فهذه لمحة، أعني أصناف قلوب الناس، قلوب المؤمنين وقلوب الكافرين، وقلوب المنافقين، ونحن نرجو الله -تبارك وتعالى - ونضرع إليه أن يجعل قلوبنا حيّة، مؤمنة، صادقة، تحب الحق، وتقبله وتتشربه، ولا تكون كما وصف رسول الله عليه الصلاة والسلام- في الحديث : " إن الفتن تُعرَض على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلبٍ أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، قلب أبيض كالصفاة لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود مربادٍ، كالكوز مجخّياً - الكوز هكذا -، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرِب من هواه "، فنعوذ بالله من الفتن، نعوذ بالله من الفتن، وقد قال رسول الله :
( استعيذوا بالله من الفتن ، استعيذوا بالله من الفتن ، استعيذوا بالله من الفتن) والله ما أخطرها، فكثيرٌ من القلوب تتشرّب الفتن، وتَسوَدُّ القلوب بذلك، وتنتكس انتكاسة لا تفيق منها إلى يوم القيامة - والعياذ بالله-، فلا تقبل معروفاً ولا تنكر منكراً إلا ما أشربت من هواها.
فهذا مآل الفتن التي تشرئب إليها نفوس كثير من الناس ثم يقعون فيها فيصير مآلهم هذا المآل الخطير، فمن وقع في شيء من هذا فليرجع إلى الله - تبارك وتعالى - ، ولنستحضر ما سبق من الآيات التي ذكرها الله ووصف بها أعداءه حتى يتجنبها ويتقيها المؤمنون وليعرف أوصاف المؤمنين والقلوب الطيبة السليمة حتى يحاول المؤمن أن يكون من هذا الصنف؛ الصنف الطيب من أهل الجنة التي تُنال بسلامة القلوب وسلامة الأعمال وصحتها.
هناك حديث يقول فيه رسول الله -عليه الصلاة والسلام – يرويه أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه - أن رسول الله خطبهم في حجة الوداع، فقال: " نَضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فأدّاها كما سمع، فرُبّ حامل فقهٍ ليس بفقيه ثمّ قال: ثلاث لا يغلّ عليهن قلبٌ مؤمن؛ الإخلاص لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة "
يعني إذا قامت هذه الثلاث بقلبٍ صار قلباً مؤمناً سليماً، لا يغلّ عليها يعني: لا يَغِلُّ، أو لا يُغِلُّ، أو لا يَغِلُ، رُويت بثلاثة ألفاظ لا يُغِلّ من الإغلال وهو الخيانة في كل شيء، أو لا يَغِلُّ من الغِلّ يعني لا يدخله حقدٌ ولا حسد يزيله عن الحق، أو لا يَغِلُ – بالتّخفيف - يعني لا يدخل في الشر.
يعني القلب الذي تتوفّر فيه هذه الثلاث: الإخلاص لله، والمناصحة وعدم الغش لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة؛ لزوم جماعة المسلمين، إذا توفّرت هذه الثلاثة في قلبٍ فهو قلبٌ نظيف، ما فيه خيانة، ما فيه شر، ما فيه دغل: يعني أن قلبه سليم، كما قال الله على لسان إبراهيم : { وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم }[ الشعراء:87-89]، فإذا اختلت واحدة من هذه الثلاث، أو انتفت كلها من قلبٍ فهو قلبٌ ليس بسليم، هو قلبٌ مريض؛ قلبٌ مريض عليل، يحتاج إلى جهد جهيد ومعالجات، ومن يتولى هذا؟! كل إنسان يتولى علاج نفسه، ويلجأ إلى الله - تبارك وتعالى - أن يشفيه من هذه الأدواء، فهمتم هذا الحديث؟
ثلاثٌ لا يَغلّ أو لا يُغلُّ أو لا يَغِلُ – روي بهذه الألفاظ – لا يُغلّ من الإغلال وهو الخيانة في كل شيء، ولا يَغِلُ يعني لا يدخل في الشر، ولا يَغِلُّ يعني لا يكون فيه حقد يزيله عن الحق، فإذا سلِم من هذه الأشياء، وتمثّلت فيه هذه الخصال الثلاث خصال، كان قلبُه قلباً سليماً، ليس فيه أي غِلّ ولا إغلال ولا غِلُ
هذه الأحاديث، وهذه الآيات يجب أن نتربى عليها، ما نقرأ كلام الله وكلام الرسول ونحفظ هكذا دون وعي، - كما سيأتي - ليقال فلان قارئ أوفلان عالم أو ليُقال كذا ممن تُسَعَّر بهم النار، ونعوذ بالله من الرياء ونعوذ بالله من حب السُّمعة.
- يعني - عرفتم صفات القلوب وأنواعها، نبدأ نتكلم على الإخلاص لله -تبارك وتعالى- الإخلاص، والتوكل، والرغبة، والرهبة؛ هذه أمورٌ قلبية، إذا تحدّثنا عن القلب فينبغي الحديث عن هذه الأشياء؛ لأن لها صلة وثيقة بهذا القلب - قلب المؤمن أو قلب الفاجر - لأن هذا القلب إن صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، فهنا آيات تأمر بالإخلاص لله - تبارك وتعالى- { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }[ البينة : 5]، هذه تفاصيل الإخلاص؛ إخلاص الدين لله، ليس فيه شرك، ليس فيه رياء، ليس فيه فساد، خالص من كل الشوائب { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ } [ البينة : 5]، عبادة لله خالصة، فيها إقامة الصلاة، فيها إيتاء الزكاة، { وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } كأن الله -تبارك و تعالى - حصر التكاليف في الإخلاص وما يتعلق به، وهذا يدل على أهمية الإخلاص لله-تبارك وتعالى- والله يقول في سورة الزمر: { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ . أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } [ الزمر 1-3].
فالله أمر نبيه، وأنزل عليه الكتاب هذه نعمة عظيمة جداً، بماذا تكافئ هذا ؟ ما هو شكرك لله - تبارك وتعالى ؟ أن تعبد الله مخلصاً له الدين، وهذا الأمر للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو أسوتنا عليه الصلاة والسلام، هذا الكتاب كما هو نعمة على رسول الله -عليه الصلاة والسلام -، هو نعمة على هذه الأمة، نعمة عظيمة، فلتعبد هذه الأمة ربها -سبحانه وتعالى - مخلصة له الدين { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } [ الزمر : 3]، لا يقبل سواه، ما يقبل الباطل، لا يقبل شريكاً أو مشارَكة، بل لا يقبل منا إلا ديناً خالصاً وعبادة خالصة وإسلاماً خالصاً وإيماناً خالصاً لا يخالطه شركٌ ولا بدع ولا ضلال ولا شيء، خالص مصفَّى من كل الشوائب، فليحرص كلُّ واحد منّا أن يكون مخلصاً، وأن يكون دينه خالصاً لله، ليس لأحدٍ فيه شيء، لا لقريبٍ ولا لبعيدٍ ولا لملك مُقَرَّب، عبادته لله، طاعته لله، حركاته لله -سبحانه وتعالى-، قلبه لا يخشى إلا الله، ولا يحب إلا لله، يكون دينه خالصاً، وقلبه سليماً لله، والإخلاص ارتباطه وثيق بالقلب، من أين ينبع الإخلاص أو الرياء؟! إلا من هذا القلب! الإخلاص أو الشرك أو الحق أو الباطل أو البدع أو الضلال كلها من القلب، فلنجعل ديننا خالصاً لله -تبارك وتعالى- .
في هذه السورة أمر الله رسوله مرات بالإخلاص ، يأمر الرسول -عليه الصلاة و السلام- { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ . وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } [ الزمر 11-12]، { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي . فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين } [ الزمر 14-15].
فأمر الإخلاص أمرٌ عظيمٌ يا إخوتاه، يجب والله أن نهتم به، وكلما يغفل الإنسان يجب أن يتدارك نفسه، لأن الأمر خطر والله، والله إن الأمر لخطيرٌ جداً ، أمر خطير والله في كل قضية، لأن الرياء والشرك وما شاكل ذلك منافيان للإخلاص، ينافيان الإخلاص.
فانظر إلى رجل يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم - : " الرجل يقاتل حميِّة، ويقاتل شجاعة، فأيّ ذلك في سبيل الله ؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".
وقال رجل: ( في حديث آخر ) " يا رسول الله، الرجل يقاتل يريد الأجر والمغنم، فما لهُ ؟ قال: لا شيء له " فأعادها ثلاثاً، والرسول يقول: لا شيء له، لماذا ؟
لأن هذا شيء خالطه غير إرادة وجه الله، إرادة أخرى، قال الرسول: لا شيء له.
فلا بد أن يكون العمل متمحّضاً خالصاً لله؛ صلاةً أو صوماً أو جهاداً أو تعلّماً أو تعليماً، لا بد أن يكون خالصاً لله، وهذا والله أمرٌ خطير والله يقول: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } [ الشورى : 20]، من كان يريد حرث الآخرة يعمل لله، لا يريد إلا الله -عز و جل - بهذا العمل، ويريد ثوابه من الله -عز وجل -، فإذا كان يريد بأي عمل من الأعمال ثناء الناس أو أمراً من الدنيا، فماله في الآخرة من نصيب.
والله نقرأ هذه الآيات، ونقرأ هذه الأحاديث، ولكن آثارها ضعيفة! حاولوا أن يكون لها آثارها، حاولوا أن يكون لهذه الأحاديث وهذه الآيات آثارها في نفوسنا وفي قلوبنا؛ لأن الله ما خلقنا -يا إخوتاه- إلا لغاية عظيمة هي عبادته -سبحانه وتعالى-، وعبادته هذه يجب أن تكون خالصةً لله .
سأذكر لكم بعض الأحاديث عن فوائد التجرد لله والإخلاص لله في الدنيا وفي الآخرة:
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
( بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَامْرَأَتِي وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَجِئْتُهَا بِهَا فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ عَنْهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً فَفَرَجَ لَهُمْ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي قُلْتُ اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ ([1])) .
هذه ثمرة صلاح القلوب واستقامة القلوب وإخلاص القلوب.
فالأول وصل إلى البر إلى درجة أظنه لا يسبقه إليها إلا الأنبياء، ما أظن أحداً يسبقه إلى هذا المستوى، وإلى هذا الخلق العالي من البر بالأبوين، من يستطيع أن يفعل مثل هذا ؟ يذهب طول النهار إلى أبعد مكان، يَرعى النعم، ثم يرجع في منتصف الليل أو كذا وإذا بأبويه نائمين، فيحلب فيجدهما نائمين، فيظل القدح على يده، ما يوقظهما ولا يقدّم عليهما أهله ولا ماله، أولاده يتباكون عند قدمه لا يلتفت إليهم، كل ذلك لله -عز و جل - وبراً بالوالدين ووفاءً بحقهما، من يفعل منا مثل هذا ؟! لا نستطيع، هذا منتهى البر لكن لماذا ؟! لله -تبارك وتعالى -، لا لأبويه لله، فعل هذا كله ابتغاء وجه الله.
وهذا الإنسان تمكّن من هذه المرأة، وكان يستطيع أن يفعل، لكنه تركها لله -عز وجل -، ففطم نفسه من هذه الشهوة الجامحة، وهذا مقامه صعب، لا ينافسه فيه أو لا يستطيعه إلا مثل يوسف -عليه الصلاة والسلام-، أمرٌ عظيم، ما هو سهل، كل ذلك فعله لماذا ؟! ما الذي حجزه أن يواقع الفاحشة بهذه المرأة؟! إلا خوف الله وخشية الله وتَرَكَها لوجه الله -تبارك وتعالى- ؟ فهذا من ثمار الإخلاص في الدنيا، وفي الآخرة أعظم وأعظم عند الله -تبارك وتعالى-.
وذلك الأمين الوفيّ، نمّى أجر هذا الأجير في بعض الروايات أنه فرق من البر أو من الشعير، كَوَّن منه مالاً إبلاً بقراً غنماً عبيداً رقيقاً، ثم جاء ذاك بعد حين، يمكن من بعد 20 سنة، 30 سنة، 40 سنة، لأنّ الأولين كانت أعمارهم تطول، يمد الله في أعمارهم، فبقي دهراً ينمّي مال هذا الأجير، من فرق من الأرز، قد لا يساوي إلا دُريهمات، وإذا بها أموالٌ لا أول لها ولا آخر من الإبل والغنم والبقر والرقيق، ويأتي الأجير ويقتاد هذه الأشياء كلها لم يترك منها شيئاً، وهذا ينظر، لماذا فعل كل هذا ؟!
لله رب العالمين، من يفعل منا مثل هذا ؟! من يستطيع ؟!
قد يأتيه الأجير ويقول له لي فرق من الشعير فيقول خذ فرق من الشعير، خذ فرقين من الشعير أو ثلاثة أيضاً، أما إبل! بقر! غنم! عبيد! حاجات! كل هذه يذهب بها ! هذا من الصعب على النفوس المؤمنة فضلاً عن غيرها.
فهذه من ثمار الإخلاص، ومن نتائج الإخلاص لله وناشئ عن قلوبٍ سليمة، قلوب منيبة، مرتبطة بالله، تحبه وتخشاه وتراقبه، وتُجلّه وتعظِّمه وإلا هذه الأمور ليست بسهلة على النفس، ولا سيما والنفس ميالةٌ للشر، طمّاعة في الدنيا.
هناك أحاديث فيما يقابل هذا تبين نتيجة ما ينافي الإخلاص لله -تبارك وتعالى- يجب أن نستفيد منها، من ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن أول من يُقضى عليه رجلٌ استُشهِد في سبيل الله، فيؤتى به فيعدِّد الله عليه نعمه، فيقول: ماذا فعلتَ فيها، فيقول: قاتلتُ فيك حتى استُشهِدت، فيقول الله له: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال: جريء وقد قيل، اذهبوا به، فأمر به، فسُحب إلى النار فقُذِف فيها.
ورجلٌ قاتل في سبيل الله -كما يزعم -، استُشهِد، ويقول: ها أنا ذا أمام الله -تبارك وتعالى-، ولكن ربنا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يخفي عليه ما انطوى عليه قلب هذا الرجل الذي هو في نظر الناس شهيد وبطل، وربما كان يقال الشهيد الشهيد الفلاني البطل الفلاني، قيل ، قال: هذا جزاؤك، أنت كافيك هذا المدح، وهذا الإطراء وهذا الثناء ليقال فلان جريء وبطل إلى آخره، فقد قيل ذلك، هذا جزاؤك، ثم أمِر به فسُحِب إلى النار فقُذِف فيها -والعياذ بالله-.
ويؤتى بمن تعلّم العلم والقرآن، فيعدِّد الله عليه نعمه، فيُقال له: ماذا عملت فيها ؟ فيقول: تعلمت فيك القرآن وعلمته، تعلمت العلم وعلمته، وتعلمت فيك القرآن، فقال: كذبت إنما تعلمت القرآن ليقال: قارئ وتعلمت العلم ليقال: عالم، وقد قيل، يعني فهذا جزاؤك، الغاية التي كنت تطمح إليها، وترمي إليها تحققت لك في الدنيا، وهذا هو جزاؤك، فيؤمر به فيُسحَب إلى النار، فأين تلاوة القرآن ؟! وأين تعليم العلم ؟! وأين ذاك الكد والتعب ؟! فنسأل الله العافية ونعوذ بالله.
ويؤتي بآخر ثالث، كان جواداً وعنده أموال ، يؤتى به عند الله، فيعدد الله عليه نعمه فيعترف بها، فيقول: ماذا عملت فيها ؟ فيقول: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها، ما من سبيلٍ كالجهاد في سبيل الله، كالصدقة على الفقراء، وعلى المساكين، وصلة ذوي القربى، وصلة الأرحام وإلى آخره، ما من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها، فيقال: كذبت، وإنما فعلت ذلك ليقال: هو جواد، وقد قيل، ثم أمر به فسُحب إلى النار.
هذه الجهود كلها، واحد استشهد في سبيل الله، والشهداء أعد الله لهم أعلى المنازل، إلى أن ينال بعض الشهداء مئات الدرجات عند الله -تبارك وتعالى- بالإخلاص، وهذا ما الذي ضيّع عليه ؟! وقلب المسألة رأساً على عقب، بدل أن تُرفع له درجات في الجنة، يسحب إلى النار وقد يكون له فيها دركات، بسبب سوء القصد وسوء النية والرياء وحب الظهور، وما شاكل ذلك.
وهذا يكدّ، يحفظ في القرآن، ويقوم به آناء الليل، وأطراف النهار، ويُعلّم العلم وإلى آخره، العلماء ورثة الأنبياء، ولهم منازل عند الله، { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }[المجادلة:11]، يعني في الجنة، وبعد هذا ما مصيره ؟! ما السبب؟! ما هو إلا من القلب الفاسد، والنية السيئة، والاستقامة والإخلاص أمر يسيرٌ على من يسره الله عليه.
يعني من السهل أن الإنسان يقول إن الناس لا ينفعوني بشيء! ويضع نصب عينيه مثل هذا الحديث، والله أنا أخاف إن كنت مجاهداً أن يكون مصيري مثل هذا الذي حدثنا عنه رسول الله، وإن كان عالماً أو متعلماً فوالله أخاف أن يكون هذا مصيري -والعياذ بالله -، ثم يفضحه الله يوم القيامة.
وهذا الذي يبذل أموال يجب أن يضع نصب عينيه الإخلاص لله -تبارك وتعالى- وأنه إن انحرف قليلاً في قصده سيكون هذا مآله، فنعوذ بالله، هذه أمور دقيقة يا إخوتاه، تحتاج إلى ملاحظة، وتحتاج إلى رعاية، وتحتاج والله إلى جهاد، وقد كان خيار السلف يتململون من عزوب النية ومن تفلّتها عن الإنسان، ومن تفلّت حسن القصد، كيف بنا نحن الغافلين الساهين الذاهلين ؟؟
فنسأل الله -تبارك وتعالى- أن يرزقنا وإياكم قلوباً سليمة، وأن يجنّبنا أخلاق الكافرين والمنافقين والمرائين .
إن ربنا لسميع الدعاء، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
راجع هذا التفريغ ثم عرضه على
الشيخ/ ربيع بن هادي عمير المدخلي – حفظه الله-
أخوكم :سلطان بن محمد الجهني
بتاريخ : (19/6/1427هـ) الموافق (15/7/2006م)
[1] - البخاري :(2215-2272-2333-3465-5974) ،مسلم (2743)
|