( تابع ما سبق )
15- وقال الطيباوي: [ فترك العتيبي هذا التقرير، وذهب يسبر ترجمة عكرمة ليرجح أن التهمة له بالكذب لم تصح ـ سنناقشه لاحقا في هذا الأمر ـ مع أن المشكلة لو كان يفقه علم الحديث ويفقه كلام الشيخ علي الحلبي ليست في سبر الجرح، و الترجيح بين الجرح و التعديل ،و إنما في اختلاف البخاري و مسلم في عكرمة، فإذا روى له البخاري فهذا يعني أنه رفض الجرح الوارد فيه، ولم يقبله رغم كونه أكثر من مفسر كما ستراه ـ ولو لم يكن الجرح مفسرا كيف يقبله الإمام مسلم، ويترك الرواية عنه؟
مع العلم أن التأويلات التي دفعت بها تهمة الكذب عن عكرمة ليست شيئا بارعا يغفل عنه أمثال مسلم ، ممن لم يحتج به.
فإن أكثر من عدله لم يدفع، أو لم يؤول كل التهم، بل رد تهمة ابن عمر بكونها لم تصح، و تأول تهمة سعيد بن المسيب بتأويل أقل ما يقال فيه أنه غير قطعي، ويترك احتمالات كثيرة سأبينها لاحقا.
أما اتهام أقرانه له كسعيد بن جبير، و الشعبي، وغيرهما لم يتعرض لها، بل دفع التجريح العام بالتعديل العام.
ومعلوم أن التعديل العام لا يدفع الجرح المفسر،بل يجب أن يكون منطويا على زيادة علم تتضمن الجواب على كل جرحة صحيحة.
كذلك تهمة انه كان يكذب على مولاه بنسبة رأي الخوارج له لم تدفع.
ثم إن البخاري ـ رحمه الله ـ قد انتقد على إخلاله بهذه الطريقة عندما ضعف عطاء الخراساني، وهو اجل من عكرمة كما ستشاهده في موضعه.
ونحن هنا نتكلم عن جبلين في علم الحديث ، صنيعهما في كتابيهما منه استنبط العلماء التفاصيل الدقيقة لمسائل الجرح و التعديل.
فالتمثيل بعكرمة حينئذ صحيح، و كلام العتيبي لا قيمة له، بل هو مجرد تشغيب على من هو اعلم منه بهذه المسائل].
التعليق
في كلام الطيباوي السابق عدة تخليطات تتبين بما يلي:
أولاً: أبو عمر العتيبي لم يكتب في وقفاته مع علي الحلبي سبراً لترجمة عكرمة، وليس السبر هو موضع الملاحظة، ولم يكن فعلي ولا تقريري لاستقصاء حال عكرمة رحمه الله، وإنما لبيان الخلل في كلام علي الحلبي والذي لم يفهمه الطيباوي المحتار!
قد سبق أن ذكرت أن الخلل في كلام الحلبي من جهتين:
الجهة الأولى: أن الحلبي مثل بعكرمة ليبين أن الجرح المفسر قد لا يعمل به لأمور تقدح فيه، وهذا أمر معلوم، وهو من قواعد الجرح والتعديل، وليس الخلل في الجرح المفسر أنه لا يلزم به مع ثبوته وعدم دفعه دفعاً صحيحاً، إنما الخلل في نقله أو سببه، أما مع ثبوته وتوفر القواعد الحديثية الأخرى فيجب قبوله والإلزام به عند أهل الحديث خلافاً لما يزعمه المبطلون ممن يزعمون نصرة الحلبي!
الجهة الثانية: أن التمثيل بعكرمة مع ذكر جرح مفسر مردود مما فيه إغضاء من حق عكرمة دون بيان واضح يذب فيه عن عكرمة رحمة الله، ومعروف عند الحلبي أن العمل عند أهل الحديث على الاحتجاج بعكرمة، وأنه لو جاء اليوم شخص وضعف أحاديث عكرمة لكان قوله مردوداً، ولم نقبل تشبثه بكلام الإمام مسلم ولا من فوقه ممن ورد له كلام في عكرمة رحمه الله.
* * * *
ثانياً: مسألة اختلاف البخاري ومسلم في الاحتجاج بعكرمة بإخراج حديثه من عدمه فهي مسألة معروفة، ومع كونها مندثرة لا حجة فيها فليست المسألة مسألة توثيق وتجريح بكذب أو عدم ضبط، فلا أعلم أن مسلماً ضعف عكرمة، أو ضعف حديثه، غاية ما في الأمر أنه لم يخرج له، وإنما روى له مقروناً..
فلو كان الجرح المفسر بالكذب –مثلاً- صح عند الإمام مسلم لما روى له مقروناً كما هو معلوم..
بل كان سيء الرأي فيه لأنه اتهم برأي الصفرية!! ومعلوم أن العبقري الطيباوي لا يجعل للبدعة تأثيراً في العدالة! ومع ذلك ينتصر لعلي الحلبي بالهوى لا بالهدى!!
فعلي الحلبي زعم أن مسلماً ترك الرواية عن عكرمة وهذا ليس على إطلاقه كما سيأتي في كلام ابن منده رحمه الله .
قال ابن منده رحمه الله في «صحيحه»–كما في تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر –الذي بدعه الطيباوي-: [أما حال عكرمة في نفسه فقد عدله أئمة من نبلاء التابعين فمن بعدهم، وحدثوا عنه، واحتجوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام.
روى عنه زهاء ثلاثمائة رجل من البلدان، منهم زيادة على سبعين رجلا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد من التابعين.
على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه وكان يُتلقى حديثه بالقبول، ويُحتج به قرناً بعد قرن، وإماماً بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح، وميزوا ثابته من سقيمه، وخطأه من صوابه، واخرجوا روايته، وهم البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، فأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به.
على أن مسلماً كان أسوأهم رأيا فيه وقد أخرج عنه مقرونا وعدله بعد ما جرحه] انتهى
ونقل ابن نصر وغيره إجماع أهل الحديث على الاحتجاج بعكرمة وصحة حديثه!
فالتمثيل بعكرمة مدخول من عدة جهات، والجرح المفسر الذي رمي به عكرمة لا يصح، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله ..
* * * *
ثالثاً: ذكر علي الحلبي في كتابه الفتنة المسمى بمنهج السلف الصالح أن الإمام مسلماً ترك الرواية عن عكرمة لكلام الإمام مالك فيه، وجرحه له.
وهذا الأمر ذكره الحافظ في هدي الساري(ص/425) : «إنما تركه مسلم لكلام مالك فيه».
فما هو جرح مالك لعكرمة؟
نجد أن الروايات عن مالك على ثلاثة أنحاء:
الأول: لاتهامه برأي الخوارج: إما الصفرية أو الإباضية أو البيهسية أو النجدات.
قال يحيى بن معين: إنما لم يذكر مالك بن انس عكرمة لان عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية وقال عطاء كان اباضيا.
وقال أبو طالب عن أحمد: «قال خالد الحذاء: كل ما قال ابن سيرين نبئت عن ابن عابس فقد سمعه من عكرمة»
قلت: ما كان يسمى عكرمة؟ قال: لا محمد، ولا مالك؛ لا يسمونه في الحديث، إلا أن مالكا سماه في حديث واحد.
قلت: ما كان شأنه؟ قال: كان من أعلم الناس، ولكنه كان يرى رأي الخوارج رأي الصفرية، وإنما أخذ أهل إفريقية رأي الصفرية منه، ومات بالمدينة هو وكثير عزة في يوم واحد فقالوا مات أعلم الناس وأشعر الناس.
الثاني: الإجمال في الترك .
وقال إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى وغيره: كان مالك لا يرى عكرمة ثقة، ويأمر أن لا يؤخذ عنه.
وقال الدوري عن ابن معين: كان مالك يكره عكرمة. قلت: فقد روى عن رجل عنه قال: نعم شيئاً يسيراً.
وقال الربيع عن الشافعي: وهو يعني مالك بن أنس سيء الرأي في عكرمة، قال لا أرى لأحد أن يقبل حديثه.
الثالث: ما قد يستدل به على أنه لما بلغه من اتهام بالكذب!
قال إسحاق بن عيسى الطباع سألت مالك ابن أنس: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس؟
قال لا. ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه.
وكل ما سبق لا يصح عن عكرمه، كما سبق وأن أشرت إليه في ردي على علي الحلبي، وبينه الحافظ ابن حجر بالتفصيل في هدي الساري ..
وتوجيه تلك المنقولات عن مالك رحمه الله: أن رد حديث عكرمة لأجل البدعة مختلف فيه بين المحدثين، فمنهم من رده مطلقاً كمالك، وهو مذهب مرجوح عند جمهور العلماء، ومنهم من قبل غير الداعية، وهو قول الجمهور، ومنهم من قبله مع الضبط والإتقان وعدم ثبوت الكذب ..
وعكرمة على قول الطيباوي لا تؤثر البدعة في عدالته! فلا يقبلون برد روايته لأجل اتهامه برأي الخوارج!
ولكن الصحيح أن البدعة تؤثر في العدالة، ولكن الرواية بابها آخر كما بينته في مقالي: «توضيح الصراط المستقيم..»..
http://sahab.net/forums/showthread.php?t=369117
وعكرمة سلفي ليس مبتدعاً، ولا يثبت اتهامه برأي الخوارج لا نجدة الحروري ولا الإباضية ولا الصفرية، ولا البيهسية.
قال العجلي: «ثقة، بريء مما يرميه الناس به من الحرورية».
وأما الجرح المبهم فلا يقبل مع وجود التعديل المبهم والمفصل!
وأما التهمة بالكذب فللخلاف في الرأي والمسائل ومن باب الخطأ من سعيد رحمه الله كما سيأتي بيانه ..
فمن أين لعلي الحلبي أن الإمام مسلماً تركه لأجل ما بلغه عن سعيد بن المسيب؟!!
وقد قال ابن عبدالبر رحمه الله في التمهيد(2/27) : « عكرمة مولى ابن عباس من جلة العلماء لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه.
وقد يحتمل أن يكون مالك جبن عن الرواية عنه لأنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يرميه بالكذب، ويحتمل أن يكون لما نسب إليه من رأى الخوارج وكل ذلك باطل عليه إن شاء الله».
ولكن قال الحافظ في هدي الساري: «وأما ذم مالك فقد بين سببه وأنه لأجل ما رمي به من القول ببدعة الخوارج.
وقد جزم بذلك أبو حاتم؛ قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة. فقال: ثقة. قلت: يحتج بحديثه؟ قال نعم إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه مالك إنما هو بسبب رأيه.
قال الحافظ ابن حجر: على أنه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك وإنما كان يوافق في بعض المسائل فنسبوه إليهم، وقد برأه أحمد العجلي من ذلك، فقال في كتاب الثقات له: عكرمة مولى بن عباس رضي الله عنهما مكي تابعي ثقة، برئ مما يرميه الناس به من الحرورية.
وقال ابن جرير "لو كان كل من ادعى عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك للزم ترك أكثر محدثي الأمصار لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه".
وأختم هنا بكلام ابن معين رحمه الله:
قال جعفر الطيالسي عن ابن معين: «إذا رأيت إنساناً يقع في عكرمة وفي حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام».
قال الذهبي: «هذا محمول على الوقوع فيهما بهوى وحيف في وزنهما، أما من نقل ما قيل في جرحهما وتعديلهما على الإنصاف، فقد أصاب، نعم إنما قال يحيى هذا في معرض رواية حديث خاص في رؤية الله تعالى في المنام، وهو حديث يستنكر.
وقد جمع ابن مندة فيه جزءا سماه: " صحة حديث عكرمة » انتهى.
وما استنكره الذهبي قد صححه أئمة كالإمام أحمد وغيره.
****
رابعاً: قال الطيباوي المتحير!: [فإن أكثر من عدله لم يدفع، أو لم يؤول كل التهم، بل رد تهمة ابن عمر بكونها لم تصح، و تأول تهمة سعيد بن المسيب بتأويل أقل ما يقال فيه أنه غير قطعي]
بل قد دفعوا عنه كل التهم، وفصل في ذلك جمع من الأئمة كابن جرير وابن نصر وابن منده وابن حبان والحافظ ابن حجر وغيرهم ..
وما هي تهمة سعيد بن المسيب ؟!
روى يعقوب الفسيوي عن عبدالعزيز الأويسي عن ابراهيم ابن سعد عن أبيه عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول لغلامه برد يابرد لا تكذب علي كما يكذب عكرمة على ابن عباس
وقال هشام بن سعد عن عطاء الخراساني قلت لسعيد بن المسيب إن عكرمة يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم فقال كذب مخبثان.
وقال شعبة عن عمرو بن مرة سأل رجل ابن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن وسل عنه من يزعم أنه لا يخفي عليه منه شئ يعني عكرمة.
وروى حماد بن زيد، عن أيوب، عمن مشى بين سعيد بن المسيّب وعكرمة في رجلٍ نذر نذراً في معصية الله فقال سعيد يوفي به، وقال عكرمة: لا يوفي به، فأخبر الرجل سعيداً بقول عكرمة، فقال سعيد: لا ينتهي عكرمة حتى يلقى في عنقه حبل ويطاف به، فجاء الرجل إلى عكرمة فأبلغه، فقال: أنت رجل سوء كما أبلغتني عنه، فأبلغه عنّي، قل له: هذا النذر لله أم للشيطان، والله لئن قال: لله ليكذبنّ، وإن قال: للشّيطان، ليكفّرنّ، ولئن زعم أنه لغيرالله فما فيه وفاء.
والإجابة عن تلك الروايات بما يلي:
أ- أهل الحجاز يطلقون الكذب على الخطأ كما في حديث : ((كذب أبو السنابل))، وقول عبادة رضي الله عنه في الصحابي أبي محمد رضي الله عنه: ((كذب أبو محمد)) وكل هذا محمول على الخطأ في الرأي، وهذا هو مراد سعيدٍ رحمه الله، وذلك لأن ابن عباس رضي الله عنهما زكى عكرمة في صدقه ورد التهمة عنه، ومما يدل على ذلك:
ب- أن سعيد بن المسيب وصف عكرمة بالكذب لأنه روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم، ومعلوم أن هذا صح عن ابن عباس ولم يتفرد به عكرمة، بل رواه عطاء ومجاهد وأبو الشعثاء كلهم عن ابن عباس بمثل رواية عكرمة، فظهر أن سعيد بن المسيب أخطأ في كلامه في عكرمة قطعاً.
ت- أن عكرمة من أعلم أصحاب ابن عباس وبهذا شهد الفحول بل أمره ابن عباس بأن يفتي الناس وهو حي رضي الله عنه، وكان عكرمة يفتي على باب ابن عباس وابن عباس في بيته مقر له.
وقال العباس بن مصعب المروزي كان عكرمة أعلم شاكردي ابن عباس بالتفسير وكان يدور البلدان يتعرض
وقال عمر بن فضيل عن عثمان بن حكيم كنت جالسا مع أبي أمامة بن سهل ابن حنيف-وهو صحابي ابن صحابي رضي الله عنهما- إذ جاء عكرمة فقال: يا أبا أمامة أذكرك الله هل سمعت ابن عباس يقول ما حدثكم عكرمة عني فصدقوه فانه لم يكذب علي؟ فقال أبو أمامة: نعم.
وقال عمرو بن دينار: دفع إلي جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة وجعل يقول هذا عكرمة مولى ابن عباس هذا البحر فسلوه.
وقال ابن عيينة كان عكرمة إذا تكلم في المغازي فسمعه إنسان قال كأنه مشرف عليهم يراهم.
وقال جرير عن مغيرة قيل لسعيد بن جبير تعلم أحدا أعلم منك قال نعم عكرمة.
وقال إسماعيل بن أبي خالد سمعت الشعبي يقول ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة.
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة : كان أعلم التابعين أربعة عطاء وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن.
وقال سلام بن مسكين عن قتادة: أعلمهم بالتفسير عكرمة فأقعدوه فجعلوا يسألونه عن حديث ابن عباس .
وقال حبيب بن أبي ثابت اجتمع عندي خمسة طاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما فلما نفد ما عندهما جعل يقول أنزلت آية كذا في كذا وأنزلت آية كذا في كذا.
وقال ابن عيينة سمعت أيوب يقول: لو قلت لك إن الحسن ترك كثيرا من التفسير [يعني غَيَّرَ قولَه] حين دخل علينا عكرمة البصرة حتى خرج منها لصدقت.
وقال زيد بن الحباب: سمعت الثوري بالكوفة يقول خذوا التفسير عن أربعة فذكره فيهم.
وقال الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت: مر عكرمة بعطاء وسعيد بن جبير فحدثهم فلما قام قلت لهما تنكران مما حدث شيئا قالا: لا.
وقال حماد بن زيد عن أيوب: قال عكرمة: رأيت هؤلاء الذين يكذبوني من خلفي أفلا يكذبوني في وجهي فإذا كذبوني في وجهي فقد والله كذبوني.
إلى غير ذلك من ثناء العلماء عليه من صحابة وتابعين وأئمة أجلاء مما يبين خطأ كلام سعيد بن المسيب رحمه الله.. لذلك :
ث- قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: [قال المروزي (أقول: هو محمد بن نصر في كتاب الانتفاع بجلود الميتة في قصة عكرمة ذبا عنه ودفعا لما قيل فيه كما أشار إليه ابن عبدالبر في موضع سابق) : ونا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر عن أيوب قال : سأل رجل سعيد بن المسيب عن رجل نذر نذرا لا ينبغي له من المعاصي فأمره أن يوفي بنذره ، قال : فسأل الرجل عكرمة فأمره أن يكفر عن يمينه ولا يوفي بنذره فرجع الرجل إلى سعيد بن المسيب فأخبره بقول عكرمة فقال ابن المسيب : لينتهين عكرمة أو ليوجعن الأمراء ظهره فرجع الرجل إلى عكرمة فأخبره فقال عكرمة : أما إذ أبلغتني فبلغه ، أما هو فقد ضرب الأمراء ظهره وأوقفوه في تبان من شعر، وسله عن نذرك أطاعة هو لله أم معصية ؟ فإن قال : هو طاعة فقد كذب على الله ؛ لأنه لا تكون معصية الله طاعة ، وإن قال : هو معصية فقد أمرك بمعصية الله
قال المروزي : فلهذا كان بين سعيد بن المسيب وبين عكرمة ما كان حتى قال فيه ما حكي عنه أنه قال لغلامه برد : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس].
* * * *
خامساً: قال المحتار الطيباوي : [أما اتهام أقرانه له كسعيد بن جبير، و الشعبي، وغيرهما لم يتعرض لها، بل دفع التجريح العام بالتعديل العام].
هذا من جهل الطيباوي المتكرر!!
فبماذا اتهمه سعيد بن جبير؟
روى عبد الرزاق في مصنفه قال : أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري قال : قلت لسعيد بن جبير : أن عكرمة يزعم أن كراء الارض لا يصلح، فقال : كذب عكرمة!
فهذا من التكذيب في الرأي في مسألة فقهية، كما في الحديث: ((كذب أبو السنابل)) ، فعجباً للطيباوي يعد هذا جرحاً مفسراً!!
قال الحافظ ابن حجر في هدي الساري: « وقال بن حبان: أهل الحجاز يطلقون كذب في موضع أخطأ ذكر هذا في ترجمة برد من كتاب الثقات ويؤيد ذلك إطلاق عبادة بن الصامت قوله كذب أبو محمد لما أخبر أنه يقول الوتر واجب فإن أبا محمد لم يقله رواية وإنما قاله اجتهادا والمجتهد لا يقال إنه كذب إنما يقال إنه أخطأ وذكر بن عبد البر لذلك أمثلة كثيرة».
ومع ذلك قال مغيرة: قيل لسعيد بن جبير: تعلم أحداً أعلم منك؟ قال نعم. عكرمة!
وقال أيوب: اجتمع حفاظ ابن عباس، فيهم سعيد بن جبير وعطاء وطاوس على عكرمة فأقعدوه فجعلوا يسألونه عن حديث ابن عباس!
بل قال حبيب بن أبي ثابت: «اجتمع عندي خمسة طاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء فأقبل مجاهد وسعيد على عكرمة المسائل فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما فلما نفد ما عندهما جعل يقول نزلت آية كذا في كذا ونزلت آية كذا في كذا» .
وأما ما نسبه الطيباوي المحتار للشعبي من أنه اتهم عكرمة فعجيب!!
فالمعروف عن الشعبي أنه قال: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة!
ولا أعلم للشعبي طعناً في عكرمة فضلاً عن أن يتهمه كما زعمه المخرف الطيباوي!
* * * *
سادسا: قال الطيباوي المحتار: [كذلك تهمة انه كان يكذب على مولاه بنسبة رأي الخوارج له لم تدفع].
بل دفعها الأئمة لكن الطيباوي ما زال في غيه سادراً والله المستعان ..
ففي سير أعلام النبلاء(5/22) : «قال مصعب بن عبدالله: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، وادعى على ابن عباس أنه كان يرى رأي الخوارج»
فعقب الذهبي قائلاً: «هذه حكاية بلا إسناد» ..
فهي باطلة لا أساس لها من الصحة يا طيباوي!
* * * *
ثامناً: قال المتحير الطيباوي: [ثم إن البخاري ـ رحمه الله ـ قد انتقد على إخلاله بهذه الطريقة عندما ضعف عطاء الخراساني، وهو أجل من عكرمة كما ستشاهده في موضعه].
أما كون عطاء الخراساني أجل من عكرمة فهذا فيه إجمال ..
فإن كان الطيباوي يقصد أنه أجل في العلم والحفظ والإتقان فهذا باطل، بل عكرمة أوثق وأعلم وأحفظ وأتقن كما يظهر للناظر في ترجمتيهما رحمهما الله ..
وأما من حيث قيام الليل، والورع، والتحذير من البدع، والبعد عن أبواب الأمراء فهذا صحيح ..
والله الموفق
* * * *
تاسعاً: قال الطيباوي : [ونحن هنا نتكلم عن جبلين في علم الحديث ، صنيعهما في كتابيهما منه استنبط العلماء التفاصيل الدقيقة لمسائل الجرح و التعديل.
فالتمثيل بعكرمة حينئذ صحيح، و كلام العتيبي لا قيمة له، بل هو مجرد تشغيب على من هو اعلم منه بهذه المسائل].
التشغيب كما رأينا هو في كلامك، وقد بينت هذا بدلائله ..
والتمثيل بعكرمة غير صحيح كما سبق وبينت ذلك..
قال ابن الصلاح في مقدمته: [ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم، كعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما، وكإسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم.
واحتج مسلم بن بسويد و جماعة اشتهر الطعن فيهم: هكذا فعل أبوداود السجستاني.
وذلك دل على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه، ومذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة.]
فابن الصلاح يرى أن من رد الجرح في عكرمة لأنه لم يفسر سببه!
فعقب عليه الزركشي في النكت(3/338) : [ما ذكره من أن احتجاجه بهؤلاء لأنه لم يفسر جرحهم مردود، بل الصواب أن يقال: إنما احتج بهم لأنه لم يثبت عنده الجرح وإن فسر، لأنه قد جاء التفسير فيهم أما عكرمة فقال ابن عمر لنافع: «لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس» وفي الأنساب لمصعب الزبيري أن سبب ذلك في عكرمة أنه ...إلى ابن عباس فقيل ذلك] انتهى كلام الزركشي.
وموضع النقط بياض في النسختين الخطيتين كما بينه محقق النكت.
فالزركشي قد بين أن رد الجرح ليس لأن الجرح المفسر لا يُلزَم به كما صرنا نسمع ذلك هذه الأيام من بعض الجهلاء وأهل البدع، بل لأن الجرح المفسر لم يثبت، ووجه ذلك عند الزركشي أن التهمة برأي الخوارج لم تثبت، وأن هذا هو الذي يحمل عليه ما ينسب إلى ابن عمر رضي الله عنهما من وصفه عكرمة بأنه كذب على ابن عباس..
علماً بأن ما نسب إلى ابن عمر باطل ، لأنه من رواية يحيى البكاء وهو متروك!! فقال ابن حبان معقباً على هذه الحكاية : «ومن المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح».
وبهذا يتبين بطلان كلام الطيباوي فيما زعمه بصحة تمثيل الحلبي بعكرمة لأجل رد الجرح المفسر مع وضوح تفسيره وصحته، وذلك لأن تلك الجروح المفسرة لم تثبت أصلاً، وما ثبت من جرح فهو ليس مفسراً لأن السياق دال على أن الكلام حول الرأي وليس حول الرواية، أو حول الرواية ويتبين خطأ من كذبه بمعرفة صحة روايته التي اتهمه فيها كما في رواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم.
وأعيد فأقول: إن الجرح المفسر المقنع القناعة الشرعية يجب قبوله، والإلزام به.
وأما إذا كان مفسراً لكنه صدر من مجروح فيمن ثبتت عدالته، أو كان الجرح المفسر لم يثبت إلى قائله، أو عرف سببه وأبطله المعدل بدليل صحيح، أو كان الحامل عليه عداوة شخصية فإنه لا يقبل وإن كان مفسراً وهذا لا نزاع فيه ولا خلاف ..
ولكننا صرنا نسمع من بعض الناس اليوم أن الجرح المفسر لا يُلزَم به إلا إذا كان مجمعاً عليه، وهذا باطل مخالف للإجماع!
بل الجرح المفسر الذي توفرت معه ضوابط قبوله –فإذا وجب قبوله- وجبَ الإلزام به عند أهل الحديث خلافاً للكوثرية وأبي رية وقاسم أمين وأشباههم..
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
(يتبع إن شاء الله)