيط، وإنّما بتوفيق مِن الله؛ لِتُنهي الفتن، وتلمَّ الشمل؛ وليكون منّا جميعًا فيها تعاون على الائتلاف وأسبابهِ، ودفع للاختلافِ وأبوابه.
حيث صاغها الأخ "علي الحلبي" ثم قُرئت وضُبطت وأقر مَنْ حضر بما فيها، ووقع الجميع عليها.
ويتأكد هذا الأمرُ أكثرَ إذا عَرفنا أنَّ القول في هذه المسائل غدا مُشكلًا على الكثيرين من إخواننا، بحيث لم يتحرر لهم الترجيحُ الدقيق فيها، فوقع عددٌ منهم بنسبةِ شيء مما يُخالفها إلى مَن لم يقٌل بها!!.
وأقرب مثال على ذلك: ما نسب إلينا نحن -أو ألزمنا به- مما لم نذكره أصلًا أو فهم عنا على غير ما نريد.
فنرجو - بعد ذا -أن يكون هذا البيان - كما قال فضيلة الشيخ ربيع حفظه الله: "حلًا حاسمًا لكل ما حصل من خلاف أو سوء فهم".
وهذا منه زاده الله من فضله عين العلم، ورأس الحلم.
ومما لا يسعنا التخلف عن إيراده -هنا- ذكر شيء وقع لنا في مدينة جدة؛ مما هو علامة -إن شاء الله - على توفيقه سبحانه لنا:
ففي ليلة الاثنين المسفر فجرها عن اليوم الثالث عشر من شهر رمضان -وهو يوم أمس - كان أن ذهبنا إلى مقر الخطوط الجوية السعودية في مطار جدة؛ لتغيير تذاكر سفرنا، من "الخطوط السعودية - يوم الأحد"؛ إلى "الخطوط الأردنية - يوم الاثنين" بسبب ما وقع لنا من تأخير سفرنا يومًا واحدًا، لتأخرنا في مدينة الرياض ذلك اليوم.
وقد وافق في هذا الوقت نفسه قدوم الأخ الشيخ أبي الحسن المأربي أكرمنا الله وإياه بالحق إلى جدة، قادمًا بالطائرة من صنعاء. فتلاقينا ثم ترافقنا إلى بيت أحد الأخوة الأفاضل جزاهم الله خيرًا وهو مضيفنا في جدة ذلك اليوم؛ ثم أخبرنا الأخ أبا الحسن بمجمل أخبار رحلتنا، ولقاءات المشايخ، والأجواء والتوجيهات التي لمسناها وعايشناها، ثم كان ختام ذلك قراءة البيان قراءة دقيقة متأنية فاحصة.
فكان رأي الأخ أبي الحسن -ولله الحمد- أنَّ ما في هذا البيان حق لا ريب فيه، سوى نقطتين الأولى: لفظية!، والثانية: تكميلية!؛ بحيث لا تأثير لهاتين النقطتين على صحة ما في البيان؛ لكونها ليستا جوهريتين.
فحمدنا الله تعالى على ذلك، وسألنا سبحانه لنا، ولإخواننا، ولمشايخنا المزيد من فضله وكرمه.
ثم تحرَّج الأخ أبو الحسن أعانه الله -في الآخر- من أنَّ البعض قد يذهب به فهمه لهذا البيان إلى أمور وأمور؛ قد تزيد الفتنة، ولا تزيلها!.
فكان جوابنًا صريحًا: أنه إذا كان ما في البيان حقًا وصوابًا؛ فلم التحرج والتحرز؟!
وأنَّ الأصل الإقرار بمضمونه ما دام أنه حق وصواب!، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : في «الرد على البكري» "2/615": "وكلام الله ورسوله، وكلام العلماء مملوء بما يفهم الناس منه معنى فاسدًا؛ فكان العيب في فهم الفاهم!، لا في كلام المتكلِّم الذي يخاطب جنس الناس، كالمصنف لكتاب، أو الخطيب على المنبر، ونحو هؤلاء؛ فإنَّ هؤلاء لا يكلفون أن يأتوا بعبارة لا يفهم منها مستمع ما معنى ناقصًا؛ فإنَّ ذلك لا يكون إلا إذا علم مقدار فهم كل مَنْ يسمع كلامه، ويقرأ كتابه!، وهذا ليس في طاقة بشر".
ومما يجب ذكره أخيرًا:
أننا أخبرنا الشيخ ربيعًا حفظه الله أنَّ قوله في تبديع أبي الحسن لا يلزمنا!، وبخاصة أنَّ كثير من العلماء والمشايخ وطلاب العلم الذين التقينا بهم على ذلك كالشيخ عبد المحسن العباد والشيخ إبراهيم الرحيلي والشيخ حسين آل الشيخ ... إلخ، فأقر بذلك، وإنما كان الحرص من الجميع على ضبط الحق في المسائل من حيث هي.
وفي ضوء ذلك نقول: إنَّ هذه المسائل إنما طُرحت وبُحثت على خلفية ما بيننا وبين الشيخ ربيع - بحثًا وتحقيقًا - فلذلك لا يتعدى ذلك غيرنا ممن لم يكن في مجلس البحث.
وأما من أراد موافقة ما في بياننا من الحق، أو مخالفة ما يظن منه أنه مخالف للحق، فليبين ذلك بالعلم والحلم والعدل والفضل، ومذهبه في ذلك مخالفةً أو موافقةً ينسب إليه، ولا نلزم بشيء منه!!.
مع التذكير - لنا ولإخواننا بآية وحديث:
أما الآية؛ فقوله تعالى: "وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ...".
وأما الحديث؛ فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا..."
حرصًا على طلب العلم، ونشر السنة، والانشغال بالدعوة إلى الحق، والتآخي، والتناصر، والتعاون على البر والتقوى، دون الانشغال بالقيل والقال؛ مما يفرح الشيطان!، وينعش جنده وأتباعه، ويشمت الأعداء كما ورد في البيان.
ونردد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: "اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر، عيناه ترياني وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها"، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
سليم بن عيد الهلالي، علي بن حسن الحلبي.
14/ رمضان / 1423هـ
في عمان البلقاء عاصمة جند الأردن من بلاد الشام المحروسة" انتهى توضيحهما.
أقول:
فليلاحظ القارئ بين قولهم في البيان الأول: "كل مخالفٍ لهذه القواعد يجب أن يرجع إلى هذا الحق الصريح، وأن يؤوب إلى هذا النهج الصحيح؛ كائنًا من كان بوضوح وبيان وظهور حق، دونما تلبيس أو تدليس"، وبين قولهم في التوضيح: "إنَّ هذه المسائل إنما طُرحت وبُحثت على خلفية ما بيننا وبين الشيخ ربيع - بحثًا وتحقيقًا - فلذلك لا يتعدى ذلك غيرنا ممن لم يكن في مجلس البحث!. وأما مَنْ أراد موافقة ما في بياننا من الحق، أو مخالفة ما يظن منه أنه مخالف للحق، فليبين ذلك بالعلم والحلم والعدل والفضل، ومذهبه في ذلك مخالفةً أو موافقةً ينسب إليه، ولا نلزم بشيء منه!!".
ففي البيان إلزام وإيجاب!
بينما في التوضيح تخيير وعدم إلزام!
ما هو السبب يا ترى؟
السبب: أنَّ البيان كان في مجلس الشيخ ربيع، بينما التوضيح كان بعد لقاء المأربي وتحرجه من تأييد البيان والإقرار بما فيه!.
وصدق أبو الوفاء بن عقيل حينما قال: "مَنْ صَدَرَ اعْتِقَادُهُ عَنْ بُرْهَانٍ؛ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ تَلَوُّنٌ يُرَاعِي بِهِ أَحْوَالَ الرِّجَالِ"! [الآداب الشرعية لابن مفلح 1/330].
وسؤال آخر:
مَنْ الذي أقر بالحق وأيده؟
ومَنْ الذي توقَّف وتحرَّج من قبوله بسبب نظره إلى الناس؛ فرارًا من سخطهم أو طمعًا في إرضائهم؟!
فمَنْ الذي يسعى في الإصلاح؟
ومَنْ الذي يسعى في شق صف السلفيين؟!
الجواب على هذه الأسئلة واضح من موقف المأربي من بيان مكة.
وأقول: والمقصود أنَّ الحلبي وإخوانه كانوا يمثلون أمام السلفيين دور الوسيط بين الشيخ ربيع وبين المأربي، لكن الحقيقة أنهم تأثروا بشبهات المأربي وتأصيلاته!، وذلك لعدم رسوخ أقدامهم في هذه المسائل المنهجية، أو لأنهم تغيروا بعد موت شيخهم وغرهم المأربي بموافقته لهم في مسائل الإيمان وانتقاد اللجنة الدائمة!، فصاروا يرون مع المأربي قوة لهم ضد اللجنة الدائمة، بل ضد العلماء الذين يخالفونهم في تقرير المسائل واتخاذ المواقف.