يُـــسِـــرُّ حـــســـواً فـــي ارتـــغـــاء
الحمد لله وحده،
والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
ففي لحظة ما يلتفت المرء إلى نفسه فيهوله ما بها من عيوب..
فيريد أن يكتب ما عنَّ له ..
ليفيد ويستفيد ..
وما أكثر عيوب النفس.. وصاحبها بين الفلاح والخيبة
قال الله سُبحَانَهُ : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}
ومن ذلك ..
أنني قرأت مثلا استوقفني برهة من الوقت..
تقول العرب :((يُسِرُّ حسواً في ارتغاء))
مثلٌ يُضرب لمن يُظهر أمرًا وهو يريد خلافه..
يعني أنه لم يفصح في كلامه ويصرح ..
إما خوفا من وقوع أشياء لا يريدها..
أو يريدها، لكن في صورة (المتسلل) تسلل الثعلب..
أو هو (سهمٌ) أرسله، يريد وُصُوله لجهة (يقصدها)، فاختارت نفسه الأمارة بالسوء تلك (الطريقة)..
أو تعريضا بمَن يريد أن (ينتقم) منه ..
يعني، ينتقم لنفسه التي (تعاظمت) عنده فأزته ليتنصر لها، ويشفي غليلها..
وحب النفس مركوز في الطباع..
ولا غرابة إن وقف المرء مدافعا عن نفسه التي يحبها..
مادام ذلك الدفاع لا يبطل حقا أو يحق باطلا..
لكن،
لا تخادع نفسك.. !
وهنا لابد من وقفة ..
إن مِّن أسوء مظاهر الكذب: الكذب مع النفس..
يأتي المرء إلى حيلة وقد جُربت من قبل (يريحُ) بها نفسه .. ويروِّح بها عن نفسه..
لكن ..
إلى متى؟
إلى متى (الركض) وراء السراب..
قَالَ الله سُبحَانَهُ: { وَمَا أُبَرِّئُ نَفسِي إِنَّ النَّفسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ }
والمثلة كثيرة..
وهناك مَن يقدِّم للناس نفسه على (صورة) هو يعلم أنهم (يُحبذون) مثلها، أو يريدون جانبا (مُحببا) منها..
ويخفي ما يعلم أنه (مرتكز)، و(متجذرٌ) في (شخصيته) ..
ويعامل مَن (يُحاككه) بتلك (الخصلة) المتجذرة فيه، لأنه ليس له ما يفقده مع أولئك..
إنه داءٌ معروف ..
تحدث عنه مَن سبقنا ..
وسلطوا عليه أضواء البيان والكشف والتحليل..
وهو في أيامنا هذه في تزايد، وزاد وزاد ..
لأسباب ودواع كثيرة، يعرفها الناس ولا يجهلونها..
ومن كلام أحد المتأملين، أنقل قوله:
((وبعض الناس قد يتظاهر بأنه يجري في طريق الإنصاف وهضم النفس،
فيزعم أنه يعرض على الناس شيئا من عيوبه ومساوئه،
ولكنه يترفق في ذلك ترفقا واضحا،
بل إنه يخادع، فيقول: إن من أشد عيوبي الثقة الزائدة بالناس،
أو: إن من مساوئي التفريط في حقوقي، وبذل حبي لمن يستحقه من الناس،
وهذه كلها ضروب وألوان من خداع النفس،
لأنه كلام صدره ذكر العيوب والمساوئ،
وعجزه ضارب في مدح الذات بعروقه، فهو من باب تأكيد المد بما يشبه الذم))
ولا أريد بكلامي أن نخرج للناس بمساوئنا وعيوبنا ..
ونجاهر بها ..
ونصادم بها ..
رضي من رضي، وسخط من سخط..
على طريقة اليهود والنصارى ..
كلا!
إنها دعوة لمراجعة النفس ومحاسبتها، وتهذيبها وتجميلها بما جمّل سلفنا الصالح نفوسهم..
قال عَزَّ وَجَلَّ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18]
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وسلم
كتب/
أبوعبدالرحمن عبداللطيف بن محمد
عفا الله عنه بمنه وكرمه
السبت 18 ذو القعدة 1435هـ