منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام

آخر المشاركات من عجائب زماننا وهو من عجائب الصعافقة وكيف كانوا يعيشون على المكر والخبث (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات وأكاذيب الرويبضة (ذَنَب الكوري هدي) المدعو أبو يحيى مصطفى البيضاوي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          التنبيه على (مكر عابر) لأحد مكرة الصعافقة المغاربة المدعو (فؤاد منجيب) (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من تعالم الصعافقة وابتداعهم أقوالا للتبرير لشيوخ الفتنة عندهم (دفاع هوراز الكردي عن نزار... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          مقطعان فيهما فوائد للشيخين الألباني وبن عثيمين رحمهم الله (الكاتـب : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          نقض شبهة داعية الشرك عبدالناصر حدارة بأن شركهم يختلف عن شرك الأولين (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الرد على داعية الشرك (عبدالناصر أحمد حدارة) في زعمه أن إحياء الميت بضربه ببعض أعضاء البقرة بعد... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          Who is Allah? (الكاتـب : أبو عبد الله الأثري - )           »          قصيدة في رثاء الشيخ ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          A General Call for Muslims (الكاتـب : أبو عبد الله الأثري - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-05-2012, 06:09 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي "حديث السنِّ يسمو إلى العلى" للشيخ أبي عبد الأعلى خالد بن عثمان المصري -حفظه الله-

"حديث السنِّ يسمو إلى العلى"
مبحث في حكم التصدر في سن الحداثة..

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ومن اتبع هداه؛
أما بعد، فإن من المباحث المطروقة في كتب أصول الحديث وأدب طلب العلم مبحث: سن التحديث.
ويدخل في هذا الباب: سن الانتصاب لمقام التدريس والفتوى والتصنيف.
وبلا شك الأصل أن تتوفر رجاحة العقل وسداد الفتوى وعلو الكعب في العلم في الأكابر سنًّا وخبرة دون الصغير حديث السن، لكن هذا ليس على الإطلاق.
والناس بين مغال وجاف في هذا الباب.
ومن النصوص الدالة على تقديم كبير السن:
قول رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيِّصَةَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ.
أخرجه البخاري (3173)، ومسلم (1669) من حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه.
قال ابن بطال في شرحه على البخاري (6/76): "إنما ذلك إذا استوت حال القوم في شىء واحد، فحينئذ يبتدأ بالأكبر، وأما إذا كان لبعضهم على بعض فضل فى شىء فصاحب الفضل أولى بالتقدمة".
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (7/53): "«كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَتَوَلَّى الْكَلَامَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَنُّهُمْ إمَّا لِفَضِيلَةٍ بِالسِّنِّ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ لِفَضِيلَةٍ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مَعَ السِّنِّ إلَّا أَنَّ الْفَضَائِلَ غَيْرُ السِّنِّ أَمْرٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلَا ظَاهِرٌ وَيُمْكِنُ بِالتَّدَاعِي فِيهِ وَفَضْلُهُ فِي السِّنِّ لَا يُنْكَرُ".
قلت: وهذا واضح في أن فضيلة كبر السن تراعى في حالة تساوي الفضائل الأخرى من العلم والفقه والحكمة والفهم، أما إذا تفاضل البعض عن الأكبر سنًّا في هذه الأمور ونحوها فيقدَّم على كبير السن.
وأفضل مثال لهذا:
ما أخرجه الإمام مسلم (673) من حديث أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» قَالَ الْأَشَجُّ فِي رِوَايَتِهِ: مَكَانَ سِلْمًا سِنًّا.
وفي لفظ: " «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا".
قلت: فتأمل كيف جعل السن في آخر المراتب بعد الحفظ والعلم بالسنة والهجرة.
وقال الإمـــام أبو القاسم هــــبة الله اللالكائي في >شرح أصــــول اعتقاد أهل السنة والجماعة< (100): >أخبرنا مُحمَّد بن عثمان بن مُحمَّد ثنا سعيد بن مُحمَّد الخياط ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا سفيان بن عيينة عن هلال الوزان، قال: حدثنا شيخنا القديْم: عبد الله بن عُكَيْم، وكان قد أدرك الجاهلية قال: أرسل إليه الحجاج يدعوه، فلما أتاه قال: كيف كان عمر يقول؟ قال: كان عمر يقول: إن أصدق القيل قيل الله، ألا وإن أحسن الهدي هدي مُحمَّد، وشر الأمور محدثاتُها، وكل محدثة ضلالة، ألا وإن الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، ولَم يقم الصغير على الكبير، فإذا قام الصغير على الكبير فُقِد<([1]).
وقال الحافظ في الفتح (13/314): >في مصنف قاسم بن أصبغ بسند صحيح عن عمر: فساد الدين إذا جاء العلم من قِبَل الصغير استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قِبَل الكبير تابعه عليه الصغير<([2]).
وفي الجــــامع لمعـــــمر (11/246)، عــــن أبي إسحاق، عـــن سعـــيد بن وهـــب قال: سمعت ابن مسعود يقــــول: >لا يزال الناس صـــالحين متماسكين مـــا أتاهم العلم من أصحاب مُحمَّد ومن أكابرهم، فـــإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا<([3]).
وفي رواية البيهقي: >لا يزال الــــناس بخــــير مـــــا أخـــــذوا العلم عــن أكابرهم وعن أمنائهم وعــــلمائهم فإذا أخـــذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا<.
وفي رواية أبي نعيم: >علمائهم وكــبرائهم وذوي أسنانِهم، فإذا أتاهم العلــــم عن صــــغارهم وسفهائهم فقـــد هلكـــوا<.
قال ابن عبد البر: "قال بعض أهل العلم: إن الصغير المذكور في حديث عمر، وما كان مثله من الأحاديث إنما يُراد به الذي يُستفتى ولا علم عنده، وأن الكبير هو العالم في أي سنٍّ".
قلت: فهذه الآثار مجتمعة دلَّت على أن المعيار في صلاح الصغير سنًّا أن يتابع الأكابر العلماء ذوي الأسنان الأمناء الفقهاء.
لكن كبر السن -دون سلامة المعتقد والمنهج، ودون التأهل للتحديث والفتوى والتدريس- لا يشفع لصاحبه أن يكون من الأكابر.
وحداثة السن -مع سلامة المعتقد والمنهج، والتأهل للتحديث والفتوى والتدريس- تجعل صاحبها في ركاب الأكابر أو في مصافهم على حسب حاله.
ومن النصوص التي تؤكد هذا المعنى ما يلي:
أولاً: أخرج مسلم (1426) من حديث سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ - يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لَهَا، وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَأَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَايْمُ اللهِ إِنَّ هَذَا لَهَا لَخَلِيقٌ - يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَأَحَبَّهُمْ إِلَيَّ مِنْ بَعْدِهِ، فَأُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ».
وأخرجه مسلم أيضًا، والبخاري في مواضع من صحيحه منها (3730) من طريق عبدالله بن دينار عن ابن عمر بنحوه، لكن دون قوله: " فَأُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ".
وزاد ابن دينار في أول روايته: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطُعِنَ فِي إِمَارَتِهِ".
قال ابن بطال في شرح البخاري (8/258): " قال المهلب: معنى الترجمة أن الطاعن إذا لم يعلم حال المطعون عليه، وكذب فى طعنه لا ينبغى أن يكترث له كبير اكتراث، ألا ترى أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قد خلى هذا الطعن حين أقسم أنه كان خليقًا للإمارة".
وقال الحافظ في الفتح (13/180): " قَوْلُهُ فَطُعِنَ فِي إِمَارَتِهِ بِضَمِّ الطَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَقَوْلُهُ إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ أَيْ إِنْ طَعَنْتُمْ فِيهِ فَأُخْبِرُكُمْ بِأَنَّكُمْ طَعَنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فِي أَبِيهِ وَالتَّقْدِيرُ إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ أَثِمْتُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ طَعْنَكُمْ بِذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا كَمَا كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ وَظَهَرَتْ كِفَايَتُهُ وَصَلَاحِيَتُهُ لِلْإِمَارَةِ وَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا فَلَمْ يَكُنْ لِطَعْنِكُمْ مُسْتَنَدٌ فَلِذَلِكَ لَا اعْتِبَارَ بِطَعْنِكُمْ فِي إِمَارَةِ وَلَدِهِ وَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ".
ثانيًا: أخرج البخاري في صحيحه (4294) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: «إنه ممن قد علمتم» قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال: وما رئيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له: إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، فذاك علامة أجلك: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا. قال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تعلم».
وفي رواية عبدالله بن أحمد في زوائده على الفضائل (1904) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَسْأَلُنِي مَعَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَقُولُ لِي: " لَا تَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا، فَإِذَا تَكَلَّمْتُ قَالَ: غَلَبْتُمُونِي أَنْ تَأْتُوا بِمَا جَاءَ بِهِ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ ".
قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ شُئُونَ رَأْسِهِ يَعْنِي الشُّعَبَ الَّتِي تَكُونُ فِي الرَّأْسِ.
وأخرجه أيضًا برقم (1921) بلفظ: "كَانَ عُمَرُ يَجْلِسُ مَعَ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُ لِي: لَا تَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ: «مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَأْتُونِي بِمِثْلِ مَا يَأْتِينِي بِهِ هَذَا الْغُلَامُ، الَّذِي لَمْ تَسْتَوِ شُئُونُ رَأْسِهِ؟».
وأخرج هذه الرواية مطولاً ابن خزيمة في صحيحه (2172) بلفظ: " كَانَ عُمَرُ يَدْعُونِي مَعَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ لِي: لَا تَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا قَالَ: فَدَعَاهُمْ فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» ، أَيُّ لَيْلَةٍ تَرَوْنَهَا؟ قَالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْلَةُ إِحْدَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْلَةُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ آخَرُ: خَمْسٍ، وَأَنَا سَاكِتٌ قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنْ أَذِنَتْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَكَلَّمْتُ قَالَ: فَقَالَ: مَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكَ إِلَّا لِتَتَكَلَّمَ قَالَ: فَقُلْتُ: أُحَدِّثَكُمْ بِرَأْيِي؟ قَالَ: عَنْ ذَلِكَ نَسْأَلُكَ قَالَ: فَقُلْتُ: السَّبْعُ، رَأَيْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ سَبْعًا، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ وَنَبْتُ الْأَرْضِ سَبْعٌ قَالَ: فَقَالَ: هَذَا أَخْبَرْتَنِي مَا أَعْلَمُ، أَرَأَيْتَ مَا لَا أَعْلَمُ؟ مَا هُوَ قَوْلُكَ: نَبْتُ الْأَرْضِ سَبْعٌ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا} [عبس: 27] ، إِلَى قَوْلِهِ {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] ، وَالْأَبُّ نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ، وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ بَعْدُ؟ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَرَى الْقَوْلَ إِلَّا كَمَا قُلْتَ، وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ أَنْ لَا تَكَلَّمَ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا، وَإِنِّي آمُرُكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ مَعَهُمْ".
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة (1944) بسند صحيح عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: «أَدْرَكْتُ خَمْسِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ رَدُّوهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ».
وقال الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2/847): ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ بَلَغَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْنَانَنَا مَا عَاشَرَهُ مِنَّا رَجُلٌ نِعْمَ التُّرْجُمانُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْقُرْآنِ».
وأخرجه أبو خيثمة في العلم (48)، وابن أبي شيبة في مصنفه (6/383)، والحاكم في المستدرك (3/618)، والبيهقي في المدخل إلى السنن (1/153)، وأبو عروبة السُّلَمي في "المنتقى من كتاب الطبقات" (ص68)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (1/152) من طرق عن الأعمش به، وإسناده صحيح.
قال الحربي: " قَوْلُهُ: «مَا عَاشَرَهُ مِنَّا أَحَدٌ» يَقُولُ: لَوْ أَدْرَكَ أَسْنَانَنَا: لَوْ كَانَ فِي السِّنِّ مِثْلَنَا مَا بَلَغَ أَحَدٌ مِنَّا عُشْرَهُ فِي الْعِلْمِ".
وأخرج البخاري (6830) عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
وابن عباس لم ينل هذه المرتبة عبثًا، إنما نالها لملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بأن يفقهه الله في الدين وأن يعلِّمه الكتاب.
قال البخاري في صحيحه (3756) حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وقال: «اللهم علمه الحكمة».
وقال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، وقال: «علمه الكتاب».
وأخرج البخاري (143)، ومسلم (2477) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَتَى الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟»، فأخبر، فقَالَ: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ في الدين».
ولم يركن ابن عباس على هذا الدعاء ويتكل عن العمل، بل بادر بالجد والاجتهاد في تحصيل العلم من أكابر الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فصار مع صغر سنِّه من المقدَّمين في مجلس عمر رضي الله عنه على بعض أكابر الصحابة سنًّا، وصار من الذين يُرجع إليهم في الفتوى.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ كَثِيرٌ " قَالَ: الْعَجَبُ لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ وَفِي الْأَرْضِ مَنْ تَرَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَتَتَبُّعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ كُنْتُ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَأَجِدُهُ قَائِلًا: «فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ تَسْفِي الرِّيَاحُ فِي وَجْهِي حَتَّى يَخْرُجَ» ، فَيَقُولُ: مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَأَقُولُ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ»، فَيَقُولُ: فَهَلَّا بَعَثْتَ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ، فَأَقُولُ: «أَنَا كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ آتِيَكَ»، فَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَمُرُّ بِي بَعْدُ، وَالنَّاسُ يَسْأَلُونِي فَيَقُولُ: أَنْتَ كُنْتَ أَعْقَلَ مِنِّي.
أخرجه عبدالله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة (1925)، -واللفظ له-، والدارمي في سننه (590)، والحاكم في مستدركه (1/188)، (3/619)، والبيهقي في المدخل إلى السنن (1/386)، وابن سعد في الطبقات (2/367)، والطبراني في الكبير (1/299)، وابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله" (1/365) بسند صحيح.
قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَتَوْقِيرِ الْمُحَدِّثِ».
وأخرجه أبو خيثمة في العلم (133) مختصرًا بلفظ: "وَجَدْتُ عَامَّةَ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِنْ كُنْتُ لَآتِي بَابَ أَحَدِهِمْ فَأَقْيلُ بَابَهُ وَلَوْ شِئْتُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي عَلَيْهِ لَآذَنَ لِي بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَبْتَغِي بِذَلِكَ طِيبَ نَفْسِهِ".
ثالثًا: قال الله سبحانه في شأن نبيه يحيى عليه السلام: {وآتيناه الحكم صبيًّا}، وقال سبحانه في حق أهل الكهف: {إذ أوى الفتية إلى الكهف}، ثم قال: {إنهم فتية آمنوا بربهم}.
وقال سبحانه في حق خليله إبراهيم عليه السلام حين وقف بالمرصاد لقومه يدعوهم إلى ترك عبادة الأوثان وإفراد الله بالعبادة، فكسَّر أصنامهم إلا كبيرًا لهم، فسألوا: { قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}.
رابعًا: أخرج معمر في الجامع (11/140) عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ مَجْلِسُ عُمَرَ مُغْتَصًّا مِنَ الْقُرَّاءِ شَبَابًا كَانُوا أَوْ كُهُولًا، فَرُبَّمَا اسْتَشَارَهُمْ فَيَقُولُ: «لا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْكُمْ حَدَاثَةُ سِنِّهِ أَنْ يُشِيرَ بِرَأْيِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ عَلَى حَدَاثَةِ السِّنِّ وَلَا قِدَمِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ».
وعقد ابن مفلح فصلاً في كتابه "الآداب الشرعية" (2/110-111): "[فَصْلٌ فِي أَخْذِ الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَانُوا صِغَارَ السِّنِّ]، جاء فيه:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: الْغُلَامُ أُسْتَاذٌ إذَا كَانَ ثِقَةً.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لَأَنْ أَسْأَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَيُفْتِيَنِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا عَاصِمٍ وَابْنَ دَاوُد، إنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِالسِّنِّ"، ثم قال: "وَقَالَ وَكِيعٌ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى يَسْمَعَ مِمَّنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَمَنْ هُوَ دُونَهُ فِي السِّنِّ.
هَذِهِ طَرِيقَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي مَنَاقِبِهِ وَغَيْرُهُ.
وَفِي فُنُونِ ابْنِ عَقِيلٍ وَجَدْت فِي تَعَالِيقِ مُحَقِّقٍ أَنَّ سَبْعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، فَعَجِبْت مِنْ قُصُورِ أَعْمَارِهِمْ مَعَ بُلُوغِهِمْ الْغَايَةَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ الْإِسْكَنْدَرُ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَقَدْ مَلَكَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ صَاحِبُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَابْنُ الْمُقَفَّعِ صَاحِبُ الْخَطَابَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَسِيبَوَيْهِ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَأَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ فِي عِلْمِ الشِّعْرِ، وَإِبْرَاهِيمُ النِّظَامُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ فِي الْمَخَازِي، وَلَهُ كِتَابُ الدَّامِغِ مِمَّا غُرَّ بِهِ أَهْلُ الْخَلَاعَةِ، وَلَهُ الْجَدَلُ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كُنْت أُقْرِئُ رِجَالًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَخْذِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ صَغُرَتْ أَسْنَانُهُمْ أَوْ قَلَّتْ أَقْدَارُهُمْ، وَقَدْ كَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَقْرَأُ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَقِيلَ لَهُ: تَقْرَأُ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ الْخَزْرَجِيِّ؟ ، قَالَ: إنَّمَا أَهْلَكَنَا التَّكَبُّرُ".اهـ
وقال ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (السفر الثالث، ص72): حدثنا عفان قال نا يوسف بن الماجشون قال: قال لي ابن شهاب ولأخ لي ولابن عم لي، ونحن نسأله عن العلم: لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم فإن عمر كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الشباب فاستشارهم يبتغي بذلك حدة عقولهم.
وعقد الخطيب البغدادي فصلاً في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1/322) مَبْلَغُ السِّنِّ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ التَّحْدِيثُ مَعَهُ:
لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّى صَاحِبُ الْحَدِيثِ لِلْرِوَايَةِ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي السِّنِّ، وَأَمَّا فِي الْحَدَاثَةِ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ".
لكنه قال بعده: "فَإِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ تَعْلُوَ سِنُّهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحَدِّثَ وَلَا يَمْتَنِعَ؛ لِأَنَّ نَشْرَ الْعِلْمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لَازِمٌ، وَالْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ عَاصٍ آثِمٌ".
ثم قال: "وَقَدْ حَدَّثْتُ أَنَا وَلِي عِشْرُونَ سَنَةً، حِينَ قَدِمْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ، كَتَبَ عَنِّي شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ أَشْيَاءَ أَدْخَلَهَا فِي تَصَانِيفِهِ، وَسَأَلَنِي فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ؟
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرْبَنْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَافِظُ، بِبُخَارَى، أنا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْفَضْلَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ الْفَضْلِ الْبَزَّازَ، يَقُولُ: نا أَحْمَدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الْعَابِدُ، نا أَبُو بَكْرٍ الْأَعْيَنُ، قَالَ: " كَتَبْنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، يَعْنِي الْبُخَارِيَّ، عَلَى بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ وَمَا فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ، فَقُلْتُ: ابْنُ كَمْ كُنْتَ؟ قَالَ: ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «الْجَاهِلُ صَغِيرٌ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا، وَالْعَالِمُ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانَ حَدَثًا».اهـ
وعقد أيضًا القاضي عياض بابًا في كتابه "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" (ص199) بعنوان: "بَابُ مَتَى يُسْتَحَبُّ الْجُلُوسُ لِلْإِسْمَاعِ وَسِنُّ الْمُحَدِّثِ وَمَتَى يَمْتَنِعُ".
وقال: "اعْلَمْ أَنَّ السَّمَاعَ مِنَ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَدْلِ الْعَاقِلِ الضَّابِطِ لِمَا سَمِعَهُ الْعَارِفِ بِهِ حِينَ أَدَائِهِ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ اخْتِيَارَاتُ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ مَتَى يُسْتَحَبُّ الْانْتِصَابُ لِهَذَا وَالتَّصَدُّرُ لَهُ إِمَّا لِأَجْلِ كَمَالِ عَقْلِهِ وَاجْتِمَاعِ أَشُدِّهِ وَانْتِهَاءِ كُهُولَتِهِ وَوَقْتِ سَمْتِهِ أَوْ لِتَوَفِّي أَشْيَاخِهِ وَمُزَاحَمَتِهِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ".
ثم نقل عن الرامهرمزي: "قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ طَرِيقِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ فِي الْحَدِّ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ النَّاقِلُ حَسُنَ بِهِ أَنْ يُحَدِّثَ اسْتِيفَاءُ الْخَمْسِينَ لِأَنَّهَا انْتِهَاءُ الْكُهُولَةِ وَفِيهَا مُجْتَمِعُ الْأَشُدِّ قَالَ الشَّاعِرُ:
(أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي ... وَنَجَّذَنِي مُحَاوَلَةُ الشُّئُونِ)

قَالَ: وَلَيْسَ يُنْكِرُ أَنْ يُحَدِّثَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهَا حَدُّ الِاسْتِوَاءِ وَمُنْتَهَى الْكَمَالِ وَفِيهَا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
ثم قال -رحمه الله- متعقِّبًا إياه (ص200-201): "وَاسْتِحْسَانُهُ هَذَا لَا يَقُومُ لَهُ حُجَّةٌ بِمَا قَالَ وَكَمْ مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى هَذَا السِّنِّ وَلَا اسْتَوْفَى هَذَا الْعُمْرَ وَمَاتَ قَبْلَهُ وَقَدْ نَشَرَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ مَالَا يُحْصَى
هَذَا عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تُوُفِّيَ وَلَمْ يُكْمِلِ الْأَرْبَعِينَ.
وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَمْ يَبْلُغَ الْخَمْسِينَ.
وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.
وَهَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَدْ جَلَسَ لِلنَّاسِ ابْنَ نَيِّفٍ وَعشْرين، وَقيل: ابن سبع عشرة سنة، والناس متوافرون، وشيوخه أحياء: ربيعة، وابن شهاب، وابن هُرمُز، ونافع، ومحمد بن المنكدر وغيرهم.
وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ شِهَابٍ حَدِيثَ الْفُرَيْعَةِ.
وَتُوُفِّيَ ابْنُ شِهَابٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَسِنُّ مَالِكٍ حِينَ مَوْتِهِ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ قَبْلَ هَذَا
وَكَذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَدْ أَخَذَ عَنْهُ الْعِلْمَ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ.
وَانْتَصَبَ لِذَلِكَ فِي آخَرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ
وَقَدْ أَنْشَدَ بعض البغدادين:
(إِنَّ الْحَدَاثَةَ ... لَا تُقَصِّرُ بِالْفَتَى الْمَرْزُوقِ ذِهْنَا)
(لَكِنْ تُذَكِّي قَلْبَهُ ... فيفوق أكبرمنه سِنَا)".
وتعقَّب العراقي القاضي عياض كما في التقييد والإيضاح (ص244): "ما ذكره ابن خلاد غير مستنكر وهو محمول على أنه قاله: فيمن يتصدى للتحديث ابتداء من نفسه من غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكره.
فهذا إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور فإنه مظنة الاحتياج إلى ما عنده.
وأما الذين ذكرهم عياض ممن حدث قبل ذلك: فالظاهر أن ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت ظهر لهم معها الاحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك؛ أو لأنهم سئلوا ذلك إما بصريح السؤال وإما بقرينة الحال".
قلت: فاشترط العراقي شرطين فيمن تصدى للتحديث قبل سن الأربعين، وهما:
• البراعة.
• الاحتياج إلى علمه.
قلت: القيد الأول ينطبق أيضًا على مَن استوفى السن المذكور، فقد يبلغ الأربعين، ولم يحقّق علمًا ولا براعة في العلم.
وأما الثاني فمتعين في سن الحداثة، أنه لا ينبغي له التصدر إلا مع الحاجة إليه، ويقترن بهذا القيد أن تخلو بلده من ذوي الأسنان الذين تأهلوا لهذا الشأن وكفوه مؤنته.
لكن قد يقال: قد يكون في سن الحداثة ويفوق ذوي الأسنان براعة وفهمًا.
فإن كان بهذه المنزلة فالذي يظهر أن له التصدر إذا شهد له ذوو الأسنان بأنه فاقهم في البراعة، وأنه يُحتاج إلى علمه.
والمراحل التي يمر بها الإنسان: سن الطفولة، سن الحداثة، ثم البلوغ، ثم الأشد، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة.
واختلف أهل العلم في تحديد سنِّ الأشُد، ومن أحسن من استوعب هذا الاختلاف: الأزهري حيث قال في "تهذيب اللُّغة" (11/182): "والأشُدُّ فِي كتاب الله جلَّ وعزَّ جَاءَ فِي ثَلاثة مَواضِع بمعانٍ يَقْرُبُ اخْتِلافها فأمّا قَول الله جلَّ وعزّ فِي قِصة يُوسف {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} (يُوسُف: 22) فَمَعْنَاه الْإِدْرَاك والبلُوغ، فحينئذٍ راودَتْه امرأةُ الْعَزِيز عَن نَفسه، وَكَذَلِكَ قَوْله جلَّ وعزّ: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (الْإِسْرَاء: 34).
فَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ، احْفَظوا عَلَيْهِ مَالَه حَتَّى يبلُغ أشُدَّه فَإِذا بلغ أشُدّه فادفعوا إِلَيْهِ مَاله. قَالَ: وبُلُوغه أشدّه أَن يُؤنَسَ مِنْهُ الرُّشد مَعَ أَن يكونَ بَالغا. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} حَتَّى يبلغ ثَمَانِي عشرَة سَنة.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: لست أعرف مَا وجهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ إِن أدْرك قبل ثَمَانِي عشرَة سنة وَقد أُونِسَ مِنْهُ الرُّشد، فَطلب دفْعَ مالِه إِلَيْهِ، وَجب لَهُ ذَلِك.
قلت: وَهَذَا صَحِيح، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَقَول أَكثر أَهْلَ الْعلم.
أما قَول الله جلّ وعزَّ فِي قصَّة مُوسَى: {لاَ يَعْلَمُونَ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىءَاتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ} (الْقَصَص: 14) . فَإِنَّهُ قرنَ بُلوغ الأشُدّ بالاستواء، وَهُوَ أَن يجْتَمع أمره، وقُوَّته، ويَكْتَهل، وَيَنْتَهِي شبابه، وَذَلِكَ مَا بَين ثَمَانِي وَعشْرين سنة إِلَى ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ سنة، وحينئذٍ يَنْتهي شَبَابُه.
وَأما قَول الله جَلَّ وعزْ فِي سُورَة الْأَحْقَاف: {شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ} (الْأَحْقَاف: 15) ، فَهُوَ أقْصَى بُلُوغ الأشُدّ، وَعند تَمامهَا بُعِثَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبِيّاً؛ وَقد اجْتمعت حُنْكَتُهُ وَتَمام عَقْلِه؛ فبلوغ الأشُدّ محْصُور الأوّلِ، مَحْصُور النِّهَايَة، غيرُ محصورٍ مَا بَين ذَلِك. وَالله أعلم".
قلت: وقد أقر ابن القيم هذا التحقيق للأزهري لمعنى كلمة الأشد، فقال كما في "تحفة المودود بأحكام المولود" (ص178): "وقد أحكم الأزهري تحكيم اللفظة، فقال -وساق بعض كلامه المتقدم- ثم قال: "فبلوغ الأشد مرتبة بين البلوغ وبين الأربعين، ومعنى اللفظة من الشدة وهي القوة والجلادة..".
واختلف أهل العلم أيضًا في تعريف "الحدَث"، الذي يتنزل عليه الذمُّ:
قال ابن منظور في لسان العرب (3/228): "والأكابر أوفر الأسنان والأصاغر الأحداث، وقيل: الأكابر أصحاب رسول الله والأصاغر من بعدهم من التابعين، وقيل: الأكابر أهل السنة والأصاغر أهل البدع. اهـ
والصواب: هو الأخير؛ لأن حداثة السن والصغر ليستا في حدِّ ذاتِهما دليلاً على الهوى أو البدعة إلا إذا صاحبهما ضحالة في العلم وخروجًا على الأكابر من الصحابة والعلماء الكبار التابعين لهم بإحسان، كما قال أبو الصلت الأندلسي:

وقالوا حديث السن يسمو إلى العلى كأن العلى وقفٌ على كبر السنِّ

وما ضرني سنُّ الـحداثة والصبا إذا لَـم يُضف خلقي إلـى النقص والأفن

فعلمٌ بلا دعوى ورأيٌ بلا هوى ووعدٌ بلا خلف، ومَنٌّ بلا مَنِّ


انظر الأبيات الأدبية الحاصرة (ص201) للشيخ عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم -رحمه الله-.
فهذا عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عَلِم ما لَم يعلمه أصحاب بدر من كبار السن، وكان هو أصغرهم سنًّا، وفي إحدى نسخ الزهد لابن المبارك في أثر ابن مسعود الآتي ذكره، قال ابن المبارك: "أتاهم العلم من قبل أصاغرهم، يعني: أهل البدع، فأما أن يروي كبير عن صغير فلا÷، أي: فلا تدخل في هذا الذم، فهذه رواية الأكابر سنًّا عن الأصاغر سنًّا مشهورة متداولة في الكتب بلا إنكار.
وانظر الآثار التي ذكرها الخطيب -رحمه الله- في الكفاية في علوم الرواية (باب: ما جاء في صحة سماع الصغير).
وقال أبو عبيد في الغريب المصنف (3/369): " وَقَالَ [أَبُو عبيد -] : فِي حَدِيث عمر [رَضِي الله عَنهُ -] تَفَقَّهوا قيل أَن تُسَوَّدوا. قَوْله: تَفَقَّهوا قبل أَن تُسَوَّدوا يَقُول: تعلّموا الْعلم مَا دمتم صِغاراً قبل أَن تصيروا سادَةً رُؤَسَاء منظورا إِلَيْكُم فَإِن لم تَعلَموا قبل ذَلِك استحييتم أَن تَعَلَّموه بعد الْكبر فبقيتم جُهَّالاً تأخذونه من الأصاغر فيزري ذَلِك بكم وَهَذَا شَبيه بِحَدِيث عبد الله: لن يزَال النَّاس بِخَير مَا أخذُوا الْعلم عَن أكابرهم فَإِذا أَتَاهُم من أصاغرهم فقد هَلَكُوا. وَفِي الأصاغر تَفْسِير آخر بَلغنِي عَن ابْن الْمُبَارك أَنه كَانَ يذهب بالأصاغر إِلَى أهل البِدَع وَلَا يذهب إِلَى أهل السنّ وَهَذَا وَجه.
قَالَ أَبُو عبيد: وَالَّذِي أرى أَنا فِي الأصاغر أَن يُؤْخَذ الْعلم عَمَّن كَانَ بعد أَصْحَاب النَّبِي - وَيقدم ذَلِك على رَأْي الصَّحَابَة وعلمهم فَهَذَا هُوَ أَخذ الْعلم من الأصاغر قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا أرى عبد الله أَرَادَ إلاَّ هَذَا".اهـ
قلت: والشاهد أنه لا ينبغي أبدًا أن يُحتَقَر صاحب العلم لصغرٍ في السنِّ، أو أن يقدَّم عليه كبير السنِّ إن كان دونه في العلم.
وليحذر العبد أن يحقر أخاه المسلم –مهما كان-، ففيه وعيد شديد، وهو الوارد في حديث أبي هريرة قال: قال قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».
قلت: وهذه أمثلة منيرة من أئمة السلف الذين تصدروا للتحديث والفتوى في سنِّ الصغر:
• محمد بن إدريس الشافعي:
قال ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي" (ص39) حدثنا الربيع بن سليمان المرادي سمعت الحميدي سمعت الزنجي ابن خالد (يعني مسلم بن خالد الزنجي) يقول للشافعي: "أفت يا أبا عبدالله فقد –والله- آن لك أن تفتي"، وهو ابن خمس عشرة سنة.
• مسعود بن محمد بن مسعود الطُّرَيثيثي النيسابوري:
صاحب كتاب الهادي المختصر في الفقه الشافعي، قال تاج الدين عبدالوهاب بن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (7/297): "قال ابن النجار: وكان يقال: إنه بلغ حد الإمامة على صغر سنِّه، ودرَّس بنظامية نيسابور...".
• عبدالسلام بن عبدالله مجد الدين أبو البركات بن تيمية (652هـ):
قال ابن رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة" (4/250): "قَالَ الحافظ الذهبي: حَدَّثَنِي شيخنا - يَعْنِي أبا الْعَبَّاس ابْن تيمية شيخ الإِسْلام حفيد الشيخ مجد الدين هَذَا - أَن جده رُبِّي يتيما، وأنه سافر مَعَ ابْن عمه إِلَى العراق ليخدمه وبشتغل مَعَهُ وَهُوَ ابْن ثَلاث عشرة سنة، فكان يبيت عنده، فيسمعه يكرر عَلِي مسائل الخلاف، فيحفظ المسألة، فَقَالَ الفخر إِسْمَاعِيل: إيش حفظ هذا الثُنين - يَعْنِي الصغير - فبدر، وَقَالَ: حفظت يا سيدي الدرس، وعرضه فِي الحال، فبهت فِيهِ الفخر، وَقَالَ لابن عمه: هَذَا يجيء منه شَيْء، فعرضه عَلَى الاشتغال، قَالَ: فشيخُه فِي الخلاف: الفخر إِسْمَاعِيل، وعرض عَلَيْهِ مصنفه " جنة الناظر " وكتب لَهُ عَلَيْهِ سنة! ست وستمائة " وعرض عَلِي الفقيه الإِمام العالم أوحد الفضلاء " أَوْ نَحْو هذه العبارة وَأُخْرَى نحوها، وَهُوَ ابْن ستة عشر عاما.
قَالَ الذهبي: قَالَ لي شيخنا أَبُو الْعَبَّاس: كَانَ الشيخ جمال الدين بْن مَالِك يَقُول: ألين للشيخ المجد الفقه كَمَا أُلين لداود الحديد".
• أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية شيخ الإسلام (728هـ):
تأهل للتدريس والفتوى وله دون العشرين.

قلت: وفي الجانب الآخر، تجد حَدَثًا سفيهًا –متعالِمًا أو حداديًّا أو حزبيًّا مبتدعًا- يقرأ بعض الكتب وحده، ثم يتصدر من نفسه هكذا دون أن يعرض نفسه على أهل العلم ليجيزوه، فهذا بلا شك من الأصاغر –ولو كان شيبة-، وهذه النوعية حذَّر منها الخطيب البغدادي في افتتاحه لكتابه "الكفاية في علوم الرواية" (ص4،5):
قال: َخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَعْفَرٍ الْخِرَقِيُّ أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتُلِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , قَالَ: " رَأَيْتُ بِالْأَهْوَازِ رَجُلاً قَدْ حَفَّ شَارِبَهُ, وَأَظُنُّهُ قَدِ اشْتَرَى كُتُبًا وَتَعَبَّأَ لِلْفُتْيَا, فَذَكَرُوا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ , فَقَالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ, وَلَيْسَ يَسْوُونَ شَيْئًا, فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي. قَالَ: أَنَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قُلْتُ: إِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ وَرَفَعْتَ يَدَيْكَ؟ فَسَكَتَ , فَقُلْتُ: فَإِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ إِذَا وَضَعْتَ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ؟ فَسَكَتَ , قُلْتُ: إِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ إِذَا سَجَدْتَ؟ فَسَكَتَ, قُلْتُ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي؟ أَنْتَ إِنَّمَا قِيلَ لَكَ: تُصَلَّى الْغَدَاةُ رَكْعَتَيْنِ, وَالظُّهْرُ أَرْبَعًا, فَالْزَمْ ذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَذْكُرَ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ , فَلَسْتَ بِشَيْءٍ وَلَا تُحْسِنُ شَيْئًا".

وكتب: أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان
ليلة الخميس 13 جمادى الأولى 1433هـ
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:18 AM.


powered by vbulletin