منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام

آخر المشاركات [محاضرة] وقفات مع حادثة الإفك الجديدة | الشيخ عبد الله بن مرعي بن بريك (الكاتـب : أبو عبد الله الأثري - )           »          شرح كتاب (فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب) وكتاب (عمدة السالك وعدة الناسك) في الفقه الشافعي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          التنبيه على خيانة الصعافقة الهابطين في نشرهم مقطعا صوتيا للشيخ محمد بن هادي بعنوان كاذب! (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          تسجيلات المحاضرات واللقاءات المتنوعة (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كلمات بعد الصلوات (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          خطب الجمعة والأعياد (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الدورة العلمية في ماليزيا 1445هـ (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          صوتيات في الرد على الصعافقة وكشف علاقتهم بالإخوان وتعرية ثورتهم الكبرى على أهل السنة (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          بيان شيخنا محمد ابن شيخنا ربيع حول ما تكلم به محمود الرضواني بتكفير للأمير محمد بن سلمان حفظه الله... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          شهادتي على أبي أسامة الكوري هدي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-18-2023, 06:58 PM
الصورة الرمزية أسامة بن عطايا العتيبي
أسامة بن عطايا العتيبي أسامة بن عطايا العتيبي غير متواجد حالياً
المشرف العام-حفظه الله-
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 5,348
شكراً: 2
تم شكره 271 مرة في 211 مشاركة
افتراضي عقيدة السلف في وجوب بيعة ولي الأمر المسلم ولو كان جائرا في الحكم

عقيدة السلف في وجوب بيعة ولي الأمر المسلم ولو كان جائرا في الحكم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فهذا جزء مقتطف من كتابي "التعامل مع الحكام" المطبوع عام 1432هـ - 2011م بينت فيه قضية البيعة، وخاصة عند تعدد الأقطار، وكذلك لزوم البيعة للرعية بمبايعة أهل الحل والعقد دون لزوم حضور كل شخص ليبايع، وبينت أن البيعة تكون للسلطان المسلم ولو كان يحكم بالقوانين الوضعية..

وإن خطورة القول بعد لزوم البيعة لمن لا يحكم بالشريعة تكمن في جهال الأتباع والمقلدين الذين يجمعون بين عدم البيعة وبين التكفير أو تجويزهم الخروج على الحكام أو جواز الطعن فيهم كما نراه اليوم ممن ينتحلون بعض المشايخ الذين زلوا في هذه المسألة وصاروا يتخلقون بأخلاق الخوارج والمشايخ منهم ومن خارجيتهم براء..

فأحببت التأكيد على أهمية هذه القضية، وخطورة المسألة بسبب استغلال الخوارج والمندسين لها كما استغلوا قضية الإنكار العلني..

فليكن السلفي وقافا عند حدود الله، ولا تحملنه الغيرة للطعن في الحكام المسلمين أو الطعن في العلماء السلفيين إن زلوا وأخطؤوا..

والله الموفق


--------

وجوب مبايعة ولي الأمر المسلم، وأن من كان تحت ولايته فهو داخل في البيعة، وأن من مات وليس في عنقه بيعة فميتته ميتة جاهلية


إنَّ إقامة السلطان وولي الأمر (1) من الواجبات الدينية، ومما لا تتم مصالح الناس الدينية والدنيوية إلا به.
قال رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «لا بد للناس من أمير؛ بَرٍّ، أو فاجر، يعمل فيه المؤمن، ويستمتع فيه الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل» (2).

قال الحسن البصري - رحمه الله -: «والله لا يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغيظ (3)، وأنَّ فرقتهم لكفر» (4). يعني أنه كفر للنعمة، وهو كفر أصغر؛ لما سيأتي من الأدلة - إنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى -.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: «يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها ... ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا روي أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك ... فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال» (5).
وقال ابن رجب - رحمه الله -: «وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم» (6).

--------------------

فصل

إن الله تعالى فرض على المسلمين الاجتماع، وهذا هو الواجب، وأن يكون الناس على إمام واحد، وأن لا يتفرقوا، ولكن قد اقتضت إرادة الله الكونية وجود الفرقة والاختلاف، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الخلاف الحاصل في أمته والاقتتال بينهم، وكثرة الخلفاء وتعددهم، ومع ذلك ما جعل هذا الخلاف ولا هذا التعدد مبطلاً للبيعة، مانعاً من صحتها حال الحاجة والاضطرار.
فلابد من التفريق بين وقت الاختيار ووقت الحاجة والاضطرار.
ففي وقت الاختيار لا يجوز اختيار العبد الرقيق أن يكون أميراً على الأحرار، ولكن لو حصل أن تمكن العبد واستفحل أمره، وملك أمر جماعة من الأحرار لوجب عليهم طاعته بنص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» (7).
وقد اتفق أهل السنة على أن من شروط الإمامة أن يكون الإمام باختيار أهل الحل والعقد، ولكنهم اتفقوا أيضاً على أنه إذا سطا على الأمة بالسيف وتمكن من ملك البلاد والعباد صحت إمامته لاتفاقهم على إمامة عبدالملك بن مروان، وإمامة بني العباس رغم أنهم نازعوا بني أمية ملكهم، فلما استتب لهم الأمر صحت إمامتهم، ولزمت بيعتهم في أعناق الرعية.
قال الحافظ ابن حجر -رحمَهُ اللهُ-: «قال ابن بطال: ... وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء» (8).
وكذلك فرق أهل العلم بين حال الاختيار وحال الاضطرار فيما إذا تعدد الأئمة، وغلب كل على قطره.

فإن علياً - رضي الله عنه - لما بويع له بالخلاف، لم يبايعه أهل الشام، ولم يدخلوا تحت سلطانه، ثم أصبح هناك دولتان، دولة يحكمها الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، والدولة الثانية يحكمها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ولم يكن هذا التفرق وعدم اجتماع الناس على إمام واحد في قطرين متباينين موجباً لسقوط بيعتهما أو بيعة أحدهما إذا استتب له الأمر، وحصل بكل إمام مقاصد الإمامة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - وصف علياً - رضي الله عنه - بالخليفة في حديث سفينة: «ستكون الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (9)، فتبين ثبوت الإمامة الشرعية لمسلمٍ غلب على قُطرٍ، وتسلطن فيه، واستتب له الأمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والسُّنّة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوّابه، فإذا فرض أن الأئمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل حال إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق» (10).
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم» (11).
وقال الشوكاني في شرح قول صاحب الأزهار: «ولا يصح إمامان»:
«لما اتسعت أقطار الإسلام، ووقع الاختلاف بين أهله، واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان، اتفق أهله على أنه إذا مات بادروا بنصب من يقوم مقامه، وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد، بل هو إجماع المسلمين أجمعين، منذ قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الغاية، فما هو مرتبط بالسلطان من مصالح الدين والدنيا، ولو لم يكن منها إلا جمعهم على جهاد عدوهم، وتأمين سبلهم، وإنصاف مظلومهم من ظالمه، وأمرهم بما أمرهم الله به، ونهيهم عما نهاهم الله عنه، ونشر السنن، وإماتة البدع، وإقامة حدود الله، فمشروعية نصب السلطان هي من هذه الحيثية»، إلى أن قال: «وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته.
فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر.

فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته، وبايعه أهله؛ كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب.
ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق.
وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد».
ثم قال: «فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار.
ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها» (12).
وقال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رَحِمَهُ اللهُ: «فتعدد الخلافات الإسلامية ثابت من عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، وهي متعددة إلى يومنا هذا، والأئمة من أهل السنة كلهم متفقون على أن البيعة تكون للإمام أو للأمير الذي هم في حوزته، ولا أحد ينكر ذلك، وهذا الذي قاله تلبيس من الشيطان، وإلا فإنه من المعلوم أن طريق المسلمين كلهم إلى يومنا هذا أن يبايعوا لمن كانت له الولاية على منطقتهم، ويرون أنه واجب الطاعة.
فنسأل هذا الرجل: إذا كنت لا ترى أن البيعة إلا لإمام واحد على عموم المسلمين، فمعنى ذلك: أن الناس الآن أصبحوا كلهم بلا إمام، وهذا شيء مستحيل متعذر!
و أننا أخذنا بهذا الرأي لأصبحت الأمور فوضى، كل إنسان يقول: ليس لأحد عليَّ طاعة، ولا يخفى ما في هذا القول من المنكر العظيم» (13).
وسئل أيضاً رحمه الله: ما رأيكم فيمن يقول: إن أحاديث السمع والطاعة لولاة الأمر تنصرف إلى القائد العام الذي يقود المسلمين جميعًا؟

فأجاب رحمه الله: رأينا أن هذا ليس بصحيح، كل ولي أمر تجب طاعته، حتى الرجل في أهل بيته يجب على أهل بيته طاعته ما لم يأمرهم بمعصية، حتى القوم الثلاثة إذا سافروا وأمَّروا أحدهم وجب عليهم طاعته؛ لعموم الأدلة على وجوب طاعة الأمير.
ثم إن الخليفة الواحد على سائر الأمة هذا قد انقضى زمنه منذ عهد بعيد، من حين انقرض عهد الخلفاء الراشدين الأربعة تمزقت الأمة، فبنو أمية في الشام وما حوله، وعبد الله بن الزبير في الحجاز وما حوله، وآخرون في المشرق وما حوله، وآخرون في اليمن، تمزقت الأمة، ومع ذلك فكل العلماء الذين يتكلمون على وجوب السمع والطاعة يتكلمون على وجوب السمع والطاعة في عهدهم مع تفرقهم، وكل إقليم أو ما أشبهه فيه أمير يختص به، وعلى هذا الرأي الفاسد الباطل، معناه: أن الآن ليس للأمة إمام، والأمة الآن تعيش في أمر جاهل، ليس هناك إمام ولا رعية، ولا سلطان ولا مسلط عليه.
ثم نقول لهؤلاء: إن كنتم صادقين؛ فأوجدوا لنا إمامًا عامًا لكل الأمة، لا يستطيعون.
اللهم إلا إذا جاء المهدي، فهذا أمره إلى الله عز وجل» (14).
وسئل أيضاً رحمه الله: «فضيلة الشيخ، هناك من يحاول أن يشكك في أمر البيعة لولاة أمرنا بأمور منها: أن البيعة لا تكون إلا للإمام الأعظم، أو بقوله: أنا لم أبايع، أو بقوله: أن البيعة فقط للملِك وليس لإخوته، فما قولك؟
فأجاب رَحِمَهُ اللهُ: «الجواب: لا شك أن هذا من جنس ما أشرنا إليه في أول سؤال سُئِلنا إياه، وأنَّ هذا خاطئ، وإذا مات صاحبه فإنه يموت ميتة جاهلية؛ لأنه سيموت وليس في رقبته بيعة لأحد.
والقواعد العامة في الشريعة الإسلامية أن الله يقول: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
فإذا لم يوجد خليفةٌ للمسلمين عمومًا؛ فمن كان ولي أمر في منطقة؛ فهو ولي أمرها، وإلا لو قلنا بهذا الرأي الضال؛ لكان الناس الآن ليس لهم خليفة، ولكان كل الناس يموتون ميتة جاهلية، ومن يقول بهذا؟!
الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة، تعلمون أن عبد الله بن الزبير في مكة، وبنو أمية في الشام، وكذلك في اليمن أناس، وفي مصر أناس، وما زال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هو فيه، ويبايعونه ويدعونه بـ «أمير المؤمنين»، ولا أحد ينكر ذلك.
فهذا شاق لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة، ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اسمعوا وأطيعوا؛ وإن تأمر عليكم عبد حبشي». هذه واحدة.
الثانية: يقول: إنه لم يبايع.
وهذه في الحقيقة دعوة جاهل من أجهل عباد الله، الصحابة - رضي الله عنهم - لما بايعوا أبا بكر، هل كل عجوز وكل شيخ وكل يافع جاء وبايع، أم بايعه أهل الحل والعقد؟
فإذا بايع أهل الحل والعقد أميرًا على البلاد؛ فقد تمت البيعة، وصار أميرًا تجب طاعته.
والثالث: أنهم ما بايعوا للملِك، ما الذي أدراهم أنهم ما بايعوا للملك، الناس بايعوا للملك، أنا حضرتُ البيعة لخالد - رحمة الله عليه -، وللملك فهد وبايعنا، صحيح ما جاء كل صغير وكبير يبايعونه، إنما بايع أهل الحل والعقد فقط.

ثم إنه إذا بويع الإنسان بالإمرة على بلد من البلاد، ثم جعل له ولي عهد؛ فهو ولي عهدٍ مِن بعدِه، إذا انتهت ولاية الأول صار هذا الثاني - بدون مبايعة - ولي أمر، ولا يصلح الناس إلا هذا، لو قلنا: إن ولي العهد ليس له ولاية عهد حتى يبايَع من جديد، صار فيه فوضى؛ لكن مثل هذه الآراء يلقيها الشيطان في قلوب بعض الناس؛ من أجل أن يفرق جماعة المسلمين، ويحصل التحريش الذي بيَّنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «إن الشيطان قد أَيِسَ أن يُعْبَد في جزيرة العرب؛ ولكن بالتحريش بينهم» (15).
فبلِّغ هذا الأخ نصيحتي إياه، أن يتقي الله عز وجل، وأن يعتقد أنه الآن في ظل أميرٍ ذي ولاية عليه، حتى لا يموت بعد ذلك ميتة جاهلية» (16).

------------------

فصلٌ

ومبايعة أهل الحل والعقد للسلطان المسلم في قطره الذي تحت ولايته وسلطانه لازمة عليهم، وملزمة لمن يقع تحت سلطان ولي الأمر؛ كما عليه أهل السنة والجماعة.
فإنه لما بايع أهل الحل والعقد أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لزمت هذه البيعة جميع المسلمين.
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] الآية.
فأمر الله - عز وجل - بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمور المسلمين، وهذا يتضمن الإقرار ببيعتهم، وأنهم داخلون تحت ولايتهم، ملزمون ببيعتهم.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (17).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية» (18).
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإنَّهُ من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية» (19).
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «من خرج من الطاعة شبرًا فمات فميتته جاهلية» (20).
وقيل للإمام يحيى بن يحيى - رحمه الله -: البيعة مكروهة؟ قال: لا. قيل له: فإن كانوا أئمة جور؟ فقال: «قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان (21)، وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالكٌ عنه أنه كتب إليه وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه. قال يحيى بن يحيى: والبيعة خير من الفرقة» (22).
وقال الإمام الحسن بن علي البربهاري - رحمه الله -: «والسمع والطاعة للأئمة فيما يحبُّ الله ويرضى، ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين، ولا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إمامًا؛ برًّا كان أو فاجرًا» (23).

وقد سبق نقل كلام آخر لشيخنا العلامة ابن عثيمين رَحِمَهُ اللهُ في تأكيده لهذا الأمر، فكان مما قال واصفاً من يجعل أمر البيعة خاصاً بكل فرد من الرعية، وأن من لم يبايع بنفسه فهو في حل من البيعة!: «وهذه في الحقيقة دعوة جاهل من أجهل عباد الله، الصحابة - رضي الله عنهم - لما بايعوا أبا بكر، هل كل عجوز وكل شيخ وكل يافع جاء وبايع، أم بايعه أهل الحل والعقد؟
فإذا بايع أهل الحل والعقد أميرًا على البلاد؛ فقد تمت البيعة، وصار أميرًا تجب طاعته».

----------------------

فصل


والبيعة تكون على الكتاب والسنة، على السمع والطاعة في المنشط والمكره، حتى لو كان الإمام مخالفاً للشرع بارتكاب قوانين مخالفة للشرع، فمخالفته على نفسه، وينصح بالطرق الشرعية، ولكن البيعة لازمة في عنق رعيته، ولا فرق في لزوم البيعة بين الإمام الطائع والإمام الجائر كمن يحكم بالقوانين الوضعية في كثير من شؤون دولته، فالبيعة إنما تكون على السمع والطاعة في المعروف، وأن الإمام إذا أمر بمعصية فلا يطاع في المعصية، ولا يخرج عليه، ولا تنزع البيعة، ولا يسقط واجب السمع والطاعة بسبب أمره بالمعصية مهما عظمت إذا كان باقياً على الإسلام.
وعلى هذا علماء أهل السنة من السابقين والمعاصرين، لم يختلف منهم أحد في لزوم بيعة السلطان ولو كان عنده من المعاصي والذنوب ما عنده ما دام أنه باق على الإٍسلام، ومع أن بعض تلك الدول تحكم بالقوانين الوضعية في كثير من شؤون بلادهم، وممن نص على ذلك سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين، وسماحة الشيخ ابن عبدالعزيز آل الشيخ.
فمن قال إن الحاكم المسلم الذي لا يحكم بالشرع لا تجب له البيعة إلا إذا طلبها فهذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم، وهو قول مخالف لعموم أدلة الشرع، ومخالف لما نص عليه أهل العلم. والله أعلم.
فقد سئل شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رَحِمَهُ اللهُ: «بالنسبة للحاكم الجزائري، يا شيخ الآن الشباب الذين طلعوا من السجون أكثرهم لا زال فيهم بعض الدخن حتى وإن طلعوا من السجون وعفي عنهم لكن لا زالوا يتكلمون في مسألة التكفير ومسألة تكفير الحاكم بالعين، وأن هذا الحاكم الذي في الجزائر، حاكم كافر ولا بيعة له ولا سمع ولا طاعة لا في معروف ولا منكر، لأنهم يكفرونهم ويجعلون الجزائر يا شيخ أرض كفر.
فقال الشيخ: دار كفر؟
قال السائل: إي، دار كفر، نعم يا شيخ لأنهم يقولون إن القوانين التي فيها قوانين غربية ليست بقوانين إسلامية، فما نصيحتكم أولا لهؤلاء الشباب؟ وهل للحاكم الجزائري بيعة علما يا شيخ بأنه يأتي يعتمر ويظهر شعائر الإسلام.
قال الشيخ: يصلي أو لا يصلي؟
قال السائل: يصلي يا شيخ.
قال الشيخ: إذن هو مسلم.
قال السائل: وأتى واعتمر هنا من حوالي عشرين يوما أو شهر كان هنا في المملكة.
فقال الشيخ: ما دام يصلي فهو مسلم، ولا يجوز تكفيره، ولهذا لما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخروج على الحكام قال: «لا ما صلوا».
فلا يجوز الخروج عليه و لا يجوز تكفيره من كفره فهذا بتكفيره يريد أن تعود المسألة جذعاً، فله بيعة، وهو حاكم شرعي» (24).

__________
(1) وردت في الشرع عدة ألقاب وأسماء لمن يكون إماماً للمسلمين وسلطاناً لهم فمنها: «الخليفة»، و «الأمير»، و «الإمام»، و «السلطان»، و «الملك»، و «الوالي»، ووصفوا بأنهم أولو الأمر، والرعاة المسؤولون عن رعيتهم، وأدلتها كثيرة مبثوثة في هذه الرسالة.
(2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 557رقم37907)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 184) وسنده حسن.

(3) كذا في كتاب الشريعة، وجامع العلوم والحكم، والمعنى -والله أعلم- أن طاعة أولياء الأمور غيظ للشيطان وللنفس الأمارة بالسوء وللخوارج وأهل الفتن.
(4) انظر: الشريعة للآجري (4/ 1709)، وجامع العلوم والحكم (2/ 117حديث رقم: 28).
(5) مجموع الفتاوى (28/ 290 - 291).
(6) جامع العلوم والحكم (2/ 117 - الرسالة).
(7) رواه البخاريُّ في صحيحه (6/ 2612 رقم: 6723) من حديث أنس رضي الله عنه.
(8) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/ 33)، وفتح الباري لابن حجر (13/ 37).

(9) رواه علي بن الجعد في مسنده (ص/479رقم3323)، والإمام أحمد في مسنده (5/ 220 - 221)، وفي فضائل الصحابة (1/ 487رقم789، 790، 1027)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (4/ 163رقم1944)، وأبو داود في سننه (4/ 211رقم4646 - 4647)، والترمذي في سننه (4/ 503رقم2226)، والنسائي في السنن الكبرى (5/ 47رقم8155)، وابن أبي عاصم في السنة (2/ 562رقم1181)، وفي الآحاد والمثاني (1/ 116رقم113)، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة (2/ 591رقم1402)، وابن حبان في صحيحه (15/ 34رقم6657)، وفي كتابه الثقات (2/ 304)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (8/ 414 - 415)، والروياني في مسنده (1/ 438رقم666)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (3/ 156)، والآجري في الشريعة (4/ 1703رقم1177)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (8/ 1386رقم2654 - 2655) من طريق سعيد بن جهمان عن سفينة - رضي الله عنه - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الْخِلاَفَةُ في أمتي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ بعدَ ذلكَ مُلْكاً» وهو حديث صحيح، وانظر: السلسلة الصحيحة (1/ 742رقم459).
(10) انظر: مجموع الفتاوى (34/ 175).
(11) انظر: الدرر السنة (9/ 5).
(12) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني (4/ 503 - 512).
(13) لقاء الباب المفتوح-شريط27
(14) لقاء الباب المفتوح-شريط94.
(15) رواه مسلم (4/ 2166رقم2812) عن جابر - رضي الله عنه -.
(16) لقاء الباب المفتوح-شريط128.
(17) رواه مسلم (رقم1851)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(18) رواه الإمام أحمد (4/ 96)، والطبراني في المعجم الكبير (19/ 388)، وابن حبان في صحيحه (رقم4573) عن معاوية رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.
(19) رواه البخاري (6/ 2588رقم6646)، ومسلم (3/ 1477رقم1849) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وروى مسلم (3/ 1477رقم1849) نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(20) رواه معمر في جامعه (11/ 330رقم20682)، والخلال في السنة (1/ 87رقم22) وغيرهما، وسنده صحيح غاية.
(21) رواه البخاريُّ في صحيحه (6/ 2634 رقم: 6777 - البغا).
(22) الاعتصام (2/ 627).
(23) شرح السنة (ص/75 - 76 - تحقيق: د.خالد الردادي).
(24) فتاوى العلماء الأكابر فيما أهدر من دماء في الجزائر (ص/95 - 96).


والله أعلم


كتبه:

د. أسامة بن عطايا العتيبي
3/ 3/ 1445هـ
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:49 PM.


powered by vbulletin