![]() |
(( مختصر زاد المعاد ))
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- القائل: «من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدِّين». أمَّا بعدُ : فهذه سلسلة مباركة أنقُل فيها -بإذن الله تعالى- وعلى شكل حلقات متتالية- كتاب الإمام المجدد: «محمد بن عبد الوهاب التميمي» -رحمه الله تعالى-: «مختصر زاد المعاد» للإمام العلم شيخ الإسلام الثاني، ابن قيِّم الجوزية –رحمه الله تعالى-، قاصدًا من هذا العمل وجه الله أولًا، ومساعدة من لا يُسعفه وقته إمَّا لانشغاله، أو لجلوسه ساعات طويلة خلف شاشات الحاسوب، وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) (!)، مما يَذهب بالكثير من الأوقات التي يستفيد منها طالب العلم.. وبما أنَّ الكتاب مختصر ومقسَّم إلى فصول بلغت الستين (60) فصلًا، سأجعل المشاركات بعدد فصول الكتاب، ولن أعلق على شيء من أصل الكتاب إلَّا إذا اقتضى الأمر توضيح ضعف حديث أو نقل فائدة زائدة، ولن أفعل هذا -في الغالب- كثيرًا.. والله أسأل الإخلاص في القول والعمل، والمسامحة على الزلل والخطل، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه والتَّابعين وكتب: في ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رجب سنة: 1432هـ أبو موسى الأردني أحمد بن عيَّاش بن موسى الغرايبة -غفر الله له ولوالديه- آمين والحمد لله ربِّ العالمين *************************************** [مقدمة المؤلف] بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة والعصمة الحمد لله رب العالمين، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسوله. أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالخلق والاختيار. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: 68] والمراد بالاختيار: هو الاجتباء والاصطفاء، وقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] أي: ليس هذا الاختيار إليهم، فكما أنه المتفرد بالخلق، فهو المتفرد بالاختيار منه، فإنه أعلم بمواقع اختياره، كما قال تَعَالَى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: 31 - 32] فأنكر سبحانه عليهم تخيرهم، وأخبر أن ذلك إلى الذي قسم بينهم معيشتهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: 68] نزَّه نفسه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم، ولم يكن شركهم متضمنًا لإثبات خالق سواه حتى ينزه نفسه عنه. والآية مذكورة بعد قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: 67]. وكما أنه خلقهم اختار منهم هؤلاء، وهذا الاختيار راجع إلى حكمته سبحانه، وعلمه بمن هُوَ أَهْلٌ لَهُ، لَا إِلَى اخْتِيَارِ هَؤُلَاءِ واقتراحهم. وهذا الاختيار فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ وَأَكْبَرِ شَوَاهِدِ وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ. وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي من تشاء إلى صراط مستقيم» [مسلم : (770)] . وكذلك اختياره سبحانه الأنبياء من ولد آدم، واختياره الرسل منهم، واختياره أولي العزم منهم، وهم الخمسة المذكورون في سورتي الأحزاب والشورى واختياره مِنْهُمُ الْخَلِيلَيْنِ: إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وسلم وعليهم أجمعين. وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ وَلَدَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ أَجْنَاسِ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي كِنَانَةَ مِنْ خُزَيْمَةَ، ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ وَلَدِ كِنَانَةَ قُرَيْشًا ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واختار أمته على سائر الأمم. كما في المسند عن معاوية بن حيدة مرفوعًا: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ». وفي «مسند البزار» من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «إن الله سبحانه قال لعيسى بن مريم: «إني باعث بَعْدَكَ أُمَّةً إِنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا وَشَكَرُوا، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلَا حِلْمَ وَلَا عِلْمَ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ هَذَا وَلَا حِلْمَ وَلَا عِلْمَ؟ قَالَ: أعطيهم من حلمي وعلمي». (( يتبع الفصل الأول من الكتاب )) إن شاء الله تعالى |
جزاك ربي خيرا أخي أبا موسى |
«مختصر زاد المعاد» ..::[2]::.. [فَصْلٌ اخْتَصَّ اللهُ نَفْسَهُ بِالطَّيِّبِ] وَبِهَذَا يُعْلَمُ عُنْوَانُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَشَقَاوَتِهِ، فَإِنَّ الطَّيِّبَ لَا يُنَاسِبُهُ إِلَّا الطَّيِّبُ وَلَا يَرْضَى إِلَّا بِهِ، وَلَا يَسْكُنُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ إِلَّا بِهِ. فَلَهُ مِنَ الْكَلَامِ الكلام الطيب الذي لا يصعد إلى الله إلا هو، وهو أشد نفرة عن الفحش في المقال وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْبُهْتِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَكُلِّ كَلَامٍ خَبِيثٍ. وَكَذَلِكَ لَا يَأْلَفُ مِنَ الْأَعْمَالِ إلا أطيبها، وهي التي أجمعت عَلَى حُسْنِهَا الْفِطَرُ السَّلِيمَةُ مَعَ الشَّرَائِعِ النَّبَوِيَّةِ، وزكتها العقول الصحيحة، مثل أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب إليه بجهده، وَيُحْسِنَ إِلَى خَلْقِهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَفْعَلَ بِهِمْ ما يحب أن يفعلوه به. وله من الأخلاق أطيبها، كالحلم والوقار، والصبر والرحمة، والوفاء والصدق، وسلامة الصدر، والتواضع، وصيانة الوجه عن بذل وتذلله لغير الله. وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَارُ مِنَ الْمَطَاعِمِ إِلَّا أَطْيَبَهَا، وهو الحلال الهنيء الَّذِي يُغَذِّي الْبَدَنَ وَالرُّوحَ أَحْسَنَ تَغْذِيَةٍ مَعَ سَلَامَةِ الْعَبْدِ مِنْ تَبِعَتِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَارُ من المناكح إلا أطيبها، ومن الأصحاب إلا الطيبين. فهذا ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32] ومن الذين تقول لَهُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزُّمَرِ: 73] وَهَذِهِ الْفَاءُ تَقْتَضِي السَّبَبِيَّةَ، أَيْ: بِسَبَبِ طيبكم فادخلوها. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: 26]. ففسرت بالكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين، والكلمات الطيبات للرجال الطيبين. وفسرت بالنساء الطيبات للرجال الطيبين وبالعكس، وهي تعم ذلك وغيره. والله سبحانه جَعَلَ الطَّيِّبَ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَجَعَلَ الْخَبِيثَ بحذافيره في النار، فدار أخلصت للطيب، ودار أخلصت للخبيث، ودار مزج فيها الخبيث بالطيب، وهي هذه الدار، فإذا كان يوم المعاد، ميز الله الخبيث من الطيب، فعاد الأمر إلى دارين فقط. والمقصود أن الله جعل للشقاوة والسعادة عنوانا يعرفان به، وقد يكون في الرجل مادتان، فأيهما غلبت عَلَيْهِ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، فَإِنْ أَرَادَ اللهُ بعبده خيرًا طهره قبل الموافاة فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار. وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره العبد في داره بخبائثه، فيدخله النار طهرة له، وإقامة هذا النوع فيها على حسب سرعة زوال الخبائث وبطئها. ولما كان المشرك خبيث الذات، لم تطهره النار، كالكلب إذا دخل البحر. ولما كان المؤمن الطيب بريئًا مِنَ الْخَبَائِثِ، كَانَتِ النَّارُ حَرَامًا عَلَيْهِ، إِذْ ليس فيه ما يقتضي تطهيره، فسبحان من بهرت حكمته العقول. |
«مختصر زاد المعاد» ..::[3]::.. [فَصْلٌ فِيْ وُجُوْبِ مَعْرِفَةِ هَدْيِ الرَّسُوْلِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-] ومن ههنا يعلم اضْطِّرَارَ الْعِبَادِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الرسول [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] وما جاء به، فإنه لا سبيل إلى الفلاح إلا على يديه، ولا إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهته، فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت، فضرورة العبد إلى الرسول [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] فوقها بكثير. وما ظنك بمن إن غَابَ عَنْكَ هَدْيُهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ طَرْفَةَ عين فسد قلبك، وَلَكِنْ لَا يُحِسُّ بِهَذَا إِلَّا قَلْبٌ حَيٌّ، وما لجرح بميت إيلام، وإذا كانت السعادة معلقة بهديه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ من أحب نجاة نفسه أَنْ يَعْرِفَ مِنْ هَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ وَشَأْنِهِ مَا يخرج به عن خطة الجاهلين. وَالنَّاسُ فِي هَذَا بَيْنَ مُسْتَقِلٍّ وَمُسْتَكْثِرٍ وَمَحْرُومٍ، وَالْفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذو الفضل العظيم. |
«مختصر زاد المعاد» ..::[4]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْوُضُوءِ] كَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي غَالِبِ أَحْيَانِهِ، وَرُبَّمَا صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. وَكَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ تَارَةً وَبِثُلُثَيْهِ تَارَةً، وَبِأَزْيَدَ مِنْهُ تارة. وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ النَّاسِ صَبًّا لِمَاءِ الْوُضُوءِ، ويُحذِّر أمته من الإسراف فيه، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا. وَفِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مَرَّتَيْنِ، وَبَعْضِهَا ثَلَاثًا. وَكَانَ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ تَارَةً بِغَرْفَةٍ، وَتَارَةً بِغَرْفَتَيْنِ، وَتَارَةً بِثَلَاثٍ، وَكَانَ يَصِلُ بَيْنَ المضمضة والاستنشاق. وكان يستنشق باليمين وينتثر باليسرى، وكان يمسح رأسه كله تارة، وتارة يقبل بيديه ويدبر بهما. ولم يصح أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ الْبَتَّةَ، ولكن كان إذا مسح على ناصيته كمَّل على العمامة، ولم يتوضأ إِلَّا تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ أخل بهما مرة واحدة. وقد صرح الإمام ابن القيم في أكثر من موضع من كتبه: بوجوب المضمضة والاستنشاق. وكذلك الوضوء مرتبًا متواليًا، ولم يخلَّ به مرة واحدة، وَكَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُونَا فِي جوربين أو خفين، ويمسح أُذنيه مع رأسه ظاهرهما وباطنهما. وكل حديث في أذكار الوضوء التي تقال عليه كذب، غير التسمية في أوله، وقول: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المتطهرين» في آخره. وحديث آخر في سنن النسائي: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» وَلَمْ يَكُنْ يقول في أوله: نويت. ولا أحد من الصحابة ألبتة. وَلَمْ يَتَجَاوَزِ الثَّلَاثَ قَطُّ [قلت: أي في عدد مرات غسل الأعضاء]. وَكَذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين. ولم يكن يعتاد تنشيف أعضائه. وكان يخلل لحيته أحيانًا ولم يواظب على ذلك، وكذلك تخليل الأصابع ولم يكن يحافظ عليه، وأما تحريك الخاتم فروي فيه حديث ضعيف. وصح عنه أنه مسحفي الحضر والسَّفر، وَوَقَّتَ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولياليهن، وكان يمسح ظاهر الخفين، ومسح على الجوربين، وَمَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا وَمَعَ النَّاصِيَةِ، ولكن يحتمل أن يكون خاصًا بحال الحاجة، ويحتمل العموم وهو أظهر. وَلَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّفُ ضِدَّ حَالِهِ الَّتِي عَلَيْهَا قدماه، بل إن كانتا في الخفين مسح، وإن كانتا مكشوفتين غسل. وكان يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين، ويتيمم بِالْأَرْضِ الَّتِي يُصَلِّي عَلَيْهَا تُرَابًا كَانَتْ أَوْ سَبْخَةً أَوْ رَمْلًا. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «حَيْثُمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وطهوره» وَلَمَّا سَافَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قطعوا تلك الرمال وَمَاؤُهُمْ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ حَمَلَ مَعَهُ التُّرَابَ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، ولا فعله أحد من أصحابه. وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا قَطَعَ بِأَنَّهُ كَانَ يَتَيَمَّمُ بالرمل. وجعله قائمًا مقام الْوُضُوءِ [قلت: يعني التيمم، حال فقد الماء] .. |
«مختصر زاد المعاد» ..::[5]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الصَّلَاةِ] كَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَبْلَهَا، ولا تلفظ بالنية، ولا استحبه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة. وَكَانَ دَأْبُهُ فِي إِحْرَامِهِ لَفْظَةَ: اللهُ أَكْبَرُ. لا غيرها، وكان يرفع يديه معها ممدودتي الأصابع، مستقبلا بهما الْقِبْلَةَ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، وَرُوِيَ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى.=قال أبو موسى: إلى هنا تنتهي عبارة الإمام ابن القيم –رحمه الله-، ولا زيادة عليها في الأصل، وما يأتي من الكلام؛ هو من إضافة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحم الله الجميع-، وفي الجملة التي أدرجها نَظَرٌ عند الأئمة فالصحيح أنَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يضع اليمنى على اليسرى على صدره، وانظر لزامًا: «أصل صفة الصلاة» للشيخ الألباني: (1/215).= [فوق الرسغ والساعد، ولم يصح عنه موضع وضعهما، لكن ذكر أبو داود عن علي: من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة] . وَكَانَ يَسْتَفْتِحُ تَارَةً بِـ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ» وَتَارَةً يَقُولُ: «وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر السموات وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ»، «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، واصرف عني سيئها لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وأتوب إليك» ولكن المحفوظ أنه فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَتَارَةً يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل. .» إلى آخره. وقد تقدم. وَتَارَةً يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السموات والأرض ومن فيهن» إلى آخره [انظر صحيح مسلم: (769)] . ثم ذكر [أي ابن القيم] نوعين آخرين، ثم قال: فكل هذه الأنواع قد صحت عنه. وروي عنه أنه كان يستفتح بـ «سبحانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إله غيرك» ذكره أهل «السنن» والذي قَبْلَهُ أَثْبَتُ مِنْهُ. وَلَكِنْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ أنه يَسْتَفْتِحُ بِهِ فِي مَقَامِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلم- ويجهر به، يعلمه الناس. قال أحمد أذهب إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عمر، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ بِبَعْضِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان حسنا. وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ. وَكَانَ يَجْهَرُ بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» تارة ويخفيها أكثر. وَكَانَتْ قِرَاءَتَهُ مَدًّا، يَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَيَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَالَ: «آمِينَ» فَإِنْ كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَهَا مَنْ خَلْفَهُ. وَكَانَ له سكتتان: سكتة بين التكبيرة والقراءة، واختلف في الثانية، فروي بعد الفاتحة، وروي أنها قبل الركوع. وقيل: بل سكتتان غير الأولى، والظاهر أنهما اثنتان فقط، وأما الثالثة فلطيفة، لأجل تراد النفس، فمن لم يذكرها، فلقصرها [قلت: موضوع السكتات فيه كلام عند الفقهاء ولمزيد تفصيل انظر: «أصل صفة الصلاة»: (1/346)، و(2/601)]. فإذا فرغ من قراءة الْفَاتِحَةِ أَخَذَ فِي سُورَةٍ غَيْرِهَا، وَكَانَ يُطِيلُهَا تَارَةً وَيُخَفِّفُهَا لِعَارِضٍ مِنْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، ويتوسط فيها غالبا. |
«مختصر زاد المعاد» ..::[6]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي القراءة في صَلاةِ الفَجْرِ] وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِنَحْوِ سِتِّينَ آيَةً إلى مائة، وصلاها بـ (سورة: ق)، وصلَّاهَا بـ (سورة: الرُّومِ) ، وَصَلَّاهَا بِـ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، وَصَلَّاهَا بسورة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ في الركعتين كلتيهما، َوصَلَّاهَا (بالمعوذتين) ، وكان في السَّفر، وَصَلَّاهَا: فاستفتح سُورَةِ: (الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ ذِكْرَ مُوسَى وَهَارُونَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. وكان يصليها يوم الجمعة بـ: (الم السجدة)، وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، لِمَا اشتملتا عليه من الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَخَلْقِ آدَمَ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وذكر ما كان وما يكون في يوم الجمعة، كَمَا كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ الْعِظَامِ، كَالْأَعْيَادِ والجمعة بـ (سورة: ق)، وَ(اقْتَرَبَتْ)، وَ(سَبِّحْ)، وَ(الْغَاشِيَةِ). |
(( مختصر زاد المعاد )) ..::[7]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[7]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي القراءة في باقي الصَّلوات] [قراءته في الظهر] وَأَمَّا الظُّهْرُ، فَكَانَ يُطِيلُ قِرَاءَتَهَا أَحْيَانًا، حَتَّى قَالَ أبو سعيد [الخدري –رضي الله عنه-]: كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، [سوق في المدينة]، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ، وَيُدْرِكُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطِيلُهَا. رَوَاهُ مسلم. وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا تَارَةً بِقَدْرِ ﴿الم - تنزيل﴾ السجدة،وَتَارَةً بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. [قراءته في العصر] وأما العصر، فَعَلى النِّصف من قراءة الظُّهْرِ إِذَا طَالَتْ، وَبِقَدْرِهَا إِذَا قَصُرَتْ. [قراءته في المغرب] وَأَمَّا الْمَغْرِبُ، فَكَانَ هَدْيُهُ فِيهَا خِلَافَ عَمَلِ النَّاسِ اليوم، فإنه صلاها مرة بـ (الأعراف) في الركعتين، ومرة بـ (الطور)، ومرة بـ (المرسلات). وأما المداومة على قراءة قصار المفصل فيها، فهو من فعل مروان [هو : ابن الحكم] . ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت قال ابن عبد البر: «روي عنه أنه قرأ في المغرب بـ ﴿المص﴾، وبـ (الصافات) ، وبـ (الدخان) و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وبـ (التين)، وبـ (المعوذتين)، وبـ (الْمُرْسَلَاتِ) وَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ؛ وكلها آثار صحاح مشهورة». [قراءته في العشاء الآخرة] وأما عشاء الآخرة، فقرأ -صلى الله عليه وسلم- فيها بـ (التين)، وَوَقَّتَ لمعاذ فِيهَا: بِـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وبـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وَنَحْوِهَا. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ [أي على معاذٍ] قِرَاءَتَهُ فِيهَا بـ (البقرة)، وقال لَهُ: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا معاذ؟» فَتَعَلَّقَ النَّقَّارُونَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَا قَبْلَهَا وما بَعْدَهَا. [قراءته في الجمعة] وَأَمَّا الْجُمُعَةُ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِسُورَتَيِ (الجمعة)، و(المنافقين) [في الزاد: كاملتين]، وسورتي: (سبح)، و(الغاشية). [قراءته في العيدين] وأما الأعياد، فتارة يقرأ بـ (ق) و (اقتربت) كاملتين، وتارة بـ (سبح)، و(الغاشية)، وهذا الهدي الذي استمر عَلَيْهِ إِلَى أَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. ولهذا أخذ به الخلفاء، فقرأ أبو بكر [رضي الله عنه] في الفجر سورة (البقرة) حتى سلم قريبًا من طلوع الشمس. وكان بعده عُمر يقرأ فيها بـ (يوسف)، و(النحل)، و(هود)، و(بني إسرائيل) ونحوها. وأما قوله: «أيكم أمّ الناس فليخفف» فالتَّخفيف أمر نسبي يُرجع فيه إِلَى مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم-، لا إلى شهوات المأمومين. وهديُه الذي كان يواظب عليه، هو الحاكم في كل ما تنازع فيه المتنازعون. وكان لا يعين سورة بعينها لا يقرأ إلا بها، إلا في الجمعة والعيدين. وكان من هديه قراءة السورة، وربما قرأها في الركعتين. وَأَمَّا قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا، فَلَمْ يُحْفَظْ عنه. وأما قراءة السورتين في الركعة، فكان يفعله في النافلة. وَأَمَّا قِرَاءَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ مَعًا، فقلما كان يفعله. وكان يطل الركعة الأولى على الثانية من كُلِّ صَلَاةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ يُطِيلُهَا، حَتَّى لَا يسمع وقع قدم. |
(( مختصر زاد المعاد )) ..::[8]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[8]::.. [فَصْلٌ فِي ركوعه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-] فإذا فرغ من القراءة، رفع يديه وَكَبَّرَ رَاكِعًا. وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَالْقَابِضِ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ، فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَسَطَ ظهره ومده، واعتدل فلم ينصب رأسه ولم يخفضه، بل حيال ظهره. فلم ينصب رأسه ولم يخفضه، بل حيال ظهره. وَكَانَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ». وَتَارَةً يَقُولُ مَعَ ذَلِكَ، أَوْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». وَكَانَ رُكُوعُهُ المعتاد مقدار عشر تسبيحات، وسجوده كذلك، وَتَارَةً يَجْعَلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بِقَدْرِ الْقِيَامِ، وَلَكِنْ كان يفعله أحيانا في صلاة الليل وحده. فهديه الغالب تَعْدِيلُ الصَّلَاةِ وَتَنَاسُبُهَا. وَكَانَ يَقُولُ أَيْضًا فِي رُكُوعِهِ: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ». وَتَارَةً يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي»، وَهَذَا إِنَّمَا حُفِظَ عَنْهُ فِي قِيَامِ الليل. ثم يرفع رأسه قَائِلًا: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَكَانَ دَائِمًا يُقِيمُ صُلْبَهُ، إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَيَقُولُ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». وكان إذا استوى قال: «ربنا ولك الحمد» وربما قال: «اللهم ربنا لك الحمد» وأما الجمع بين اللهم والواو، فَلَمْ يَصِحَّ [قال أبو موسى: يعني -رحمه الله- لفظة: «اللهم ربنا ولك الحمد»، قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في :« أصل صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-»، (2/681): «وأخرجه أحمد: (2/417) من طريق سُهيل عن أبيه به نحوه، وفيه: «اللهم ربنا! ولك الحمد». بزيادة الواو.وإسناده صحيح على شرط مسلم»اهـ. وقال –رحمه الله- في: «أصل صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-»، (2/ 683): «إن إنكار ابن القيم في «الزاد» (1/78)، لصحة هذه الرواية الجامعة بين: (اللهم!) و: (الواو) ؛ ذهولٌ منه لا يجوز أن يُغتر به؛ لثبوتها في «البخاري» وغيره؛ ولذلك تعجب منه الزرقاني في «شرح المواهب» (7/318)، ورد عليه الحافظ في «الفتح»، (2/225)، وقد أخرجها البخاري (2/224) ، وأحمد أيضاً (2/452) من طرق عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا قال: «سمع الله لمن حمده»؛ قال: «اللهم ربنا! ولك الحمد». وقد وجدت له طريقاً أخرى أخرجها النسائي (1/162)، وأحمد (2/270) عن عبد الرزاق قال: ثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا رفع رأسه من الركوع؛ قال: «اللهم ربنا! ولك الحمد». وهذا سند صحيح على شرط الشيخين» اهـ.]. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ إِطَالَةُ هَذَا الركن بقدر الركوع، فصح عنه أنه كان يقول فيه: «اللهم ربنا لك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بينهما، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيهِ: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَرَّرَ فِيهِ قَوْلَهُ: «لِرَبِّيَ الْحَمْدُ، لربي الحمد». حتى كان بقدر ركوعه. وذكر مسلم عَنْ أنس: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ. ثُمَّ يَسْجُدُ ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم فهذا هديه المعلوم، وَتَقْصِيرُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ مِمَّا تَصَرَّفَ فِيهِ أُمَرَاءُ بني أمية حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ. |
(( مختصر زاد المعاد )) ..::[9]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[9]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سُجُودِهِ] ثُمَّ كَانَ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا، وَلَا يرفع يديه. [قال أبو موسى: مسألة رفع اليدين مع كل تكبيرة فيها خلاف بين العلماء وقد فصل القول فيها الشيخ الألباني في «أصل صفة الصلاة»، وحسن الحديث الوارد فيها فليراجعه من أحب التفصيل في باب : (التكبير ورفع اليدين عند الهوي إلى السجود، 2/706، من الكتاب)]. وكان يضع ركبتيه ثُمَّ يَدَيْهِ بَعْدَهُمَا، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ. هذَا هو الصحيح [قلت: من أراد التفصيل فليراجع الإحالة الماضية، والخلاف في هذه المسألة مشهور، وهو عائد إلى أين هي ركبتا البعير فمن قائل في يديه ، ومن قائل في رجليه، وكلُّ بنى حكمه على هذا الاعتبار، ولا إنكار فيها على المخالف، والأصل فيها مخالفة بروك البعير، والله أعلم.]، فكان أَوَّلُ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ الْأَقْرَبَ إليها فالأقرب، وأول ما يرتفع الأعلى فالأعلى، فإذا رفع رأسه أول، ثم يديه، ثم ركبتيه، وهكذا عكس فعل البعير. وهو نهي عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، فَنَهَى عَنْ بُرُوكٍ كَبُرُوكِ الْبَعِيرِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ، وَافْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَنَقْرٍ كَنَقْرِ الْغُرَابِ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي وَقْتَ السَّلَامِ كأذناب الخيل الشمس. وكان يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ دُونَ كَوْرِ الْعِمَامَةِ، ولم يثبت عنه السجود عليه، وكان يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ كَثِيرًا، وَعَلَى الْمَاءِ وَالطِّينِ، وَعَلَى الْخُمْرَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ خُوصِ النَّخْلِ[قلت : يقابلها في زماننا السجادة، والله أعلم]، وَعَلَى الْحَصِيرِ الْمُتَّخَذِ مِنْهُ، وَعَلَى الْفَرْوَةِ الْمَدْبُوغَةِ. وَكَانَ إِذَا سَجَدَ مَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ، ونحى يديه عن جنبيه، وجافاهما حتى يرى بياض إبطيه، وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه، ويعتدل فِي سُجُودِهِ، وَيَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، ويبسط كفيه وأصابعه، ولا يفرج بينهما، ولا يقبضهما. وَكَانَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» وَأَمَرَ بِهِ، ويقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». ويقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ». وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتَ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ». وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ». وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغفر لي خطاياي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وخطاياي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أَعْلَنْتُ أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ». وَأَمَرَ بِالِاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، وَقَالَ: «إنه قمن أن يستجاب لكم». |
(( مختصر زاد المعاد )) ..::[10]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[10]::.. [فَصْلٌ فِي كَيْفيَّة جلوسه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإِشارتِه فِي التَّشهُّد] ثم يرفع رأسه مكبرًا غير رافع يديه، ثم يجلس مفترشًا يفرش اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع يديه على فخذيه، ويجعل مرفقيه على فخذيه، وطرف يده على ركبتيه، ويقبض اثنتين من أصابعه، وحلق حلقة، ثم يرفع إصبعه يدعو بها، ولا يحركها، ثم يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» هكذا ذكره ابن عباس عنه. وذكر حذيفة عنه أنه كان يقول: «رب اغفر لي» ثم ينهض على صدور قدميه وركبتيه، معتمدا على فخذيه[قلت: النهوض بالاعتماد على الفخذين فيه حديث منقطع، وانظر –لزامًا-: «أصل صفة الصلاة»(3/819)]، فإذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت، كما يسكت عند الاستفتاح. ثم يصلي الثانية كالأولى إِلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: السُّكُوتِ وَالِاسْتِفْتَاحِ، وَتَكْبِيرَةِ الإحرام، وتطويلها. فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فخذه الأيسر، ويده اليمنى على فخذه الأيمن، وأشار بالسبابة، وكان لا ينصبها نصبا، ولا يقيمها، بل يحنيها شيئا يسيرًا، ولا يحركها، ويرفعها يدعو بها، ويرمي بصره إليها، ويبسط اليسرى على [فخذه، وفي رواية: ركبته]، وَيَتَحَامَلُ عَلَيْهَا. وَأَمَّا صِفَةُ جُلُوسِهِ، فَكَمَا تَقَدَّمَ بين السجدتين سواء. وأما حديث ابن الزبير الذي رواه مسلم كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الأيسر بين فخذه وساقه، وفرش قدمه الأيمن. فهذا في التشهد الأخير. ذكر ابن الزبير أنه يفرش اليمين، وذكر أبو حميد أنه ينصبها، وهذا والله أعلم ليس باختلاف، فإنه كان لا يجلس عليها، بَلْ يُخْرِجُهَا عَنْ يَمِينِهِ، فَتَكُونُ بَيْنَ الْمَنْصُوبَةِ والمفروشة، أو يقال: كان يفعل هذا وهذا، فكان ينصبها، وربما فرشها أحيانا، وهو أروح. ثم كان يتشهد دائما بهذه الْجِلْسَةِ، وَيُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقُولُوا: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أن محمدًا عبده ورسوله» وكان يخففه جدًا كأنه يصلي على الرضف [الرضف: الحجرات المحماة بالنار] وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ قَطُّ أَنَّهُ كان يصلي عليه وعلى آله فيه، ولا يستعيذ فيه من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَمَنِ استحبه فإنما فهمه من عمومات قد تبين موقعها وَتَقْيِيدُهَا بِالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. ثُمَّ كَانَ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَعَلَى رُكْبَتَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى فخذيه[انظر –لزامًا- صفة الصلاة» للشيخ الألباني]. وفي «صحيح مسلم» وبعض طرق البخاري أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، ثُمَّ كَانَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ عنه أنه قرأ في الأخيرتين بعد الفاتحة شيئا. ولم يكن من هديه الالتفات في الصلاة. وفي «صحيح البخاري» أنه سئل عنه، فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العبد» وكان يفعله في الصلاة أحيانا لعارض، لم يكن من فعله الراتب، كالتفاته إلى الشعب الذي بعث إليه الطليعة والله أعلم. وكان يدعو بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَقَبْلَ السَّلَامِ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ فِي حديث أبي هريرة وحديث فضالة. وأما الدعاء بعد السلام مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوِ الْمَأْمُومِينَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ من هديه أصلا وَعَامَّةُ الْأَدْعِيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا فَعَلَهَا فِيهَا وَأَمَرَ بِهَا فِيهَا. وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ المصلي، فإنه مقبل على ربه، فإذا سلم زال ذلك. ثُمَّ كَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَعَنْ يساره كذلك» ، هذا كان فعله الراتب، وروي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه، لكن لم يثبت[انظر «صفة الصلاة» للشيخ الألباني]، وأجود ما فيه حديث عائشة وهو في «السنن»، لكنه في قيام الليل، وهو حديث معلول، على أنه لَيْسَ صَرِيحًا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ. وكان يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» وَكَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ أَيْضًا: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي داري، وبارك لي في ما رَزَقْتَنِي» وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تعلم» والمحفوظ في أدعيته كلها في الصلاة بلفظ الإفراد. «وكان إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ طَأْطَأَ رَأْسَهُ» ، ذَكَرَهُ أحمد، «وَكَانَ فِي التَّشَهُّدِ لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ» ، وقد جعل الله قرة عينه ونعيمه في الصلاة، فكان يقول: «يا بلال أرحنا بالصلاة» ولم يشغله ذلك عن مراعاة المأمومين مع كمال حضور قلبه. «وَكَانَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَيُخَفِّفُهَا مَخَافَةَ أَنْ يَشُقَّ على أمه» ، وَكَذَلِكَ «كَانَ يُصَلِّي الْفَرْضَ وَهُوَ حَامِلٌ أمامة بنت ابنته عَلَى عَاتِقِهِ، إِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا رَكَعَ وسجد وضعها» ، «وكان يصلي فيجيء الحسن والحسين فيركبان على ظَهْرَهُ، فَيُطِيلُ السَّجْدَةَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُلْقِيَهُ عَنْ ظهره» ، «وكان يصلي فتجيء عائشة فيمشي، فيفتح لها الباب، ثم يرجع إلى مصلاه» . «وكان يرد السلام بالإشارة». وأما حديث «من أشار في صلاته فليعدها» فحديث باطل. وكان ينفخ في صلاته، ذكره أحمد وكان يبكي فيها، ويتنحنح لحاجة. «وكان يصلي حافيا تارة، ومنتعلا أخرى» وأمر بالصلاة في النعل مخالفة اليهود وَكَانَ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ تَارَةً، وَفِي الثَّوْبَيْنِ تَارَةً وَهُوَ أَكْثَرُ. وَقَنَتَ فِي الْفَجْرِ بعد الركوع شهرًا ثم ترك، وكان قنوته لعارض، فلما زال تركه، فكان هديه الْقُنُوتَ فِي النَّوَازِلِ خَاصَّةً، وَتَرْكَهُ عِنْدَ عَدِمِهَا، وَلَمْ يَكُنْ يَخُصُّهُ بِالْفَجْرِ، بَلْ كَانَ أَكْثَرُ قنوته فيه لأجل ما يشرع فيه من الطول، ولقربها من السحر وساعة الإجابة، والتنزل الإلهي. |
جزاك الله خيرا أخي الحبيب ووفقك وبارك في جهودك |
(( مختصر زاد المعاد )) ..::[11]::..
اقتباس:
بارك الله فيك على المرور ووفقنا الله وإياك لما فيه الخير والصلاح والبر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ «مختصر زاد المعاد» ..::[11]::.. [فَصْلٌ فِي هديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في سُجود السَّهو] وَثَبَتَ عَنْهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «إنما أنا بشر أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» وَكَانَ لسهوه من تمام النعمة على أمته، وإكمال دينهم، ليقتدوا به، فقام من اثنتين في الرباعية. فلما قضى صلاته، سجد قبل السلام، فأُخذ منه أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ التي ليست بأركان سَجَدَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأُخِذَ مِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ ذَلِكَ، وَشَرَعَ فِي ركن لم يرجع. «وسلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشاء، ثُمَّ تَكَلَّمَ، ثُمَّ أَتَمَّهَا، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سجد ثم سلم. وصلى وسلم، وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة، فقال له طلحة: نسيت ركعة. فرجع فدخل المسجد، فأمر بلالًا فأقام، فصلى للناس ركعة» ، ذكره أحمد. صلى الظهر خمسًا، فقالوا: صليت خمسًا. فسجد بعد ما سلم. وَصَلَّى الْعَصْرَ ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَذَكَّرَهُ النَّاسُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثم سجد، ثم سلم. هذا مجموع ما حفظ عنه، وهي خمسة مواضع. ولم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة، وكرهه أحمد وغيره، وقالوا: هو من فعل اليهود وأباحه جماعة، والصواب أن الفتح إن كان لا يخل بالخشوع، فهو أفضل، وإن حال بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرف وغيره، فهناك لا يكره. «وكان إذا سلم استغفر ثلاثا» ، ثم قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذا الجلال والإكرام» ولا يمكث مستقبل القبلة إلا بقدر ذلك، ويسرع الانفتال إلى المأمومين. وكان [ينفتل] عن يمينه وعن يساره، ثُمَّ كَانَ يُقْبِلُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ بِوَجْهِهِ، وَلَا يَخُصُّ نَاحِيَةً مِنْهُمْ دُونَ نَاحِيَةٍ. وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشمس حسناء. وَكَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلَّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذا الجد منك الجد، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، ولو كره الكافرون» وَنَدَبَ أُمَّتَهُ إِلَى أَنْ يَقُولُوا فِي دُبُرِ كل صلاة مكتوبة: «سُبْحَانَ اللَّهِ. ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. ثَلَاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين ; وَتَمَامُ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وهو على كل شيء قدير». وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنِ الحارث بن مسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم-: «إذا صليت الصبح، فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ يومك كتب الله لك جوازا مِنَ النَّارِ، وَإِذَا صَلَّيْتَ الْمَغْرِبَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، كَتَبَ الله لك جوازا من النار» [الحديث ضعيف، وانظر «الضعيفة» (1624) فإن فيها في هذا الموضع بحثًا رائقًا يدلك على علم الشيخ الألباني –رحمه الله- وعلو كعبه في هذا العلم! ] وكان إذا صلى إلى جدار ؛ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرَ مَمَرِّ الشَّاةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَبَاعَدُ مِنْهُ، بَلْ «أَمَرَ بِالْقُرْبِ مِنَ السُّتْرَةِ» ، «وَكَانَ إِذَا صَلَّى إِلَى عُودٍ، أَوْ عَمُودٍ، أَوْ شَجَرَةٍ، جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ، أَوِ الْأَيْسَرِ، وَلَمْ يَصْمُدْ لَهُ صَمْدًا»[الحديث ضعيف –أيضًا-، وانظر «ضعيف أبي داود الأم» (109) فإن فيه ثلاث علل كما ذكر ذلك الألباني –رحمه الله- ]، «وَكَانَ يَرْكُزُ الْحَرْبَةَ فِي السَّفَرِ، وَالْبَرِّيَّةِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، فَتَكُونُ سُتْرَتَهُ» ، «وَكَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا» ، «وكان يأخذ الرحل، فيعدله، ويصلي إِلَى آخِرَتِهِ» ، «وَأَمَرَ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَسْتَتِرَ ; وَلَوْ بِسَهْمٍ، أَوْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَخُطَّ خطا بالأرض» [الحديث ضعيف –أيضًا-، وانظر «ضعيف أبي داود الأم» (107)، و«تمام المنة» (ص:300)، «الضعيفة» رقم:(5813)، و«التعليقات الحسان» (2355)] ، فإن لم تكن سترة، فقد صح عنه أنه: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود» ومعارضه صحيح ليس بصريح، أو صريح ليس بصحيح. وكان يصلي وعائشة نائمة في قبلته، وليس كالمار، فإن الرجل يحرم عليه المرور، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَابِثًا بَيْنَ يدي المصلي. |
(( مختصر زاد المعاد )) ..::[12]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[12]::.. [فَصْلٌ فِي هديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في السُّنن الرَّواتب والتَّطوعات] وكان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحَافِظُ عَلَى عَشْرِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ دَائِمًا، وَهِيَ الَّتِي قَالَ فيها ابن عمر: «حفظت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وركعتين بعد المغرب، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صلاة الفجر»[متفق عليه]، «ولما فاتته الركعتان بعد الظهر، قضاهما في وقت النهي بعد العصر»[متفق عليه]، «وكان يصلي أحيانًا قبل الظهر أربعًا»[صحيح]، وأما الركعتان قبل المغرب، فصح عنه أنه قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين وقال فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا الناس سنة»[البخاري]، وهذا هو الصواب؛ أنها مستحبة، وليست سنة راتبة. وَكَانَ يُصَلِّي عَامَّةَ السُّنَنِ وَالتَّطَوُّعَ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ فِي بَيْتِهِ لَا سِيَّمَا سُنَّةُ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَهَا في المسجد ألبتة، وله فعلها في المسجد، وكان محافظته عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ أَشَدَّ مِنْ جَمِيعِ النَّوَافِلِ، وكذلك لم يكن يدعها هي والوتر، لا حضرًا ولا سفرًا، ولم ينقل عنه أنه صلى في السفر سنة راتبة غيرهما. وقد اختلف الفقهاء أيهما آكد؟ وسنة الْفَجْرِ تَجْرِي مَجْرَى بِدَايَةِ الْعَمَلِ، وَالْوِتْرُ خَاتَمَتُهُ، ولذلك كان يصليهما بسورتي (الإخلاص) و (الكافرون) وَهُمَا الْجَامِعَتَانِ لِتَوْحِيدِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَتَوْحِيدِ الْمَعْرِفَةِ والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] متضمنة لما يجب إثباته له تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه ووحدانيته، ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظير، فتضمنت إثبات كل كمال، ونفي كل نقص، ونفي إثبات شبيه له أو مثيل في كماله، ونفي مطلق الشركة، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الَّذِي يُبَايِنُ صَاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلَالِ وَالشِّرْكِ، ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن، فإن مَدَارُهُ عَلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ، وَالْإِنْشَاءُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَإِبَاحَةٌ. وَالْخَبَرُ نَوْعَانِ: خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ تَعَالَى، وَأَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَأَحْكَامِهِ، وَخَبَرٌ عن خلقه. فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عَنْهُ، وَعَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَعَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وخلَّصت قارئها من الشرك العلمي كما خلصته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] من الشرك العملي، وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَهُوَ إِمَامُهُ وسائقه، والحاكم عليه كانت ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن. ولما كان الشرك العملي أغلب على النفوس لمتابعة الهوى، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته، وقلعه أشد من قلع الشرك العلمي، لأنه يزول بالحجة، وَلَا يُمْكِنُ صَاحِبُهُ أَنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ عَلَى غير ما هو عليه، جاء التأكيد والتكرير في ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الطواف، لأن الحج شعار التوحيد، ويفتح بهما عمل النهار، ويختم بهما عمل الليل. وكان يَضْطَجِعُ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وقد غلا فيها طائفتان، فأوجبها طائفة من أهل الظاهر، وكرهها جماعة، وَسَمَّوْهَا بِدْعَةً، وَتَوَسَّطَ فِيهَا مالك وَغَيْرُهُ، فَلَمْ يَرَوْا بِهَا بَأْسًا لِمَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً، وَكَرِهُوهَا لمن فعلها اسْتِسْنَانًا. |
رد: (( مختصر زاد المعاد )) ..:: [13]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[13]::.. [فَصْلٌ فِي هديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قِيَامِ اللَّيْل] لم يكن -صلى الله عليه وسلم- يدع صلاة الليل حضرًا ولا سفرًا، وإذا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثنتي عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لا يُقضى، لفوات محله، كتحية المسجد، والكسوف، والاستسقاء، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ صَلَاةِ الليل وترًا. وكان قيامه بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ركعة، حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَاخْتُلِفَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، هَلْ هُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ، أم غَيْرُهُمَا؟ . فَإِذَا انْضَافَ ذَلِكَ إِلَى عَدَدِ رَكَعَاتِ الْفَرْضِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ الَّتِي كَانَ يُحَافِظُ عَلَيْهَا، جَاءَ مَجْمُوعُ وِرْدِهِ الرَّاتِبِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَرْبَعِينَ ركعة، كان يحافظ عليها دائمًا، وما زاد على ذلك فغير راتب. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى هَذَا الْوِرْدِ دَائِمًا إِلَى الْمَمَاتِ، فَمَا أَسْرَعَ الْإِجَابَةَ، وَأَعْجَلَ فَتْحَ الْبَابِ لِمَنْ يَقْرَعُهُ كُلَّ يَوْمٍ وليلة أربعين مرة، والله المستعان. «وكان إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (1)، «وَكَانَ إِذَا انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ثُمَّ يَتَسَوَّكُ، وربما قرأ عشر الآيات من آخر سورة (آلِ عِمْرَانَ) مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190] ثم يتطهر، ثم يصلي ركعتين خَفِيفَتَيْنِ»، وَأَمَرَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وكان يقوم إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بعده بقليل» ، وَكَانَ يَقْطَعُ وِرْدَهُ تَارَةً، وَيَصِلُهُ تَارَةً، وَهُوَ الأكثر، فتقطيعه كما قال ابن عباس: «إنه بعد ما صلى ركعتين انصرف، فنام، فعل ذلك ثلاث مرات في ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ ثم أوتر بثلاث». وكان وتره أنواعا، منها: هذا، ومنها: أن «يصلي ثماني ركعات يسلم بعد كل ركعتين، ثم يوتر بخمس سردا متواليات، لا يجلس إلا في آخرهن» ، «ومنها: تِسْعُ رَكَعَاتٍ يَسْرُدُ مِنْهُنَّ ثَمَانِيًا، لَا يَجْلِسُ إلا في الثامنة، يجلس فيذكر الله، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يصلي التاسعة، ثم يقعد فيتشهد ويسلم، ثم يصلي بعدها ركعتين بعد ما يسلم» . ومنها أن «يُصَلِّي سَبْعًا، كَالتِّسْعِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا ركعتين جالسا» . ومنها: أن «يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى، ثُمَّ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يفصل بينهن» ، فهذا رواه أحمد، عَنْ عائشة، أَنَّهُ: «كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا فصل فيهن» . وفيه نظر (2) ، ففي «صحيح ابن حبان» عن أبي هريرة مرفوعًا: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ، أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ، ولا تشبهوا بصلاة المغرب» قال الدارقطني وإسناده كلهم ثقات. قال حرب: سُئِلَ أحمد عَنِ الْوِتْرِ؛ قَالَ: يُسَلِّمُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ، رَجَوْتُ أَلَّا يَضُرَّهُ، إِلَّا أَنَّ التَّسْلِيمَ أَثْبَتُ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وقال في رواية أبي طالب: أَكْثَرَ الْحَدِيثِ وَأَقْوَاهُ رَكْعَةٌ، فَأَنَا أَذْهَبُ إِلَيْهَا. ومنها مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ حذيفة أَنَّهُ: «صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في صلاة رَمَضَانَ، فَرَكَعَ، فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ مِثْلَ مَا كَانَ قَائِمًا» ، الحديث. وفيه: «فَمَا صَلَّى إِلَّا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ يَدْعُوهُ إِلَى الْغَدَاةِ» . وَأَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ووسطه، وآخره، وقام ليلة بآية يتلوها، ويرددها حتى الصباح ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةِ: 118]. وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ أَكْثَرُهَا، صَلَاتُهُ قَائِمًا. الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يصلي قَاعِدًا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا، فَإِذَا بَقِيَ يَسِيرٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَامَ فَرَكَعَ قَائِمًا، وثبت عنه أنه كان يصلي ركعتين بعد الوتر جَالِسًا تَارَةً، وَتَارَةً يَقْرَأُ فِيهِمَا جَالِسًا، فَإِذَا أراد أن يركع قام فركع. وقد أشكل هذا على كثير، وظنوه معارضًا لقوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» قال أَحْمَدُ لَا أَفْعَلُهُ وَلَا أَمْنَعُ مَنْ فَعْلَهُ، قال: وأنكره مالك والصواب أن الوتر عبادة مستقلة. فَتَجْرِي الرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ مَجْرَى سُنَّةِ الْمَغْرِبِ مِنَ المغرب، فهما تكميل للوتر. وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْوِتْرِ، إِلَّا فِي حَدِيثٍ رواه ابن ماجه قال أحمد: لَيْسَ يُرْوَى فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْءٌ، وَلَكِنْ كَانَ عمر يَقْنُتُ من السنة إلى السنة. وروى أهل «السنن» حديث الحسن بن علي وقال الترمذي حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوجه من حديث أبي هريرة (3) السعدي انْتَهَى، وَالْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ مَحْفُوظٌ عَنْ عمر، وأُبي، وابن مسعود وَذَكَرَ أبو داود وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم-: «كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سبح﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» ثلاث مرات يمد صوته في الثالثة ويرفع» وكان -صلى الله عليه وسم- يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ منها، والمقصود من القرآن تدبره وتفهمه، والعمل به، وتلاوته، وحفظه وَسِيلَةٌ إِلَى مَعَانِيهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا. قال شعبة: حدثنا أبو حمزة قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَجُلٌ سَرِيعُ القراءة، وربما قرأت القرآن في الليلة مرة أو مرتين. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً وَاحِدَةً، أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ الَّذِي تَفْعَلُ، فَإِنْ كُنْتَ فاعلًا لا بد، فاقرأ قراءة تسمع أذنيك، ويعيه قلبك». وقال إبراهيم: قرأ علقمة على عبد الله، فَقَالَ: «رَتِّلْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، فَإِنَّهُ زَيْنُ القرآن». وقال عبد الله: «لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ». وقال: «إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَصْغِ لَهَا سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، أو شر تنهى عنه». وقال عبد الرحمن بن أبي ليل: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ وَأَنَا أَقْرَأُ (سُورَةَ هُودٍ) فقالت لي: يَا عبد الرحمن هَكَذَا تَقْرَأُ سُورَةَ هُودٍ؟! وَاللَّهِ إِنِّي فِيهَا مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَمَا فَرَغْتُ مِنْ قِرَاءَتِهَا. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يسر بالقرآن في صلاة الليل تارة، ويجهر تارة، ويطيل القيام تارة، ويخففه تَارَةً، وَكَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى راحلته في السفر، قبل أي وجه تَوَجَّهَتْ بِهِ، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهَا إِيمَاءً، وَيَجْعَلُ سجوده أخفض من ركوعه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) (ضعيف) وانظر: «مشكاة المصابيح»(1/382) الحديث رقم: (1214)، و«تخريج الكلم الطيب» الحديث رقم : (45)، و«التعليقات الحسان» (5506)، و«الصحيحة» (3151). (2) قال الشيخ الألباني في : «صلاة التراويح» (ص: 112) : «الإيثار بثلاث بتشهدين كصلاة المغرب لم يأت فيه حديث صحيح صريح بل هو لا يخلو من كراهة ولذلك نختار أن لا يقعد بين الشفع والوتر وإذا قعد سلم وهذا هو الأفضل لما تقدم. والله الموفق لا رب سواه» . (3) كذا، وفي الأصل: « أبي الحوراء السعدي، واسمه ربيعة بن شيبان »(1/335)، ط:«الرسالة»، وذكر المحشي على نسخة «مختصر زاد المعاد» والتي أنقل منها: أن في الأصل: أبي الجون، وهو تحريف من الناسخ!. |
(( مختصر زاد المعاد )) ..::[14]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[14]::.. [فَصْلٌ فِي هديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في صَلاةِ الضُّحَى] روى البخاري في صحيحه عن عائشة قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا». وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قبل أن أرقد»، ولمسلم عن زيد ابن أرقم مرفوعًا: «صلاة الأوابين حين تَرْمَضُ الْفِصَالُ» أَيْ: يَشْتَدُّ حَرُّ النَّهَارِ، فَتَجِدُ الفصال حر الرمضاء، فقد أوصى بها، وكان يستغني عنها بقيام الليل. قال مسروق: كنا نصلي فِي الْمَسْجِدِ، فَنَبْقَى بَعْدَ قِيَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثم نقوم فنلي الضحى، فبلغه، فَقَالَ: لِمَ تُحَمِّلُونَ عِبَادَ اللهِ مَا لَمْ يُحَمِّلْهُمُ اللهُ؟ إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ ففي بيوتكم. وقال سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إِنِّي لَأَدَعُ صَلَاةَ الضُّحَى وأنا أشتهيها، مخافة أن أراها حتمًا عليَّ. «وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- وَهَدْيِ أَصْحَابِهِ، سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ تسر، أو اندفاع نقمة» ، «وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا مر بآية سجدة - كَبَّرَ وَسَجَدَ، وَرُبَّمَا قَالَ فِي سُجُودِهِ: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بحوله وقوته» ولم ينقل عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ لِلرَّفْعِ مِنْ هَذَا السجود، ولا تشهد، ولا سلم ألبتة. وصح عنه أَنَّهُ سَجَدَ فِي ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ وَفِي ﴿ص﴾ وفي ﴿اقرأ﴾ وَفِي ﴿النَّجْمِ﴾ وَفِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:1] وَذَكَرَ أبو داود، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي المفصل، وفي (سورة الحج) سجدتين (1). وأما حديث ابن عباس، أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَسْجُدْ فِي المفصل منذ تحول إلى المدينة، فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (2)، فِي إِسْنَادِهِ أبو قدامة الحارث بن عبيد، ولا يحتج بحديثه، وأعله ابن القطان بمطر الوراق، وقال: كان يشبه فِي سُوءِ الْحِفْظِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعِيبَ عَلَى مسلم إِخْرَاجُ حديثه. انتهى. وَلَا عَيْبَ عَلَى مسلم فِي إِخْرَاجِ حَدِيثِهِ لِأَنَّهُ يَنْتَقِي مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ حَفِظَهُ، كَمَا يَطْرَحُ مِنْ أَحَادِيثِ اليقظة ما يعلم أنه غلط فيه، فمن الناس من صحح جميع أحاديث هؤلاء الثقات، ومنهم من ضعف جميع حديث السيئ الْحِفْظِ، فَالْأُولَى طَرِيقَةُ الحاكم وَأَمْثَالِهِ، وَالثَّانِيَةُ طَرِيقَةُ ابن حزم وَأَشْكَالِهِ، وَطَرِيقَةُ مسلم هِيَ طَرِيقَةُ أئمة هذا الشأن. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هذا الأثر ضعيف وقد قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في «تمام المنة» (ص: 269): قوله: «مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا فعن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان. رواه أبو داود و ... و ... و ... وحسنه المنذري والنووي». قلت: كلا ليس بحسن لأن فيه مجهولين فقد قال الحافظ في «التلخيص» بعد أن نقل تحسين المنذري والنووي للحديث: «وضعفه عبد الحق وابن قطان وفيه عبد الله بن منين وهو مجهول والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي وهو لا يعرف أيضًا. وقال ابن ماكولا: ليس له غير هذا الحديث». ولذلك اختار الطحاوي أن ليس في (الحج) سجدة ثانية قرب آخرها وهو مذهب ابن حزم في «المحلى» قال: «لأنه لم يصح فيها سنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أجمع عليها وصح عن عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله وأبي الدرداء السجود فيها».... إلى أن قال: «وبالجملة فالحديث مع ضعف إسناده قد شهد له اتفاق الأمة على العمل بغالبه ومجيء الأحاديث الصحيحة شاهدة لبقيته إلا سجدة الحج الثانية فلم يوجد ما يشهد لها من السنة والاتفاق إلا أن عمل بعض الصحابة على السجود فيها قد يستأنس بذلك على مشروعيتها ولا سيما ولا يعرف لهم مخالف. والله أعلم» ا.هـ. (2) وهو كما قال، وراجع «مشكاة المصابيح» (1034)، و«ضعيف أبي داود الأم» (251). |
رد: (( مختصر زاد المعاد )) ..:: [15]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[15]::.. [فَصْلٌ فِي هديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الْجُمُعَةِ، وذِكْرِ خَصائِصِ يَومِها] صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا وكان لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا فَهَدَانَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم لنا تبع يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ» (1). وللترمذي وصححه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» (2). ورواه في الموطأ وصححه الترمذي أيضا بلفظ: «خير يوم طلعت فيه الشمس، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيها سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إِيَّاهُ»، قَالَ كعب: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يوم. فقلت: بل كل جمعة. فقرأ التَّوْرَاةَ فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال أبو هريرة: ثم لقيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كعب، فقال: لقد علمت أي سَاعَةٍ هِيَ قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي بِهَا. قَالَ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي» وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا. فَقَالَ ابن سلام: ألم يَقُلْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فهو في صلاة حتى يصلي؟» (3) . وفي لفظ في مسند أحمد في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: «لِأَنَّ فِيهَا طُبِعَتْ طِينَةُ أَبِيكَ آدَمَ، وَفِيهَا الصَّعْقَةُ وَالْبَعْثَةُ، وَفِيهَا الْبَطْشَةُ، وَفِي آخِرِهِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ، مِنْهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا الله فيها استجيب له»(4). وذكر ابن إسحاق عَنْ عبد الرحمن بن كعب بن مالك قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي حِينَ كُفَّ بَصَرُهُ، فَإِذَا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان لها، استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فكنت حيا أسمع ذلك منه، فقلت: إن عجزا أن لا أسأله. فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَرَأَيْتَ اسْتِغْفَارَكَ لِأَسْعَدَ بْنِ زرارة كلما سمعت الأذان بالجمعة؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ كَانَ أسعد أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، فِي نَقِيعٍ يُقَالُ له نقيع الخضمات. قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا. قال البيهقي هذا حسن صحيح الإسناد. انتهى (5). ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينة، فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَصَلَّاهَا في المسجد الذي في بطن الوادي قبل تأسيس مسجده. قال ابن إسحاق: وكانت أول خطبة خطبها فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن - وأعوذ بالله أن أقول على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يقل- «أنه قام فيهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ ربه ليس بينه وبينه تُرْجُمَانٌ، وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ، أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكَ، وَآتَيْتُكَ مَالًا، وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَلَيَنْظُرَنَّ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النار ولو بشق تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنَّ بِهَا تُجْزَى الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ». قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، نَعُوذُ باللهِ من شرور أنفسنا، ومن سيئات أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريك لَهُ. إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيَّنَهُ اللهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَدْخَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ، فَاخْتَارَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ، إِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَبْلَغُهُ، أَحِبُّوا مَا أَحَبَّ اللهُ، أَحِبُّوا اللهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تَمَلُّوا كَلَامَ اللهِ وَذِكْرَهُ، وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّهُ مِنْ كُلِّ مَا يَخْلُقُ اللهُ يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي، قَدْ سَمَّاهُ اللهُ خِيرَتَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمُصْطَفَاهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَالصَّالِحَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَمِنْ كُلِّ مَا أُوتِيَ النَّاسُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاصْدُقُوا اللهَ صَالِحَ مَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ، وَتَحَابُّوا بروح الله بينكم، إن الله يبغض أَنْ يُنْكَثَ عَهْدُهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبركاته»(6). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في «صحيح الجامع الصغير وزيادته» (1/ 234): (صحيح) ... [م ن هـ] عن حذيفة وأبي هريرة. التعليق على بداية السول: (17)، وصحيح الترغيب: (701). (2) قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في «صحيح الجامع الصغير وزيادته» (1/629): (صحيح) ... [حم م ت] عن أبي هريرة. مختصر مسلم: (400)، الصحيحة: (1502): ك. (3) قال أبو موسى: وتتمته كما في : «صحيح أبي داود - الأم» (4/212): «قال: فقلت: بلى. قال: هو ذاك»، قال الشيخ الألباني –رحمه الله-: «قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وكذلك صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الترمذي أيضًا. وطرفه الأول عند مسلم. وبعضه صححه ابن جان. وروى الشيخان منه ساعة الإجابة»، وقال –رحمه الله- في «صحيح الجامع» (3334): (صحيح) ... [مالك حم 3 حب ك] عن أبي هريرة. صحيح أبي داود: (961، 1024)، الإرواء: (773). (4) ضعيف كما في «مشكاة المصابيح» (1/431)، ح: (1365)، و«ضعيف الترغيب والترهيب» (1/109)، ح: (430). (5) قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في: «الإرواء» (3/67): « قلت: وهذا إسناد حسن كما قال الحافظ في «التلخيص» (ص:133)؛ فإن رجاله ثقات وإنما يخشى من عنعنة ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث فى رواية الدارقطني والحاكم وقال: «صحيح على شرط مسلم». ووافقه الذهبي!!، وقال البيهقي: «ومحمد بن إسحاق إذا ذكر سماعه في الرواية وكان الراوي ثقة استقام الإسناد وهذا حديث حسن الإسناد صحيح» ا.هـ. (6) قال أبو موسى: وإسناد ما رواه ابن إسحاق -فيما نقله من خطبة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كما ذكره البيهقي في : «دلائل النبوة» (2/524)، بَابُ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ- حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ- هو: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عثمان بن الأخنس ابن شَرِيقٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: «فذكر الخطبة»، وهذا إسناد مرسل كما ذكر الحافظ ابن كثير في : «البداية والنهاية» ط: إحياء التراث (3/260)، حيث قال: « وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَيْضًا مُرْسَلَةٌ إِلَّا أَنَّهَا مُقَوِّيَةً لِمَا قَبْلَهَا وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الألفاظ» ا.هـ. وهو كما قال؛ فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف تابعي ولم يذكر الواسطة، والمغيرة بن شعبة إن كان هو عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنس فقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: «(4515)- عثمان ابن محمد ابن المغيرة ابن الأخنس الثقفي الأخنسي حجازي صدوق له أوهام من السادسة 4».ا.هـ. ويونس ابن بكير، قال ابن معين صدوق، وقال عنه أبو داود : ليس بحجة يوصل كلام ابن إسحاق بالأحاديث، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال مرة ضعيف وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه آخرون. وقد استشكلت جملة في الخطبة وهي قوله : « وَلَا تَمَلُّوا كَلَامَ اللهِ وَذِكْرَهُ، وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّهُ مِنْ كُلِّ مَا يَخْلُقُ اللهُ يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي »، فإن كانت الهاء عائدة على كلام الله فيكون أدعى لرد الحديث لأن كلام الله ليس مخلوقًا، ثم وجدت من وجَّه الضمير في قوله: «فإنَّهُ»؛ وهو السهيلي في كتابه : «الروض الأنف» (4/170) إذ قال: « الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ «فَإِنّهُ» لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَائِدَةً عَلَى كَلَامِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَلَكِنّهَا ضَمِيرُ الْأَمْرِ وَالْحَدِيثِ فَكَأَنّهُ قَالَ إنّ الْحَدِيثَ مِنْ كُلّ مَا يَخْلُقُ اللهُ يَخْتَارُ فَالْأَعْمَالُ إِذًا كُلّهَا مِنْ خَلْقِ اللهِ قَدْ اخْتَارَ مِنْهَا مَا شَاءَ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [الْقَصَصُ 68] ، وَقَوْلُهُ قَدْ سَمّاهُ خِيرَتَهُ من الْأَعْمَال عني: الذّكْرَ وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {وَيَخْتَارُ} فَقَدْ اخْتَارَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ. ا.هـ . والله أعلم. |
(( مختصر زاد المعاد )) ..:: [16]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[16]::.. [فَصْلٌ فِي تَعْظِيْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ] وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- تعظيم هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بخصائص منها: أنه يقرأ في فجره بـ ﴿الم﴾ [السجدة: 1] السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان:1]؛ فإنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها. ومنها: استحباب كثرة الصلاة فيه على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي ليلته، لأن كُلَّ خَيْرٍ نَالَتْهُ أُمَّتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فعلى يديه، وأعظم كرامة تحصل لهم يَوْمَ الْجُمُعَةِ: فَإِنَّ فِيهِ بَعْثَهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْمَزِيدِ لَهُمْ إِذَا دخلوها، وقربهم من ربهم يوم القيامة، وسبقهم إلى الزيادة بِحَسْبِ قُرْبِهِمْ مِنَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَتَبْكِيرِهِمْ إليها. ومنها: الاغتسال فِي يَوْمِهَا، وَهُوَ أَمْرٌ مُؤَكَّدٌ جِدًّا، وَوُجُوبُهُ أقوى من وجوب الوضوء من مس الذكر، والرعاف، وَالْقَيْءِ، وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلم- في التشهد الأخير(1). ومنها: الطيب والسواك، ولها مزية فيه على غيره. ومنها التبكير، والاشتغال بذكر الله تعالى، والصلاة إلى خروج الإمام. ومنها: الإنصات للخطبة وجوبًا. ومنها: قراءة (الجمعة) و (المنافقين) أو (سبح) و (الغاشية) . ومنها: أن يلبس فيه أحسن ثيابه. ومنها: أن للماشي إليها بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها(2). ومنها: أنه يكفر السيئات. ومنها: ساعة الإجابة. وكان -صلى الله عليه وسلم- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ ومساكم. «وكان يقول في خطبته: «أما بعد» ، ويقصر الخطبة، ويطيل الصلاة، وَكَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ فِي خُطْبَتِهِ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ، وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فِي خُطْبَتِهِ إِذَا عَرَضَ له أمر، كَمَا أَمَرَ الدَّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلِّيَ ركعتين، وإذا رأى بهم ذا فاقة من حاجة، أمرهم بالصدقة، وحضهم عليها. وكان يشير في خطبته بإصبعه السبابة عند ذكر الله ودعائه(3). وكان يستسقي إذا قحط المطر في خطبته، ويخرج إذا اجتمعوا، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا صَعِدَ المنبر، استقبلهم بوجهه، وسلم عليهم ثُمَّ يَجْلِسُ، وَيَأْخُذُ بلال فِي الْأَذَانِ، فَإِذَا فرغ، قام وخطب، ويعتمد على قوس أو عصا، وَكَانَ مِنْبَرُهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ قَبْلَ اتِّخَاذِهِ يخطب إلى جذع، ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، بل في جانبه الغربي، بينه وبين الحائط قدر ممر شاة، وكان إذا جلس عليه في غير الجمعة، أو خطب قائما يوم الجمعة، استدار أصحابه إليه بوجوههم، وَكَانَ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أخذ بلال في الإقامة. وكان يأمر بالدنو منه والإنصات، ويخبر أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ. فَقَدْ لغا، ومن لغا فلا جمعة له. وكان إذا صلى الجمعة دخل مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سُنَّتَهَا، وَأَمَرَ مَنْ صَلَّاهَا أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا أربعًا. قال شيخنا: إذا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى في بيته صلى ركعتين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قوله: « وَهُوَ أَمْرٌ مُؤَكَّدٌ جِدًّا، وَوُجُوبُهُ أقوى من ... وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلم- في التشهد الأخير»، ذلك أنَّ أهل العلم اختلفوا في وجوب الصلاة على النبي –صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأخير من الصلاة «فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ : إِنَّ الصَّلاةَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ سُنَّةٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَقَالُوا : تَجِبُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْعُمْرِ مَرَّةً لِلأَمْرِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56]، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : تَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ «بِقَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْلِيمِ التَّشَهُّدِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَلْفَاظَ التَّشَهُّدِ : «إِذَا قُلْتَ هَذَا ، أَوْ فَعَلْتَ ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُكَ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ»، وَقَالُوا : وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَجُمْلَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .... وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ : إِنَّهَا تَجِبُ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ مِنْ كُلِّ صَلاةٍ ... وَقَالُوا : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الصَّلاةَ عَلَى نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56] فَلَمْ يَكُنْ فَرْضُ الصَّلاةِ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ أَوْلَى مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلاةِ . وَوَجَدْنَا الدَّلالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا وَصَفْنَا ؛ مِنْ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي الصَّلاةِ ، لا فِي خَارِجِهَا . فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ «أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ يَعْنِي فِي الصَّلاةِ . فَقَالَ : «تَقُولُونَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَآلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، ثُمَّ تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ». وَقَالَ الشافعي - رَحِمَهُ اللهُ - : فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ - وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفَرَائِضُ - أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّشَهُّدَ ، وَالصَّلاةَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . وَمَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَتَشَهَّدْ فِيهَا ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ - فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا . وَإِنْ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ صَلَّى عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ، فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ حَتَّى يَجْمَعَهُمَا جَمِيعًا . وَإِنْ كَانَ لا يُحْسِنُهُمَا عَلَى وَجْهِهِمَا أَتَى بِمَا أَحْسَنُ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يُجْزِهِ إِلا بِأَنْ يَأْتِيَ بِاسْمِ تَشَهُّدٍ ، وَصَلاةٍ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . وَإِنْ أَحْسَنَهُمَا فَأَغْفَلَهُمَا ، أَوْ عَمَدَ بِتَرْكِهِمَا فَسَدَتْ صَلاتُهُ ، وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا . وَقَدْ قَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَمِنَ الصَّحَابَةِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَمِنَ التَّابِعِينَ : أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ . وَمِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعِينَ : إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ» انتهى من «الموسوعة الفقهية الكويتية» بتصرف. قلت: أما استدلالهم بحديث تعليمه التشهد فلا يصح لعدم ثبوت ما انتقلوا فيه من الوجوب إلى الاستحباب، وهو قوله : «إن شئت أن تقوم ..» فإنها شاذة كما قرر ذلك الأئمة وهي ليست من قول النبي –صلى الله عليه وسلم- بل موقوفة على عبدالله بن مسعود –رضي الله عنه-، وقد أيَّد حكمَ ابن حبان والدارقطني والبيهقي الشيخُ الألباني -رحمه الله-؛ فقال في : «صحيح أبي داود» - الأم- (4/121)، بعد ذكر حديث التشهد: «قلت: إسناده صحيح، لكن قوله: إذا قلت هذا ... شاذ، أدرجه بعضهم في الحديث! والصواب أنه من قول ابن مسعود موقوفاً عليه، كما قال ابن حبان والدارقطني والبيهقي»، وانظر: «أصل صفة الصلاة»(3/872)، و«التعليقات الحسان» (3/395)، والله أعلم. (2) عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وصححه الشيخ الألباني –رحمه الله- كما في: «صحيح أبي داود» -الأم-: (373)، وانظر: «المشكاة» (1388)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (690). (3) قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» (3/74): « لم أقف على سنده. وإنما علقه البيهقى (3/210) مرسلا فقال: «وروينا عن الزهرى أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يوم الجمعة دعا فأشار بأصبعه وأمن الناس. ورواه قرة بن عبد الرحمن عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة موصولا, وليس بصحيح»ا.هـ. |
(( مختصر زاد المعاد )) ..::[ 17]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[17]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي صَلاةِ العِيْدَيْن] وكان يصلي العيدين في المصلى، وهو الذي على باب المدينة الشرقي، الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ مَحْمِلُ الْحَاجِّ، وَلَمْ يُصَلِّ العيد بمسجده إلا مرة أصابهم مطر - إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ - وَهُوَ فِي «سُنَنِ أبي داود» (1) وكان يلبس أجمل ثيابه، ويأكل في عيد الفطر قبل خروجه تمرات، ويأكلهن وترًا، وأما في الْأَضْحَى فَكَانَ لَا يَطْعَمُ حَتَّى يَرْجِعَ مِنَ المصلى، فيأكل من أضحيته، وكان يغتسل للعيد - إن صح - وفيه حديثان ضعيفان، لكن ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ شِدَّةِ اتَّبَاعِهِ للسنة(2). وكان يَخْرُجُ مَاشِيًا وَالْعَنَزَةُ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا وصل نصبت ليصلي إليها، فإن المصلى لم يكن فيه بناء، وَكَانَ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ عِيدِ الْفِطْرِ، وَيُعَجِّلُ الْأَضْحَى. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ، لَا يَخْرُجُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيُكَبِّرُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمُصَلَّى. وَكَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا انْتَهَى إِلَى الْمُصَلَّى، أَخَذَ فِي الصلاة، بغير أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَلَا قَوْلِ: «الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» وَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ يُصَلُّونَ إِذَا انتهوا إلى المصلى، لا قبلها وَلَا بَعْدَهَا. وَكَانَ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فيصلي ركعتين، يكبر في الأولى سبعًا متوالية بتكبيرة الإحرام، بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ سَكْتَةً يَسِيرَةً، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ذِكْرٌ مُعَيَّنٌ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ، وَلَكِنْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلم-»(3). وكان ابن عمر يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ(4). وَكَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَتَمَّ التَّكْبِيرَ أَخَذَ في القراءة، فقرأ في الأولى الفاتحة، ثم ﴿ق﴾ وفي الثانية ﴿اقتربت﴾ وربما قرأ فيهما بـ: ﴿سبح﴾ و ﴿الغاشية﴾ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِذَا فَرَغَ من القراءة كبر وركع، ثم يكبر في الثانية خمسًا متوالية، ثم أخذ في القراءة، فإذا انصرف، قام مقابل الناس وهم جلوس على صفوفهم، فيعظهم وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ولم يكن هناك منبر، وإنما كان يخطب على الأرض. وأما قوله في حديث في «الصحيحين»: «ثم نزل فأتى النساء» . إلى آخره، فلعله كان يقوم على مكان مرتفع. وأما منبر المدينة، فأول من أخرجه مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْبَرُ اللَّبِنِ وَالطِّينِ، فَأَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة. ورخص النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمَنْ شَهِدَ الْعِيدَ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ، وَأَنْ يَذْهَبَ، وَرَخَّصَ لَهُمْ إِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَجْتَزِئُوا بصلاة العيد عن الجمعة(5)، وكان يخالف الطريق يوم العيد. «وروي أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ»(6). ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قلت: لم يصح هذا الأثر، وأصله كما في «ضعيف أبي داود» -الأم- (213): أن أبا هريرة –رضي الله عنه-قال: «أنه أصابهم مطر في يوم عيدٍ، فصلى بهم النّبِي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صلاة العيدِ في المسجدِ». قال الشيخ الألباني –رحمه الله-: «قلت: إسناده ضعيف، عيسى وأبو يحيى التيمي لا يعرفان، وقال الذهبي: «هذا حديث فرد منكر»، وقال الحافظ: «إسناده ضعيف»». (2) قال الشيخ الألباني في «إرواء الغليل» (1/175)، معلقًا على حديث ابن عباس، والفاكه بن سعد –رضي الله عنهم- والذي رواه ابن ماجه: «ضعيف. ولايثبت من وجه»، ثم قال: «وفى الباب عن أبى رافع أن النبى -صلى الله عليه وسلم- اغتسل للعيدين» وضعفه –رحمه الله- ثم أردف قائلًا: «فائدة: وأحسن ما يستدل به على استحباب الاغتسال للعيدين ما روى البيهقى من طريق الشافعى عن زاذان قال: سأل رجل عليا -رضى الله عنه- عن الغسل؟ قال: «اغتسل كل يوم إن شئت» فقال: لا الغسل الذى هو الغسل قال: «يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم النحر ويوم الفطر». وسنده صحيح». (3) صحيح، وانظر «الإرواء» رقم: (642). (6) قال الشيخ الألباني في «الضعيفة» (5578) : «موضوع». وقال في «الإرواء» (653) : «وقد صح عن علي -رضى الله عنه-: «أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ويكبر بعد العصر». رواه ابن أبى شيبة (2/1/2) من طريقين أحدهما جيد. ومن هذا الوجه رواه البيهقى (3/314)، ثم روى مثله عن ابن عباس وسنده صحيح. وروى الحاكم (1/300) عنه وعن ابن مسعود مثله من هذا الوجه بلفظ: «الله أكبر كبيراً الله أكبر كبيراً الله أكبر وأجل الله أكبر ولله الحمد». ورواه المحاملى في «صلاة العيدين» (2/143/1) من طريق أخرى عن عكرمة به لكنه قال: «الله أكبر وأجل الله أكبر على ما هدانا» فأخر وزاد وسنده صحيح. وروى أثر ابن مسعود من الوجه المتقدم بتشفيع التكبير وهو المعروف عنه والله أعلم»، قال أبو موسى: يعني الأثر الذي صححه عن ابن مسعود –رضي الله عنه- وصيغة التكبير فيه : « الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. والله أكبر. الله أكبر. ولله الحمد » والحمد لله رب العالمين.(4) انظر التعليق على الحديث رقم: (640) من «الإرواء»، وفيه بيان ضعف هذا الأثر وغيره، وأنه لم يرد في السنة ما يصح به رفع اليدين مع كل تكبيرة، فراجعه فإنه مهم. (5) وهذه المسألة فيها كلام كثير بين الأئمة في توجيهها فتراجع في مظانِّها. |
(( مختصر زاد المعاد )) لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب..::[18]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[18]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي صَلاةِ الكُسُوفِ] فصل ولما كسفت الشمس، خرج إِلَى الْمَسْجِدِ مُسْرِعًا فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَكَانَ كُسُوفُهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَلَى مِقْدَارِ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ طُلُوعِهَا، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قرأ في الأولى بالفاتحة وسورة طويلة، وجهر بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ لما رفع رأسه من الركوع: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الْحَمْدُ» ثُمَّ أَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سجد، فأطال السجود، ثم فعل في الأخرى مثل ما فعل في الأولى، فاستكمل في الركعتين أربع ركوعات، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَرَأَى فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَهَمَّ أَنْ يَأْخُذَ عُنْقُودًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيُرِيَهُمْ إِيَّاهُ، وَرَأَى أَهْلَ الْعَذَابِ فِي النَّارِ، فَرَأَى امْرَأَةً تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ رَبَطَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا وَعَطَشًا، وَرَأَى عمرو بن مالك يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَرَأَى فِيهَا سَارِقَ الْحَاجِّ يُعَذَّبُ، ثم انصرف فخطب خطبة بليغة، فروى الإمام أحمد أنه لَمَّا سَلَّمَ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَشَهِدَ أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله ثم: «أيها الناس أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شَيْءٍ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَاتِ رَبِّي لَمَّا أَخْبَرْتُمُونِي ذلك؟» فقام رجال، فقالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّكَ، وَنَصَحْتَ لِأُمَّتِكَ، وَقَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رِجَالًا يَزْعُمُونَ أَنَّ كُسُوفَ هَذِهِ الشمس، وَكُسُوفَ هَذَا الْقَمَرِ، وَزَوَالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَطَالِعِهَا لِمَوْتِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا، وَلَكِنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، فَيَنْظُرُ من يحدث له مِنْهُمْ تَوْبَةً، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ قمت مَا أَنْتُمْ لَاقُوهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ، وإنه والله لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابًا، آخِرُهُمُ الْأَعْوَرُ الدَّجَّالُ، مَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، كَأَنَّهَا عين أبي يحيى الشيخ حِينَئِذٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُجْرَةِ عائشة - وَإِنَّهُ مَتَى يَخْرُجُ، فَسَوْفَ يَزْعُمُ أَنَّهُ اللَّهُ، فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ، لَمْ يَنْفَعْهُ صَالِحٌ مِنْ عَمَلِهِ سَلَفَ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ وكذبه، لم يعاقب بسيئ مِنْ عَمَلِهِ سَلَفَ، وَإِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا إِلَّا الْحَرَمَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَإِنَّهُ يَحْصُرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيُزَلْزَلُونَ زِلْزَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ يُهْلِكُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجُنُودَهُ، حَتَّى إِنَّ جِذْمَ الْحَائِطِ أَوْ قَالَ: أَصْلَ الْحَائِطِ، أو أصل الشجرة، لينادي: يا مؤمن يا مسلم هَذَا يَهُودِيٌّ - أَوْ قَالَ: هَذَا كَافِرٌ - فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ. قَالَ: وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَتَى تَرَوْا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتسألون بَيْنَكُمْ: هَلْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ذَكَرَ لَكُمْ مِنْهَا ذِكْرًا؟ وَحَتَى تَزُولَ جِبَالٌ عَنْ مَرَاتِبِهَا، ثُمَّ على أثر ذلك القبض» (1). وقد روي عنه أنه صلاها كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع ركوعات، أو كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ كِبَارَ الْأَئِمَّةِ لا يصححون ذلك ويرونه غلطا. وأمر فِي الْكُسُوفِ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّلَاةِ، وَالدَّعَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، والصدقة، والعتاقة. ــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في : «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (4/420) : «ضعيف ـ انظر (2841)». قلت: وقد ذكره الشيخ –رحمه الله- في «السلسلة الصحيحة»، برقم: (3061) وأشار إلى ضعفه وقال: « وهو مخرج في ضعيف أبي داود (216)»، ثم ذكر له شاهدًا ضعيفًا قواه به فينظر كلامه –رحمه الله- في الموضع المذكور من «الصحيحة»، والله أعلم. |
..:: مختصر زاد المعاد ::.. ..::[19]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[19]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الاسْتِسْقاء] أحدهما: يوم الجمعة على المنبر في أثناء الخطبة. الثاني: أنه وَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ إِلَى الْمُصَلَّى، فَخَرَجَ لَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا مُتَخَشِّعًا متوسلًا مُتَضَرِّعًا، فَلَمَّا وَافَى الْمُصَلَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ - إِنْ صح فَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ - فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَكَبَّرَهُ، وَكَانَ مِمَّا حُفِظَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَدُعَائِهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إله إلا أنت تفعل ما تريد، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَهُ عَلَيْنَا قُوَّةً لَنَا، وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَأَخَذَ فِي التفرع وَالِابْتِهَالِ وَالدُّعَاءِ» (1) ، وَبَالَغَ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ إِذْ ذَاكَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ مستقبل القبلة، فجعل الأيمن على الأيسر وعكسه، وَكَانَ الرِّدَاءُ خَمِيصَةً سَوْدَاءَ، وَأَخَذَ فِي الدُّعَاءِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَالنَّاسُ كَذَلِكَ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بهم ركعتين كالعيد من غير نداء، قرأ في الأولى بعد الفاتحة بـ (سبح) وفي الثانية بـ (الغاشية) . الثالث: أنه استسقى على منبر المدينة في غير الجمعة، ولم يحفظ عنه فيه صلاة. الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد رفع يديه، ودعا الله عز وجل. الخامس: أنه اسْتَسْقَى عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ وهو خَارِجُ بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُدْعَى الْيَوْمَ: «بَابَ السَّلَامِ» نَحْوَ قَذْفَةِ حَجَرٍ، يَنْعَطِفُ عَنْ يَمِينِ الخارج من المسجد (2) . السادس: «أنه اسْتَسْقَى فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ لَمَّا سَبَقَهُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى الْمَاءِ، فَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ الْعَطَشُ، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم-. وقال بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَاسْتَسْقَى لِقَوْمِهِ، كما استسقى موسى لقومه. فبلغه ذلك، فقال: «أو قد قَالُوهَا؟ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَسْقِيَكُمْ» ثُمَّ بَسَطَ يديه فدعا، فما رد يديه حتى أظلهم السحاب، وأمطروا وَأُغِيثَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي كُلِّ مرة» (3). «واستسقى مرة، فقام أبو لبابة، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ التمر في المرابد. فقال: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا حَتَّى يَقُومَ أبو لبابة عُرْيَانًا، فَيَسُدَّ ثَعْلَبَ مِرْبَدِهِ بِإِزَارِهِ» (4)فَأَمْطَرَتْ فَاجْتَمَعُوا إِلَى أبي لبابة. فَقَالُوا: إِنَّهَا لَنْ تُقْلِعَ حَتَّى تقوم عريانا، فتسد ثعلب مربدك بإزارك. ففعل، فأقلعت السماء» ، ولما كثر المطر سألوه الاستصحاء، فاستصحا لَهُمْ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ على الظراب، والآكام والجبال، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» وَكَانَ -صَلَّى اللهُ عليه وسلم- إذا رأى المطر قال: «صيِّبًا نافعًا» وحسر ثَوْبَهُ حَتَّى يُصِيبَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»(5). قَالَ الشافعي أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عبد الهادي، «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا سَالَ السَّيْلُ، قَالَ: «اخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا، فَنَتَطَهَّرَ مِنْهُ، ونحمد الله عليه» (6). وأخبرنا مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عمر كَانَ إِذَا سَالَ السَّيْلُ ذَهَبَ بِأَصْحَابِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: مَا كَانَ لِيَجِيءَ مِنْ مَجِيئِهِ أَحَدٌ، إِلَّا تَمَسَّحْنَا بِهِ (7). وَكَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَأَى الْغَيْمَ وَالرِّيحَ، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فإذا أمطرت سري عنه، وكان يخشى أن يكون فيه العذاب(8). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه أبو داود برقم: (1173)، وغيره، وحسنه الشيخ الألباني. (2)رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وصحه الشيخ الألباني في «المشكاة» (1504). (3)أخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» (2/119)، برقم: (2514)، وإسناده: « حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أَبَاهَا حَدَّثَهَا... الحديث». (4)أخرجه أبو عوانة في «مستخرجه»، وأبو نعيم في «دلائل النبوة»، والبيهقي في «الدلائل»، و«السنن الكبرى»، والطبراني في «الصغير»، و«الدعاء»، جميعهم من طريق عبدالرحمن بن عبدويه السندي عن سعيد بن المسيب عن أبي أمامة بن عبدالمنذر الأنصاري: به. قلت : رواه عن ابن عبدويه عبدالله بن عبدالله أبو أويس المدني، قال أبو زرعة: «ضعيف الحديث»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، والله أعلم. (5)رواه مسلم عن أنس. (6)رواه البيهقي في «السنن الكبرى»: وقال: «هذا منقطع»، وهو في «الأم» برقم: (513). تنبيه: ووقع في تخريج هذا الحديث والذي قبله -وهو حديث أنس- من «إرواء الغليل» (678) و (679) خطأ طباعي (!)؛ إذ وقع تخريج الحديث الذي برقم: (679) تحت الحديث رقم:(678)، والعكس هو الصحيح! مما نتج عنه وقوع لفظة «ضعيف» تحت حديث مسلم فوجب التنبيه على ذلك، والله الموفق. (7)فيه من لم يسمَّ. (8)انظر صحيح مسلم (3/26-السلطانية)، باب: (التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر). |
(( مختصر زاد المعاد)) ..::[ 20 ]::..
«مختصر زاد المعاد» ..::[20]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرِهِ وَعِبَادَتِهِ فِيْهِ] كَانَتْ أَسْفَارُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دائرة بين أربعة أسفار: سفر لهجرته، وسفر للجهاد، -وهو أكثرها-، وسفر للعمرة، وسفر لِلْحَجِّ. وَكَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نسائه، وَلَمَّا حَجَّ سَافَرَ بِهِنَّ جَمِيعًا، وَكَانَ إِذَا سَافَرَ، خَرَجَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ الخروج يوم الخميس، ودعا الله أَنْ يُبَارِكَ لِأُمَّتِهِ فِي بُكُورِهَا، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا، بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَمَرَ الْمُسَافِرِينَ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً أَنْ يُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ، وَنَهَى أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الرَّاكِبَ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ حِينَ يَنْهَضُ لِلسَّفَرِ: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَبِكَ اعْتَصَمْتُ، اللَّهُمَّ اكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي وَمَا لَا أَهْتَمُّ له، اللَّهُمَّ زَوِّدْنِي التَّقْوَى، وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَجِّهْنِي للخير أينما توجهت» (1) وكان إذا قدمت له دَابَّتُهُ لِيَرْكَبَهَا يَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ حِينَ يَضَعُ رجله في الركاب» ، فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مقرنين، وإنا إلى ربا لمنقلبون ثم يقول: الحمد لله، الحمد الله، الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ» ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»(2). وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»(3) وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا عَلَوُا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا الْأَوْدِيَةَ سَبَّحُوا. وَكَانَ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى قَرْيَةٍ يريد دخولها يقول: «اللهم رب السموات السبع، وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشِّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فيها، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ ما فيها»(4) وكان يقصر الرباعية، وقال أمية بن خالد إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ، وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي القرآن، ولا نجد صلاة السفر. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ يَا أَخِي إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَرْضِ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ صلى السنة قبلها ولا بعدها إلا سنة الفجر والوتر، ولكن لم يَمْنَعُ مِنَ التَّطَوُّعِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، فَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، لَا أَنَّهُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ لِلصَّلَاةِ. وثبت عنه أَنَّهُ صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ضُحًى. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على راحلته أين توجهت به، وكان يومئ في ركوعه. وكان إذا أراد أن يرتحل قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى العصر، فإن زالت قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ. وَكَانَ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يجمع بينها وبين العشاء، ولم يكن من هديه الجمع راكبا ولا حال نزوله(5). ================================ (1) (ضعيف) رواه أبو يعلى في «مسنده» (2770)، والطبراني في «الدعاء» (805)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (495)، والبيهقي في «الكبرى» (5/250)، وغيرهم، جميعهم من طريق عمر –وسمَّاه بعضهم عمرو- بن مساور –وقيل مسافر- عن الحسن عن أنس بن مالك: به. قلت : عمرو بن مساور: «ضعيف»، انظر: «التاريخ الكبير» (6/50)، و«الجرح والتعديل» (6/136). (2)أخرجه «الترمذي» كتاب الدعوات باب ما يقول إذا ركب الناقة رقم (3446) وقال: «حسن صحيح». (3)وأخرجه «مسلم»، برقم: (1342). (4) قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (4/338): «صحيح» ـ «تخريج فقه السيرة» (341)، «تخريج الكلم الطيب» (رقم: 179)، «الصحيحة» (6/607-2759). (5) قلت: وجميع ما ذُكِرَ من بداية الباب مما لم أعزُه إلى أثر أو حديث فقد صحت السنة بوروده، ولم أذكر الآثار الدالة على ذلك خشية الإطالة، والله الموفق. |
بارك الله فيكم أخي على هذا الجهد الطيب أكمل؛ وفقك الله |
بوركت أبا موسى فقد بذلت جهدا ؛ حفظكم الله.
|
مختصر زاد المعاد» ..::[21]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قراءة القرآن]
«مختصر زاد المعاد» ..::[21]::.. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قراءة القرآن] كان له حزب لا يخل به، وكانت قراءته ترتيلا حرفا حرفا، ويقطع قراءته آية آية، ويمد عِنْدَ حُرُوفِ الْمَدِّ، فَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ، وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ. وكان يستعيذ في أول القراءة، فَيَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (1) وَرُبَّمَا قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ من همزه ونفخه ونفثه» (2). وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ، وأمر ابن مسعود، فقرأ وهو يسمع، وخشع حتى ذرفت عيناه. وكان يقرأ قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئًا ومحدثًا إلا الجنابة. وكان يتغنى به، ويرجع صوته أحيانًا. وحكى ابن المغفل ترجيعه آآآ ثلاث مرات، ذكره البخاري(3). وإذا جمعت هذا إلى قوله: «زينوا القرآن بأصواتكم» (4) وَقَوْلِهِ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» (5) عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا الترجيع منه اختيارٌ، لا لهزِّ الناقة، وإلا لم يحكه ابن المغفل اختيارا ليتأسى به ويقول: كان يرجع في قراءاته. وَالتَّغَنِّي عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ من غير تكلف، فهذا جائز وإن أعان طبيعته بفضل تزيين، كما قال أبو موسى لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : «لَوْ عَلِمْتُ أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا» (6) أي: لحسنته لك تحسينًا، وهذا هو الذي كان السلف يفعلونه، وعليه تحمل الأدلة كلها. والثاني: ما كان صناعة من الصنائع، كما يتعلم أصوات الغناء بأصناف الألحان على أوزان مخترعة، فهذه هي التي كرهها السلف، وأدلة الكراهة إنما تتناول هذا. ____________________ (1) قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في «الإرواء» (342): «صحيح لكن بزيادتين وأما بدونهما فلا أعلم له أصلا..». قلت: أخرج عبدالرزاق في «مصنفه» (2/86) عن جعفر بن سليمان عن علي بن علي الرفاعي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وهذا إسناد حسن –إن شاء الله تعالى- جعفر بن سليمان قال عنه الحافظ : «صدوق زاهد لكنه يتشيع»، وقال الذهبي: «صدوق صالح ثقة مشهور»، وشيخه الرفاعي لا بأس به ووثقه غير واحد. والله أعلم. تنبيه: عزا محقق «المصنف» هذا الحديث إلى أبي داود ورمز له بـ: (د)؛ فأوهم أن الحديث عنده والأمر ليس كذلك؛ فالموضع الذي أشار إليه إنما فيه أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- لرجل غضب أن يقول : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وهو برقم: (4781)، والحديث –هنا- في القراءة.. فتأمل! . (2) أخرجه أبو داود برقم: (764)، وابن ماجه برقم: (807)، وغيرهما. وانظر: «إرواء الغليل» (342). (3) برقم: (7540)، ومسلم برقم: (794). (4) أخرجه أبو داود برقم: (1468)، والنسائي برقم: (1015)، وابن ماجه برقم: (1342)، وأحمد برقم: (18494)، وغيرهم من طريق طلحة بن مصرف عن عبدالرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب يرفعه. قلت: وإسناد ابن ماجه صحيح، وانظر: «صحيح أبي داود الأم» (1320). (5) أخرجه البخاري برقم: (5023)، ومسلم برقم: (792). (6) أصل هذا الحديث عند البخاري برقم: (5048)، وعند مسلم برقم: (793) وهو قوله –عليه الصلاة والسلام- لأبي موسى –رضي الله عنه- : «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود». وأمّا قول أبي موسى –رضي الله عنه- فقد أخرجه ابن حبان في «صحيحه» برقم: (7197)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/12)، و(10/231)، والبزار في «مسنده» برقم: (3160)، من طريق يحيى بن سعيد الأموي ثنا طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى قال: (فذكره). وله شواهد يتقوى بها فهي زيادة حسنة إن شاء الله تعالى. قلت: وقد أورده الشيخ الألباني –رحمه الله- في «صفة الصلاة» (127-128)، وعزاه لـ «عبدالرزاق في «الأمالي»، والبخاري ومسلم وابن نصر والحاكم» اهـ ، والله أعلم. |
| الساعة الآن 07:53 AM. |
powered by vbulletin