قواعد من مفيدة من كتاب : القواعد في الفقه الإسلامي
هده قواعد من مفيدة من كتاب : القواعد في الفقه الإسلامي قرأتها فاعجبتني فاردت طرحها في المنتدى و الكتاب للعالم أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي
القَاعِدَةُ الأُولى:
المَاءُ الجَارِي هَل هُوَ كَالرَّاكِدِ أَوْ كُل جرية مِنْهُ لهَا حُكْمُ المَاءِ المُنْفَرِدِ؟
فِيهِ خِلافٌ فِي المَذْهَبِ يَنْبَنِي عَليْهِ مَسَائِل:
منها: لوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَهَل يُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لمْ يَنْجُسْ بِدُونِ تَغَيُّرٍ وَإِلا نَجُسَ أَوْ تُعْتَبَرُ كُل جَرْيَةٍ بِانْفِرَادِهَا فَإِنْ بَلغَتْ قُلتَيْنِ لمْ يَنْجُسْ وَإِلا نَجُسَتْ.
فِيهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: المَذْهَبُ عِنْدَ القَاضِي.
ومنها: لوْ غُمِسَ الإِنَاءُ النَّجِسُ فِي مَاءٍ جَارٍ وَمَرَّتْ عَليْهِ سَبْعُ جَرْيَاتٍ فَهَل ذَلكَ غَسْلةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ سَبْعُ غَسَلاتٍ؟ عَلى وَجْهَيْنِ: حَكَاهُمَا أَبُو الحَسَنِ بْنُ الغَازِي تِلمِيذُ الآمِدِيِّ، وَذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلامِ الأَصْحَابِ أَنَّ ذَلكَ غَسْلةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي شَرْحِ المَذْهَبِ للقَاضِي: أَنَّ كَلامَ أَحْمَدَ يَدُل عَليْهِ، وَكَذَلكَ لوْ كَانَ ثَوْبًا وَنَحْوِهِ وَعَصَرَهُ عَقِيبَ كُل جَرْيَةٍ.
ومنها: لوْ انْغَمَسَ المُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فِي مَاءٍ جَارٍ للوُضُوءِ وَمَرَّتْ عَليْهِ أَرْبَعُ جَرْيَاتٍ مُتَوَاليَةٍ فَهَل يَرْتَفِعُ بِذَلكَ حَدَثُهُ أَمْ لا؟ عَلى وَجْهَيْنِ: أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الأَصْحَابِ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ.
وَقَال أَبُو الخَطَّابِ فِي الانْتِصَارِ: ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ لأَنَّهُ لمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الجَارِي وَالرَّاكِدِ.
قُلتُ: بَل نَصَّ أَحْمَدُ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَكَمِ، وَأَنَّهُ إذَا انْغَمَسَ فِي دِجْلةَ فَإِنَّهُ لا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ حَتَّى يُخْرِجَ حَدَثَهُ مُرَتَّبًا.
ومنها: لوْ حَلفَ لا يَقِفُ فِي هَذَا المَاءِ وَكَانَ جَارِيًا لمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ وَغَيْرِهِ؛ لأَنَّ الجَارِيَ يَتَبَدَّل وَيَسْتَخْلفُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلا يُتَصَوَّرُ الوُقُوفُ فِيهِ.
وَقِيَاسُ المَنْصُوصِ أَنَّهُ يَحْنَثُ، لا سِيَّمَا وَالعُرْفُ يَشْهَدُ لهُ وَالأَيْمَانُ مَرْجِعُهَا إلى العُرْفِ، ثُمَّ وَجَدْت القَاضِيَ فِي الجَامِعِ الكَبِيرِ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا [وَاَللهُ أَعْلمُ].
القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ:
شَعَرُ الحَيَوَانِ فِي حُكْمِ المُنْفَصِل عَنْهُ لا فِي حُكْمِ المُتَّصِل، وَكَذَلكَ الظُّفُرُ.
هَذَا هُوَ جَادَّةُ المَذْهَبِ وَيَتَفَرَّعُ عَلى ذَلكَ مَسَائِل:
مِنْهَا: إذَا مَسَّ شَعَرَ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ لمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَكَذَلكَ ظُفْرَهَا أَوْ مَسَّهَا بِظُفْرِهِ أَوْ شَعَرِهِ وَلهَذِهِ المَسْأَلةِ مَأْخَذٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الأَجْزَاءَ ليْسَتْ بِمَحَلٍّ للشَّهْوَةِ الأَصْليَّةِ، وَهِيَ شَرْطٌ لنَقْضِ الوُضُوءِ عِنْدَنَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّعَرَ لا يَنْجُسُ بِالمَوْتِ وَلا بِالانْفِصَال عَلى المَذْهَبِ، وَكَذَا مَا طَال مِنْ الظُّفْرِ عَلى احْتِمَالٍ فِيهِ، أَمَّا عَلى المَشْهُورِ فَإِنْ انْفَصَل مِنْ آدَمِيٍّ لمْ يَنْجُسْ عَلى الصَّحِيحِ وَمِنْ غَيْرِهِ يَنْجُسُ، لأَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ ثُمَّ فَارَقَتْهُ حَال انْفِصَالهِ فَمَنَعَهُ الاتِّصَال مِنْ التَّنْجِيسِ فَإِذَا انْفَصَل زَال المَانِعُ فَنَجُسَ.
القَاعِدَةُ الخَامِسَةُ:
مَنْ عَجَّل عِبَادَةً قَبْل وَقْتِ الوُجُوبِ ثُمَّ جَاءَ وَقْتُ الوُجُوبِ وَقَدْ تَغَيَّرَ الحَال بِحَيْثُ لوْ فَعَل المُعَجَّل فِي وَقْتِ الوُجُوبِ لمْ يُجْزِئْهُ فَهَل تُجْزِئُهُ أَمْ لا؟ هَذَا عَلى قِسْمَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ الخَلل فِي نَفْسِ العِبَادَةِ بِأَنْ يَظْهَرَ وَقْتَ الوُجُوبِ أَنَّ الوَاجِبَ غَيْرُ المُعَجَّل وَلذَلكَ صُوَرٌ:
مِنْهَا: إذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْل الحِنْثِ ثُمَّ حَنِثَ وَهُوَ مُوسِرٌ قَال صَاحِبُ المُغْنِي: لا يُجْزِئُهُ لأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الوَاجِبَ غَيْرُ مَا أَتَى بِهِ وَإِطْلاقُ الأَكْثَرِ مُخَالفٌ لذَلكَ لأَنَّهُ كَانَ فَرْضَهُ فِي الظَّاهِرِ فَبَرِئَ بِهِ وَانْحَلتْ يَمِينُهُ بِمَعْنَى أَنَّهَا لمْ تَبْقَ مُنْعَقِدَةً بِالتَّكْفِيرِ فَصَادَفَ فِعْل المَحْلوفِ عَليْهِ ذِمَّةً بَرِيئَةً مِنْ الوَاجِبِ فَلمْ يَحْصُل بِهِ الحِنْثُ؛ لأَنَّ الكَفَّارَةَ حَلتْهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ بِأَنَّ الكَفَّارَةَ قَبْل الفِعْل تَحُل اليَمِينَ المُنْعَقِدَةَ وَبَعْدَهُ تُكَفِّرُ أَثَرَ المُخَالفَةِ.
وَمِنْهَا: إذَا كَفَّرَ المُتَمَتِّعُ بِالصَّوْمِ ثُمَّ قَدَرَ عَلى الهَدْيِ وَقْتَ وُجُوبِهِ فَصَرَّحَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الإِقْنَاعِ بِأَنَّهُ لا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وَإِطْلاقُ الأَكْثَرِينَ يُخَالفُهُ، بَل وَفِي كَلامِ بَعْضِهِمْ تَصْرِيحٌ بِهِ وَرُبَّمَا أَشْعَرَ كَلامُ أَحْمَدَ بِذَلكَ لأَنَّ صَوْمَهُ صَحَّ فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ بِهِ فَصَادَفَ وَقْتُ وُجُوبِ الهَدْيِ ذِمَّةً بَرِيئَةً مِنْ عُهْدَةِ الوَاجِبِ.
وَمِنْهَا: إذَا عَجَّل عَنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الإِبِل أَرْبَعَ شِيَاهٍ ثُمَّ نُتِجَتْ وَاحِدَةٌ قَبْل الحَوْل فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لا يُجْزِئُهُ وَيَجِبُ عَليْهِ إخْرَاجُ بِنْتِ مَخَاضٍ.
وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ عَنْ العِشْرِينَ وَيُخْرِجُ عَنْ البَاقِي خُمْسَ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلا يُقَال إنَّهُ يَجِبُ عَليْهِ شَاةٌ عَنْ الخَمْسِ الزَّائِدَةِ التِي لمْ يُؤَدِّ عَنْهَا لئَلا يُفْضِيَ إلى إيجَابِ خَمْسِ شِيَاهٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ.
وَمِنْهَا: إذَا صَلى الصَّبِيُّ فِي أَوَّل الوَقْتِ ثُمَّ بَلغَ فَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةِ وَجْهَانِ. المَنْصُوصِ أَنَّهُ يَجِبُ وَاخْتَارَ القَاضِي فِي شَرْحِ المُهَذَّبِ خِلافَهُ لأَنَّهُ فَعَل المَأْمُورَ بِهِ فِي أَوَّل الوَقْتِ فَصَادَفَهُ وَقْتُ الوُجُوبِ وَقَدْ فَعَل المَأْمُورَ فَامْتَنَعَ تَعَلقُ الوُجُوبِ بِهِ لذَلكَ، وَهَذَا بِخِلافِ مَا إذَا حَجَّ ثُمَّ بَلغَ فَإِنَّ حَجَّهُ ليْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ وَلا مُعَاقَبٍ عَلى تَرْكِهِ بِخِلافِ الصَّلاةِ.
وَالقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَتَبَيَّنَ الخَلل فِي شَرْطِ العِبَادَةِ المُعَجَّلةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَيَتَفَرَّعُ عَليْهِ مَسَائِل مِنْهَا: إذَا عَجَّل الزَّكَاةَ إلى فَقِيرٍ مُسْلمٍ فَحَال الحَوْل وَقَدْ مَاتَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ اسْتَغْنَى مِنْ غَيْرِهَا.
وَمِنْهَا: إذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي وَقْتِ أُولاهُمَا بِتَيَمُّمٍ ثُمَّ دَخَل وَقْتُ الثَّانِيَة وَهُوَ وَاجِدٌ للمَاءِ وَمِنْهَا: إذَا قَصَرَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ أُولاهُمَا ثُمَّ قَدِمَ قَبْل دُخُول وَقْتِ الثَّانِيَة.
القَاعِدَةُ الثَّالثَةَ عَشْرَةَ:
إذَا وَجَدْنَا أَثَرًا مَعْلولاً لعِلةٍ وَوَجَدْنَا فِي مَحَلّهِ عِلةً صَالحَةً لهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الأَثَرُ مَعْلولاً لغَيْرِهَا لكِنْ لا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ غَيْرِهَا، فَهَل يُحَال ذَلكَ الأَثَرُ عَلى تِلكَ العِلةِ المَعْلومَةِ أَمْ لا؟ فِي المَسْأَلةِ خِلافٌ وَلهَا صُوَرٌ كَثِيرَةٌ قَدْ يَقْوَى فِي بَعْضِهَا الإِحَالةُ وَفِي بَعْضِهَا العَدَمُ؛ لأَنَّ الأَصْل أَنْ لا عِلةَ سِوَى هَذِهِ المُتَحَقِّقَةِ وَقَدْ يَظْهَرُ فِي بَعْضِ المَسَائِل الإِحَالةُ عَليْهَا فَيَتَوَافَقُ الأَصْل الظَّاهِرُ، وَقَدْ يَظْهَرُ الإِحَالةُ عَلى غَيْرِهَا فَيَخْتَلفَانِ.
فَمِنْ صُوَرِ المَسْأَلةِ: مَا إذَا وَقَعَ فِي المَاءِ نَجَاسَةٌ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ عِنْدَ الأَصْحَابِ إحَالةً للتَّغْيِيرِ عَلى النَّجَاسَةِ المَعْلومِ وقوعها فِيهِ، وَالأَصْل عَدَمُ وُجُودِ مُغَيِّرٍ غَيْرِهَا وَخَرَّجَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ طَاهِرٌ مِنْ مَسْأَلةِ الصَّيْدِ الآتِيَةِ وَالأُول أَوْلى لأَنَّ الأَصْل طَهَارَةُ المَاءِ فَلا يُزَال عَنْهَا بِالشَّكِّ.
ومنها: مَا إذَا وُجِدَ مِنْ النَّائِمِ قَبْل نَوْمِهِ سَبَبٌ يَقْتَضِي خُرُوجَ المَذْيِ مِنْهُ مِنْ تَفَكيرٍ أَوْ مُلاعَبَةٍ
وَنَحْوِهِمَا ثُمَّ نَامَ وَاسْتَيْقَظَ وَوَجَدَ بَللاً لمْ يَتَيَقَّنْهُ مَنِيًّا وَلمْ يَذْكُرْ حُلمًا فَإِنَّ المَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ لا غُسْل عَليْهِ إحَالةً للخَارِجِ عَلى السَّبَبِ المُتَيَقَّنِ وَهُوَ المُقْتَضِي لخُرُوجِ المَذْيِ لأَنَّ الأَصْل عَدَمُ وُجُودِ غَيْرِهِ وَقَدْ تَيَقَّنَ وُجُودَهُ وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ رِوَايَةً أُخْرَى بِوُجُوبِ الغُسْل.
ومنها: لوْ جَرَحَ صَيْدًا جُرْحًا غَيْرَ مُوَحٍّ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ وَوَجَدَهُ مَيْتًا وَلا أَثَرَ فِيهِ غَيْرُ سَهْمِهِ فَهَل يَحِل أَكْلهُ؟ عَلى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَحِل لحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
وَالثَّانِيَة: لا يَحِل لقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كُل مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ وَلذَلكَ تُسَمَّى مَسْأَلةَ الإِصْمَاءِ وَالإِنْمَاءِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالثَةٌ: إنْ غَابَ عَنْهُ ليْلةً لمْ يَحِل وَإِلا حَل وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَعُلل بِأَنَّ هَوَامَّ الليْل كَثِيرَةٌ فَكَأَنَّ الظَّاهِرَ هُنَا وَهُوَ وُجُودُ سَبَبٍ آخَرَ حَصَل مِنْهُ الزُّهُوقُ قَوِيٌّ عَلى الأَصْل وَهُوَ عَدَمُ إصَابَةِ غَيْرِ السَّهْمِ لهُ.
ومنها: لوْ جَرَحَ المُحْرِمُ صَيْدًا جُرْحًا غَيْرَ مُوَحٍّ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيْتًا فَهَل يَضْمَنُهُ كُلهُ أَوْ أَرْشَ الجُرْحِ؟ عَلى وَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بَعْضُ الأَصْحَابِ بِضَمَانِ أَرْشِ الجُرْحِ فَقَطْ لأَنَّهُ المُتَيَقَّنُ وَالأَصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
ومنها: لوْ جَرَحَ آدَمِيًّا مَعْصُومًا جُرْحًا غَيْرَ مُوحٍّ ثُمَّ مَاتَ وَادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ غَيْرِ سِرَايَةِ جُرْحِهِ وَأَنْكَرَ الوَليُّ فَالقَوْل قَوْل الوَليِّ مَعَ يَمِينِهِ وَلمْ يَحْكِ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ فِي ذَلكَ خِلافًا إحَالةً للزُّهُوقِ عَلى الجُرْحِ المَعْلومِ، وَفِي المُجَرَّدِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ عَقِيبَ الجُرْحِ فَالقَوْل قَوْل الوَليِّ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَنْدَمِل الجُرْحُ فِي مِثْلهَا.
فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ لمْ يَزَل ضِمْنًا مِنْ الجُرْحِ حَتَّى مَاتَ فَكَذَلكَ, وَإِلا فَالقَوْل قَوْل الجَانِي وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرَ أَنَّ القَوْل قَوْل الوَليِّ.
ومنها: لوْ قَال لأَمَتِهِ وَلهَا وَلدٌ هَذَا الوَلدُ مِنِّي، فَهَل يَثْبُتُ بِذَلكَ اسْتِيلادُ الأَمَةِ؟ عَلى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ لأَنَّا لا نَعْلمُ سَبَبًا يَتَحَقَّقُ بِهِ لحُوقُ النَّسَبِ [هُنَا] غَيْرَ مِلكِ اليَمِينِ فَيُحَال اللحُوقُ عَليْهِ فَيَسْتَلزِمُ ذَلكَ ثُبُوتَ الاسْتِيلادِ فِي الأَمَةِ.
وَالثَّانِي: لا لاحْتِمَال اسْتِيلادِهِ قَبْل ذَلكَ فِي نِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ.
ومنها: لوْ ادَّعَى رِقَّ مَجْهُول النَّسَبَ فَشَهِدَتْ لهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ أَمَتَهُ وَلدَتْهُ وَلمْ تَقُل فِي مِلكِهِ فَهَل يُحْكَمُ لهُ بِهِ؟ عَلى وَجْهَيْنِ: رَجَّحَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ أَنَّهَا إنْ شَهِدَتْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلدَتْهُ وَنَحْوَ ذَلكَ مِمَّا فِيهِ إضَافَةُ الوَلدِ إلى الأَمَة المُضَافَةِ إليْهِ حُكِمَ لهُ بِالوَلدِ، فَإِنْ لمْ يَكُنْ كَذَلكَ بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّ هَذَا وَلدُ هَذِهِ
الأَمَةِ وَأَنَّ أُمَّهُ مِلكٌ لهُ لمْ يُحْكَمْ لهُ بِالوَلدِ
ومنها: لوْ قَال رَجُلٌ: هَذَا ابْنِي مِنْ زَوْجَتِي وَادَّعَتْ زَوْجَتُهُ ذَلكَ وَادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى فَهُوَ ابْنُ الرَّجُل وَهَل تُرَجَّحُ زَوْجَتُهُ عَلى الأُخْرَى؟ عَلى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تُرَجَّحُ لأَنَّ زَوْجَهَا أَبُوهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أُمُّهُ.
وَالثَّانِي: يَتَسَاوَيَانِ لأَنَّ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لوْ انْفَرَدَتْ لأُلحِقَ بِهَا فَإِذَا اجْتَمَعَتَا تَسَاوَتَا [ذَكَرَهُ فِي المُغْنِي].
ومنها: لوْ بَاعَ أَمَةً لهُ مِنْ رَجُلٍ فَوَلدَتْ عِنْدَ المُشْتَرِي فَادَّعَى البَائِعُ أَنَّهُ وَلدُهُ فَصَدَّقَهُ المُشْتَرِي أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلدٍ للبَائِعِ وَيَنْفَسِخُ البَيْعُ نَصَّ عَليْهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَذَكَره أَبُو بَكْرٍ وَذَكَرَ ذَلكَ القَاضِي فِي خِلافِهِ وَتَأَوَّلهُ عَلى أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهَا وَلدَتْ فِي مِلكِهِ وَصَدَّقَهُ المُشْتَرِي عَلى ذَلكَ.
ومنها: لوْ وَلدَتْ المُطَلقَةُ الرَّجْعِيَّةُ وَلدًا لا يُمْكِنُ إلحَاقُهُ بِالمُطَلقِ إلا بِتَقْدِيرِ وَطْءٍ حَاصِلٍ مِنْهُ فِي زَمَنِ العِدَّةِ، فَهَل يَلحَقُ بِهِ الوَلدُ فِي هَذِهِ الحَال أَمْ لا؟ عَلى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا لحُوقُهُ لأَنَّ الفِرَاشَ لمْ يَزُل بِالكُليَّةِ فَإِحَالةُ الحَمْل عَليْهِ أَوْلى كَحَالةِ صُلبِ النِّكَاحِ وَعَلى هَذَا فَهَل يُحْكَمُ بِارْتِجَاعِهَا بِلحُوقِ النَّسَبِ؟ عَلى وَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا وَهُوَ المَنْصُوصُ أَنَّهَا [تَصِيرُ] مُرْتَجَعَةً بِذَلكَ وَيَنْبَنِي عَلى ذَلكَ مَسْأَلةٌ مُشْكِلةٌ فِي تَعْليقِ الطَّلاقِ بِالوِلادَةِ ذَكَرَهَا صَاحِبُ المُحَرَّرِ فِيهِ, وَأَمَّا شَكْل تَوْجِيهِهَا عَلى الأَصْحَابِ فَقَدْ أَفْرَدْنَا لهَا جُزْءًا.
ومنها: أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الحَقِّ مِنْ مَال الغَرِيمِ إذَا كَانَ ثمَّ سَبَبٌ ظَاهِرٌ يُحَال الأَخْذُ عَليْهِ وَلا يَجُوزُ إذَا كَانَ السَّبَبُ خَفِيًّا، هَذَا هُوَ ظَاهِرُ المَذْهَبِ فَيُبَاحُ للمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَال زَوْجِهَا نَفَقَتَهَا وَنَفَقَةَ وَلدِهَا بِالمَعْرُوفِ وَللضَّيْفِ إذَا نَزَل بِالقَوْمِ فَلمْ يُقْرُوهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالهِمْ بِقَدْرِ قِرَاهُ بِالمَعْرُوفِ لأَنَّ السَّبَبَ إذَا ظَهَرَ لمْ يُنْسَبْ أَخْذُهُ إلى خِيَانَةٍ بَل يُحَال أَخْذُهُ عَلى السَّبَبِ الظَّاهِرِ بِخِلافِ مَا إذَا خَفِيَ فَإِنَّهُ يُنْسَبُ بِالأَخْذِ إلى الخِيَانَةِ.
ومنها: لوْ قَال فِي مَرَضِهِ أَنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَسَالمٌ حُرّ وَإِنْ بَرِئْت مِنْهُ فَغَانِمٌ حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ وَلمْ يُعْلمْ هَل مَاتَ مِنْ المَرَضِ أَوْ بَرِئَ مِنْهُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يُعْتَقُ سَالمٌ لأَنَّ الأَصْل دَوَامُ المَرَضِ وَعَدَمُ البُرْءِ وَلأَنَّنَا قَدْ تَحَقَّقْنَا انْعِقَادَ سَبَبِ المَوْتِ بِمَرَضِهِ وَشَكَكْنَا فِي حُدُوثِ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِهِ فَيُحَال المَوْتُ عَلى سَبَبِهِ المَعْلومِ.
وَالثَّانِي: يُعْتَقُ أَحَدُهُمَا بِالقُرْعَةِ لأَنَّ أَحَدَ الشَّرْطَيْنِ وُجِدَ ظَاهِرًا وَجُهِل عَيْنُهُ.
وَالثَّالثُ: لا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لاحْتِمَال أَنْ يَكُونَ مَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَلكَ بِسَبَبِ حَادِثٍ فِيهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلمْ يَمُتْ مِنْ مَرَضِهِ وَلمْ يَبْرَأْ مِنْهُ فَلمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطَيْنِ.
ومنها: لوْ أَصْدَقَهَا تَعْليمَ سُورَةٍ مِنْ القُرْآنِ ثُمَّ طَلقَهَا وَوُجِدَتْ حَافِظَةً لهَا وَتَنَازَعَا هَل عَلمَهَا الزَّوْجُ فَبَرِئَ مِنْ الصَّدَاقِ أَمْ لا؟ فَأَيُّهُمَا يُقْبَل قَوْلهُ.
فِيهِ وَجْهَانِ, وَخَرَّجَ عَليْهِمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ مَسْأَلةَ اخْتِلافِهِمَا فِي النَّفَقَةِ وَالكِسْوَةِ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَ الزَّوْجِ هَل كَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْهَا؟
ومنها: لوْ ادَّعَى صَاحِبُ الزَّرْعِ أَنَّ غَنَمَ فُلانٍ نَفَشَتْ فِيهِ ليْلاً وَوُجِدَ فِي الزَّرْعِ أَثَرُ غَنَمِهِ.
قَضَى بِالضَّمَانِ عَلى صَاحِبِ الغَنَمِ نَصَّ عَليْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَجَعَل الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هَذَا وَأَشْبَاهَهُ مِنْ القِيَافَةِ فِي الأَمْوَال وَجَعَلهَا مُعْتَبَرَةً كَالقِيَافَةِ فِي الأَنْسَابِ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْه آخَرُ أَنَّهُ لا يُكْتَفَى بِذَلكَ.
ومنها: لوْ تَزَوَّجَ بِكْرًا فَادَّعَتْ أَنَّهُ عِنِّينٌ فَكَذَّبَهَا وَادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا وَظَهَرَتْ ثَيِّبًا فَادَّعَتْ أَنَّ ثُيُوبَتَهَا بِسَبَبٍ آخَرَ فَالقَوْل قَوْل الزَّوْجِ، ذَكَرَهُ الأَصْحَابُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ مِنْ المَسَائِل المُتَقَدِّمَةِ.
ومنها: اللوَثُ فِي القَسَامَةِ وَمَسَائِلهُ مَعْرُوفَةٌ.
القَاعِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشَرَ:
إذَا وُجِدَ سَبَبُ إيجَابٍ أَوْ تَحْرِيمٍ مِنْ أَحَدِ رَجُليْنِ لا يُعْلمُ عَيْنُهُ مِنْهُمَا، فَهَل يَلحَقُ الحُكْمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ لا يَلحَقُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ, فِي المَسْأَلةِ خِلافٌ وَلهَا صُوَرٌ:
إحْدَاهَا: إذَا وَجَدَ اثْنَانِ مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ يَنَامَانِ فِيهِ أَوْ سَمِعَا صَوْتًا خَارِجًا وَلمْ يُعْلمْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ فَفِي المَسْأَلةِ رِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لا يَلزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا غُسْلٌ وَلا وُضُوءٌ نَظَرًا إلى أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَيَقِّنٌ للطَّهَارَةِ شَاكّ فِي الحَدَثِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَلزَمُهُمَا الغُسْل وَالوُضُوءُ لأَنَّ الأَصْل زَال يَقِينًا فِي أَحَدِهِمَا فَتَعَذَّرَ البَقَاءُ عَليْهِ وَتَعَيَّنَ الاحْتِيَاطُ وَلمْ يُلتَفَتْ إلى النَّظَرِ فِي كُل وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ كَثَوْبَيْنِ أَوْ إنَاءَيْنِ نَجِسَ أَحَدُهُمَا.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: قَال أَحَدُ الرَّجُليْنِ: إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالقٌ، وَقَال الآخَرُ إنْ لمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالقٌ وَغَابَ وَلمْ يُعْلمْ مَا هُوَ.
فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا قَال القَاضِي فِي المُجَرَّدِ وَأَبُو الخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا: يَبْقى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلى يَقِينٍ نِكَاحَهُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيرَازِيِّ فِي الإِيضَاحِ وَابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ تَخْرُجُ المُطَلقَةُ مِنْهُمَا بِالقُرْعَةِ.
وَقَال القَاضِي فِي الجَامِعِ: هُوَ قِيَاسُ المَذْهَبِ لأَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا طَلقَتْ يَقِينًا فَأُخْرِجَتْ بِالقُرْعَةِ كَمَا لوْ كَانَتْ الزَّوْجَتَانِ لرَجُلٍ وَاحِدٍ وَذَكَرَ بَعْضُ الأَصْحَابِ احْتِمَالاً يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلاقِ بِهِمَا حُكْمًا كَمَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ عَليْهِمَا فِي المَسْأَلةِ الأُولى وَقَدْ أَوْمَأَ إليْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالحٍ، وَحَكَى لهُ قَوْل الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ قَال لآخَرَ: إنَّك لحَسُودٌ فَقَال لهُ الآخَرُ: أَحَسَدنَا امْرَأَتُهُ طَالقٌ ثَلاثًا فَقَال الآخَرُ: نَعَمْ، قَال الشَّعْبِيُّ: حَنِثْتُمَا وَخَسِرْتُمَا وَبَانَتْ مِنْكُمَا امْرَأَتَاكُمَا جَمِيعًا وَحَكَى لهُ قَوْل الحَارِثِ أَدَينُهُمَا وَآمُرُهُمَا بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَل وَأَقُول: أَنْتُم أَعْلمُ بِمَا حَلفْتُمَا عَليْهِ. فَقَال أَحْمَدُ: هَذَا شَيْءٌ لا يُدْرَكُ أَلقَاهُمَا فِي التَّهْلكَةِ فَإِنْكَارُهُ لقَوْل الحَارِثِ يَدُل عَلى مُوَافَقَتِهِ لقَوْل الشَّعْبِيِّ بِوُقُوعِ الطَّلاقِ فِيهِمَا.
هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَال: هُوَ بِنَاءً عَلى أَنَّهُ حَلفَ عَلى مَا لمْ يَعْلمْ صِحَّتَهُ أَوْ مَا لا تُدْرَكُ صِحَّتُهُ فَيَحْنَثُ كَقَوْل مَالكٍ.
وَيَدُل عَليْهِ تَعْليل أَحْمَدَ وُقُوعُ الطَّلاقِ عَلى مَنْ قَال أَنْتِ طَالقٌ إنْ شَاءَ اللهُ, بِأَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ لا تُدْرَكُ وَهَذَا القَوْل فِيهِ بُعْدٌ لأَنَّ إيقَاعَ طَلاقِهِمَا يُفْضِي إلى أَنْ يُبَاحَ للأَزْوَاجِ مَنْ هِيَ فِي زَوْجِيَّةِ الغَيْرِ بَاطِنًا، وَفِي إجْبَارِهِمَا عَلى تَجْدِيدِ الطَّلاقِ إجْبَارُ الإِنْسَانِ عَلى قَطْعِ مِلكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ ضَرَرٌ بِخِلافِ إيجَابِ الطَّهَارَةِ عَليْهِمَا فَإِنَّهُ لا ضَرَرَ فِيهِ, وَلنَا وَجْهٌ آخَرُ بِوُجُوبِ اعْتِزَال كُلٍّ مِنْهُمَا زَوْجَتَهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الأَمْرَ وَنَصَّ عَليْهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ, وَنَقَل حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ المَسْأَلةَ فَتَوَقَّفَ فِيهَا وَقَال أَحَبُّ إليَّ أَنْ لا أَقُول فِيهَا شَيْئًا وَتَوَقَّفَ عَنْهَا.
الصُّورَةُ الثَّالثَةُ: قَال أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ غُرَابًا فَأَمَتِي حُرَّةٌ وَقَال الآخَرُ إنْ لمْ يَكُنْ غُرَابًا فَأَمَتِي حُرَّةٌ وَفِيهَا الوَجْهَانِ المَذْكُورَانِ فِي الطَّلاقِ، وَقِيَاسُ المَنْصُوصِ هَهُنَا أَنْ يَكُفَّ كُل وَاحِدٍ عَنْ وَطْءِ أَمَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ فَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا أَمَةَ الآخَرِ عيَّنَ المُعْتَقَةَ مِنْهُمَا بِالقُرْعَةِ عَلى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ لاجْتِمَاعِهِمَا فِي مِلكِهِ وَإِحْدَاهُمَا عَتِيقَةٌ كَمَا قُلنَا لا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدَهُمَا بِالآخَرِ فِي الصُّورَةِ الأُولى لأَنَّ أَحَدَهُمَا مُحْدِثٌ يَقِينًا فَيُنْظَرُ إليْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ فِي حُكْمٍ يَتَعَلقُ بِاجْتِمَاعِهِمَا.
وَليْسَ مِنْ هَذِهِ القَاعِدَةِ إذَا وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فِي طُهْرٍ وَأَتَتْ بِوَلدٍ وَضَاعَ نَسَبُهُ لفَقْدِ القَافَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلكَ وَأَرْضَعَتْ أُمُّهُ بِلبَنِهِ وَلدًا آخَرَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ حُكْمُ كُلٍّ مِنْ الصَّغِيرَيْنِ حُكْمَ وَلدٍ لكُل وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُليْنِ عَلى الصَّحِيحِ لأَنَّهُ لمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ الوَلدُ لوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَل يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ لهُمَا فَليْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
__________________
روى البخاري وغيره عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ « اصْبِرُوا ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِى عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِى بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ » . سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم -.
|