س4:يذكر بعض العلماء عند قضية التدرج مسألة إفراد العلوم بالدراسة، كأن يعتكف الطالب على علوم اللغة أو التفسير أو الأصول حتى يبلغ فيها ما شاء الله ثم ينتقل بعدها إلى علم آخر،فما رأيكم في هذه الطريقة ومدى إمكانية تطبيقها عمليًّا؟ خاصة وأنَّ كثيرا من أهل العلم ينصون على أنَّ العلوم الشرعية تكامليَّة فمن الأصول ما لن تفهمه إلا باللغة و من أصول التفسير ما لن تفهمه إلا بالأصول وهكذا، فهل يُحمل كلامهم على المراحل الأولى من كل فن ثم بعدها لابد من الجمع حتى يكتمل تصور الطالب لمسائل هذه الفنون أم ماذا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد :
فإن العلم ينقسم باعتبارات عديدة، ومن هذه الاعتبارات من حيث وجوب تعلمه على الأعيان أم على الكفاية، وهو ينقسم إلى قسمين:
الأول: علم فرض عين على كل مسلم تعلمه كعلمه بالشهادتين، وشروطهما، وما ينقضهما، وما يجب من تحقيقهما على سبيل الإجمال، وكذلك الصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها ونواقضها، وكذلك إذا كان له مال فيحتاج أن يعرف ما تجب فيه الزكاة، وكيفية إخراجها، وكذلك إذا أراد الصيام إما بحلول شهره أو كفارة أو نذر أو تطوع لزمه تعلم شروطه وواجباته ومبطلاته، ويعرف المحرمات ليتجنبها، وهكذا ..
وما كان مستحباً من تلك العبادات أو مكروهاً من الأقوال والأعمال استحب له تعلمه، ليعمل بالمستحب ويتجنب المكروه..
الثاني: علم فرض الكفاية وهو معرفة تفاصيل المسائل التي لا يجب تعلمها على الأعيان كحفظ القرآن كاملاً، ومعرفة تفسيره، ودراسة تفاصيل العقيدة مما هو زائد على فرض العين، وكذلك دراسة تفاصيل مسائل الفقه من عبادات ومعاملات، وكذلك دراسة علوم الآلات كالنحو، والبلاغة، وأصول التفسير، وأصول الحديث (المصطلح)، وأصول الفقه..
فما كان من فروض الأعيان فيجب على كل مسلم تعلمه من ذكر أو أنثى، ذكي أو ليس كذلك، فقيه أو ليس كذلك، بل كل مسلم يجب أن يتعلم ما كان فرض عين عليه حسب استطاعته، وأهم ذلك ما يصحح إسلامه وإيمانه، ثم ما يكمله الكمال الواجب..
أما ما كان من فروض الكفايات من العلوم فهذا الذي تسلك فيه طريقة إفراد العلوم لمن شاء أن يسلك تلك الطريقة ..
وأولى ما يهتم به طالب العلم حفظ القرآن الكريم، ولكن لو كان عنده طاقة لحفظ شيء من السنة إضافة لما خصصه لنفسه من حفظ القرآن الكريم فله ذلك، كذلك لو أضاف حفظ شيء من المتون العلمية في فن من الفنون فله ذلك بشرط أن يكون عنده وقت كافٍ، وأن يكون عنده استيعاب لذلك وقدرة على الجمع بين الفنون..
وهذه من الحالات النادرة أو القليلة عند الطلاب، والأولى للطالب أن يركز فيما يدرس وفيما يجد همته مصروفة إليه، وفيما يجد نفسه منسبطة ومنشرحة له..
ونصيحتي لطالب العلم الذي يكون حفظه محدوداً، أو لم يتوسع قلبه للحفظ بعد بحيث إنه في بداية الطلب أن يقسم وقته إلى قسمين على الأقل.
القسم الأول: يجعله لحفظ القرآن الكريم شيئاً فشيئاً، ويكثر من الترداد والتكرار لما يحفظه من القرآن في صلاته الفريضة والنافلة، وأثناء مشيه إلى المسجد أو إلى المدرسة أو الجامعة، أو السوق ونحو ذلك، فيكون القرآن جليسه ورفيقه في معظم أحواله ليسهل عليه الحفظ، ويتوسع قلبه له..
القسم الثاني: أن يخصص وقتاً لدراسة علم من العلوم الشرعية، فحبذا لو بدأ بالعقيدة، فيقرأ بعض المتون ثم الشروح المختصرة ليلم بمسائل المعتقد، لا سيما فيما يتعلق بالمنهج السلفي ليصون نفسه من الانحراف..
ثم بعد ذلك إن شاء بدأ بتعلم التفسير أو الفقه أو الحديث أو علوم الآلة كالنحو والصرف والبلاغة والمصطلح والأصول..
ودراسته لابد أن تكون تحت التوجيه والإرشاد، وبعد سؤال موجه عارف بمنهجية طلب العلم حتى لا يقع في الحيرة ..
والذي أراه أنسب للطالب أن يلم بأكثر فنون العلم إلماماً مختصراً ليكون عنده تصور أولي لعلوم الشريعة، فيدرس مختصراً يسيراً في كل فن من الفنون، مع أنه لو أخر دراسة الأصول والمصطلح والبلاغة وأصول التفسير فلا حرج عليه، لكن من العلوم المهمة في بداية الطلب تقويم اللسان بتعلم النحو، وتقويم قراءة القرآن بتعلم التجويد، ثم يدرس مختصراً في الفقه أو الحديث أو التفسير –بعد مختصر في العقيدة- أو مختصر في المصطلح أو أصول الفقه ..
فإذا درس مختصراً في أكثر تلك الفنون، وألم بها إلماماً موجزاً ينظر في نفسه إلى ماذا تميل من الفنون، فإن وجدها تميل لعلوم العقيدة توسع فيها، وإن وجدها تميل للفقه توسع فيه، وإن وجدها تميل للمصطلح توسع فيه وهكذا..
فإن كانت الأمور عنده مستوية ركز في علوم الآلة وأعطاها حقها فيدرس النحو والصرف، ويدرس البلاغة، ويدرس في المصطلح، وأصول الفقه وهكذا حسب ما يوجهه إليه أستاذه وشيخه ..
وخلاصة الأمر أن التخصص في فن من الفنون بحيث يصرف فيه همته، ويقضي فيه جُلَّ وقته فهذا يكون بعد اشتداد العود في الطلب، وبعد تأصيل نفسه بأصول العلوم الشرعية، وبعد أن يكون عنده حصيلة علمية قوية، فبعد ذلك يتخصصليكون مبدعاً، مفيداً للأمة..
ولو أراد التخصص بعد المرحلة الأولى في الطلب فلا بأس بذلك لكن مع إعطاء وقت ولو كان يسراً للعلوم الأخرى ليشتد عوده في العلم، وحتى لا يأتيه الخلل من العلم الذي لم يتمكن فيه..
وفي أثناء دراسته وعلمه يهتم ببعض العلوم المساعدة التي تنشط النفس، وتجدد النشاط، ويستفاد منها العظات والعبر ألا وهي علم التاريخ والتراجم، وكذلك الزهد والرقائق، ففيها من الفوائد ما الله به عليم، لكن يقرأ فيما يوثق فيه من الكتب ...
والله أعلم
__________________
إذاعة منابر النور العلمية : http://m-noor.com/live/
الاخلاص والتحذير من الابتداع
للشيخ محمد الإمام حفظه الله
|