منتديات منابر النور العلمية

منتديات منابر النور العلمية (http://m-noor.com//index.php)
-   المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام (http://m-noor.com//forumdisplay.php?f=5)
-   -   الاعتداد بالنَّفس بقلم : الشَّيخ توفيق عمروني حفظه الله [ مدير مجلَّة الإصلاح ] (http://m-noor.com//showthread.php?t=11803)

سفيان الجزائري 07-08-2012 01:55 PM

الاعتداد بالنَّفس بقلم : الشَّيخ توفيق عمروني حفظه الله [ مدير مجلَّة الإصلاح ]
 
الاعتداد بالنَّفس
بقلم :
الشَّيخ توفيق عمروني حفظه الله
مدير مجلَّة الإصلاح السَّلفية

بسم الله الرحمن الرحيم


إنَّ من أسوأ ما يُصابُ به المنتسب إلى العلم والدَّعوة إلى الله تعالى أن يكون معتدًّا بنفسه إلى حدِّ الغرور والعُجب ، والمفضي إلى احتقار الغَير وغمط النَّاس والحطِّ من شأنهم ، ومداخل هذا الدَّاء كثيرة من أهمِّها :
الرَّغبة في الدُّنيا
وطلب الرِّياسة والمحمَدة
والتَّكثُّر بالأتباع
وجحد فضل العالم وسبقه وتقدُّمه وسوء الظَّنِّ به وغمزِه

فإذا ألَّمت أحدُ هذه الآفات بقَلب عبد فقَد أصيب في مقتَل ، فكيف إذا اجتمعت وهي تجتمع لا محالةَ ، لأنَّ سريانَ إحدَاها يستَتبع الَّتي تليها ، والَّذي يدفع أوضَار هذا السَّقم وأوحَاله هو شهود العبد لربِّه أنَّه الغنيُّ عن كلِّ ما سواه ، وشهادته على نفسه أنَّه الفقير المحتاج إلى ربِّه أنَّه كلِّ لحظة وكلَّ حين ، وأنَّ الخير كلَّه بيد الله ، وأنَّ النِّعمَة كلِّها من عند الله ، وأيُّ شيء يصيبُه من ذلك إنَّما هو تفضُّلٌ ومنَّةٌ منه سُبحانه وتَعالى ، وعندها يدرك أن ليسَ لنفسه فضل على أحد يجب أن يوفَّى أو حقٌّ على الخلق يجبُ أن يؤدَّى ، قال ابن تيميَّة رحمه الله : " العارفُ لا يَرى لهُ على أحد حقًّا ، ولا يشهَد له على غَيره فضْلاً ، ولذَلك لا يعاتبُ ، ولا يطالبُ ، ولا يضاربُ " [ مدارج السالكين (1/ 519 ) ] .
فالَّذي يملأ الدُّنيا معاتبةً ومطالبةً ومضاربةً ، ولا يعترف بخطأ ، ولا يرجع عن زلل ، ولا يشكر ناصحًا ، بل يستَجمع أتباعَه ويهيِّج أشياعَه ، ويصوِّب سهامه إلى ناصحيه ، الَّذين - في زعمه - لم يفهموا قصدَه ولم يدركوا مرامَه ، وأنَّهم هضَموه حقَّه ، فيكثُر تَشغيبُه وتهويله ، ولا يعبأ بحرمات مرعيَّه ، ولا بآداب شرعيَّة ، وهذا كلُّه بسبب الغلوِّ في الاعتداد بالنَّفس الَّذي يُسدِل غشاوةً على قلب الانسان وبصره فيُحال بينه وبينَ سماع الحقِّ وقَبولِه والاذعان إليه ، وتسوء ظنونُه فتَضطرب أحكامُه ، وتتنافض أقوالهُ ، ويبتَعد ممَّن كانَ منه قريبًا ، ويقتربُ ممَّن كانَ عنه بعيدًا ، ويشتَدُّ في موطِن اللِّين ، ويلينُ في موطِن الشِّدَّة ، لا همَّ له سوى الانتصار وتحقيق الغَلبة ولو في عالم التَّوهم والافتراض .
ولو تأمَّل في حاله وصنيعه لألفاه جارًّا لألوانٍ منَ المفاسد والشُّرور عليه وعلى غيره ، وقَد صدق ابنُ المبارك رحمه الله لــــمَّا عرَّف العُجْب : " أنْ تَرى أنَّ عندَك شيئًا ليس عندَ غيْرِك " ثمَّ قال : " لا أعلمُ في المصلِّين شيئًا شرًّا منَ العُجْب " [ السير (8/407) ].
إنَّ العلم النَّافع يروث صاحبَه الالتفات إلى عيوب نفسه ونقائصها ، حتَّى يتهاوى في عينه المنصب والجاه والمنزلة وجميع حظوظه النَّفسيَّة ، ولا يشهد إلاَّ فضلَ الله عليه ونعمته ، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الَّذي بلغ في العلم والعَمل مبلغًا عظيمًا ، نقل تلميذه البار ابنُ القيِّم في مدارج السالكين (1/520 ) عنه أنَّه كانَ يقول كثيرًا :
" ما لي شيءٌ ، ولا منِّي شيءٌ ، ولا فيَّ شيءٌ ، كانَ كثيرًا يتمثَّل بهذَا البيت :
أنا الــمُكدِّي وابنُ الــمكَدِّي /// وهكذَا كانَ أبـــي وجدِّي "

والـــمكدِّي : هو الَّذي قلَّ خيره ، والله الهادى .

المصدر : العدد التَّاسع والعشرون لمجلَّة الإصلاح السَّلفية


الساعة الآن 10:26 AM.

powered by vbulletin