![]() |
أنقد للمعلقات ..... أم دعوة للمظاهرات !! للشيخ عبد الله بن صلفيق الظفيري -حفظه الله-
أنقد للمعلقات ..... أم دعوة للمظاهرات !! بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، و الصلاة و السلام على رسول الله... و بعد: فلقد كتب د. جاسر عبد الله الحربش مقالا بعنوان (سئمنا سئمنا سئمنا من هذا التكرار) تحت زاويته (إلى الأمام) في جريدة الجزيرة في العدد رقم (14039) في يوم الاثنين الموافق 2 ربيع الثاني 1432. و قد بدأ مقالته بجملة عزاها للكهل التونسي الأشيب الذي برر قيام شباب بلده بالمظاهرات!! و خلع حاكمهم، فقال مقولته التي استهل الكاتب مقالته بها : هرمنا هرمنا هرمنا و نحن ننتظر...!!! ثم دخل الكاتب بعد هذا الاستهلال بما في ظاهره نقد لتدريس المعلقات، التي هي لامرؤ القيس و زهير و طرفة و لبيد.... الذين يراهم ما زالوا متربعين! على العرش!! مبرراً نقده لها بأنها طلاسم لا تفك ألفاظها إلا بالتقسيط الممل!! و لغرابة ألفاظها و صعوبة معانيها!!! إلى أن خلص في مقالته انتقاده تدريسها لأبنائنا في المدارس، معللاً بأننا في زمن (التويتر) و (الفيسبوك)!! و أنه (عفا عليها الزمن)!! و أننا إذا بقينا و هؤلاء - أصحاب المعلقات و معلقاتهم - متربعون على العرش سنبقى (مكبلين)!! بينما العالم من حولنا!! يقفز من طابق إلى طابق، و من إفق إلى إفق......إلخ. فأقول إن هذه المقالة لها ظاهر و باطن..... فأما الظاهر فهو ما أسلفناه من نقده لتدريس المعلقات! و أنها ما زالت متربعة على العرش. و أقول بناء على هذا الظاهر : إن الله عز و جل أنزل القرآن بلغة العرب، و أمر بتدبره و تعقله فقال: (ألم * تلك آيات الكتاب المبين * إنا انزلنا قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) يوسف : 1-2. فذكر الله تعالى علة تنزيله القرآن بلغة العرب و هو التعقل أي التفهم. و لغة العرب التي نزل بها القرآن هي تلك التي عاصرت نزوله و ما قبله، و قد جاء نزوله بذلك معجزة لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم حيث تحدى الله بجزيل ألفاظه و فصاحة تركيبه و قوة معانيه فطاحلة شعراء العرب و فصحائهم، فقال عز: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ( 23 ) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ( 24 ) البقرة: 23 – 24. فإذا كان ذلك كذلك فإنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، و الوسائل تأخذ أحكام المقاصد. و معرفة لغة العرب بنظمها و نثرها و مفردات ألفاظها من أكبر وسائل فهم القرآن، فتعلمها أمر واجب متحتم، بل لا يلتذ المسلم و المسلمة بقراءته و الغوص في أسراره و أحكامه و الإقرار بمعجزة مبانيه و معانيه و التدبر لقصصه و أخباره و مواعظه إلا بفهم ألفاظه و مراميه، و لا يتحقق ذلك إلا بالإلمام بلغة القوم التي نزل بلغتهم القرآن متحديا. و لهذا فإنك تجد أن المفسرين لكتاب الله كثيرا ما يعتمدون على أشعار العرب في فهم معاني الآيات و مفردات القرآن. و أضرب على ذلك أمثلة مما اعتمد فيه على أشعار العرب، و بالذات المعلقات، و ذلك مما جاء في تفسير الطبري و أضواء البيان. 1- فمنه قوله تعالى : { وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } الكهف : 79 أي أمامهم ملك . وكان ابن عباس يقرؤها وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً، ومن إطلاق وراء بمعنى أمام في كلام العرب قول لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع 2- قوله تعالى : { هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء } البقرة : 29.ظاهره أن ما في الأرض جميعاً خلق بالفعل قبل السماء ، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره . والعرب تسمي التقدير خلقاً كقول زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري وذلك في قوله : { وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا } فصلت : 10، ثم قال : { ثُمَّ استوى إِلَى السمآء } الآية . 3- قوله تعالى : { ففَتَحْنَا أَبوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ } القمر : 11. قال الإمام ابن جرير الطبري : يقول تعالى ذكره ( ففَتَحْنَا ) لما دعانا نوح مستغيثا بنا على قومه ( أَبوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنهَمِرٍ ) وهو المندفق، كما قال امرؤ القيس في صفة غيث: رَاحَ تَمْريه الصبا ثُمَّ انتَحَى... فِيهِ شُؤْبُوبُ جنوبٍ مُنهَمِرْ الشاهد في البيت : أن المنهمر في قوله تعالى : " بماء منهمر " معناه : المتدفق الشديد الانصباب. 4- قوله تعالى { اللَّهُ الصَّمَدُ } الإخلاص : 2. قال أبو جعفر الطبري: الصمد عند العرب : هو السيد الذي يُصمد إليه، الذي لا أحد فوقه، وكذلك تسمي أشرافها; ومنه قول الشاعر: ألا بَكَرَ النَّاعي بِخيرَيْ بَنِي أسَدْ... بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ وقال الزبرقان: وَلا رَهِينَةً إلا سَيِّدٌ صَمَدُ. إذن.... على هذا يجب أن يتعلم أبناؤنا لغة العرب الفصيحة، و التي تضمنها نظم و نثر فطاحلة الشعراء و فصحاء أهل الأدب من العرب. ثم أليس كل أمة تحفظ تراثها و تعتني به، لأنه يربطها بتاريخ أمتهم. و الشعر ديوان العرب، و دواوين العرب و معلقاتهم من أعظم تراثهم الذي يعتزون به بعد القرآن و الإسلام... فلماذا نحاول قطع صلة الأجيال بماضيهم المجيد؟! و أما الباطن لهذه المقالة، فهي رموز و إشارات عليها كثير من الاستفهامات، و تدعو إلى كثير من الاستفسارات!! فقد عنون الكاتب مقالته بـ(سئمنا سئمنا سئمنا، من هذا التكرار)؟! ثم استهل مقالته بكلمة التونسي الذي سئم من حكم زين العابدين : هرمنا هرمنا هرمنا و نحن ننتظر. ثم قال بعد ذلك متذمرا من معلقة امرؤ القيس - فيما هو ظاهر- قائلا :(ورحت أصرخ مثل الكهل التونسي : سئمنا سئمنا سئمنا من هذا التكرار)... فأي تكرار؟! ثم قال بعد ذلك :(و كأن الزمن لم يتغير، و الليلة هي البارحة، إنه في الحقيقة لم يتغير إلا شكليا، و ها هو امرؤ القيس و زهير و طرفة و لبيد إلى آخرهم ما زالوا متربعين...)!! فأي تربع هذا الذي سئمته؟! أ تربع على عرش الشعراء؟! أم تربع على عرش آخر؟!! و قوله :(و في الامتحانات الشهرية و النهائية سوف يكون كل شيء بحسابه)!! فأي حساب؟ و كيف يكون؟!! و قوله :(يا إلهي هل يدرك الناس في بلادي كم نحن مكبلون بالتكرار؟! فيا ترى... أي تكرار هذا المكبلين به نحن في بلادنا؟!! و هل استعمال كلمة (مكبلون) مناسبة هنا؟ أم لها مغزى غير ذلك؟! و قوله (إننا نكرر نفس الإرشادات؟ و التعليمات...؟!)... فأي إرشادات؟! و أي تعليمات؟! و التي عطفت عليها أيضا : الأسماء؟! و التواريخ؟!... فأي أسماء؟! و أي تواريخ؟! و التي سئمت منها؟! و قوله (ترى العالم من حولنا يتصرف بطريقة من يحمل معه عبر مسيرته!! ما خف حمله!! و غلا ثمنه!!) فأي مسيرة للعالم حولنا؟! أهي مسيرة (الفيسبوك) و (الآيباد)؟!! أم مسيرة الشوارع و المظاهرات التي راجت في هذه الأيام؟!! ثم ما الذي خف حمله؟!! و غلا ثمنه؟! و قوله مستهجنا بالتراث (تراث آباءه و أجداده!!! و أجدادهم!!!) فما معنى هذا التفريق... أجداده... أجدادهم؟!! و قوله (من تقدموا عليه في المسيرة)؟!! مسيرة ماذا؟ ثم ختم مقالته بما ظاهره ربط بأوله : فقال (نحن هرمنا فعلا من طول الانتظار)؟! فهل هذا (الهرم) ك(هرم) التونسي؟! و قال (سئمنا من التكرار)!! فأي تكرار؟!! و قال (حين يفاجئنا الشباب و صراخه الهادر)؟!! فعلى ماذا يفاجئنا الشباب؟ أيفاجئنا بصراخه على تدريس المعلقات؟! أم يفاجئنا كحال شباب تونس بالمظاهرات؟!! فهذه وقفات عند هذه المقالة!! و ما فيها من ألغاز!! و إشارات!! و ما فيها من ظاهر و باطن!! لا يعرف شيفرتها إلا كاتبها، أو من يعرف لهجته و لغته و مراميه؟!! فهل هذه المقالة على ظاهرها؟! نقد لتدريس المعلقات... و بالتالي هي دعوة لقطع الجيل عن ماضيه و لغته!! أم أنها دعوة للتغيير مطلقاً؟! أم أنها دعوة لما قاله التونسي... هرمنا هرمنا هرمنا؟!! فإن كانت الأولى..... فمجدنا و لساننا لن نتركه. و إن كانت الثانية... فديننا و عاداتنا لن نهمله. و إن كانت الثالثة... و ليتها ليست هي... و إلا فرقابنا دون توحيدنا و بلادنا. إننا ننتظر الإفصاح من الكاتب... و هو الذي يرى أن على وسائل الإعلام الرسمية و الخاصة أن تعي ذلك و تتوقف عن استعمال مفردات التطبيل و محاولات إمساك العصا من الوسط لأنها لا تخدم أحدا بذلك غير نفسها؟!! و صلى الله و سلم و بارك على المبعوث رحمة للعالمين. و كتبه عبد الله بن صلفيق القاسمي الظفيري المعهد العلمي بحفر الباطن. المصدر: http://www.dafiri.com/node/285 |
| الساعة الآن 05:35 PM. |
powered by vbulletin