منتديات منابر النور العلمية

منتديات منابر النور العلمية (http://m-noor.com//index.php)
-   منبر الردود السلفية والمساجلات العلمية (http://m-noor.com//forumdisplay.php?f=7)
-   -   كيف يتم التفريق بين الغلو في الجرح والحزم والشدة على أهل البدع التي تُعتبَر مَنْقَبَة ؟ يجيبك العلامة الجابري حفظه الله (http://m-noor.com//showthread.php?t=6528)

أبو المقداد ربيع بن علي بن عبد الله الليبي 01-09-2011 02:13 PM

كيف يتم التفريق بين الغلو في الجرح والحزم والشدة على أهل البدع التي تُعتبَر مَنْقَبَة ؟ يجيبك العلامة الجابري حفظه الله
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه
أما بعد:سئل العلامة الوالد عبيد بن عبد الله بن سليمان الجابري حفظه الله ما يأتي:
الطالب
: أحسن الله إليكم وبارك فيكم، شيخنا سؤال ثان يقول السائل: كيف يتم التفريق بين الغلو في الجرح والحزم والشدة على أهل البدع التي تُعتبَر مَنْقَبَة ؟
الشيخ: أقول بالنسبة، أقول ولعلنا نبدأ بشطر سؤالكم الثاني، بالشطر الثاني من سؤالكم، وهو أن أهل السنة، الأصل عندهم الشدة على البدع وأهلها وقوة النكير والغلظة وذلك حينما تقوى شوكتهم وترجح كفتهم فإنهم في هذه الحال لا يرْعَوْن حرمةً لمبتدع بل يهينونهم ويحتقرونهم ويهوّنون من شأنهم، والأصل في هذا النص وسيرة السلف الصالح وهي الإجماع، فالنص منه قوله صلى الله عليه وسلم : (سيكون في آخر أمتي أناس يحدّثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم) رواه مسلم في مقدمة صحيحه من حديث أبو هريرة رضي الله عليه وكذلك رواه البغوي في شرح السنة.
وفي الحديث الصحيح الآخر، وهو حديث الافتراق الذي يهوِّن من شأنه بعض المتخلِّفين من قادة أساطين، من قادة الثورة الفكرية التي هي حرب على الدعوة السلفية وأهلها، فيضعِّف هذا الحديث ويتلمَّس في التهوين من شأنه وعدم استعماله، وهو حديث صحيح مشهور، تلقاه أهل السنة بالقبول واستعملوه، ومن ألفاظه: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة).
فسَّرها ابن مسعود رضي الله عليه بقوله: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)
وفي رواية أخرى يُحسِّنها بعض أهل العلم بشواهدها:( قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
وأخرج الشيخان من حديث حذيفة رضي الله عليه قال:(كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه عن الخير وأسأله عن الشر مخافة أن يُدرِكني فقلت: يا رسول الله كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دَخَن، قلت: وما دخَنُه؟، قال: قوم يَهدُون بغير هديي ويستنُّون بغير سنتي، قال: تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد هذا الخير -يعني الذي فيه دخن- من شر؟ قال: دعاة ٌعلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت:
فصِفْهُم لنا يا رسول الله، قال: هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: تعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضَّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك
).
فبضميمةِ هذه الأحاديث وما في معناها وهو متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا معنويا يوجب العلم والعمل يستخلص طالب الحق والسنة ما يأتي:
*أولا: وجوب الحذر من البدع وأهلها مع شدة النكير والنفرة.
*ثانيا: ليست الكثرة دليلا على الحق، كما أن القلة ليست دليلا على عدم الحق، بل العبرة بإصابة الحق.
*ثالثا: الحكم على أكثر الأمة بأنه هالك، ولهذا حكم النبي صلي الله عليه وسلم على الثِّنتين وسبعين فرقة أنها هالكة، قال: (في النار)، هذا في حديث الافتراق وقوله: في النار هو من أحاديث الوعيد، وقوله: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة).
ثم قال: (إلا واحدة) هذا دليل على الحذر من أهل البدع، لعله هو الأصل.
*رابعا: أن جماعة الحق واحدة وليست متعددة، هي واحدة، وهي التي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم وفسرها ابن مسعود رضي الله عليه .
*خامسا: لزوم هذه الجماعة وإمامهم إذا وجدت، وهي موجودة ما تخلو الأرض منها، لكن أحيانا ليس لها إمام، هذا في عصر من العصور… في الفتن، وأحيانا لها إمام.
*سادسا: إذا لم يوجد جماعة ولا إمام -أنا طامع في أن يكون هذا نسبي-، أطمع أن يكون نسبيا ولا أحكم على الله ولا على رسوله لكني أطمع، ويحفزني على هذا الطمع قوله صلى الله عليه وسلم : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة)، فأهل الحق لا تخلو الأرض منهم أبدا، هذا وعد الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لكن قد لا يكون لها إمام، فالعلاج ما هو؟ العزلة؟ اعتزال جميع الأمواج المتلاطمة، جميع الفرق الضالة المتلاطمة والنجاة بنفسك (تعتزل تلك الفرق كلها) وقد يكون مع بعضها شيء من الحق، لكن ما دامت القضية قضية تلاطم وتناحر وتصادم وتشاجر وتخاصم وحرب وليس هناك إمام ينحاز إليه فإنه ينجو بنفسه. هذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث في هذا كثيرة، وأما من سيرة السلف الصالح القولية فإن النقل عنهم -رضي الله عنهم ورحمهم- متواتر ، من ذلكم قول الفاروق رضي الله عليه: (إياكم وأهل الرأي أعداء السنن، أعْيَتْهُم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلّوا وأضلوا).
وروى اللألكائي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:( والله ما أظن أن أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني اليوم، فقيل: وكيف؟ قال: تَحدُثُ البدعة في المشرق أو المغرب، فيَحملها الرجل إليّ، فإذا انتهت إليّ قمَعْتُها بالسنة، فتُردّ عليه)
وروي عنه رضى الله عليه: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر)
ومَن ذانكم الرجلان: صدّيق الأمة وإمامها بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر كذلك الإمام الثاني من البشر بعد رسول الله وهما على رأس من شهد لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم بالجنة، وعلى رأس من مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وقال الشعبي رحمه الله: (إياكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالقياس لتُحِلُّن الحرام ولتحرّمن الحلال، فما بلغكم عنأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فخذوه أو قال: فخذوا به)
وقال أيوب السختياني -رحمه الله- (قال لي أبو قلابة: «يا أيوب احفظ عني أربعا :لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقَدَر، وإذا ذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأمسك، ولا تُمكِّن أهل الأهواء من سمعك فينبذوا فيه ما شاؤوا، أو قال: يُقرّوا فيه ما شاؤوا)
وروي عن الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- (أنه كان رجل من أهل الأهواء يسير خلفه ويقول: يا أبا عبد الله ناظرني، يا أبا عبد الله ناظري، كلمة يا أبا عبد الله ،اسمع مني كلمة ! وهو يشير بيده ويقول: لا ولا نصف كلمة، «قال: يا أبا عبد الله ناظرني، فإن غلبتَني تبعتُك، وإن غلبتُكَ تبعتني -وكان الإمام رحمة الله عليه مُحنّكا فَطِنًا مُلْهَمًا- فالْفتَ إليه وقال: فإن جاء ثالث فغلبَنَا؟ قال: نتبعه، قال: اذهب فأنت تتَنَقَّل). بِيَدِ كل واحد، كما يقول العوام عندنا: (من يد نشيط في يد نشيط)، هذه عندكم يا أهل المغرب ولاّ لا؟ عندنا مَثَل يقول: من يد نشيط في يد نشيط لا يستقر، مع كل واحد يمشي: من يد نشيط في يد نشيط.
وقال: أو مفضّل بن مهلل رحمه الله: (لو كان صاحب البدعة يُحدِّثك في أول مجلسه (أو قال في أول أمره) ببدعته لحذرتَه ونفرت منه، ولكن يحدثك في بدوِّ مجلسه بالسنة ثم يدخل عليك من بدعته، فلعلها تلزم قلبك فمتى تفارق قلبك)، سمعتم: أهل البدع مَكَرَة، عفاريت… يعرفون كيف يتصيَّدون من قلّ فقْهه من الأغرار الذين لم يكن عندهم فقه يحصِّنهم من أهل البدع المحدثات.
وقال مصعب بن سعد رحمه الله: (لا تجالس مفتونا فإنه لن يخطئك منه إحدى اثنتين: إما أن يفتنك فتتبعه، أو يؤذيك قبل أن تفارقه).
فبان بهذا النقل والتقرير الذي بدأناه بنصوص نبينا صلى الله عليه وسلم ، وثنَّيْنا فيه بأقوال أئمة من أهل الدين أن الأصل في المبتدعة هو المفاصلة؛ مفاصلة أهل السنة لهم وحذَرُهم منهم.
(الشطر الأول ما هو نسيته؟ الشطر الأول؟)
قال الطالب: كيف يتم التفريق بين الغلو في الجرح)؟
الشيخ: نعم، الغلو في الجرح-والشدة انتهينا منها- لكن الغلو في الجرح؛ أقول: لا يغلو سني في الجرح أبدا لأن هذا دين يدين الله به، ولكن نحن نسمع ما بين الفينة والفينة، هذه الكلمة تردَّد، فالسني يدين الله سبحانه وتعالى بالجرح، إذ هو عنده دين يدين الله به فيذب به عن السنة وأهلها، كما أن التعديل كذلك دين ولهذا فإن أهل السنة أعني الأئمة الحريصون على ألا يجرحوا أحدا ببدعة فضلا عن كفر، إلا وعندهم من البيّنات ما يشهد لهم، ولكن أهل الأهواء يفسرون هذا غلُوًّا، فمادام الدليل قد قام واضحا على أن فلانا من الناس مبتدع ضال منحرف، فكيف يفسر هذا غلوا؟ وأهل السنة متقرِّر عندهم أنهم لا يبدِّعون أحدا فضلا عن تكفيره حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (أهل السنة أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق).
لكن أهل الأهواء لا يقِرُّ لهم قرار ولا تنام لهم جفون، ولا تنشرح لهم صدور ولا تطمئن لهم قلوب بالجرح، لأن أئمة السنة وعلماء السنة وأهل السنة يبغضون أهل البدع، فإذا كُشف لهم عن رجل بأنه مبتدع قَوِيَ البغض في نفوسهم، وقويَ الحذر، فحذروه، وإن كانوا من قبل يحسنون به الظن وهذا لا يرضي أهل الأهواء، نعم قد يكون من بعض أهل السنة شيء من القسوة لِما رأى هو أن الأمر يستدعي القسوة، والآخر وإن كان لا يخالفه في أصل المسألة ولكنه يستعمل أحيانا عبارات لينة، وهذا ليس محل خلاف.
وإذا سلمنا على ما ورد في السؤال من حكاية لِقول بعض أهل الأهواء أن بعض أهل السنة يغلو في الجرح، أقول: مِن قديم وُجد من أهل السنة من هو قوي، من هو قوي وليس غاليًا، هو قوي، حرصا على حماية السنة وشدة في الذبِّ عنها وعن أهلها، وما لامه الآخرون، وما قالوا إنه متبَرِّق وعلى سبيل المثال يقولون: «من وثَّقه شعبة فحسبُك به ومن جرحه… بجرحه»، ولم يتهم شعبة رحمه الله بأنه غالٍ متشدد شدة في غير محلها، ولم أعلم أحدا حتى الساعة، رجلا متمكنا في السنة، خالطت بشاشتها قلبه حذر من شعبة ووشى به عند غيره من أهل السنة نعم(1)اهـ

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم


(1):"إجابات الشيخ عبيد على أسئلة الشباب المغربي".


الساعة الآن 11:24 PM.

powered by vbulletin