وصيَّةُ القاضي ابن طالب القيروانيّ لبعضِ قُضاتِهِ بقلم : خادم العلم - الشَّيخ سمير سمراد - حفظه الله
وصيَّةُ القاضي ابن طالب القيروانيّ لبعضِ قُضاتِهِ
بقلم : خادم العلم
الشَّيخ سمير سمراد - حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
أَوْرَدَ أبو القاسم البُرْزُليّ (ت: 841هـ) في نوازله المُسمَّاة: «جامع مسائل الأحكام» (4/13-14) نصَّ وصيَّةِ القاضي ابن طالب(ت: 275هـ) لبعضِ قُضاتِهِ. والقاضي ابن طالب هو: أبو العبَّاس، عبد الله بن طالب بن سفيان التَّميميّ، مِن بني عمِّ بني الأغلب، أُمَرَاء القيروان، تَفَقَّهَ بسُحنون، وكان مِن كبار أصحابه
ولقي المصريِّين: محمّد بن عبد الحَكَم، ويونس بن عبد الأعلى، وحجَّ فانصرف، ووَلِيَ الصَّلاة، ثمّ قضاء القيروان مرّتين، قال أبو العرب: وكان عَدْلاً في قضائه، صارِماً في جميع أمره، فقيهاً، ثقةً، عالماً بما اختُلف فيه وفي الذّبِّ عن مذهب مالك، وَرِعًا في حُكْمِه، قليل الهَيْبَةِ في الحقِّ للسُّلطان، وما سمعتُ العلم قطّ أَطْيَب ولا أَحْلَى منه، مِن ابن طالب، .... وكان كثيرَ الأَمْرِ بالمعروف والنَّهْيِ عن المنكر، رَقِيق القلب، كثِيرَ الدُّمُوع.
وقال ابن حارث: وكان ابنُ طالب إذا وَقَفَ للحُكْمِ بين الخصمين، كَتَبَ للمطلوب القصَّة الَّتِي شهد عليه بها، ثمّ قال له: اذهبْ، وطُفْ بها على كلِّ مَن عنده علمٌ، وجِئْنِي بالأجوبةِ فيها.
وقال ابن أبي خالد: كان ابنُ طالب عَدْلاً في قضائه، وَرِعاً في أحكامه، كثيرَ المُشَاوَرَةِ لأهلِ العلم مِن أهلِ مذهبِه وغيرِهم.
وقال القصريّ: كان ابنُ طالب يَذكر تنازع أصحابنا في المسائل، فرُبَّما ذَكَرَ في المسألة خمسة أقوالٍ أو ستّة، ثمّ تَسيل دموعه، ويَضع خَدَّهُ على الأرض، ويقول: يا فتى! أردتَ أن يُقال فقيه، فهل معكَ عملٌ صالحٌ تَنْجُو به مِن عذاب الله، وإلاَّ فما يُغْنِي هذا عنك. وما رأيتُ أكثرَ دُمُوعاً عندَ ذِكْرِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم منه، وكان مع ذلك يقولُ أَعْجَبَتْنِي نفسي، فأقولُ: يا ابنَ طالب! هَبْكَ أعظم النَّاسِ قَدْراً، وأكثرَهم عِلْماً، أليسَ يَشفع وراء ذلك كلّه الموت؟
وقال بعضهم: كنتُ أنظر إلى أبي العبّاس ابن طالب إِذا تفرَّغَ مِن القضاء بين النّاس، قَدِمَ فوقف وحوَّلَ وجهَه إلى القِبلة، ثمّ بَسَطَ كفَّيه، فنظرتُ إلى دُمُوعه وهي تجري على خَدَّيْهِ ولِحْيَتِهِ، وهو يقول: اللّهمّ إن كان منِّي زَلَّةٌ أو هَفْوَةٌ أو أَصْغَيْتُ بأذنيّ إلى خصمٍ دون خصم، أو مَالَتْ نفسي إلى خصمٍ دون خصم، فأسألُك أن تَغفر لي ذلك، ولا تُؤاخذني، ولا تَنتقم منِّي، إنّك على كلّ شيءٍ قدير، ثمّ يُصَلِّي على محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، ويَنصرف. هكذا يَعْمَلُ في كُلِّ مجلسٍ.
كانت وفاةُ ابن طالب مقتُولاً في سنة (275هـ)، وهو ابنُ ثمانٍ وخمسين سنةً -رحمه الله-. راجِع «ترتيب المدارك» للقاضي عياض.
- وهذا نصُّ الوَصِيَّة:
«وكتب ابنُ طالب لبعض قضاته بأجوبةِ مسائل سأله عنها وكتب في آخِرها:
اقصِدْ إلى ما فيه الرِّفق ولا تأخذْ الأُمُور بالعَجَلة، وأَعْذِرْ ولا تُمْهِلْ الظّالمين فيَكثروا، وتعاهَدْ العُمّال، ولا تَستهزئْ بالضّعيف ولا تُطَوِّلْهُ بأن تقول: اقعُدْ وأنا أَنْظُرُ في أمرك فيَطُولَ عذابه بغير نظرك. ولا يُعجبكَ مِن الدّنيا شيءٌ، وتفكّرْ عند غضبك وعند رضاك بأنّ إبليس يَرْتَصِدُ لك ويطلبُ لك عذاب الخلود، ولا صَبْرَ لنا على النَّار، فحَاذِرْ! واخْلُ بالكريم ربّك وتضرَّع إليه فقد ابتلَيْتُك وابتليتُ نفسي، فعُدَّها بليّةً وانظرْ كيف تخرجُ منها، وتعاهَدْ أُمناءَك ولا تجعلْهُ مُلْكًا يُتباهى فيه بالأعوان والأَخْدَان.
كلُّ النّاسِ أبناءُ دُنيا وإنَّما يدوم ما أُريد به وجهُ الله الكريم السّيّد العظيم، فاذْكُرْ إحسانَ اللهِ الكريم عندما تذكرُ إحسانَ رجلٍ إليكَ، واذكُرْ خوفَكَ مِن الله عندما تخافُ خَلْقَه.
ولا تشرعْ في الأحكام حتّى تتّضح لك الأُمور فتُشاورَ فيها، ولا تقبلْ كتب الرِّضى ولا تقبلْ إلاّ الكتب المُنكِيَة لك المُنغِّصة لعيْشِك فلعلّك أن تتخلَّص.
فاعلم ما كتبتُ به إليك واتَّقِ اللهَ في ما أنتَ بسببه، واذكرِ الموتَ وكُربَتَهُ والقبرَ وظُلْمَتَهُ والصّراطَ وحِدَّتَهُ وهَوْلَه فقد عظمت بليّتك، واشغلْ نفسك بالدّعاء في ظلمةِ اللّيل وعلى فراشك وفي كلّ الأوقات، ولا يغررْك ما أصابك مِن دُنياك فإنّ الدّنيا مقرونةٌ بالعثرات وهي دارُ الغرور.
واعلم أنِّي أدعُو اللهَ لك وأرغب الله في حياطتِك، فاتَّقِ الله! ولا تعجلْ بالأحكام ولا بالضّرب والسّجن لمن وجب عليهِ الضّرب حتَّى تتيقّن، واكتُبْ كلَّ ما يقولُ الشّاهِد بجميع قوله ولا تتغافل في وقتِ شهادتِهِ فتشتغل فتهلِكَ أموال النّاس.
واشتغلْ بأن تأمُرَ بالإصلاح فإنَّهُ قضاءٌ كبيرٌ، فإذا أشكلَ عليك الأمر فقُلْ: قُومُوا عنِّي فاصطلِحوا، ورُدَّ ذوي القرابات حتَّى يصطلِحوا ولا تضرَّ بهم.
واستعن بأهلِ الدِّين فأقربُ النّاس إليك أنشطهم في عونِك حتّى تخلص، وتَوَقَّ واحترِسْ ولا وقايةَ ولا احتراس أكثر مِن طاعةِ الله الكريم فإنْ نَصَرَك فمَن يخذلك؟ وإن خذلكَ فمَن ينصرك؟ فلا إله إلاّ الله الكريم العظيم. وسوف أَقِفُ معك بين يدي الحَكَم العدل فيسألني عن تقديمك ثمّ يسألني عمّا أمرتُك به ونصحتُك به، فقد واللهِ أمرتُكَ بتقوى الله وإيثاره فلا تنصرف عن أمره فيصرف وجهه الكريم عنك ولن يُنجيك منهُ أحدٌ، أعانكَ الله والسَّلامُ عليكم». اهـ.
التعديل الأخير تم بواسطة سفيان الجزائري ; 01-01-2013 الساعة 07:49 PM
|