بعض الأدلة والأقوال في زواج الفقير معدوم الحال
جمعه وأعدّه/ محمد بن صالح الدهيمان
المبحث الأول: تعريف الفقير.
قال ابن منظور: "قال ابن عرفة: الفقير عند العرب المحتاج. وقال ابن الأَعرابي: الفقير الذي لا شيء له". (لسان العرب)
قال الإمام عبد العزيز بن باز -رحمه لله-: "المسكين هو الفقير الذي لا يجد كمال الكفاية، والفقير أشد حاجة منه، وكلاهما من أصناف أهل الزكاة المذكورين في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}، ومن كان له دخل يكفيه للطعام والشراب والكساء وللسكن من وقف أو كسب أو وظيفة أو نحو ذلك فإنه لا يسمى فقيراً ولا مسكيناً، ولا يجوز أن تصرف له الزكاة". (مجموع الفتاوى)
وقال كذلك الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "وإذا كان المتقدم السائل قوياً فإنه ينصح ويقال له: إنها لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب، فإن اعتذر وذكر أنه ما عنده عمل، ولا عنده شيء يقوم بحاله يعطى، فقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه سأله رجلان فنظر فيهما فإذا هما جلدان، فقال: ((إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب)) فالإنسان قد يكون قوي البدن، ولكن لا يجد عملاً فيبقى في حاجة شديدة، وقد تكون له علة داخلية تمنعه من العمل، ولكن ظاهر جسمه يقتضي أنه قوي، فإذا أبدى ما يدل على استحقاقه فإنه يعطى ويصدق في ذلك حرصاً على مواساة المحاويج، ولأن هذا قد يقع، قد يتيسر المال للقوي وقد لا يتيسر المال، إما لقلة الأعمال في البلد، وإما لأسباب أخرى". (فتاوى الموقع الرسمي للشيخ ابن باز)
فيُفهم من الكلام السابق للشيخ ابن باز -رحمه الله- بأن مثل هذا الرجل الذي لا يجد عملاً ولا عنده شيء يقوم بحاله يعتبر من الفقراء الذين يُعطَون من الزكاة والصدقات.
وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: "والفقير هو الذي لا يجد ما يكفيه لسنته"، وفي موضع آخر قال: "الفقير والمسكين هو الذي ليس له دخل أو له دخل لا يكفيه". (فتاوى صوتية من الموقع الرسمي للشيخ الفوزان)
وخلاصة الكلام أن الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئاً من القوت أو يجد ما لا يكفيه.
المبحث الثاني: بعض الأدلة والأقوال في أن الفقير يُزوّج
أولاً: فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، قال: فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: ((وهل عندك من شيء)). قال: لا والله يا رسول الله، فقال: ((اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا)). فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انظر ولو خاتم من حديد)). فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتم من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء- فلها نصفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما تصنع بإزارك، إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك شيء)). فجلس الرجل حتى أذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: ((ماذا معك من القرآن)). قال: معي سورة كذا وسورة كذا، عددها، فقال: ((تقرؤهن عن ظهر قلبك)). قال: نعم، قال: ((اذهب قد ملكتكها بما معك من القرآن)). (صحيح البخاري)
ثانياً: قول ابن عباس -رضي الله عنه-.
في قوله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال في هذه الآية: "أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغّبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى". (تفسير الطبري)
ثالثاً: قول ابن مسعود -رضي الله عنه-.
جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى : (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}". (تفسير الطبري)
رابعاً: قول ابن عمر -رضي الله عنه-.
روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "عجبت لمن لا يرغب في الباءة والله يقول: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}". (أحكام القرآن)
خامساً: قول ابن العربي -رحمه الله-.
في قوله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} قال ابن العربي -رحمه الله-: "في هذه الآية دليل على تزويج الفقير، ولا يقولن كيف أتزوج وليس لي مال، فإن رزقه ورزق عياله على الله، وقد زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- الموهوبة من بعض أصحابه وليس له إلا إزار واحد، وليس لها بعد هذا فسخ النكاح بالإعسار لأنها دخلت عليه، وإنما يكون ذلك على الحكم إذا دخلت على اليسار فخرج معسراً أو طرأ الإعسار بعد ذلك، والله أعلم". (أحكام القرآن)
سادساً: قول السّعدي -رحمه الله-.
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السّعدي -رحمه الله-: "فلا يمنعكم ما تتوهمون من أنه إذا تزوج افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر". (تيسير الكريم الرحمن)
المبحث الثالث: معنى الغنى في قوله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}.
ذكر ابن العربي في (أحكام القرآن) أن في قوله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} هناك قولان:
الأول: الغنى بإيتاء المال.
الثاني: الغنى بحصول النكاح. قال القرطبي: "وقيل المعنى: إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنا". (تفسير القرطبي)