منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام

آخر المشاركات الرد على داعية الشرك (عبدالناصر أحمد حدارة) في زعمه أن إحياء الميت بضربه ببعض أعضاء البقرة بعد... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          Who is Allah? (الكاتـب : أبو عبد الله الأثري - )           »          قصيدة في رثاء الشيخ ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          A General Call for Muslims (الكاتـب : أبو عبد الله الأثري - )           »          التحذير من القارئ عبد الباسط عبد الصمد (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          ملف ديني متنوع للتحميل (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          وفاة الشيخ الجزائري السلفي أزهر سنيقرة (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          شرك الشيعة الروافض في الرخاء والشدة (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          ترامب أرجعهم لتوحيد الله تعالى (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          حقيقة الشيعة وخطرهم على الإسلام والمسلمين (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
المشاركة السابقة   المشاركة التالية
  #1  
قديم 04-05-2011, 07:58 AM
أبو الحسين الحسيني أبو الحسين الحسيني غير متواجد حالياً
طالب علم - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 154
شكراً: 1
تم شكره 5 مرة في 4 مشاركة
افتراضي صلاة المأموم مع الإمام بين الارتباط والاستقلال ( الحلقة السادسة )

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما أما بعد: فقد تكلمنا في الحلقة الماضية ( الخامسة ) عن ارتباط المأموم بإمامه في حال الطهارة وعدمها؛ وفي هذه الحلقة ( السادسة ) نتكلم عن ارتباط المأموم مع الإمام في حال السفر فكان عنوان هذه الحلقة: ارتباط المأموم مع الإمام في صلاة السفر جاء في صحيح البخاري ج1/ص369:"عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت الصَّلَاةُ أَوَّلُ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ قال الزُّهْرِيُّ فقلت لِعُرْوَةَ ما بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ قال تَأَوَّلَتْ ما تَأَوَّلَ عُثْمَانُ". وفي صحيح مسلم ج1/ص478:" عن عَائِشَةَ زَوْجِ النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ في صَلَاةِ الْحَضَرِ". وحدثني أبو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بن يحيى قالا حدثنا بن وَهْبٍ عن يُونُسَ عن بن شِهَابٍ قال حدثني عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي صلى الله عليه وسلم قالت فَرَضَ الله الصَّلَاةَ حين فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَمَّهَا في الْحَضَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ على الْفَرِيضَةِ الْأُولَى". وأخرج الشيخ الألباني في الصحيحة (ح2814):" عن عائشة قالت أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها غير المغرب، فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى". وقال الصنعاني في سبل السلام ج2/ص37:" في هذا الحديث دليل على وجوب القصر في السفر لأن " فرضت " بمعنى وجبت ووجوبه مذهب الهادوية والحنفية وغيرهم. وقال الشافعي وجماعة إنه رخصة والتمام أفضل وقالوا فرضت بمعنى قدرت أو فرضت لمن أراد القصر؛ واستدلوا بقوله تعالى"فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة" وبأنه سافر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه فمنهم من يقصر ومنهم من يتم ولا يعيب بعضهم على بعض وبأن عثمان كان يتم وكذلك عائشة أخرج ذلك مسلم. ورد بأن هذه أفعال صحابة لا حجة فيها وبأنه أخرج الطبراني في الصغير من حديث بن عمر موقوفا صلاة السفر ركعتان نزلتا من السماء فإن شئتم فردوهما قال الهيثمي رجاله موثوقون وهو توقيف إذ لا مسرح فيه للاجتهاد وأخرج أيضا عنه في الكبير برجال الصحيح صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر؛ وفي قوله السنة دليل على رفعه كما هو معروف قال بن القيم في الهدى النبوي كان يقصر صلى الله عليه وسلم الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في السفر البتة؛ وفي قولها إلا المغرب دلالة على أن شرعيتها في الأصل ثلاثا لم تتغير؛ وقولها إنها وتر النهار أي صلاة النهار كانت شفعا والمغرب آخرها لوقوعها في آخر جزء من النهار فهي وتر لصلاة النهار كما أنه شرع الوتر لصلاة الليل والوتر محبوب إلى الله تعالى كما تقدم في الحديث إن الله وتر يحب الوتر وقولها إلا الصبح فإنها تطول فيها القراءة تريد أنه لا يقصر في صلاتها فإنها ركعتان حضرا وسفرا لأنه شرع فيها تطويل القراءة ولذلك عبر عنها في الآية بقرآن الفجر لما كانت القراءة معظم أركانها لطولها فيها فعبر عنها بها من إطلاق الجزء الأعظم على الكل". وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع4/358:" وهذا قول صحابي يعلم الحكم، ويعلم مدلول الألفاظ وقد صرحت بأن الركعتين فريضة المسافر". ومع أن الأحاديث مصرحة بركعتي السفر فرضا إلا أن بعض الصحابة أتم الصلاة ف جاء في صحيح البخاري ج1/ص368:" عن عَبْدَ الرحمن بن يَزِيدَ يقول صلى بِنَا عُثْمَانُ ابن عَفَّانَ رضي الله عنه بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذلك لِعَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قال صَلَّيْتُ مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مع أبي بَكْرٍ رضي الله عنه بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مع عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي الله عنه بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي من أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ". وقد استدل بعض أهل العلم على جواز إتمام الصلاة. قال ابن الجوزي في كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1/ص276:" في هذا الحديث دليل على أنه يجوز للمسافر إتمام الصلاة ولولا ذلك ما أقروا عثمان عليه وقال الزهري إنما أتم عثمان لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها". قلت ( أبو الحسين ): أنكر عليه ابن مسعود ولم يقره وكذلك ذكر العيني في عمدة القاري ج7/ص122 لكن وجه إتمام ابن مسعود وراء عثمان رضى الله عنهما فقال:" هذا الحديث يدل على أن ابن مسعود كان يرى الإتمام جائزا وإلاّ لما كان له حظ من الأربع ولا من غيرها فإنها تكون فاسدة كلها وإنما استرجع لما وقع عنه من مخالفته الأولى ويؤيده ما روى أبو داود أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه صلى أربعا فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعا فقال الخلاف شر ورواية البيهقي إني لأكره الخلاف ولأحمد من حديث أبي ذر مثل الأول وهذا يدل على أنه لم يكن يعتقد أن القصر واجب كما قال الحنفية ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية وأحمد وقال ابن قدامة المشهور عن أحمد أنه على الاختيار والقصر عنده أفضل وهو قول جمهور الصحابة والتابعين قلت هذا القائل تكلم بما يوافق غرضه أما قوله هذا يدل على أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كان يرى الإتمام جائزا فيرده ما قاله الداودي إن ابن مسعود كان يرى القصر فرضا ذكره صاحب التوضيح وغيره ويؤيده ما قاله عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه الصلاة في السفر ركعتان لا يصح غيرهما وقال الأوزاعي إن قام إلى الثالثة فإنه يلغيها ويسجد سجدتي السهو وقال الحسن بن حي إذا صلى أربعا متعمدا أعادها وكذا قال ابن أبي سليمان وأما قوله ويؤيده ما روى أبو داود أن ابن مسعود صلى أربعا فإنه أجاب عن هذا بقوله الخلاف شر فلو لم يكن القصر عنده واجبا لما استرجع ولما أنكر بقوله صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين إلى آخر الحديث وأما قوله المشهور عن أحمد إنه على الاختيار فيعارضه ما قاله الأثرم قلت لأحمد للرجل أن يصلي أربعا في السفر قال لا ما يعجبني وحكى ابن المنذر في الأشراف أن أحمد قال أنا أحب العافية عن هذه المسألة وقال البغوي هذا قول أكثر العلماء وقال الخطابي الأولى القصر ليخرج عن الخلاف وقال الترمذي رحمه الله تعالى العمل على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وهو القصر وهو قول محمد ابن سحنون ورواية عن مالك وأحمد وهو قول الثوري وحماد وهو المنقول عن عمر وعلي وجابر وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم وبهذا يرد على هذا القائل في قوله وهو قول جمهور الصحابة والتابعين وقال هذا القائل واحتج الشافعي على عدم الوجوب بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلى أربعا باتفاقهم ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم والجواب عن هذا أن صلاة المسافر كانت أربعا عند اقتدائه بالمقيم لالتزامه المتابعة فيتغير فرضه للتبعية ولا يتغير في الركعتين الأخريين لأنه ما كان فرضا لا بد من إتيانه كله وليس له خيار في تركه وإيراد ابن بطال بأنا وجدنا واجبا يتخير بين الإتيان بجميعه أو ببعضه وهو لإقامة بمنى غير وارد لأن الإقامة بمنىً اختياره وليس هو مما نحن فيه لا يقال إن اقتداء المسافر بالمقيم باختياره لأنا نقول نعم باختياره ولكن عند الاقتداء يزول اختياره لضرورة التزام التبعية فافهم فإذا احتج الخصم بقوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة بأن لفظة لا جناح يدل على الإباحة لا على الوجوب فدل على أن القصر مباح أجبنا عنه بأن المراد من القصر المذكور هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو بدليل أنه علق ذلك بالخوف إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع بل متعلق بالسفر وعندنا قصر الأوصاف عند الخوف مباح لا واجب مع أن رفع الجناح في النص لدفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر وذلك مظنة توهم النقصان فرفع ذلك عنهم وإن احتج بما رواه مسلم والأربعة عن يعلى بن أمية قال قلت لعمر رضي الله تعالى عنه الحديث وقد مضى عن قريب ووجه التعلق به أنه علق القصر بالقبول وسماه صدقة والمتصدق عليه مخير في قبول الصدقة فلا يلزمه القبول حتما". واعتذروا لعثمان رضي الله عنه بمعاذير منها ما قاله أبو نعيم الأصبهاني في الإمامة (ص312) :" إن الذي حمل عثمان رضي الله عنه على الإتمام ، أنه بلغه أن قوماً، من الأعراب ممن شهدوا معه الصلاة بمنى، رجعوا إلى قومهم فقالوا: الصلاة ركعتان كذلك صليناها مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى، فلأجل ذلك صلى أربعاً ليعلمهم ما يستنوا به، للخلاف والاشتباه" . وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود(6/207ح1713) مبينا السبب الذي دعا عثمان إلى الإتمام:" عن الزهري: أن عثمان بن عَفَّان أتمَّ الصلاة بمنىً؛ من أجل الأعراب؛ لأنهم كَثُرُوا عامَئِذ، فصلى بالناس أربعاً؛ ليُعلِمَهُم أن الصلاة أربعٌ. (قلت: إسناده حسن لغيره، وقد قواه الحافظ) وبعد أن بيّن الألباني طرق الحديث قال " وعن ابن جريج. أن أعرابياً ناداه في منى. يا أمير المؤمنين! ما زلتُ أصليها منذ رأيتك عامَ أولَ ركعتين. وهذه طرق يُقَوِّي بعضها بعضاً ". وبسبب إتمام عثمان ومتابعة ابن مسعود له مع أن الأحاديث قد بينت أن صلاة السفر ركعتان اختلف العلماء في ذلك؛ فقال النووي في شرح صحيح مسلم5/195 :" اختلف العلماء في القصر في السفر فقال الشافعي ومالك بن أنس وأكثر العلماء يجوز القصر والإتمام والقصر أفضل ولنا قول أن الإتمام أفضل ووجه أنهما سواء والصحيح المشهور أن القصر أفضل وقال أبو حنيفة وكثيرون القصر واجب ولا يجوز الإتمام ويحتجون بهذا الحديث وبأن أكثر فعل النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه كان القصر واحتج الشافعي وموافقوه بالأحاديث المشهورة في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم القاصر ومنهم المتم ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض وبأن عثمان كان يتم وكذلك عائشة وغيرها وهو ظاهر قول الله عز و جل فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة وهذا يقتضي رفع الجناح والإباحة وأما حديث فرضت الصلاة ركعتين فمعناه فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وثبتت دلائل جواز الإتمام فوجب المصير إليها والجمع بين دلائل الشرع قوله فقلت لعروة ما بال عائشة تتم في السفر فقال أنها تأولت كما تأول عثمان؛ واختلف العلماء في تأويلهما فالصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزا والإتمام جائزا فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام وقيل لأن عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم فكأنهما في منازلهما وأبطله المحققون بأن النبي صلى الله عليه و سلم كان أولى بذلك منهما وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وقيل لان عثمان تأهل بمكة وأبطلوه بأن النبي صلى الله عليه و سلم سافر بأزواجه وقصر وقيل فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه لئلا يظنوا أن فرض الصلاة ركعتان أبدا حضرا وسفرا وأبطلوه بأن هذا المعنى كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان وقيل لان عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج وأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث وقيل كان لعثمان أرض بمنى وأبطلوه بان ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة والصواب الأول". ولما ولي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الخلافة قصر الصلاة في الحج حتى أنكر عليه مروان وغيره. وأما تأويل عائشة رضي الله عنها فقد قال الشوكاني في السيل الجرار1/306:" أقول لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره إلا القصر وذلك في الصحيحين وغيرهما وأظهر الأدلة على الوجوب الحديث الثابت عن عائشة في الصحيحين وغيرهما بلفظ فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر فهذا أخبار بأن صلاة السفر أقرت على ما فرضت عليه فمن زاد فيها فهو كمن زاد على أربع في صلاة الحضر ولا يصح التعلق بما روي عنها أنها كانت تتم فإن ذلك لا تقوم به الحجة بل الحجة في روايتها لا في رأيها". ويناقش شيخ الإسلام اعتذار عائشة فيقول في مجموع الفتاوى ج24/ص153:" عروة يروى عنها أنها اعتذرت عن إتمامها بأنها قالت لا يشق على وقال إنها تأولت كما تأول عثمان فدل ذلك على أن إتمامها كان بتأويل من اجتهادها ولو كان النبي قد حسن لها الإتمام أو كان هو قد أتم لكانت قد فعلت ذلك اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك عثمان ولم يكن ذلك مما يتأول بالاجتهاد ثم إن هذا الحديث أقوى ما اعتمد عليه من الحديث من قال بالإتمام في السفر وقد عرف أنه باطل فكيف بما هو أبطل منه وهو كون النبي كان يتم في السفر ويقصر وهذا خلاف المعلوم بالتواتر من سنته التي اتفق عليها أصحابه نقلا عنه وتبليغا إلى أمته لم ينقل عنه قط أحد من أصحابه أنه صلى في السفر أربعا بل تواترت الأحاديث عنهم انه كان يصلى في السفر ركعتين هو وأصحابه................ ولو كان عند عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنة لكانت تحتج بها ولو كان ذلك معروفا من فعله لم تكن عائشة أعلم بذلك من أصحابه الرجال الذين كانوا يصلون خلفه دائما في السفر فإن هذا ليس مما تكون عائشة أعلم به من غيرها من الرجال كقيامه بالليل واغتساله من الإكسال فضلا عن أن تكون مختصة بعلمه بل أمور السفر أصحابه أعلم بحاله فيها من عائشة لأنها لم تكن تخرج معه في كل أسفاره فإنه قد ثبت في الصحيح عنها أنها قالت كان رسول الله إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيهن خرج سهمها خرج بها معه فإنما كان يسافر بها أحيانا وكانت تكون مخدرة في خدرها وقد ثبت عنها في الصحيح أنها لما سألها شريح بن هانئ عن المسح على الخفين قالت سل عليا فإنه كان يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا والمسح على الخفين أمر قد يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في منزله في الحضر فتراه دون الرجال بخلاف الصلاة المكتوبة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليها في الحضر ولا في السفر إلا إماما بأصحابه إلا أن يكون له عذر من مرض أو غيبة لحاجة كما غاب يوم ذهب ليصلح بين أهل قباء وكما غاب في السفر للطهارة فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم الصبح ولما حضر النبي حسن ذلك وصوبه . وإذا كان الإتمام إنما كان والرجال يصلون خلفه فهذا مما يعلمه الرجال قطعا وهو مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فإن ذلك مخالف لعادته في عامة أسفاره فلو فعله أحيانا لتوفرت هممهم ودواعيهم على نقله كما نقلوا عنه المسح على الخفين لما فعله وإن كان الغالب عليه الوضوء وكما نقلوا عنه الجمع بين الصلاتين أحيانا وان كان الغالب عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها الخاص مع أن مخالفة سنته اظهر من مخالفة بعض الوقت لبعض فإن الناس لا يشعرون بمرور الأوقات كما يشعرون بما يشاهدونه من اختلاف العذر فإن هذا أمر يرى بالعين لا يحتاج إلى تأمل واستدلال بخلاف خروج وقت الظهر وخروج وقت المغرب فإنه يحتاج إلى تأمل". والصحيح ما فعله معاوية رضي الله عنه فقد قال ابن حجر في فتح الباري2/571:" عَنْ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَة حَاجًّا صَلَّى بِنَا الظُّهْر رَكْعَتَيْنِ بِمَكَّة، ثُمَّ اِنْصَرَفَ إِلَى دَار النَّدْوَة، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَرْوَان وَعَمْرو بْن عُثْمَان فَقَالَا: لَقَدْ عِبْت أَمْر اِبْن عَمّك لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَمَّ الصَّلَاة.قَالَ : وَكَانَ عُثْمَان حَيْثُ أَتَمَّ الصَّلَاة إِذَا قَدِمَ مَكَّة صَلَّى بِهَا الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْعِشَاء أَرْبَعًا أَرْبَعًا، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَة قَصَرَ الصَّلَاة، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجّ وَأَقَامَ بِمِنًى أَتَمَّ الصَّلَاة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال: الْوَجْه الصَّحِيح فِي ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَان وَعَائِشَة كَانَا يَرَيَانِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَصَرَ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالْأَيْسَرِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُمَّته، فَأَخَذَا لِأَنْفُسِهِمَا بِالشِّدَّةِ. وَهَذَا رَجَّحَهُ جَمَاعَة مِنْ آخِرهمْ الْقُرْطُبِيّ، لَكِنْ الْوَجْه الَّذِي قَبْله أَوْلَى لِتَصْرِيحِ الرَّاوِي بِالسَّبَبِ". ومما يدلل على أن صلاة السفر ركعتان ما ذكره الأشبيلي في الأحكام الشرعية الكبرى ج2/ص340:" عن حفص بن عمر قال صحبت ابن عمر في طريق مكة قال في فصلى لنا الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه فحانت منه التفاته نحو حيث صلى فرأى ناسا قياما فقال ما يصنع هؤلاء قلت يسبحون قال لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي يا ابن أخي إني صحبت رسول الله". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ج3/ص86:" قلت من شأن متبعي السنن النبوية ومقتفي الاثار المصطفوية أن يلازموا القصر في السفر كما لازمه صلى الله عليه وسلم ولو كان القصر غير واجب فاتباع السنة في القصر في السفر هو المتعين ولا حاجة لهم أن يتموا في السفر ويتأولوا كما تأولت عائشة وتأول عثمان رضي الله عنهما هذا ما عندي والله تعالى أعلم". قلت ( أبو الحسين ): والدليل على أن عائشة رضي الله عنها كانت ترى جواز الإتمام ما رواه البيهقي في السنن الكبرى(ح5215) :" عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها : كانت تصلي في السفر أربعا فقلت لها لو صليت ركعتين فقالت يا بن أختي إنه لا يشق علي". ولهذا قال البيهقي في معرفة السنن والآثار4/473:" وهذا يدل أنها تأولت ما قاله الشافعي وإلى مثل ذلك ذهب عثمان بن عفان في الإتمام قال الشافعي في رواية أبي سعيد: ولو كان فرض الصلاة في السفر ركعتين، لم يتمها إن شاء الله منهم أحد ولم يتمها ابن مسعود في منزله، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم". ولا يعارضه قولها " أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر". فقد قال البيهقي في معرفة السنن والآثار :" قال الشافعي في رواية أبي عبد الله : معناه أن صلاة المسافر أقرت على ركعتين إن شاء وذلك ؛ لأنها أتمت في السفر". قلت ( أبو الحسين ):" هذا تأويل بعيد لدوام النبي صلى الله عليه وسلم على القصر ولم يرد عنه ولو مرة أنه صلى أربعا؛ والله أعلم والخطابي يرد ذلك ويبيّن أن وجوب القصر مذهب الجمهور. قال الخطابي في معالم السنن1/227:" وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فكان أكثر مذاهب علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة، وقال حماد بن أبي سليمان يعيد من صلى في السفر أربعا، وقال مالك بن أنس يعيد ما دام في الوقت وقال أحمد بن حنبل السنة ركعتان، وقال مرة أنا أحب العافية من هذه المسألة. وقال أصحاب الرأي إن لم يقعد المسافر في التشهد في الركعتين فصلاته فاسدة لأن فرضه ركعتان فما زاد عليهما كان تطوعا فإن لم يفصل بينهما بالقعود بطلت صلاته" . وربما يستدل بعض العلماء على جواز القصر والإتمام بالآية (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) لكن القصر قصر الصفة لا العدد. قال الشنقيطي في أضواء البيان ج1/ص248: قال بعض العلماء المراد بالقصر في قوله أن تقصروا في هذه الآية قصر كيفيتها لا كميتها ومعنى قصر كيفيتها أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي معهم الركعة الأخرى وكصلاتهم إيماء رجالا وركبانا وغير متوجهين إلى القبلة فكل هذا من قصر كيفيتها ويدل على أن المراد هو هذا القصر من كيفيتها. وقوله تعالى بعده يليه مبينا له وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم وقوله تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ويزيده إيضاحا أنه قال هنا فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة وقال في آية البقرة فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف وعلى هذا التفسير الذي دل له القرءان فشرط الخوف في قوله إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا معتبر أي وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصروا من كيفيتها بل صلوها على أكمل الهيئات كما صرح به في قوله فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة وصرح باشتراط الخوف أيضا لقصر كيفيتها بأن يصليها الماشي والراكب بقوله فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ثم قال فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم يعني فإنه أمنتم فأقيموا صلاتكم كما أمرتكم بركوعها وسجودها وقيامها وقعودها على أكمل هيئة وأتمها وخير ما يبين القرآن القرآن ويدل على أن المراد بالقصر في هذه الآية القصر من كيفيتها كما ذكرنا أن البخاري صدر باب صلاة الخوف بقوله باب صلاة الخوف وقوله الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا وما ذكره ابن حجر وغيره من أن البخاري ساق الآيتين في الترجمة ليشير إلى خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات بالكتاب قولا وبالسنة فعلا لا ينافي ما أشرنا إليه من أنه ساق الآيتين في الترجمة لينبه على أن قصر الكيفية الوارد في أحاديث الباب هو المراد بقصر الصلاة في قوله فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ويؤيده أيضا أن قصر عددها لا يشترط فيه الخوف وقد كان صلى الله عليه وسلم يقصر هو وأصحابه في السفر وهم في غاية الأمن كما وقع في حجة الوداع وغيرها وكما قال صلى الله عليه وسلم لأهل مكة أتموا فإنا قوم سفر وممن قال بأن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكيفية لا الكمية مجاهد والضحاك والسدي نقله عنهم ابن كثير وهو قول أبي بكر الرازي الحنفي ونقل ابن جرير نحوه عن ابن عمر ولما نقل ابن كثير هذا القول عمن ذكرنا قال واعتضدوا بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي ومسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة أربعتهم عن مالك به قالوا فإذا كان أصل الصلاة في السفر اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية لأن ما هو الأصل لا يقال فيه فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوات وأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد حدثنا وكيع وسفيان وعبد الرحمن عن زبيد اليامي عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن عمر رضي الله عنه قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به وهذا إسناد على شرط مسلم وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وغيره وهو الصواب أن شاء الله تعالى وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا إنه لم يسمع منه وعلى هذا أيضا فقال فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق الثوري عن زبيد عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن الثقة عن عمر فذكره وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن زبيد عن عبد الرحمان عن كعب بن عجرة عن عمر فالله أعلم وقد روى مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ كلاهما عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلى في السفر ". ويزيد شيخ الإسلام أمر القصر ويوضحه فيقول في القواعد النورانية ج1/ص34:" فأباح الله القصر من عددها والقصر من صفتها ولهذا علقه بشرطين السفر و الخوف فالسفر يبيح قصر العدد فقط كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة التي اتفقت الأمة على نقلها عنه أنه كان يصلي الرباعية في السفر ركعتين ولم يصلها في السفر أربعا قط ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما لا في الحج و لا في العمرة و لا في الجهاد والخوف يبيح قصر صفتها". ومن العلماء من يستدل بجواز الأمرين القصر والإتمام بما جاء في صحيح مسلم ج1/ص478:" عن يعلي بن أُمَيَّةَ قال قلت لِعُمَرَ بن الْخَطَّابِ فليس عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا من الصَّلَاةِ إن خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَدْ أَمِنَ الناس فقال عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ منه فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بها عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". لكن هذه الصدقة من الله فلا ينبغي ردها والواجب قبولها قال الشوكاني في فتح القدير 1/507:" وظاهر قوله فاقبلوا صدقته أن القصر واجب". وقال الشوكاني أيضا في نيل الأوطار ج3/ص247:" صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بها عَلَيْكُمْ فإن الظَّاهِرَ من قَوْلِهِ صَدَقَةٌ أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ فَقَطْ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَبُولِهَا يَدُلُّ على أَنَّهُ لا مَحِيصَ عنها وهو الْمَطْلُوبُ .... وَهَذَا النِّزَاعُ في وُجُوبِ الْقَصْرِ وَعَدَمِهِ وقد لاحَ من مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنَا رُجْحَانُ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ . وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ التَّمَام أَفْضَلُ فَمَدْفُوعَةٌ بِمُلازَمَتِهِ لِلْقَصْرِ في جَمِيعِ أَسْفَارِهِ وَعَدَمِ صُدُورِ التَّمَامِ عنه كما تَقَدَّمَ وَيَبْعُدُ أَنْ يُلازِمَ طُولَ عُمْرِهِ الْمَفْضُولَ وَيَدَعَ الْأَفْضَلَ ". وقال الجصاص في أحكام القرآن 3/231:" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته يعني إن الله قد أسقط عنكم في السفر فرض الركعتين في حال الخوف والأمن جميعا وقد روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر أنها تمام غير قصر فجائز أن يكون ظن أن قصر الخوف هو في عدد الركعات فلما سمعه يقول صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر علم أن قصر الآية إنما هو في صفة الصلاة لا في عدد الركعات وإذا صح بما وصفنا أن المراد بالقصر ما ذكرنا لم تكن في الآية دلالة على فرض المسافر ولا على أنه مخير بين الإتمام والقصر إذ لا ذكر له في الآية....... قد بينا أنه ليس في الآية حكم القصر في أعداد الركعات ولم يختلف الناس في قصر النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره كلها في حال الأمن والخوف فثبت أن فرض المسافر ركعتان بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه لمراد الله تعالى قال عمر بن الخطاب سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن القصر في حال الأمن فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وصدقة الله علينا هي إسقاطه عنا فدل ذلك على أن الفرض ركعتان وقوله فاقبلوا صدقته يوجب ذلك لأن الأمر للوجوب فإذا كنا مأمورين بالقصر فالإتمام منهي عنه وقال عمر بن الخطاب صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم فأخبر أن الفرض ركعتان وأنه ليس بقصر بل هو تمام كما ذكر صلاة الفجر والجمعة والأضحى والفطر وعزا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فصار ذلك بمنزلة قول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر وذلك ينفي التخيير بين القصر والإتمام وروي عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلى ركعتين حتى يرجع وروى علي بن زيد عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة وأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين وقال لأهل مكة صلوا أربعا فإنا قوم سفر وقال ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله تعالى وقد قال الله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة...... وقال مورق العجلي سئل ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنة كفر فهذه أخبار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في فعل الركعتين في السفر لا زيادة عليهما وفي ذلك الدلالة من وجهين على أنهما فرض المسافر أحدهما أن فرض الصلاة مجمل في الكتاب مفتقر إلى البيان وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو كبيانه بالقول يقتضي الإيجاب وفي فعله صلاة السفر ركعتين بيان منه أن ذلك مراد الله كفعله لصلاة الفجر ". ولكن ابن العربي يذهب إلى أن القصر رخصة لا عزيمة فيقول في أحكام القرآن ج1/ص617:" وفي الصحيح عن حارثة بن وهب قال صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم بمنى آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين فهؤلاء لما جهلوا القرآن والسنة تكلموا برأيهم في كتاب الله وهذا نوع عظيم من تكلف القول في كتاب الله تعالى بغير علم وقول مذموم وليس بعد قول عمر وابن عمر مطلب لأحد إلا لجاهل متعسف أو فارغ متكلف أو مبتدع متخلف وهذا كله يبين لك أن القصر فضل من الله سبحانه ورخصة لا عزيمة". وهو قول الشافعي أيضا نقله البيهقي في سنن الصغرى ج1/ص345:" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته؛ قال الشافعي رحمه الله فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله والصدقة رخصة لا حتم من الله أن يقصروا وأن عائشة قالت كل ذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم في السفر وقصر ". وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار ج1/ص415:" احْتَجُّوا بِالآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فيه وهى قَوْلُ اللَّهِ عز وجل وإذا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ الآيَةَ قالوا فَذَلِكَ على الرُّخْصَةِ من اللَّهِ عز وجل لهم في التَّقْصِيرِ لاَ على الْحَتْمِ عليهم بِذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا فَذَلِكَ على التَّوْسِعَةِ منه لهم في الْمُرَاجَعَةِ لاَ على إيجَابِهِ ذلك عليهم فَكَانَ من حُجَّتِنَا عليهم لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الأخرى أَنَّ هذا اللَّفْظَ قد يَكُونُ على ما ذَكَرُوا وَيَكُونُ على غَيْرِ ذلك قال اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَذَلِكَ على الْحَتْمِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ ليس لِأَحَدٍ حَجَّ أو أعتمر أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فلما كان نفى الْجُنَاحِ قد يَكُونُ على التَّخْيِيرِ وقد يَكُونُ على الإِيجَابِ لم يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ على ذلك على أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ دُونَ الْمَعْنَى الآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّهُ على ذلك من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ أو إجْمَاعٍ وقد جَاءَتْ الآثَارُ مُتَوَاتِرَةً عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتَقْصِيرِهِ في أَسْفَارِهِ كُلِّهَا". ومن العلماء من يرى الرخصة في القصر بما رواه ابن أبي شيبة2/349 :" عن أبي نجيح المكي قال اصطحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في السير فكان بعضهم يتم وبعضهم يقصر وبعضهم يصوم وبعضهم يفطر فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء". وهذا الحديث عزاه النووي لمسلم حيث قال في شرحه على صحيح مسلم5/194 :" احتج الشافعي وموافقوه بالأحاديث المشهورة في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم القاصر ومنهم المتم ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض". لكن استدرك عليه المباركفوري بل الشوكاني كما في تحفة الأحوذي ج3/ص86:" قال الشوكاني في النيل لم نجد في صحيح مسلم قوله فمنهم القاصر ومنهم المتم وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار انتهى قلت لم نجد أيضا هذا اللفظ في صحيح مسلم". والذي في صحيح مسلم ج2/ص787:" عن عَاصِمٍ قال سمعت أَبَا نَضْرَةَ يحدث عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرِ بن عبد اللَّهِ رضي الله عَنْهُمْ قالا سَافَرْنَا مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَصُومُ الصَّائِمُ وَيُفْطِرُ الْمُفْطِرُ فلا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ". فليس فيه إلا الصوم والإفطار كما ترى.
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:11 AM.


powered by vbulletin