![]() |
الدليل المساق في إثبات سنية وضع طرف القميص إلى نصف الساق للشيخ عبد القادر الجنيد -حفظه الله-
الدليل المساق في إثبات سنية وضع طرف القميص إلى نصف الساق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد : فهذا مختصر صغير حول : "سُنية جعل طَرَفِ القميص إلى أنصاف الساقين" استللته من الوقفة الثالثة من كتابي: " صرف الإخوة إلى الصحيح في حد الثوب والأزرة" نفع الله به كاتبه وقارئه، وذلك تصحيحاً لما شاع بين بعض الإخوة من القول بأنه: لا يسن جعل طرف القميص إلى نصف الساق. ويتلخص هذا التصحيح في أوجه ستة: الوجه الأول : ثبت عند أحمد (5857 -6185)وأبي داود (4095) عن يزيد بن أبي سمية، قال: سمعت ابن عمر يقول: (( ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الإزار فهو في القميص)). و(ما) من صيغ العموم لغير العالم، كما هو مقرر في علم اللغة وأصول الفقه، فمن ثم يكون حكم القميص هو حكم الإزار "صعوداً" و"نزولاً" للعموم الذي دل عليه الخطاب. وقد جاء عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- تطبيق هذا العموم في لباسه، فأخرج مسلم (2086) عن ابن عمر أنه قال: مررت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي إزاري استرخاء، فقال :(( يا عبد الله ارفع إزارك، فرفعته، ثم قال: زد، فزدت، فما زلت أتحراها بعد، فقال: بعض القوم إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين)). وزاد أحمد (4/131) والبيهقي (2/244) من طريق أيوب عن زيد بن أسلم: (( فلم تزل إزرته حتى مات )). وهي زيادة صحيحة . وأخرج أبو نعيم في "الحلية" عن عبد الله بن حبيش، قال: (( رأيت على ابن عمر ثوبين معافريين، وكان ثوبه إلى نصف ساقه )). وسنده صحيح. وأخرج ابن سعد في "طبقاته" (4/132) عن محمد بن عبيد الله الأنصاري، قال: (( سألت عبد الله بن أبي عثمان القرشي قلت: أرأيت ابن عمر يرفع إزاره إلى نصف ساقه؟ قال: لا أدري ما نصف ساقه، ولكني قد رأيته يشمر قميصه تشميراً شديداً )). وسنده صحيح. وأخرج أيضاً (4/131) من طريق سليمان العجلي قال: (( نظرت إلى ابن عمر فإذا رجل جهير، يخضب بالصفرة، عليه قميص دستواني إلى نصف ساقه )). وفي سنده صدقة بن سليمان العجلي، لم أقف له على ترجمة. وأخرج أيضا (4/131) عن خالد بن مخلد قال حدثنا يحيى بن عمير، قال :(( رأيت سالم بن عبد الله وقف على باب أبي وعليه قميص مشمر، فأمسك أبي بطرف قميصه ونظر إلى وجهه، ثم قال: لكأنه قميص عبد الله بن عمر )). ويحيى بن عمير قال عنه أبو حاتم: صالح الحديث،وذكره ابن حبان في ثقاته . الوجه الثاني: وضْعُ طَرِفِ القميص إلى أنصاف الساقين جاء فعله عن صحابة وتابعين وغيرهم . فروى عمر بن شبة في "تأريخ المدينة" (3/805) عن عبد العزيز بن أبي جميلة الأنصاري قال: (( أبطأ عمر -رضي الله عنه- عن الساعة التي كان يخرج فيها للجمعة، فخرج وعليه قميص سنبلاني ثمنه أربعة دراهم لا يجاوز نصف الساق، ولا يجاوز كمه رسغه)) . وابن أبي جميلة من التابعين، وترجم له البخاري في "تأريخه" وابن أبي حاتم في" الجرح والتعديل" ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً وذكره ابن حبان في كتابه "الثقات". وقال الشيخ عبد الله الدويش -رحمه الله- في تعليقه على "تأريخ المدينة" (3/805) عن رجال هذا الإسناد: ثقات.اهـ وقال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في" الاستذكار" (26/217): وكان علي -رضي الله عنه - مخشوشناً في لباسه، ومطعمه على طريقة عمر كان قميصه إلى نصف ساقه، وكمه إلى أطراف أصابع يديه.اهـ. وثبت عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" ( 8/210 رقم 4901 ) عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: (( رأيت علياً عليه قميص رازي أوراقي إذا أرسله بلغ نصف ساقه، وإذا مده لم يجاوز ظفريه )) . وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" (3/20) بلفظ: (( رأيت علياً عليه قميص رازي إذا مد كمه بلغ الظفر، فإذا أرخاه بلغ نصف ساعده )). وكلا هما من طريق الأجلح عن ابن أبي الهذيل. وفي كتاب "الزهد" لأبي داود (115) عن مولاة لأبي عصيفير أو ابن أبي عصيفير قالت: (( رأيت علياً خرج فأتى رجلا من أصحاب الكرابيس، فقال: عندك قميص سنبلاني بثلاثة دراهم؟ فأخرج إليه قميصاً فإذا هو إلى أنصاف ساقيه، فنطر عن يمينه وعن شماله، فقال: ما أرى هذا علي إلا قدراً حسناً، بكم هو؟ قال بأربعة دراهم يا أمير المؤمنين ... فدفعها إليه ثم انطلق )). والمولاة الراوية عن علي لم أقف على ترجمتها. وأخرج هناد بن السري في " الزهد" (714) عن أبي البختري قال: (( رأيت كم قميص أنس إلى الرسغ، ورأيت قميصه إلى نصف الساق )). وسنده صحيح. وقال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- في " التمهيد" (20/225) وقد روى أبو خيثمة زهير بن معاوية قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: (( أدركتهم وقمصهم إلى نصف الساق أو قريب من ذلك وكمُّ أحدهم لا يجاوز يده )).اهـ وأخرج ابن سعد في "طبقاته" (5/150) من طريق خالد بن مخلد، قال حدثني داود بن سنان مولى عمر بن تميم الحكمي، قال: (( رأيت سالم بن عبد الله وعليه قميص إلى نصف ساقه )). وهو أثر حسن، داود بن سنان قال عنه أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة: لا بأس به.اهـ وأخرج أيضا (4/131) عن خالد بن مخلد قال حدثنا يحيى بن عمير، قال :(( رأيت سالم بن عبد الله وقف على باب أبي وعليه قميص مشمر، فأمسك أبي بطرف قميصه ونظر إلى وجهه، ثم قال: لكأنه قميص عبد الله بن عمر )).ويحيى بن عمير قال عنه أبو حاتم: صالح الحديث،وذكره ابن حبان في ثقاته . وقد مر أن ابن عمر كان يشمر قميصه تشميراً شديداً. وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (22/7) عند ترجمته "الإمام المحدث شيخ الإسلام أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي": وقال الشيخ الضياء عنه: (( وكان ثوبه إلى نصف ساقه، وكمه إلى رسغه )).اهـ الوجه الثالث : أخرج مالك (2/914) وأحمد (2/294) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال: على الخبير سقطت، سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول :(( إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين، ولا جناح أو لا حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك فهو في النار)).وهو حديث صحيح . وقد فهم علماء الأمة -رحمهم الله تعالى - من هذا النص النبوي وأمثاله أن القميص في الحكم كالإزار. ودونكم بعض أقوالهم: أولاً: قال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- في كتابه " الكافي" (): ولا يجوز أن يكون ثوب الرجل ولا سراويله ولا مئزره يتجاوز الكعبين، وحسن له أن يجعله إلى أنصاف ساقيه.اهـ ثانياً: قال النووي -رحمه الله - في شرحه على "صحيح مسلم" (14/307): وأما القدر المستحب فيما ينـزل إليه طرف القميص والإزار كما في حديث ابن عمر المذكور، وفي حـديث أبي سعيد (( إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه )) فالمستحب نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع اهـ . ثالثاً: قال الحافظ الذهبي -رحمه الله- في كتابه " الكبائر " (216) عقب ذكره حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: (( إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه )): وهذا عام في السراويل والثوب والجبة والقباء والفرجية، وغيرها من اللباس.اهـ رابعاً: قال الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد" (4/237): وكان ذيل قميصه وإزاره -صلى الله عليه وسلم- إلى أنصاف الساقين، لم يتجاوز الكعبين، فيؤذي الماشي ويؤده، ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقه، فينكشف ويتأذى بالحر والبرد.اهـ خامساً: قال الطيبـي - رحمه الله - في شرحه على "مشكاة المصابيح" (8/209) عقب حديث أبي سعيد الخدري: وأما القدر المستحب فيما ينـزل إليه طرف القميص والإزار فنصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين.اهـ سادساً: قال ولي الدين أبي زرعة العراقي في "طرح التثريب في شرح التقريب" (7/2215): قال والدي -رحمه الله- في "شرح الترمذي": الذراع الذي رخص للنساء فيه أي ما كان أوله مما يلي جسم المرأة هل ابتداءه من الحد الممنوع منه الرجال وهو من الكعبين، أو من الحد المستحب وهو أنصاف الساقين، أو حده من أول ما يمس الأرض.اهـ سابعاً: قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء في المملكة العربية السعودية جواباً على سؤال نصه: ما حكم من استهزأ ببعض المستحبات كالسواك و القميص القصير و بالشرب جالساً؟ الجواب: من استهزأ ببعض المستحبات، كالسواك، والقميص الذي لا يتجاوز نصف الساق، والقبض في الصلاة، ونحوها مما ثبت من السنن، فحكمه أن يبين له مشروعية ذلك، وأن السنة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- دلت على ذلك، فإذا أصر على الاستهزاء بالسنن الثابتة كفر بذلك، لأنه بهذا يكون منتقصاً للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولشرعه، و التنقص بذلك كفر أكبر.([1]) اهـ ثامناً: قال العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله - في شرحه على كتاب "رياض الصالحين" (7 / 331) وعند الكلام على حديث أبي سعيد الخدري: فقسم النبي -صلى الله عليه وسلم- القميص إلى أربعة أقسام : القسم الأول: السنة إلى نصف الساق . القسم الثاني: الرخصة، وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعبين. القسم الثالث: محرماً كسائر الذنوب، وهو ما نزل عن الكعبين، ولكنه لم يكن بطراً . القسم الرابع: من جر ثوبه خيلاء أو بطراً، فهو أشد من الذي قبله.اهـ وقال كما في الصفحة (314-315): فلا ينبغي للإنسان أن يشدد على نفسه، أو على الناس، بحيث يرى أنه لزام عليه أن يجعل سرواله أو ثوبه أو مشلحه إلى نصف الساق، فالأمر في هذا واسع، وهو سنة، ولكن مع ذلك الأمر فيه واسع ولله الحمد بترخيص النبي -صلى الله عليه وسلم-.اهـ تاسعاً: قال الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: والواجب على المسلم أن يكون لباسه فوق كعبيه، ويستحب له أن يبلغ به أنصاف ساقيه، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (( إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين، لا جناح - أو لا حرج - عليه فيما بينه و بين الكعبين، ما كان أسفل من ذلك فهو في النار، لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً )) أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح. وفي صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: (( مررت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- و في إزاري استرخاء فقال: يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته، ثم قال: زد فزدت، فما زلت أتحراها بعدُ، فقال بعض القوم إلى أين، فقال: أنصاف الساقين )). وهذا هو اللباس الشرعي للرجل المسلم([2]). قلت: فعبر باللباس الشامل للقميص والإزار والقباء وغيرها من الألبسة. عاشراً: قال الشيخ إبراهيم بن جار الله الجار الله -رحمه الله- في كتابه " بهجة الناظرين " (364) عقب ذكره بعض ما ورد في اللباس، ومنها حديث: (( إزرة المؤمن إلى نصف ساقه )): وهذه الأحاديث عامة في الثياب والسراويل وغيرها من اللباس.اهـ الوجه الرابع : علماء الحنابلة -رحمهم الله تعالى- يقررون أن وضع القميص إلى منتصف الساق سنة، ولا يرون التفريق المحدث بين الإزار والقميص، ومن حكى هذا عنهم أو فهمه من كلامهم لم يصب . أولاً: قال ابن تميم -رحمه الله -: السنة في الإزار والقميص ونحوه من نصف الساقين إلى الكعبين، فلا يتأذى الساق بحر وبرد، ولا يتأذى الماشي ويجعله كالمقيد، ويكره ما نزل عن ذلك أو ارتفع عنه، نص عليه([3]).اهـ من "الآداب الشرعية لابن مفلح" (3/492). ثانياً: قال العلامة ابن مفلح -رحمه الله -: يباح إزار الرجل وقميصه ونحوه من نصف ساقيه إلى كعبيه نص عليه، قال ابن تميم: السنة في الإزار والقميص من نصف الساقين إلى الكعبين .. اهـ من " المصدر السابق". ثالثاً: قال المرداوي-رحمه الله- في "الإنصاف" (1/472):ويكره أن يكون ثوب الرجل إلى فوق نصف ساقه، نص عليه.اهـ رابعاً: قال شرف الدين موسى الحجاوي -رحمه الله- في " الإقناع " (1/28) : ويكره أن يكون ثوب الرجل إلى فوق نصف ساقه، وتحت كعبه بلا حاجة، ولا يكره ما بين ذلك.اهـ خامساً: قال البهوتي -رحمه الله- في" الروض المربع"(72): ويكره كون ثيابه فوق نصف ساقه، وتحت كعبه بلا حاجة.اهـ سادساً: قال شمس الدين ابن عبد القوي -رحمه الله - في "الألفية في الآداب الشرعية" (86): وأَشْرَفُ مَلْبُوسٍ إِلى نِصْفِ سَاقِهِ وَمَا تَحْتَ كَعْبٍ فَاكْرَهْنَهُ وَصَعِّدِ سابعاً: قال السفاريني -رحمه الله - في" غذاء الألباب" (2/232) شارحاً لهذا البيت: و"أشرف" بمعنى أنزه وأفضل "ملبوس" رجل أن يكون منتهياً "إلى نصف ساقه" أي ساق الرجل اللابس لذلك الملبوس، لبعده من النجاسة والزهو والإعجاب.اهـ ثامناً: الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- وقد تقدم نقل كلامه قريباً . تاسعاً: قال العلامة عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - في "حاشيته" على الروض المربع" (1/527-528) معلقاً على قول البهوتي: نص عليه، لما روى أبو داود والنسائي والترمذي وصححه: (( ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين )) وفي لفظ أبي داود: (( إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين )) ولأن ما فوقه مجلبة لانكشاف العورة غالبا، وإشهار لنفسه، ويتأذى الساقان بحر أو برد فينبغي كونه من نصفه إلى الكعب لبعده من النجاسة والزهو والإعجاب.اهـ قلت :ومن تأمل هذه الأقوال وجدها تنصر القول الصحيح القائل: بأن جعل طرف القميص إلى منتصف الساق سنة. ولا تقرر التفريق المحدث في هذه الأيام بين الإزار والقميص لا من بعيد ولا من قريب. ثم هؤلاء العلماء -رحمهم الله تعالى - منهم من عبر بـ"القميص" و "الإزار" ونحوهما، ومنهم من عبر بـ"الثوب" أو "الملبوس" الشامل لجميع اللباس من إزار وقميص وقباء وعباءة ونحو ذلك. الوجه الخامس : طُرِحَ على سنية جعل طرف القميص إلى نصف الساق إشكال مفاده: أن الروايات جاءت كلها بلفظ "الإزار" دون "القميص" فنبقى مع النص، ولا نخرج عنه إلا بنص آخر .ويجاب عن هذا بأن يقال: كون أكثر الأحاديث جاءت بلفظ "الإزار" فلأنه كان غالب لباسهم في ذلك الوقت . وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله -: الأزر كانت لباس القوم .(1).اهـ وقال الإمام ابن جرير -رحمه الله -: إنما ورد الخبر بلفظ " الإزار" لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الأزر والأردية، فلما لبس الناس القميص و الدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي.اهـ وقال ابن بطال -رحمه الله - عقبه: هذا قياس صحيح، لو لم يأت النص بالثوب، فإنه يشمل جميع ذلك(2).اهـ . وقال العلامة الألباني -رحمه الله - جواباً على سؤال وجهته إليه مع أحد الإخوان: السنة جعل القميص إلى أنصاف الساقين، وإنما جاء النص في الإزار لأن عامة لباسهم كان الإزار.اهـ وقال عن هذا التفريق الحادث بين الإزار والقميص: ليس بصواب. واستدل بما ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: (( ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الإزار فهو في القميص )).وقال إنه: يشمل القميص والإزار صعوداً أو نزولاً . وقال العلامة الألباني أيضاً-رحمه الله-: لا شك أن قصر الثوب إلى نصف الساق سنة مستحبة راجحة لا شك ولا ريب فيها ودونها قصر الثوب إلى ما فوق الكعبين فهو أمر جائز، أما إذا كانت تحت الكعبين فهو كما جاء في الأحاديث الكثيرة في النار.اهـ([4]) وسئل شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله - في درس له بعد صلاة الفجر في الجامع الكبير بالرياض عن ذلك فأجاب بما حاصله: أن جعل طرف القميص أو الإزار إلى نصف الساق سنة، وأنه لا فرق بينهما، وإنما جاء النص في الإزار لأنه كان غالب لباسهم.اهـ و"الخطاب إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له(2)وكون الشريعة تخاطب بالغالب ولا يكون له مفهوم أمر معروف عند العلماء(3)بل هو قول عامة الأصوليين(4) . وأفادني العلامة المحدث عبد المحسن بن حمد العباد -المدرس في المسجد النبوي- في محادثة معه أمراً آخر هو : أن كون أغلب الأحاديث جاءت بوضع الإزار إلى نصف الساق، هو كون الإزار يسترخي بسبب الحركة أو المشي فينـزل إلى المرتبة المحذوره بخلاف القميص فإنه يثبت عند نصف الساق وقال لي : جعل اللباس في منتصف الساق أو ما تحته إلى ما فوق الكعبين كله سائغ في القميص والإزار، ويسعه القميص أو الإزار أو غيره . قلت : ومن تأمل أقوال العلماء كابن عبد البر والنووي وابن قيم الجوزية والذهبي والطيبي أو ابن تميم وابن مفلح والمرداوي صاحب " الإنصاف" وابن عبد القوي في "ألفيته" والحجاوي والبهوتي والسفاريني أو عبد الرحمن بن قاسم وابن باز والألباني والعثيمين والعباد وعبد العزيز آل الشيخ والجار الله وجدها لا تفرق بين الإزار والقميص، بل ولا يعرف عن أحد من الأئمة القول بالتفريق، والمشهور خلافه، وحتى من صنف من المعاصرين في التفريق لم يذكر القول به عن أحد لا من المتقدمين ولا من المتأخرين وما ساقه من كلام علماء الحنابلة عليه لا له كما سبق الإشارة إلى شيء من ذلك، وقد يدخل هذا التفريق في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- المتفق عليه: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)). وقال العلامة ابن قيم الجوزية -رحمه الله - في " إعلام الموقعين عن رب العالمين" (1/27) عن إمام السنة أحمد -رحمه الله -: وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء في مسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.اهـ . الوجه السادس : وطُرِحَ على سنية جعل طرف القميص إلى أنصاف الساقين إشكال آخر: وهو أنه يؤدي إلى انكشاف العورة مما يؤدي إلى بطلان الصلاة . وجواباً على هذا أقول : هذا التعليل ضعيف مردود لا يجدر الالتفات إليه، لأن العلماء -رحمهم الله تعالى - قد قرروا سنية وضع القميص إلى أنصاف الساقين ولم يُعلل أحدهم - فيما أعلم - بهذه العلة، ولو كانت علة معتبرة لما خفيت عليهم، وتركوها حتى تخرج في أيامنا هذه. ولقائل أن يقول : إني قد أسفت على أحوال علماء المسلمين في الأقطار ، وعبر خمسة عشر قرناً من الزمان، والذين لم ينبهوا على هذه السوءة العظيمة، والعاهة الخطيرة، والتي فيها ظهور العورة المحرمة، وبطلان ثاني أصول الدين بعد التوحيد، وهي الصلاة، ومن المئين والألوف من المصلين . وكيف أخروا البيان لغيرهم؟ بل لم يظهروه والحاجة داعية، وكتبهم كالصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم، وأمهات الفقه على اختلاف المذاهب قد سطروا فيها ما يتعلق بستر العورة في الصلاة وأنه من الشروط التي يعرّض تجاوزها بغير مسوغ شرعي إلى البطلان أو الواجبات التي تصح الصلاة بها مع الإثم، بل لم يغفلوا -رحمهم الله - حتى السنن المكملة، ومع ما لهم في ذلك من المصنفات المفردة في اللباس، وأحكام العورة . وعلى أن البون كبير، والمسافة ليست بقصيرة بين قمصنا وقمصهم، فقليل أن ترى في أيامنا من لا يجعل تحت قميصه سراويل ممن يجعل طرف قميصه إلى أنصاف ساقيه، بخلاف الأوائل فليس كل يجد ما يشتهي من اللبس، وفي صحيح البخاري ( 358 ) عن أبي هريرة أن سائلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( أو لكلكم ثوبان؟ )). قال الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله - في كتابه "فتح الباري" (2 / 358) قوله: " أو لكلكم ثوبان " إشارة إلى أن منهم من لا يجد سوى ثوب واحد، لو لم يُصَلِّ أحد في ثوب واحد لَشَقَّ ذلك على بعض الناس أو كثير منهم، والحرج مرفوع عن هذه الأمة.اهـ وأخرج أيضاً ( 442 ) عن أبي هريرة -رضي الله عنه - قال: (( رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، وقد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساق، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته )) . قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله - في "فتح الباري" (1/557): وإنما كانوا يفعلون ذلك لأنهم لم يكن لهم سراويلات فكان أحدهم يعقد إزاره في قفاه ليكون مستوراً إذا ركع وسجد.اهـ ثم إن كان، فإنه يزول بلبس السراويل تحت القميص لاسيما وقد جرى العرف على ذلك والشرع قد دعا إلى الزيادة في الستر . وفي البخاري (365) عن عمر -رضي الله عنه - أنه قال: (( إذا أوسع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص، قال وأحسبه قال : في تبان ورداء )). لاسيما وجعل طرف القميص إلى نصف الساق قد جاء عن صحابه وتابعين وغيرهم وقال به كثير من الأئمة ولا أقف بعد بحث طويل على مخالف لهم، والله أعلم. وكتبه: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد. ([1])"القول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين" للبرجس ( ص 47-48) (1) " مجلة البحوث الإسلامية" العدد:(61) التاريخ :1421هـ) الصفحة (95). (1) وفي " غذاء الألباب " (2/211 ) زيادة : وهو المذهب . اهـ . (1)"فتح الباري " لابن رجب الحنبلي (2/175). (2) "فتح الباري " لابن حجر العسقلاني (10/273-274). (1)المرجع " فتاوى جدة" شريط رقم (4). (2)ينظر تفسير ابن كثير (2/298) آية (23) من النساء . (3)ينظر " مذكرة الشنقيطي " (221) وتفسير القرطبي (5/74). (4)ينظر " حد الثوب والأزرة " لبكر أبو زيد (22). منقول مع بعض التصحيح. |
| الساعة الآن 07:04 PM. |
powered by vbulletin