» التوضيح و البيان في أحكام الدبلة و الخاتم للخطاب و الأزواج « بقلم الشيخ الفاضل / جمال بن فريحان
( التوضيح و البيان في أحكام الدبلة و الخاتم للخطاب و الأزواج )
بقلم الشيخ الفاضل / جمال بن فريحان
سؤال :
ما حكم لبس دبلة الخطوبة والخاتم للزوج والزوجة ؟
الجواب:
بسم الله .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فقبل الإجابة المباشر على السؤال، نقرر أولاً، هل هذا العمل من العادات أم العبادات، فإن قلنا من العبادات، فنقول:
هل ثبت ذلك في القرآن والسنة ؟
إن قالوا: نعم.
قلنا: هاتوا الدليل ونحن تحت الدليل عبيد لله تعالى.
فإن عجزوا، وهو كذلك، فيكون قد تقرر أن لبس دبلة الخطوبة ليست من العبادات، فسقط العمل بها ولا حجة للخصم. والحمد لله.
بقي أنها من العادات، فنقول: هل ننظر هل من عادات المسلمين وليس فيها محذور فنقبلها، أم هي من عادات الكفار فننظر على نهانا الشارع الحكيم عن اتباع عاداتهم أم لا ؟
فعبر التاريخ الإسلامي وحتى عند مشركي العرب؛ لم نجد لهذه الدبلة ذكرٌ عندهم، ومن ادعى فعليه أن "يُثبت العرش ثم لينقش".
واتضح وثبت أن دبلة الخطوبة وهى عادة نصرانية بل من طقوس عبادتهم في هذا، وكان العروس ـ الزوج ـ يضع خاتم الزواج على رأس إبهام العروس اليسرى ـ الزوجة ـ ويقول باسم الأب ، ثم على رأس السبابة ويقول : باسم الإبن ، ثم على رأس الوسطى ويقول : باسم الروح القدس، ثم يستقر به فى الإصبع البنصر، وينتقل من اليد اليمنى وقت الخِطبة إلى اليد اليسرى بعد الزواج ليكون قريبا من القلب في زعمهم وطقوسهم.
وعادة ما يكون هذا الخاتم ـ أو الدبلة ـ من الذهب ، وقد صح النهى عن ذلك للرجال، عن عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ( نَهَانِي رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ). أخرجه: أحمد (1/114، 127)، ومسلم (2078).
و عن أبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ( من كان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَلْبَسْ حَرِيراً وَلاَ ذَهَباً). أخرجه: أحمد (6/261)، والحاكم (4/212) وقال: " حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه" ووافقه الذهبي.وحسنه الألباني في "الصحيحة" (337)، و "صحيح الجامع" (11455).
طبعاً؛ النساء مستثنيات من هذا التحريم في حديث أبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الذي ظاهره يدل على عموم التحريم على الرجال والنساء، للأحاديث التي تدل على جواز الذهب للنساء.
فعن أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ حَرَامٌ على ذُكُورِ أمتي وَحِلٌّ لإِنَاثِهِمْ ). أخرجه: أحمد (4/394).
ومن حديث عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أخرجه: أحمد (1/96)، وأبو داود (4057 )، وابن ماجه (3595 )، والنسائي (5145، 5146). وصححه الألباني.
فإن قال قائل ومتحذلق: أنا أستبدل هذه الدبلة أو الخاتم بالفضة بدلا من الذهب وأخرج من النهي.
فنقول له: هذا من أفضل الحلول وأحسنها وعين العقل والصواب، إن لم يكن هناك محذور آخر في لبس الدبلة أو الخاتم تحت مسمى "دبلة الخطوبة"، ولكنك خرجت من تحريم لبس الذهب للرجال ووقعت في التشبه بالكفار أنت وزوجتك (خطيبتك)، ولنستعرض النصوص في ذلك:
فعن عَبْدَ اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ( رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فقال إِنَّ هذه من ثِيَابِ الْكُفَّارِ فلا تَلْبَسْهَا ). أخرجه: أحمد (2/207، 211)، ومسلم (2077). وفي لفظ له: قَالَ عَبْدَ اللَّهِ بن عَمْرِو: قلت: أَغْسِلُهُمَا؟ قال: (بَلْ أَحْرِقْهُمَا).
قال الألباني معلقاً على هذا الحديث: " وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يلبس لباس الكفار وأن يتزيا بزيهم، والأحاديث في ذلك كثيرة"."الصحيحة" ( 4/280).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ). أخرجه: أحمد (2/50، 92)، وأبو داود (4033)، وحسنه ابن حجر في "الفتح" (10/271)، وقال الألباني: "حسن صحيح".
وقال الصنعاني: "الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعْفٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تُخْرِجُهُ عَنْ الضَّعْفِ ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ { مَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ كَانَ مِنْهُمْ } وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِالْفُسَّاقِ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ بِالْكُفَّارِ أَوْ بِالْمُبْتَدِعَةِ فِي أَيِّ شَيْءٍ مِمَّا يَخْتَصُّونَ بِهِ مِنْ مَلْبُوسٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ هَيْئَةٍ ، قَالُوا : فَإِذَا تَشَبَّهَ بِالْكَافِرِ فِي زِيٍّ وَاعْتَقَدَ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ مِثْلَهُ كَفَرَ فَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَكْفُر وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَكْفُرُ وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ". "سبل السلام" (4/175).
وقَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْعَلْقَمِيّ ـ تعلقاً على الحديث ـ: أَيْ تَزَيَّى فِي ظَاهِره بِزِيِّهِمْ , وَسَارَ بِسِيرَتِهِمْ وَهَدْيهمْ فِي مَلْبَسهمْ وَبَعْض أَفْعَالهمْ اِنْتَهَى .
وَقَالَ الْقَارِي : أَيْ مَنْ شَبَّهَ نَفْسه بِالْكُفَّارِ مَثَلا مِنْ اللِّبَاس وَغَيْره , أَوْ بِالْفُسَّاقِ أَوْ الْفُجَّار أَوْ بِأَهْلِ التَّصَوُّف وَالصُّلَحَاء الأَبْرَار ( فَهُوَ مِنْهُمْ ) : أَيْ فِي الإِثْم وَالْخَيْر".
قَالَ شَيْخ الإِسْلام اِبْن تَيْمِيَّةَ فِي الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم : وَقَدْ اِحْتَجَّ الإِمَام أَحْمَد وَغَيْره بِهَذَا الْحَدِيث , وَهَذَا الْحَدِيث أَقَلّ أَحْوَاله أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيم التَّشَبُّه بِهِمْ كَمَا فِي قَوْله { مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } وَهُوَ نَظِير قَوْل عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُ قَالَ : "مَنْ بَنَى بِأَرْضِ الْمُشْرِكِينَ وَصَنَعَ نَيْرُوزَهُمْ وَمِهْرَجَانَهمْ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوت حُشِرَ مَعَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة"، فَقَدْ يُحْمَل هَذَا عَلَى التَّشَبُّه الْمُطْلَق فَإِنَّهُ يُوجِب الْكُفْر , وَيَقْتَضِي تَحْرِيم أَبْعَاض ذَلِكَ , وَقَدْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ مِنْهُمْ فِي الْقَدْر الْمُشْتَرَك الَّذِي يُشَابِههُمْ فِيهِ , فَإِنْ كَانَ كُفْرًا أَوْ مَعْصِيَة أَوْ شِعَارًا لَهَا كَانَ حُكْمه كَذَلِكَ". أهـ . "عون المعبود شرح سنن أبي داود" (11/51ـ52).
وقال ابن كثير في "تفسيره": " فيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نُقَرَّر عليها". (1/149).
وقال ابن عبد البر المالكي: " قيل من تشبه بهم في أفعالهم وقيل من تشبه بهم في هيئاتهم". "التمهيد" (6/80).
وعَبْدَ اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود و لا بالنصارى). أخرجه: الترمذي (2695)، والطبراني في "الأوسط" (7/238). وقال الألباني: "حسن"في "صحيح الجامع" (5434)، و"الصحيحة" (2194).
والخلاصة: بعد أن عرفنا أن خاتم أو دبلة الخطوبة من عادات وطقوس الكفار، وثبت لدينا في النسة الصحيحة الصريحة النهي عن تقليدهم ومشابهتم في أعمالهم وأفعالهم ومعتقداتهم ولاباسهم وهيتئاتهم؛ فنقول وبملئ أفواهنا بمنع لبس دبلة الخطوبة سواء للزوج أو للزوجة سواء من هب أو غيره، لأن المنع هنا جاء من باب التشبه بالكفار. والله أعلم.
كتبه
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي
الأربعاء 8 / 11 / 1435هـ.
|