![]() |
إلى أختي الحبيبة الغالية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إلى أختي الحبيبة الغالية حقـــوق الأُخـــوَّة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله، ورسوله، وصفيه، وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد: فموضوع هذا الدرس حقوق الأخوّة؛ ونعني بحقوق الأخوّة؛ ما يشمل الحق المستحب, والحق الواجب، وليس المراد تفصيل ما هو واجب من تلك الحقوق، وما هو مستحب، وإنما ذِكر الحقوق بعامّة، ومنها ما هو واجب، وما هو مستحب، وهناك حقوق أخرى تُركت أيضا لضيق المقام عنها، وهذا المقام وهو حق الأخوّة؛ حق الصحبة؛ حق الأخ على أخيه، من المقامات العظيمة التي أُكّدت بالنصوص؛ وأُكّدت في الكتاب والسنة، فرعايتها رعاية للعبودية، وإهمالها إهمال لنوع من أنواع العبودية؛ لأن حقيقة العبادة: أنها اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ومن الأقوال والأعمال التي يرضاها الله جل وعلا ويحبها، ما أمر به من أداء حق الأخ على أخيه، وخاصة إذا كان ذلك الأخ قد قامت بينه وبين أخيه مودّة خاصة، ومحبة خاصة، واقتران خاص، فاق أن يكون لمجرد أنه من إخوانه المسلمين، فثَم حق للمسلم على المسلم, للأخ على أخيه من جهة أنه مسلم، ويتأكد ذلك الحق ويزداد إذا كان بين هذا المسلم وبين أخيه المسلم أخوّة خاصة، ومحبة خاصة، ترافقا وتحابا وتشاركا في المحبة في الله وفي طاعة الله، وبعضهم دلّ بعضا إلى الخير، وهداه إلى الهدى وقربه إلى ربه جل وعلا، فثَم حقوق بين هذا وهذا، وهذه الحقوق ينبغي أن يرعاها الأخ المسلم، أن يرعاها المسلم كبيرا كان أو صغيرا، وأن ترعاها أيضا المسلمة، فإذا قلنا حقوق المسلم على المسلم وحقوق الأخوّة فهو شامل للحق، بين الكبار، وبين الصغار، وبين الرجال، وبين النساء أيضا، والله جل جلاله في كتابه العظيم امتن على عباده المؤمنين أن جعلهم بنعمته؛ أن جعلهم بالإسلام إخوانا، قال جل وعلا ?فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا?[آل عمران:103]، والله جل جلاله لما امتن على عباده المؤمنين بأنه ألّف بين قلوبهم وجعلهم بنعمته إخوانا، دلّنا ذلك، على أن هذه المحبة في الله، وعلى أن هذه الأخوة في الله؛ من النعم العظيمة التي جعلها الله جل وعلا في قلوب المؤمنين بعضِهم لبعض، ورعاية هذه النعمة والمحافظة عليها، اعتراف بأنها نعمة، وبأنها منَّة من الله جل وعلا، إذ النعم يحافَظ عليها، وإذ النقم يُبتعد عنها ويحذر منها، لهذا قال جل وعلا ?فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا?[آل عمران:103]، قال بعض أهل العلم في قوله (بِنِعْمَتِهِ) التنبيه على أن حصول الأخوّة، وحصول المحبة بين المؤمنين، إنما هو بفضل الله جل جلاله، وهذا دلّت عليه الآية الأخرى، قال جل وعلا ?لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ?[الأنفال:63]، فالذي جعل هذا يحب ذاك، جعل هذه القلوب على اختلاف أقطارها، واختلاف جنسياتها، واختلاف قبائلها، واختلاف طبقاتها، جعلهم متحابين في الله، يشتركون في أمر واحد، وهو إقامة العبودية لله جل جلاله، هو أنهم صاروا إخوة في الله جل جلاله بفضل الله سبحانه وبنعمته، وقد قال سبحانه ?قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ?[يونس:58]، وإن أعظم النعمة، وأعظم الرحمة التي يُفرح بها هذا القرآن العظيم، وسنة النبي (، وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره عند هذه الآية ?قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ?[يونس:58]، روى أن الصّدقة جاءت إلى المدينة فخرج عمر رضي الله عنه وخرج معه مولاه لأرض الصّدقة, أو للمكان الذي تجتمع فيه إبل الصدقة، فلما رأى الغلام هذه الكثرة الكاثرة من إبل الصدقة، ومن الصدقات التي جاءت، وستوزع بين المسلمين، قال له: هذا فضل الله ورحمته يا أمير المؤمنين. فقال عمر رضي الله عنه: كذبت ولكن فضل الله ورحمته القرآن، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. فأعظم ما يُفرح به أن يكون المرء ممتثلا لما جاء في هذا القرآن، وما أمرنا الله جل وعلا به، وما نهانا عنه في هذا القرآن؛ لأنه خير لنا في هذه الحياة الدنيا وفي العاقبة. والأحاديث التي تحث على أن يكون المرء المسلم يألف ويؤلف كثيرة جدا، فقد حثَّ النبي ( على ذلك، وبين فضيلة الأخوّة، وفضيلة التحاب في الله، وفضيلة أن يكون المؤمن يألف ويؤلف، وأن يكون قريبا من إخوانه في عدد من الأحاديث منها قوله عليه الصلاة والسلام «إن أقربَكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنُكم أخلاقا، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون» وفي حديث آخر رواه أحمد وغيره مروي من طرق، وهو حديث صحيح أن النبي ( قال «المؤمن يألف ويؤلف» وفي لفظ «المؤمن مَألفة» يعني يألفه من يراه؛ لأنه لا يرى لإخوانه، لا يرى للناس إلا الخير، وقد أمر الله جل وعلا الناس بذلك بعامة في قوله جل وعلا ?وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا?[البقرة:83]، قال عليه الصلاة والسلام «المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» وقد ثبت أيضا في صحيح مسلم رحمه الله تعالى أن النبي ( قال «إن الله جل جلاله يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» أين المتحابون بجلالي يعني الذين تآخوا محبة في الله، ورغبة في الله، لم تُقرب بينهم أموال، لم تقرب بينهم أنساب، وإنما أحب هذا لهذا لا لغرض من الدنيا وإنما لله جل جلاله، وهذا هو الذي دلّ عليه الحديث الآخر المتفق على صحته المشهور؛ «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، فهذه النصوص تدل على عظم شأن المحبة في الله، وعلى عظم شأن أن تقام الأخوّة في الله على أساس من المحبة التي جاءت في النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة، وإذا كان كذلك، وإذا كانت المحبة على الفضل العظيم، فهناك حقوق بين المتحابين هناك حقوق للأخوّة، حقوق لهذا الأخ الذي أحب أخاه لهذا المسلم الذي بينه وبين أخيه المسلم عقد أخوّة، عقد أخوّة إيمانية قال الله جل وعلا في شأنها ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ?[التوبة:71]، قال العلماء معنى قولِه (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) يعني بعضهم ينصر بعضا، بعضهم يُوادّ بعضا، بعضهم يحب بعضا إلى سائر تلك الحقوق، فالموالاة عقد بين المؤمن والمؤمن، بين المسلم والمسلم، ولها درجات بحسب تلك العلاقة، وتلك المودّة بين الأخ والأخ، هذه الحقوق متنوعة ونذكر بعضا منها: الحق الأول من تلك الحقوق؛ حقوق الأخوّة، أن يُحبّ أخاه لله لا لغرض من الدنيا؛ وهو الإخلاص في هذه العبودية التي هي أن يعاشر أخاه، وأن يكون بينه وبين أخيه المسلم، بينه وبين هذا الصاحب الخاص، أن يكون بينه وبينه محبة لله لا لغرض من الدنيا، فإذا كانت المحبة لله بقيت، أما إذا كانت لغرض من أغراض الدنيا فإنها تذهب وتضمحل. فالإخلاص في المحبة, الإخلاص في معاملة الأخوّة؛ أن يكون المرء يحب المرء لله جل جلاله، كما ثبت في الصحيح أن النبي ( قال «ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» فبين أن هذه الثلاث من كن فيه، ذاق بهن حلاوة الإيمان, ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ منها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، إذن فليس الشأن أن تكون مُحِبا لأخيك، وإنما الشأن في هذه العبودية التي تمتثل ما أمر الله جل وعلا به، أن تكون محبتُك لهذا الخاص من الناس، أو محبتُك لإخوانك، أن تكون لله لا لغرض من الدنيا، فإذا أحببته فلما في قلبه من محبة الله، لما في قلبه من التوحيد، لما في قلبه من تعظيم الله جل جلاله، لما في قلبه من متابعة النبي (، لما عمل بذلك من إظهار التوحيد على نفسه وجوارحه، وإظهار السنَّة على نفسه وجوارحه، فهذه هي حقيقة المحبة التي هي أول الحقوق، ومعنى كون ذلك حقا أن يخالط المرء إذا خالطه؛ أن يخالطه إذا خالطه وهو يريد من هذه المخالطة أن تكون العلاقة بينهما لله، إذا خالطه على أن المخالطة هذه لله، وهو يُضمر شيئا من أمور الدنيا، فهو في الحقيقة قد غشه, لأن أخاه لا يعلم ما في قلبه، فيظن أن مآخاته لله جل وعلا، ومحبته في الله جل جلاله، وفي الحقيقة إنما آخاه لغرض من أغراض الدنيا يصيبها، محبة المرء لله جل جلاله تثمر ثمرات، تثمر أن يكون العبد في محبته لأخيه قد وفَّى بالحقوق التي ستأتي أنه إذا أحبه لله فإنه في كل معاشرة وكل معاملة يعامل بها أخاه فإنه يخشى الله جل جلاله؛ لأن الذي بعث هذه المحبة في نفسه هو محبة الله جل جلاله فأحب هذا المرء لله، وفي الله، والمحبة الخالصة لله جل جلاله وحده، ولهذا إذا رسخت هذه الحقيقة، وقام المرء بهذا الحق؛ أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ظهرت آثار ذلك على قلبه، وعلى تصرفاته، وبقدر إخلاصه، وصدقه في محبته للمرء لا يحبه إلا لله، يظهر أثر ذلك في الحقوق التي ستأتي، ومن آثار ذلك وثمراته أن المحبة إذا كانت لله تدوم، وأما إذا كانت لغير الله فإنها لا تدوم، واستبر ذلك في الناس في علاقاتهم بالناس، في علاقاتهم بإخوانهم، في علاقاتهم بأهل العلم، في علاقاتهم بطلبة العلم، في علاقاتهم مع بعض إخوانهم ممن يملك مالا, أو يملك تجارة، أو له جاه، أو له سمعة، وآخاه وصاحَبَه لا لله وإنما لغرض من أغراض الدنيا، فلما حصل ذلك الغرض انقضت تلك الأخوّة وصار غير شاكر له، أو غير مواصل له فضلا أن يكون أبعد من ذلك -والعياذ بالله- أن يكون ذامّا له مُخْبِرا بسيئاته, مخبرا بأحواله التي رآه منها في سالف زمنه. لا شك أن هذا الحق وهو أول الحقوق؛ أن يوطن المرء نفسه، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله يؤتي ثمرات عظيمة في العلاقة، يؤتي ثمرات عظيمة في التعامل، في حفظ الحقوق، وفي العبودية التي هي أعظم تلك الأمور. الحق الثاني من هذه الحقوق أن يقدّم الأخ لأخيه الإعانة بالمال وبالنفس؛ لا شك أن الناس مختلفون, مختلفون في طبقاتهم، والناس بعضهم لبعض خدم؛ الغني يخدم الفقير والفقير يخدم الغني، من كان ذا جاه فإنه يخدم من كان ليس بِذي جاه، وهكذا فالناس متنوعون، جعلهم الله جل وعلا كذلك، ليتخذ بعضهم لبعض سخريا، ورحمة ربك خير مما يجمعون، هذه سنة الله جل وعلا في خلقه، وسنة الله جل وعلا في تصنيف الناس، وهذا إذا كان كذلك فإن من حق الأخوة، من حق الصحبة الخاصة، أن يسعى المرء في بذل نفسه، في بذل ماله لأخيه الخاص؛ لأن حقيقة الأخوّة أن يؤثر المرء غيره على نفسه، كما وصف الله جل وعلا الذين امتثلوا ذلك بقوله ?وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ?[الحشر:9], فالإيثار من حقوق الأخوّة المستحبة، فإذا كان هذا في درجة الإيثار فذاك من الخير؛ لكن نطلب شيئا أقل من الإيثار، من حقوق الأخوّة في الإعانة بالمال والنفس؛ أن يتفقده بشيء فاضل في وقته، أن يتفقده بشيء فاضل في ماله، أن ينظر إلى أخيه، ينظر إلى حاجاته، وقد قال بعض العلماء إن من آداب أداء هذا الحق أن لا ينتظر أن يسأله أخوه ذلك الشيء، بل يبتدأ هو ويبحث عن حاجة أخيه الذي صافاه ووادَّه في الله جل جلاله، وقد كان أمر النبي ( كما روى مسلم في الصحيح أمر بعض الصحابة أن يلقوا ما معهم الآخرين من الصحابة في بعض الغزوات حتى قال الراوي: حتى لم يكن أحدنا يرى أن له فضلا على أخيه. وهذا لاشك من المراتب العظيمة، لكن هذه المسألة -وهي بذل المال وبذل النفس- هذه مسألة عظيمة، ولها مراتب، فمن حقوق الأخوة أن تبذل مالك لأخيك؛ نطلب بذل المال الفاضل، إذا كان عندك شيء زائد تقرضه، وقرض المسلم مرة خير وإحسان، وإذا أقرضه مرتين فهو صدقة، كأنه تصدّق على أخيه بتلك الصدقة، كما روى ابن ماجة في سننه: «من أقرض أخاه مرتين فهو كالصدقة عليه» وهذا أمر عظيم، بذل المال من غير سؤال، تتفقد حاجته، رأيته بحاجة إلى مال، رأيت حالته رثّة، رأيته بحال ليست بمحمودة، وأنت قد وسَّع الله جل وعلا عليك، فتبذل الفاضل من ذلك، تواسيه بذلك، والأحسن تواسيه بذلك، لأن في هذا بذل الفضل، ولأن في هذا إقامة عقد الأخوة، والذي يبذل مبتدءا ليس كمن يبذل مسؤولا، وقد قال الله جل وعلا في صفة المؤمنين ?أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ?[الفتح:29]، وكونهم رحماء بينهم يقتضي أن بعضهم يرحم بعضا، وبعضهم يرحم بعضا فيما يحتاجه؛ يحتاج إلى بذل الجاه، يحتاج إلى بذل المساعدة، يحتاج أن تساعده في نفسه، في بيته، يحتاج أن تساعده في جهده في إصلاح شيء، ضاق وقته عن بعض الأشياء عنده مهمات وعنده سفرات، فحق الأخ على أخيه -حقوق الأخوة الخاصة- أن تسعى في ذلك، لأن عقد الأخوة الخاصة يقتضي البذل، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ( قال: «مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» وفي الحديث الآخر حديث صحيح معروف «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». إذن فهذا الحق وهو بذل النفس؛ أن يُعَوِّدَ الأخ أن يبذل نفسه لأخيه، أن يبذل بعض وقته لأخيه، أن يبذل بعض ماله لأخيه، وأن يسعى في ذلك، يُقيم في القلب حقيقةً التخلص من الشح، والمؤمن مأمور بأن يتخلص من الشح أمر استحباب، وقد أثنى الله جل وعلا على أولئك بقوله?وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ? (1) شُحّ النفس يكون بأنواع، يمكنه أن يذهب مع أخيه إلى مكان ليُعَرِّفه عليه، أو ليبذل جاه، أو ليذكره عند أحد، فيبخل بهذا الجهد، ويشح بالنفس، ويشح ببعض الوقت على أخيه. ما حقيقة الأخوّة إذا لم يكن ثم بذل، وثم عطاء في هذه المسائل وفي غيرها؟ وقد جاء في الحديث أيضا «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» فإذا كنت موطنا نفسك في هذه المسائل أن تبذل لصفيِّك، أن تبذل لخليلك، أن تبذل لصاحبك، فإن ذلك من حقوق الأخوة التي من بذلها قبل السؤال فإنه قد أدى شيئا عظيما، ومن بذلها بعد السؤال فإنما أدى ما وجب عليه أو ما استحب له، لكن مكارم الأخلاق والإقبال على الخير أن تبتدأ بالشيء قبل أن تُسأل عنه، لهذا كان بعض السلف يتفقد حاجة إخوانه من دون أن يُعرف، كم روي لنا من أحوال السلف أنهم دسّوا أموالا؛ دسّوا بعض المال في بيت إخوانهم من دون أن يُعلم من هذا الذي أرسل، ومن هذا الذي أعطى، وقد قال الربيع بن خثيم مرة لأهله: اصنعوا لي طعاما -وكان يحب ذلك النوع من الطعام- فصنعه له أهله كأحسن ما يكون، فأخذه وذهب به إلى أخ له مسلم ابتلاه الله جل وعلا بأنه ليس بذي لسان وليس بذي سمع وليس بذي بصر، يعني أصيب بمصيبة فقد معها البصر وفقد معها اللسان وفقد معها السمع، فإذا أتاه هذا وأطعمه أو أهدى إليه، فمن الذي يعلم بحاجته؟ من الذي يعلم بما أعطى؟ هذا الرجل لن يعلم ما فعله به الربيع بن خثيم مثلا، فأتى الربيع بن خثيم وأخذ هذه الحاجة؛ هذا الطعام الخاص الذي يحبه هو، وذهب به إلى ذلك الرجل الذي هو من إخوانه المؤمنين في بلده، فأخذه وأخذ يطعمه شيئا فشيئا حتى غذَّاه وأشبعه، فلما انصرف، فقيل له: يا ربيع فعلت فعلا لا ندري وجهه؟ قال: ما فعلت؟ قالوا: فعلت إذ أطعمت هذا، وهو لا يعرفك، ألم تكتفِ أن أعطيته أهله فأطعموه؟ قال: لكن الله جل جلاله يعلمه. وكم من آثار للسلف في هذا الباب فقد رعى بعض السلف حال أولاد أخ له يعني صاحب له رعى أحوال أهله وأحوال ولده أربعين سنة حتى توفي، قالوا فكأننا لم نفقد أبانا كأنهم ما فقدوا أباهم لشدة ما حصل لهم من البذل في ذلك. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ذُكر عنه أنه لما مات بعض المشايخ الذين كانوا يعادونه، كان يسعى في حاجة أهله، في حاجة صغاره، ذلك أنه وإن عاداه فثَم حق للأخوة خاص؛ حق لعقد الإسلام، وهؤلاء المساكين من لهم؟ لهم الذي تخلص من شهوة نفسه, وتخلص من الانتصار لنفسه فبذل لهم, وكان يتعاهد أبناء وأهل أعدائه الذين عادَوه وسعوا به، إلى آخر ذلك، وهذا لاشك من امتثال الشرع، وجعل الشرع فوق هوى النفس، وفوق مُرادات النفس، هذا كله يحصل وربما وُفّق إليه الكثير، وهناك مرتبة من المراتب يُحث عليها وهي أن كثيرين قد يبذلون، وقد يكون له مع إخوانه مواقف حسنة ومواقف طيبة، لكنه يرى أن له فضلا بعد الإعانة، يرى أن له فضلا أن قَدَّم له، يرى أن له فضلا أن أعانه بمال، أن أعانه بجاه، أن أعانه ببذل، وحقيقة العبودية التامة، أن يكون المؤمن الذي بذل وأعطى شاكرا لله جل جلاله، أن جعله سببا من أسباب الخير، التي ساق الخير على يديها، فإن الله جل جلاله يستعمل بعض عباده في الخيرات، ومن الناس من عباد الله من هو مفتاح للخير مِغلاق للشر، فالعبد إذا أعان أخاه وإذا أعطاه وإذا بذل نفسه, إذا بذل جاهه له فإنه لا يستحب له، بل إنه ليس بمحمود في حقه، ولا هو من مكارم الأخلاق، أن ينتظر الثناء، وأن يُصبح يذل ويمنُّ بهذا الذي عمله، فإن حقيقة الإخلاص والمحبة وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، أن يعامله لأجل أمر الله جل وعلا بذلك، فينتظر الأجر والثواب من الله جل جلاله. الحق الثالث من حقوق الأخوّة حفظ العِرض، وهو حق عظيم من الحقوق، بل لا يكاد تُفهم الأخوة الخاصة إلا أن يحفظ الأخ على أخيه عرضه، والأخوّة العامة؛ أخوّة المسلم للمسلم قد أمر النبي ( فيها بحفظ الأعراض، فقد ثبت في الحديث الصحيح، حديث أبي بكرة في البخاري ومسلم وفي غيرهما، أن النبي ( قال في خطبته يوم عرفة في خطبته في حجة الوداع يوم عرفة «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» إلى آخر الحديث، فعِرض المسلم على المسلم حرام بعامة، فكيف إذا كان بين المسلم والمسلم أخوّة خاصة وعقد خاص من الأخوة, كيف لا يحفظ عرضه، وقد قام بينهم من الأخوة والمحبة الخاصة ما ليس بينه وبين غيره، إذا كان المسلم مأمورا أن يحفظ عرض أخيه الذي هو بعيد عنه، الذي ليس بينه وبينه صلة ولا محبة خاصة، فكيف بالذي بينه وبينه موادّة، وتعاون على البر والتقوى، وسعي في طاعة الله، وفي العبودية لله جل جلاله، واكتساب الخيرات، والبعد عن المآثم. لحفظ العرض مظاهر؛ لأداء هذا الحق مظاهر, هذا الحق أن تحفظ عرض أخيك الذي بينك وبينه أخوّة خاصة، وكذلك أخوك الذي بينك وبينه أخوّة عامّة لذلك مظاهر؛ من مظاهره: ? أولا أن تسكت عن ذكر العيوب؛ لأن المصادقة أو الأخوة الخاصة تقتضي أن تطّلع منه على أشياء، يقول كلمة، يتصرف تصرفا، فعل فعلا, ما معنى الأخوة الخاصة إلا أن تكون مؤتمنا على ما رأيت، أن تكون مؤتمنا على ما سمعت، وإلا فيكون كل واحد يتحرز ممن يخالطه، فليس ثَم إذن إخوان صدق، ولا إخوان يحفظون المرء في حضوره، وفي غيبته، مما حَدَا ببعض الناس لما رأى الزمن -زمنه- لما رأى زمنه خلا من هذا الصديق، وهذا المحب الذي يحفظ عِرضه، ويكون وفيًّا معه، هداه أن ألف كتابا وسماه (تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) لأنه وجد الكلب إذا أحسن إليه من ربَّاه، فإنه يكون وفيا له، حتى يبذل دمه لأجل من أحسن إليه، فقال تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، لأن كثيرين يخونون؛ يخالط مخالطة خاصة، ويطّلع على أشياء خاصة، ثم ما يلبث أن يبُثَّها، وأن يذكر العيوب التي رأى، وأن يفضحه بأشياء، لو كان ذاك يعلم أنه سيخبر عنه لعدّه عدوا، ولم يعدّه حبيبا موافيا، لهذا من حق أخيك عليك أن تحفظ عرضه بالسكوت عن ذكر عيوبه، سواء بمحضر الناس في حضرته، أو في غيبته من باب أولى، فإن حق المسلم على المسلم أن يحفظ العرض فكيف إذا كان ذلك خاصا. ?من مظاهر حفظ هذا الحق أن لا تدقق معه السؤال، وأن لا تبحث معه في مسائل لم يبدها لك، مثلا تراه في مكان، فتقول ما الذي جاء بك إلى هنا؟ ما الذي حضر بك؟ لماذا ذهبت إلى فلان؟ (وُوشْ عندك وفلان؟) إلى آخره من التدخل فيما لا يعني, إذا أحب أخبرك، وإذا لم يحب فإن الكتمان له فيه مصلحة، والمرء من حُسن إسلامه أن يترك ما لا يعنيه، ما ثبت ذلك على النبي ( بقوله «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» فإذا رأيته في حال، إذا رأيته متوجها لشيء، فلا تسأله عن حاله، لا تسأله عن الوُجهة التي هو ذاهب إليها؛ لأن عقد الأخوة لا يقتضي أن يخبرك بكل شيء، فإن للناس أسرارا وإن لهم أحوالا. ? المظهر الثالث من مظاهر حفظ العرض أن تحفظ أسراره, وأسراره هي التي بثها إليك، بثّ إليك نظرا له. |
جزاكِ الله خيرا وأحسن إليك أختي && أم عبد الله && جعلنا الله وإياك من المتحابين فيه الذين يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله . آآمين |
اميييييييييين اخية بارك الله فيك أخية وجزاك الله خير الجزاء.
|
جعلنا الله من المتحابين فيه حقا ونفعنا ببعض وجمعنا في خير الدنيا والآخرة .
اللهم آمـــــــــين يارب العالمــــــــين. |
| الساعة الآن 12:12 PM. |
powered by vbulletin