المنهج الرَّباني في كيفية التَّعامل مع المخالفين للإمام الألباني
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
من مظاهر عناية القرآن بالعقل البشرى من الزيغ والإنحراف أنَّه رسم له خطوطًا يسير عليها وجعل لو وسائل يهتدى بها ومن هذه الوسائل الَّتي أرشد الوحي الإلهي إليها وسيلة الحوار بين النَّاس للوصول إلى الحقّ
ومن مقاصد هذه الكلمة ربط الحوار والمناظرة بالواقع العملي من خلال تطبيقات أحد أعلام الدَّعوة السَّلفية في العصر الحاضر ، ممن كان لهم تأثير كبير في مجال الحوار والمناظرة وهو : محدث الشَّام العلامة محمّد ناصر الدّين الألبانى - رحمه الله - ، في هذا العصر وطريقة المثلى في كيفية مزوالة الحوار وإلى تحديد أسس ومقومات وشروط الحوار الجيد والمناظرة الجيدة
كتوطئة للموضوع :
مفهوم الحوار لغةً واصطلاحًا:
الدلالة اللّغوية: يرد لفط الحوار في اللّغة العربية بمعنى الرجوع والمراجعة ، تقول : حاورتُه أي : راجعتُه الكلامَ ، وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلامَ
وأصل لفظ الحوار من الحَوْرِ ، وهو الرجوع عنا الشئ وإلى الشئ ، يقال حَارَ إلى الشئ وعنه ، حَوْرا ومحَارًا ومَحارةٌ، حَؤورًا ، إذا رجع ، ومنه قوله تعالى : " إنَّه ظَنَّ أَن لَنْ يَّحورَ " ، ومنه حديث " نَعوذَ باللهِ من الحَوْر إلى الكَوْر " ، وهو النقصان بعد الزيادة
والعرب تقول : الباطلُ في حَوْرٍ أى : رجوع ونقصٍ ، والمحاورة : المراجعة المنطق والكلام في المخاطبة
وحَاوَرَ يُحَاوِرُ محاورةً وحِواراً الرّجلُ صَاحبهُ جَاوبَه ورَاجَعهُ في الكلام ، وتقول كلّمته فما أحَارَ جَوابًا أى ما ردّ ، وقال الشاعر :
هَلاَ رَبَعْتَ فَتَسْألَ الأطْلالاً /// وَلقَدْ سَألْتُ فَمَا أَحَرْنَ سُؤَالاً
فالمحاورة : تعنى إذن المجاوبة والمراجعة ، والتحاور : التجاوب
المفهوم الإصطلاحي :
كلمة الحوار في اصطلاح الباحثين هي مراجعة الكلام والتجاوب بين الطرفين ، لأنّ الحوار محادثةٌ بين شخصين أو طرفين حول موضوع محدَّدٍ لكلّ منهما وجهةُ نظرٍ خاصّة به ، هدفها الوصول إلى الحقيقة ولو ظهرت على يد الآخر .
الغاية من إجراء الحوار هي : الوصول إلى انزياح والقناع عن وجه الحقيقة ، فليس بضرورة اقناع الطرف الآخر لقبول ما تمَّ التوصّل إليه من الصواب عن طريق الحوار ، ذلك لأن مهمة المحاورة تكمن في إبلاغ الحقيقة الَّتى خفيت عنه ، واطلاع على شئ كان قد غاب عن ذهنه ، قال تعالى : " وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاَغُ المُبِينُ "
فحاور في ثقافتنا الإسلامية ذو أهمية بالغة فهي مبدأ بمعانٍ رفيعة القدر وعظيمة الفائدة عميقة التأثير ، ومما يبرهن على أهميته ويعمق في دلالته في القرآن الكريم قد تناول ذكره في ثلاثة مواضيع :
ففي سورة الكهف تكرر ذكر فعل " يُحَاورُ " مرّتين
الأولى : قوله تعالى : " وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكَثْرُ مِنْكَ مَالاً وأعزُّ نَفَرًا "
والثَّانية : قوله تعالى : " قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالَّذي خَلقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ من نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً "
الثَّالثة : في مطلع سورة المجادلة وهي قوله تعالى : " قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتي تُجادِلُكَ في زَوْجِهَا وتَشْتَكى إلىَ اللهِ ، واللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ الله سَميعٌ عَليمٌ "
والمحاورة في قوله تعالى : "واللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا " هي المراجعة في الكلام
فالحاصل - سلمكم الله- إنَّ الهدف من الحوار هو الوصول إلى الحقّ، لا الانتصار للنفس وشهوة الظهور والغلبة؛ فإنَّ الغلبة في قراع العقول للأَقوى حجةً وبرهانًا، ومن بديع ما ذكره الإمام الشافعي كان يقول: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي خصمي خطأ يحتمل الصواب، وما ناظرت أحدًا إلا أحببت أن يكون الصواب على لسانه"، انظروا رحمكم الله إلى ذلك الأدب الرفيع .
فنشرع في المقصود لنذكر بعض نماذح الحوار والمناقشة مع المخالفين للإمام الألباني رحمه الله -
مناظرات المحدِّث الشَّام الشَّيخ الألباني رحمه الله
1- مناظرة في حكم المولد النبوي
هذا ما أردت جمعه وبيانه من خلال هذا العرض الموجز من بعض سيرة هذا الإمام رحمه الله رحمة واسعة ، فإن أحسنت في عرضها ، وأفلحت في تجليتها فمن فضل الله ذي الجلال ، وإن كانت الأخرى ، فمن نفسى والشيطان ، وأستغفر الله ذا الكمال ، ودين الله برئ منه ، وأنا تائب عنه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
أعدَّه : سفيان ابن عبد الله الجزائري