بسم الله الرحمن الرحيم
( ما حكم طلب العلم على الفاسق ؟؟؟
ووجوب قبول خبر الثقة سليم الهلالي نموذجا !!!)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإنَّ من أهم الأمور التي يجب أن يتنبه إليها طالب العلم في أثناء مسيرته العلمية مسألة عن من يأخذ دينه، وفي ذلك قال غير واحد من السلف رضي الله عنهم : ( إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم )، ومن هذا المنطلق ومن مفهوم هذا القول المتواتر عن أئمَّة السلف على طالب العلم التفريق بين من يؤخذ عنه العلم، وبين من لا يؤخذ عنه، وهذا ينبني عند العلماء على أصل مهم وهو: العدالة وانتفاؤها في شخص المأخوذ عنه هذا العلم، فالخبر –ومنه العلم- وُضعَت له شروط لقَبوله وهي كما يذكر علماء المصطلح: الاتصال، وعدالة الرواة، وخلوه من الشذوذ والعلة القادحة.. والذي يهمنا من هذه الشروط ما يتعلق بالراوي =(المأخوذ عنه العلم)، وهو عدالته وما ينافيها ..
والدليل على أن من العلماء من يؤخذُ عنه ومنهم من لا يؤخذ عنه، قول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، قال ابن كثير في (تفسيره) عند هذه الآية: " يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليُحتَاطَ له، لئلا يحكم بقوله فيكون -في نفس الأمر-كاذبًا أو مخطئًا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر ... "، ثمَّ ساق خلاف من قبل روايته، ويقول الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي –رحمه الله- في (تفسيره) بعد أن ذكر أن التثبت من الآداب الواجب التأدب بها ومراعاتها:
".. وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردًا، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا، ووقوعًا في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال، بغير حق، بسبب ذلك الخبر ما يكون سببًا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل، على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب، مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا" اهـ.
فإذا كان في قبول خبر الفاسق تلفٌ للنفوس والأموال، فمن باب أولى طلب العلم عند الفساق يكون سببًا في تلف العقول الذي هو أشدُّ من تلف الأموال والأنفس..
وقد وضع أهل العلم ضوابطًا لحكم السماع من الرواة –ومنهم العلماء- وضوابط قبول خبرهم حال أدائهم له ومن ذلك ما قاله الخطيب البغدادي –رحمه الله- في (الكفاية) ناقلا بسنده عن بهز بن أسد أنه قال:
".. فدين الله أحق أن يؤخذ من العدول"، ثم ساق سندًا إلى أبي نعيم الفضل بن دكين أنه يقول: " إنما هي شهادات وهذا الذي نحن فيه يعنى الحديث من أعظم الشهادات".
وقال –رحمه الله- في ( باب الكلام في العدالة وأحكامها ) : "..عن إبراهيم قال: "العدل في المسلمين من لم يظن به ريبة".. وقال –رحمه الله- : " سئل ابن المبارك عن العدل فقال: من كان فيه خمس خصال، يشهد الجماعة، ولا يشرب هذا الشراب، ولا تكون في دينه خربة، ولا يكذب، ولا يكون في عقله شيء".
قلت فمفهوم كلامه أن من لم تكن فيه هذه الخصال فليس بعدل، ومعلوم أن بعض هذه الخصال تخرم عدالة الرجل فكيف بجميعها؟.
قال سعيد بن المسيب: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان الا وفيه عيب لا بد ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله". انظر (الكفاية).
ثم قال الخطيب البغدادي – رحمه الله- :
"حدثني أبو الفضل محمد بن عبيد الله المالكي انه قرأ على القاضى أبى بكر محمد بن الطيب قال: والعدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر –قلت: وداخل في هذا العالم ولابد- هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق وما يجرى مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهى عنها، والواجب أن يقال في جميع صفات العدالة أنها اتِّباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه مما يسقط العدالة" إلى أن قال: " أن العدل: هو من عرف بأداء فرائضه، ولزوم ما أمر به، وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحرى الحق والواجب في أفعاله ومعاملته، والتوقى في لفظه مما يثلم الدين والمروءة، فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه".
ثم قال: " وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقًا حتى يكون مع ذلك متوقيًا لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير بل يجوز أن يكون صغيرًا نحو الكذب الذي لا يقطع على أنه كبير، ونحو التطفيف بحبة، وسرقة باذنجان، وغش المسلمين".
ثم قال: " إن القاذورات وإن لم يُقطع على أنها كبائر يستحق بها العقاب، فقد اتفق على أن فاعلها غير مقبول الخبر والشهادة إمَّا لأنها مُتهمة لصاحبها، ومسقطة له ،ومانعة من ثقته وأمانته، أو لغير ذلك فإنَّ العادة موضوعة على أن من احتملت أمانته سرقة بصلة، وتطفيف حبة، احتملت الكذب وأخذ الرشا على الشهادة، ووضع الكذب في الحديث والاكتساب به فيجب أن تكون هذه الذنوب في إسقاطها للخبر والشهادة بمثابة ما اتفق على أنه فسق يستحق به العقاب، وجميع ما أضربنا عن ذكره مما لا يقطع قوم على أنه كبير، وقد اتفق على وجوب رد خبر فاعله وشهادته" إلى آخر كلامه رحمه الله.
وقال رادًّا على من زعم أن العدالة هي إظهار الإسلام وعدم الفسق الظاهر :
" الطريق إلى معرفة العدل المعلوم عدالته مع إسلامه وحصول أمانته، ونزاهته، واستقامة طرائقه، لا سبيل إليها إلا باختيار الأحوال وتتبع الأفعال التي يحصل معها العلم من ناحية غلبة الظن بالعدالة".
وقال : "ولا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحد إلا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذاهبه وصلاح طرائقه "، إلى أن قال: " ويدل على ذلك أيضا إجماع الأمة على أنه لا يكفي في حالة الشهود على ما يقتضى الحقوق إظهار الإسلام دون تأمل أحوال الشهود واختبارها وهذا يوجب اختبار حال المخبر عن الرسول صلى الله عليه و سلم وحال الشهود لجميع الحقوق بل قد قال كثير من الناس إنه يجب الاستظهار في البحث عن عدالة المخبر بأكثر مما يجب في عدالة الشاهد فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال والله اعلم".
قلت: ففي تلقي العلم عن من هذه حاله تشديد أكبر بكثير لما يقتضيه من الاغترار بهذا المأخوذ عنه لمن لا يعرف حاله.
وفي معنى العدالة يقول الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- في شرحه للمنظومة البيقونية :
" والعدل في الأصل هو: الاستقامة، إذا كان الطريق مستقيماً ليس فيه اعوجاج، يقال: هذا طريق عدل، أي: مستقيم، ومثله العصا المستقيمة يقال لها عدلة، هذا هو الأصل.
لكنه عند أهل العلم هو: وصف في الشخص يقتضي الاستقامة، في الدين، والمروءة.
فاستقامة الرجل في دينه ومروءته تسمى عدالة.
وعلى هذا فالفاسق ليس بعدل؛ لأنه ليس مستقيماً في دينه. فلو رأينا رجلاً قاطعاً لرحمه فليس بعدل، ولو كان من أصدق الناس في نقله، لأنه غير مستقيم في دينه، وكذلك لو وجدنا شخصاً لا يصلي مع الجماعة، وهو من أصدق الناس، فإنه ليس بعدل، فما رواه لا يقبل منه.
والدليل على هذا قول الله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6 ]. فلما أمر الله تعالى بالتبين في خبر الفاسق عُلم أن خبره غير مقبول، لا يقبلُ ولا يُرد حتى نتبين.
ونحن نشترط في رواية الحديث: أن يكون الراوي عدلاً يمكن قبول خبره، والفاسق لا يقبل خبره " اهـ .
يقول الإمام مسلم في مقدمة (صحيحه) : " فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثاً فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة والروايات المنكرة وتركهم الاقتصار على الأخبار الصحيحة مما نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيراً مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس هو مستنكر عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث، ... أعلم - وفقك الله تعالى - أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه وأن يتقى منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه، قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا الآية}، وقال عز وجل: {ممن ترضون من الشهداء}، وقال سبحانه: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، فدل بما ذكرنا من هذا الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول وأن شهادة غير العدل مردوة والخبر إن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في معظم معانيها إذ خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جمعهم" اهـ مختصرًا.
قال الشيخ عبد السلام البرجس رحمه الله في رسالته : مسائل تتعلق بالسلام
باب لا يسلم على الفاسق .
ثم ساق بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال :
(( لا تسلموا على شراب الخمر )) .
وعن الحسن أنه قال :
(( ليس بينك وبين الفاسق حرمة )) وعن علي بن عبد الله بن عباس أنه قال (( لا تسلموا علي من يلعب بها – أي الاشترنج – وهى من الميسر )) . ا هـ .
ثم قال : باب من ترك السلام علي المتخلق ، وأصحاب المعاصي وساق فيه عدة أحاديث منها :
حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه– قال : أقبل رجل من البحرين إلى النبي صلى الله عليه و سلمفسلم عليه فلم يرد – وفي يده خاتم من ذهب ، وعليه جبة حرير – فانطلق الرجل مجزونا فشكا إلي امرأته ، فقالت : لعل برسول الله جبتك وخاتمك ، فألقها ثم عد . ففعل فرد السلام ..... الحديث . ا هـ ([40])
وقال أبو داود في سننه – كتاب السنة – ( 5/ 8 ) : باب ترك السلام علي أهل الأهواء .
وساق بسنده إلى يحي بن يعمر ، عن عمار بن ياسر قال ([41]) (( قدمت علي أهلي ليلاً ، وقد تشققت يداي ، فخلقوني بزعفران . فغدوت علي النبي صلى الله عليه و سلمفلم يرد علي ولم يرحب بي . وقال : (( أذهب فاغسل هذا عنك )) فذهبت فغسلته ، ثم جئت وقد بقي علي منه ردع ، فسلمت فلم يرد علي ، ولم يرحب بي . وقال : (( أذهب فاغسل هذا عنك )) فذهبت فغسلته ، ثم جئت فسلمت عليه ، فرد علي ، ورحب بي ، وقال :
(( إن الملائكة لا تحضر جنازة الكفر بخير ولا المتضمخ بالزعفران ، ولا الجنب )) قال : ورخص للجنب إذا نام أو أكل ، أو شرب أن يتوضأ . ا هـ . ([42])
وفي مسائل الإمام أحمد - رحمه الله تعالى – لأبي داود قال : قلت لأحمد أمر بالقوم يتقاذفون أسلم عليهم ؟
قال هؤلاء قوم سفهاء ، والسلام من أسماء الله تعالى . ا هـ . ([43])
وقال إسحاق بن منصور للإمام أحمد : نمر علي القوم وهم يلعبون بالنرد أو الشطرنج ، نسلم عليهم ؟ فقال ما هؤلاء بقوم يسلم عليهم ([44]) وعن المنقري قال : كان سعيد بن جبير إذا مر علي أصحاب النردشير ([45]) لم يسلم عليهم .
وعن المعافي بن عمران في رجل يمر بالقوم فيراهم علي بعض المنكر ، ويسلم عليهم ؟ قال : إن أراد أن يأمرهم وينهاهم ، فليسلم ، وإلا فلا يسلم . . ا هـ . ([46])
ففي هذه الأخبار : ترك السلام علي المقيم علي المعصية ، إلا لمن أراد نصحه .
وروى الخلال عن الإمام أحمد أنه سئل عن رجلٍ له جار رافضي يسلم عليه ؟
قال : لا وإذا سلم عليه لا يرد عليه ([47]) ا هـ
وقال الإمام مالك – رحمه الله تعالى - : لا يسلم علي أهل الأهواء .
قال ابن دقيق العيد : ويكون ذلك علي سبيل التأديب لهم ، والتبري منهم ([48]) . ا هـ
وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى : وكان من هديه صلى الله عليه و سلمترك السلام ابتداءً ورداً علي من أحدث حدثاً حتى يتوب منه ، كما هجر كعب بن مالك وصاحبيه . وسلم عليه عمار بن ياسر ، وقد خلقه أهله بزعفران ، فلم يرد عليه ، قال (( اذهب فاغسل هذا عنك )) . ا هـ . ([49])