تَرْجِيحُ مَذْهَبِ السَّلَفِ في الصِّفاتِ بقلَم العلاّمة الطَّاهر الجزائريّ الدّمشقيّ - رحمه الله -
بقلم خادم العلم :
الشَّيخ سمير سمراد - حفظه الله
فهذا نَقْلٌ عَزِيزٌ مِن أَحَدِ مؤلّفاتِ العلاّمةِ الشَّهير الشّيخ الطّاهر الجزائريّ ثمّ الدّمشقيّ -رحمه الله تعالى- ، أَحَدِ رجالاتِ الإصلاح في القرن الماضي(ت: 1338هـ = 1920م)، وقد كانَ -رحمه الله- مِن أَنْصَارِ مذهبِ السَّلَفِ العامِلينَ على إحياءِ الآثارِ السّلفيَّة، لا سيَّما كتب شيخِ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- .
وقد عرفنا مِن مؤلّفاته الّتي اشتهرت وانتشرت كُتيِّب: «الجواهر الكلاميّة من العقائد الإسلاميَّة»، أمّا النّقلُ المذكورُ فهُو مِن كُتيِّبٍ آخرَ لهُ لم يشتهر كما اشتهر السّابق، وعنوانهُ: «الجوهرة الوسطى» أو: «الجوهرة في قواعِدالعقائد»(فرغَ مِن تأليفِهَا سنة: 1320هـ= 1900م)[صحّحه وعلق عليه: حسن السماحي سويدان، دار القلم. دمشق/ الدار الشامية. بيروت/ط1/1421هـ-2000م].
ولعلّ القارئَ لاحظَ بأنّ «الشّيخ الطّاهر» استعملَ أسماءَ علُومٍ ومؤلّفاتٍ كانت رائجةً في زمانه، إذْ صارَ التَّوحيد والعقائدُ وكتبهما هي المبنيَّةُ على: الكَلاَم (إشارةٌ إلى علم الكلام الّذي يزعمُ الزَّاعِمُون أنَّهم نصرُوا بهِ السُّنَّةَ، وأنّ كَلاَمَهُمْ مَحْمُودٌ ليسَ بمذْمُومٍ)، وهي «الجوهرةُ» لمؤلِّفها إبراهيم اللّقانيّ الموضوعة على الطّريقةِ الكلاميَّة وما بُنيَ عليها من الشّروح والحواشي....
وقد بدَا لي أنّ مؤلِّفَنَا «الشّيخ الطّاهر» ضاهىَ بأسماءِ مؤلّفاتِهِ ذلكَ المعهودَ الجاري عليهِ النّاسُ في زمانه، فاستعملَ مِن عباراتِ العناوين ما يألفُونَهُ، وما رغبَ في أن يُبَارِزَهُم بما قَد يَنْفِرُونَ منهُ، وأرادَ أن يُبْدِلَهم خيرًا ممَّا عندهم، وأن يُزَحْزِحَهُم عمَّا هُم مُقِيمُونَ عليه، كلُّ ذلكَ بطريقةٍ لطيفةٍ، فجَعَلَ يَعْرِضُ العقائدَ السَّلفيَّة والمَذاهبَ الأثريَّة ويقتبسُ من كلامِ الإمام الهُمَام أحمد بن عبد السّلام ابن تيميَّةَ -رحمه الله- (دونَ أن يُسَمِّيهِ) ويُسطِّرُ ذلكَ بأسلوبِهِ ويُقَرِّرُهُ بما يُقَرِّبُهُ إلى أَفْهَامِهم ويُقِيمُ الحُجَّةَ عليهِم، وهُو الّّذي برَعَ في العلُوم العقليَّةِ، فعَرفَ كيفَ ينصُرُ بها مذهبَ السَّلَفِ، في زمانٍ كانَ يدينُ خاصّتُهُ بأنَّ مذهبَ الخَلَف -القائمَ على الكلامِ المُحْدَثِ- هُوَ أَحْكَمُ وأَعْلَمُ!! فأقامَ الحُجَّةَ عليهم بأنّ مذهبَ السّلفِ هو الأَعْلَمُ والأَحْكَمُ والأَسْلَمُ....
فيَالَهُ مِن عالِمٍ مُصْلِحٍ ذَكيٍّ، عَرَفَ كيفَ يُعالجُ أَدْواءَ زمانِهِ، ويُيلغُ صوتَ الإصلاح إلى المُخالِفِين وإلى العامَّةِ منَ المُقلِّدِين.
قالَ -رحمه الله- في المقصد الثاني من الباب الثاني: في كون الكتاب والسنّة قد بَيَّنَا أَمْرَ الاِعتقاد على أحسن وجه:
لمّا كان من مقتضى الحكمة الربانية أن لا يُترك الإنسان سُدى، أرسل الله في كلّ مدّة مبشِّرين، ومنذِرين، ليرشدوا الأُمم إلى ما فيه صلاح المبدأ والمعاد، بقدر ما لهم من الاستعداد.
ولمّا توالت الشرائع في الأمم، وألفتها نفوسهم، وشعروا بكثير من الأسرار الربانية، صار لهم استعدادٌ لورود شريعة تكون أكملَ الشرائع وأفضلها.
فأرسل الله سبحانه وتعالى خيرته من خلقه، محمدًا (صلى الله عليه وسلم) بشريعة عامة للناس، على تباين الأنواع والأجناس، وجعلها خاتمة الشرائع، لموافقتها لسائر الطباع والطبائع، كما جعلَ صاحبها خاتم الأنبياء، وأول الأصفياء.
وأوضح هذه الشريعة الغراء في الكتاب الذي أنزله عليه -وهو «القرآن الحكيم»- المحفوظ في الصدور، والمتلوِّ على الألسنة، والمنقول بالتواترِ مدى الأزمنة، فقامت به الحجةُ، واستقامت به المحجةُ، فتمَّ به ما يتعلّق بأمر النفوس في المبدأ والمعاد، من عملٍ أو اعتقاد.
ولما كان الاعتقاد هو الركن الأول في أمر السعادة بُيِّنَ فيه بيانًا كافيًا شافيًا، لا يحتاجُ فيه سليمُ الفطرة إلى إِعمالِ الفكرةِ، قال الله تعالى فيه: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكلِّ شيءٍ﴾[النحل: 89].
قال بعضُ الأئمّةِ: جميعُ ما حكمَ به النّبيُّ صلى الله عليه وسلم فهو ما فهمه من القرآن.
وقال أيضًا: ليسَتْ تنزلُ بأحدٍ في الدّين نازلةٌ إلاَّ وفي كتابِ الله الدليلُ على الهُدَى فيها.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا حدثتكم بحديثٍ أنبأتكم بتصديقِهِ من كتابِ الله تعالى».
وقال أيضًا: «من أرادَ العلمَ فعليهِ بالقرآن، فإنّ فيه خبرَ الأوّلين والآخرين».
قال البيهقيّ: «يعني أصول العلم».
وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: «ما بلغني حديثٌ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على وجهِهِ إلا وجدتُ مصداقَهُ في كتاب الله».
هذا ولما كانت السنّةُ تاليةً للكتاب، وجبَ الأخذُ بما ثبتَ منها بغيرِ شبهةٍ، فإنّها كلامُ من لا ينطقُ عن الهوى، إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، فصارت العقائِدُ مؤسسةً على صريحِ الكتاب والسّنّة. (ص89-91).
المقصد الثالث في أنّ الكتاب والسّنّة قد أوضحا أحسن المسالك إلى معرفة الحق في إرشاد الخلق:
لما كانت الشريعة الإسلاميةُ عامة لجميع الأمم، وردت على وجه قريبِ المثال، بحيثُ لم يرد في ظاهرها ما تكلُّ عنهُ أفهامُ الخلق، خشيةَ أن تزيغَ عن منهجِ الحقِّ.
والطريقُ إذا كان على هذه الصفةِ، رُجيَ لسالكه أن يصلَ فيه إلى غايته، بخلافِ ما إذا كان الطريقُ وَعْرَ المسالكِ في البدايةِ، فإنّه يُخشى على سالكه الانقطاعُ عن الغايةِ، أو وقوعه في مهاوي الغوايةِ.
فأبان الشارعُ في صفات الله سبحانه ما يقربُ من الذّهن: من العلمِ، والقدرةِ، والإرادةِ، ونحو ذلك، ما يمكنُ فهمُ الناسِ لهُ بنوعٍ مناسبٍ لما عرفوهُ في نفوسهم.
فإنّ الإنسانَ لا يُدركُ إلا نفسهُ وصفاتِ نفسِهِ. فبإدراكِ ذلك يمكنُهُ أن يدرك لغيره ما يُماثلها، وهنا يمكنُ أن يُذعنَ لقضيةِ التفاوتِ في الشرفِ والكمالِ.
ألا ترى أنّ من وُلد أعمى لا يمكنه أن يعرفَ صفةَ البصر، مهما جهد المرءُ في تعريفه بها، لعدم شعوره بها في نفسه. وكذلك من وُلد أصم، فإنه لا يمكنه أن يعرف صفة السمع لذلك، فضلا عن أن يثبتَ هاتينِ الصفتين لغيره على وجه أكملَ وأشرفَ.
والحاصلُ أنّ معرفةَ الإنسانِ لله سبحانه لا تكونُ إلا على مقدار معرفته لنفسه، ولذلك لم يُكلَّف بما فوق ذلك.
غير أنّه لمّا كان ممّا رُكز في الفطرةِ إدراكُ التفاوت بين صفةٍ وصفةٍ، كلِّف بأن يعرفَ أنّ صفاتِ الحقِّ سبحانه أكملُ وأشرفُ، بحيثُ لا تشابهها صفاتُ خلقهِ بوجهٍ ما، في مقامِ الجلال والكمال.
وهنا يمكنُه أن يتدرَّجَ في درجاتِ المعرفةِ بقدر وسعهِ، وربما لاح لهُ شيءٌ مما هو فوق ما أدركه ابتداءً، فيزدادُ في مراقي السعادةِ علوًّا، ويزدادُ من الملإ الأعلى –على بعده- دنوًّا. (ص92-94).
المقصد الرابع فيما يتعلّق بصفاته سبحانه وتعالى:
وأما حقيقةُ ذاتِ الحقِّ جلّ جلاله، فإنّها ممّا لا تحومُ حولَهُ الأفكارُ – وقد ثبت ذلك عند العقلِ ثبوتا بيّنًا، فإنّه يُعلمُ بالبرهان:
1 – أنّ الحقّ موجودٌ، واجبُ الوجود، موصوفٌ بصفاتِ الكمال، اللائقةِ بما له من الجلال.
2 – وأنّ ذاته لا تشبه شيئًا من ذوات خلقه، وإلا جازَ عليها ما يجوز على ذوات الخلقِ من سمات النّقص، التي تعروها لذاتها. وليس في هذا ما يشعرُ بحقيقةِ ذاته.
وما يدلُّ على أنّ معرفةَ حقيقةِ ذاته ليست في طوقِ البشر أنّا لا يمكننا أن نتصوَّرَ أمرًا من الأمور إلاَّ من طرقِ أمورٍ أربعةٍ:
أحدها: الأشياء التي أدركناها بإحدى الحواسّ الخمس.
وثانيها: الأحوال التي نُدركها من أحوال أبداننا: كالألم، واللذة، والعطش، والرّيِّ.
وثالثها: الأحوال التي نُدركها بعقولنا، مثل: علمنا بحقيقةِ الوجوب، والإمكان، والعلم، والجهل.
ورابعها: الأحوالُ التي يدرِكها العقلُ والخيالُ من تلك.
ولما كانت حقيقةُ الحقِّ مباينةً لهذه الأقسام، تبيَّن أنّها غيرُ معلومةٍ للأنام.
ولا يُستغربُ ذلك بعد شعورنا بعدم معرفةِ كُنْهِ النفس، فهي معروفة من وجه، غير معروفة من وجه، ومن عرف نفسَهُ عرفَ ربَّهُ.
وأما الشرعُ فلم يرد فيه ما يتعلّقُ بذاتِ الحقِّ سبحانه، بل في الشرع إشارةٌ إلى منعِ التفكّر في ذاته سبحانه، لأنّه لا يدخل تحتَ دائرةِ الفكر، وربّما وقع المتفكّر في مهاوي الكفر، فما أمرنا اللهُ تعالى أن نعلمَ كيف ذاته، وإنّما أمرنا أن نعلم أنه إله واحد، موصوف بما وصف به نفسه من صفاتِ الكمالِ.
فقد تبيّن أن ليس للفكرِ مجالٌ في ذاتِ الحقِّ سبحانه وتعالى، لا عقلاً ولا شرعًا، وبهذا تظهرُ لك قوّةُ مذهبِ السَّلَف. (ص95-97).
مذهب السّلف في أمر الصّفات الرّبّانيّة.
1 – الاستواء والنّزول: قد ورد في الكتاب العزيز آياتٌ كثيرة تتعلّق بصفات الحقِّ سبحانه وتعالى، كما وردت أحاديث كثيرة في ذلك، فالتزمَ كثير من علماء الخلف أن يؤوّلوا أكثر ذلك، بناءً على أنها موهمةٌ للتشبيه، وقد قام الدليل العقلي، وأيده الدليل النقلي، على أنه تعالى لا يشابه شيئًا.
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾[طه: 5].
ومن الأحاديث ما أخرجه البخاري بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر. يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له».
فقال الخلف: إنّ المراد باستواء الرحمن على العرش استيلاؤه عليه، وملكه له، والمراد بنزول الربّ في ثلث الليل الآخر نزولُ رحمته، لاستحالة الاستواء بالمعنى الظاهرِ على الله سبحانه.
وكذلك النزول، لأنّهما من الصفات الجسمانية، وهي مستحيلةٌ عقلاً على الحضرة الربانية.
وقال السلف: نحن نثبتُ لله سبحانه ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيُّهُ – عليه الصلاة والسلام- من غير تأويلٍ، موقنين بأنّه سبحانه وتعالى ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾[الشورى: 11] في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
فنثبتُ له استواءً على العرش يليقُ بجلاله، منزِّهين له عن مماثلةِ استواءِ الإنسانِ على السرير أو الفلك ونحوهما، حتّى لا نكونَ ممثلين، ولا ننفي ما أثبته لنفسهِ، حتّى لا نكونَ معطلين.
والأصلُ في هذا الباب أنّ الصفات كالذّاتِ، فكما أنّ ذات الحقِّ سبحانه ثابتةٌ حقيقةً من غيرِ أن تكون مشابهةً لذواتِ الخلقِ، كذلك صفاتُهُ ثابتة حقيقةً من غير أن تكونَ مشابهةً لصفاتِ الخلقِ.
فإن قال قائلٌ: لا أعقلُ استواءً ولا نزولاً إلا في الأجسام بناءً على ما أُدركُهُ في الشاهد.
قالوا له: كيف أدركتَ علمًا وقدرةً في غير الأجسام وأنتَ لا ترى في الشاهد غيرَ الأجسام؟
فإن كنتَ لا تبني إلا على ما تشاهد، فالحالُ في النوعينِ واحدٌ، فكيفَ أوَّلْتَ الاستواء والنزولَ، ولم تُؤوِّل العلم، والقدرة، فإمَّا أن تُؤوِّلَ في النوعين، أو تترك التأويل فيهما، مثبتًا لهما على وجهٍ يليقُ بكمالِ ذِي الجلالِ، وجلالِ ذي الكمالِ.
تتمة:
الرحمة والغضب:
ومن ذلك صفة الرحمة، فإن الخلف قالوا: إنّها في حقِّ الحقِّ سبحانه مجازٌ، وذلك أنّ أصلَ معناها رِقَّةٌ في القلب، تقتضي التفضّل والإحسان، فهي من الأعراضِ النفسانيّة التي تستحيلُ في حقِّه سبحانه وتعالى، فيُراد بها في حقِّه سبحانه إرادةُ الإنعام، أو الإنعامُ نفسُهُ، من قبيلِ إطلاقِ السَّببِ وإرادةِ المسببِ.
وقال السّلف ومن نحا نحوهم: إنّ وصفَ الله بالرحمةِ حقيقةٌ، وذلك أنّ الرحمةَ التي هي من الأعراض النفسانية هي الرحمةُ القائمةُ بنا، ولا يلزمُ من ذلك أن تكونَ الرحمةُ التي وُصف بها الحقُّ سبحانه مجازًا.
ألا ترى أنّ العلمَ القائمَ بنا من الأعراض النفسية، وقد وُصف الحقّ تعالى بالعلم، ولم يقل أحدٌ: إنّه في حقِّهِ تعالى مجازٌ.
والفرق بين النوعين من مقتضى الوهم، فالحقُّ أنّ وصفَ اللهِ تعالى بالرّحمةِ حقيقةٌ كوصفهِ بالعلم.
ومن هذا القبيل الغضبُ، فإنّ الخلف قالوا: إنه مجازٌ في حقِّ الحقِّ، وذلك أنّ أصلَ معناه ثورانٌ في الدم يقتضي الانتقامَ، ولما كان من الأعراض النفسانيةِ المشعرةِ بالانفعال والتغير من حال إلى حالٍ، كانت نسبته إليه سبحانه من نوعِ المُحَال، فيُراد به ما ينشأ عنه، وهو إرادةُ الانتقام، أو الانتقامُ نفسُهُ.
وقال السلف ومن نحا نحوهم: إنّ ثوران الدّم أمرٌ يُقارِن الغضبَ، وليسَ نفسَ الغضَب، كما أنّ صفرةَ الوجه أمرٌ يقارنُ الوَجَل، وليسَ نفسَ الوَجَل، وهذه الأشياء إنّما حدثتْ في الإنسان لكونه ذا مزاجٍ يقتضي الانفعالَ، فهو من مقتضيات الموصوفِ لا الصِّفَةِ.
فكما أنّا إذا أضفنا الغضبَ إلى الملائكةِ يلزمُ أَنْ لا نتصوَّرَ فيه ما يتصوَّرُ في غضبِ البَشَرِ من العوارض، التي تقتضيها حالُ البشريّةِ، لمخالفةِ حقيقة الملائكةِ حقيقةَ البشر.
فكذلك إذا أضفناهُ إلى الحقِّ يلزمُ أن نلحظَ فيه التّجرُّدَ عما يلحظُ فيه حين إضافتهِ إلى الخلقِ، فننسبُهُ إليه سبحانه على وجهٍ يليقُ بجلاله.
ومن عرفَ الدخولَ في هذه الطريقةِ نجا من غوائل المجاز، ووصل إلى الحقيقةِ، وسهل عليه فهمُ كثيرٍ ممّا يعدُّهُ الخلفُ متشابهًا، من آيات الكتاب المنزل، وأحاديثِ النّبيِّ المرسل، وتبيَّن لهُ المقصدُ الأسنى في الأسماءِ الحسنى.
وأمّا من لحظَ فيما نُسِبَ إلى الخالق مثلَ ما لَحَظَهُ فيما نُسِبَ إلى الخلقِ لم ينج من إشكال.
فإنّه إنْ أَثْبَتَ ذلك للحقِّ على الوجهِ الذي تصوَّرَهُ في الخلقِ وُسِمَ بالتّشبيهِ والتّمثيلِ.
وإِنْ نَفَى ذلكَ بالكلّيّةِ وُسِمَ بالتعطيل.
وإن ظنَّ أنَّ ظاهرَهُ يقتضي ما يتصوّرُهُ في الخلق، غيرَ أنّ الدّليل ألجأهُ إلى التّأويل رعايةً لجانبِ الحقِّ أوقعَ في النفوسِ أنَّ الشرعَ متشابِهٌ في أكثر المواقع، مُوهِمٌ لخلافِ الواقِع، وفي ذلك فتحٌ لبابٍ من المجاز يؤدّي إلى مَهَامه، يضلُّ فيها القطا، ولا يؤمنُ من الخطا.
وأمَّا من عرفَ من أوَّلِ الأمر أنّ صفاتِ الخالق لا تُشابهُ صفاتِ الخلق، فحملَ ما نُسِبَ إليه من صفاتٍ على ما يليقُ بكمالِ ذاتِهِ، فقد سلكَ إلى بابِ الحقيقةِ أحسنَ طريقةٍ:
رأى الأمرَ يُفضِي إلى آخِرٍ فصَيَّرَ آخِرَهُ أَوَلاً. (ص98-104).
لا تتفكّروا في ذات الله:
هذا وقد تصدّى بعضُ المتكلّمين لمباحث في الذّات والصّفات، ولو سكتوا عنها لكان أَقرَبَ إلى ما يقتضيه العقلُ والنّقلُ.
ولو سئل أحدهم عن تحقيق معرفةِ ذاتٍ واحدةٍ، من العلَم ما قدر.
ولو قيل له: كيف تدبِّرُ نفسُك بدنَها؟ وهل هي داخلةٌ فيه، أو خارجة عنه، أو ليست داخلة ولا خارجةً؟
وما هذا يتحرّك به الجسم الإنسانيُّ، ويحسُّ ويبصر، ويتخيّل، ويفكِّر؟ وهل هو جوهرٌ أو عَرَضٌ؟ وهل يرجع إلى واحدٍ أو كثيرٍ؟ وكيف قامت به صفاتُهُ؟ - ما وجد إلى معرفةِ ذلك دليلاً يعوِّلُ عليه، وتطمئنُّ نفسهُ إليه.
ولو رجع إلى نفسه عرفَ أنّه لم يقف على كُنْهِ ذاتها، وإنّما عرفها ببعض آثارها وصفاتها، وهو مع ذلك لم يعرف كيف قامت بها تلك الصفاتُ، ثم قال متمثلاً بقول القائل:
أتبعتُها فكري حتى إذا بلغت /// غاياتها بين تصويبٍ وتصعيدِ
رأيتُ موضعَ بُرهانٍ يلوحُ، وما /// رأيتُ موضع تكييفٍ وتحديدِ
ثم أتبعه بقول الآخر:
العلمُ للرحمن جلّ جلاله /// وسواهُ في غمراته يَتَغَمْغَمُ
ما للتّرابِ وللعلُومِ، وإنَّما /// يسعى ليعلَمَ أنّهُ لا يَعْلَمُ. (ص105-106).