الخصلة الثالثة:
*ضعفه العلميُّ*
في أصول الفقه, والفقهيات, وخلاف العلماء, ومذاهبهم
أيُّها الأخُ -لازلتَ موصولاً بالخيرِ-: هذه خصلةٌ تمكَّنت من الكاتب, حتى أَبَتْ منه انفكاكًا, وأنت بصيرٌ بأن مَن لم يَفْقَهْ حقائقَ المذهب، وأصولَ الاستدلالِ الصحيحة, ومعرفةَ أصول الفقهِ والاستنباطِ كيف يعاني الاجتهادَ, أو يرومُ حلولَ ساحته؟! كما فعل هذا الرجلُ, فتفرَّد في أصولٍ ومسائلَ ساقها, ولم يُقِمْ ساقها. فإليك بعضَ ما تستدلُّ به على ضعفه العلمي في أصول الفقه، ثم الفقهيات, ولْتَكُنْ على ذُكْر قوله (ص ):«إن مَن لا فقهَ لهم يجب أن يغلقوا أفواهَهم لئلا يسيئوا إلى الإسلام بحديث لم يفهموه...»إلخ. فمن ذلك: قوله(ص136): «ونحن نطلبُ الشورى ونريدُ اعتبارَ الوسائلِ المؤديةِ لها فروضًا عينية, على أساس من القاعدة الفقهية: ما لا يقومُ الواجبُ إلا به فهو واجب» انتهى. وفي هذا الكلامِ ضعفان:
الأول: عدُّه الوسائلَ المؤديةَ لأمرٍ كفائي فرضًا عينيًا, فمسألةُ الشورى ووسائلُها ليست في الإسلام متعلقة بكل فرد.
الثاني:قولُه:«ما لا يقومُ الواجبُ إلا به فهو واجب», والعلماء يعَبِّرون بقولهم: «ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب», وفرقٌ بينهما, إذْ قولُه:«ما لا يقوم»يدخُلُ فيه ما لا يُستطاع بظهور؛ بخلاف «ما لا يتم» فلا يدخل فيه إلا احتمالاً تقسيميًا, وفرق بين قيام الشيء وتمامه, وما لا يستطاع لا يوصف بالوجوب, لا في العقليات ولا في الشرعيات, على التحقيق فيهما. ومن ضعفه في الأصول قولُه(ص65): «الحديثُ الصحيحُ له وزنُهُ, والعملُ به في فروع الشريعةِ لهُ مساغٌ وقَبولٌ»انتهى. وهنا مخالفتان بدعيتان:
الأولى: قولُه:«العملُ به في فروع الشريعة» تنحيةٌ لمَا صَحَّ من السنن والأحاديث عن الاحتجاج بها في العقائد وأصول الدين, وتلكم نزعةٌ اعتزاليةٌ اشْتَهَرَتْ في قالَبَي الأشعرية, والماتردية، ونحوِهما مِن زَيْغِ الخَلَفِ عن مَحَجَّةِ السَّلَف.
الثانية: قولُه:«العمل به... له مساغ وقَبول » مخالفٌ لإجماع الأمة من فقهاء, ومحدثين وأصوليين على أن الحديثَ إذا صحَّ وجب العملُ به في الفقهيات. وكلماتُ الأئمةِ في هذا ذائعةٌ سائرةٌ: وقد يتركُ أحدُهُم العملَ به للنظرِ في دِلالتِه بما يسوغُ النظرُ فيه, مما عُرِفَ في الأصول, وتجدُ بَسْطَ أعذارِ وأسباب ذلك في «رفع الملام».
أمَّا قولُه:«له مساغ وقَبول», فباطلٌ ورَدٌّ, والمستقيم أن يقول:«واجبٌ وحتمٌ, إن لم تكن دلالتُه محتملة».
ومِن ضعف النظر الأصولي عند الكاتب قوله(ص51): «يجبُ علينا أن نختارَ للناسِ أقربَ الأحكامِ إلى تقاليدهم ... وليست مهمَّتُنا أن نفرِضَ على الأوربيين مع أركانِ الإسلام رأيَ مالكٍ أو ابنِ حنبلٍ إذا كان رأيُ أبي حنيفةَ أقربَ إلى مشارِبِهم, فإن هذا تنطُّعًا أو صدًا( )عن سبيل الله...»انتهى. وهذا -كما تعلمُ- معناهُ التلفيقُ في التقليدِ, كونَ مرجِّحٍ من نورِ الأدلةِ الصريحة, ومعناه إتباعُ الرُّخصِ, ولا تَنْسَ ما قيلَ في إتباع الرخصِ. فبلادُ الكفرِ اليومَ يشربُ أهلُها الخمورَ, فشُربها من صميم عاداتِهم, فهلْ يُفْتَى لمن أسلم منهم بحلِّ بعض أنواعه التي أفتى بحلِّها بعضُهم ؟!
وفيهم: ربا, فهل نحلُّه لهم للخلاف الضعيف في بعض أنواعه؟!
وفيهم: سفاحٌ وزنا, فهل ندرأ عنهم الحدَّ أن دفعوا أجرةَ زنا, أو أطعموا المزنيَّ بها فشَبِعَتْ؟!
وفيهم: رَقْصٌ, واختلاطٌ بالنساءِ العاريات, فهل يباحُ لهم ذلك لأجلِ أن زائغةً من المتصوفةِ تفعلهُ, وتجعلُه ديانةً؟!
وفيهم: أنَّ الخاطِبَ يرى كلَّ شيءٍ من مخطوبتِه, حتى السوءةَ, فهل يباحُ لمن أسلَمَ منهم ذلك, لأنَّ بعضَ الظاهريةِ الشُّذَّاذ يراه؟! وفيهم: تفضيلٌ للحيوانِ على ابنِ آدم... فهل يُباحُ لهم بعضُ صورِ التفضيلِ لأجلِ تفضيلِ الحنفيةِ الدَّابَّةَ على الإنسان في بعض الأحكام؟! وهكذا... تَنْسَلخُ الدِّيانةُ, وتُتْبَعُ الأهواءُ, وتُرْفَعُ عن الانقيادِ والقَبولِ السنَّةُ.
ثم ألم تَرَ تناقضَه؛ يريدُ إبقاءَ الأوربيين على تقاليدهم, ويَشُنُّ الغارةَ على المسلمين لتمسُّكِهم بأمورٍ هي عنده تقاليدُ؟!
إنهُ انحسارُ الفقه, مع ضعفِ الموقفِ, يلفُّهُما رداءُ العجلةِ. ومن أغلاطه الأصولية قوله(ص84):«لا غرابَةَ إذا كان الآكلُ بيده يَلْعَقُ أصابِعَه, ولكنْ جَعْلُ هذه العادة دينًا مما لا أصل له»انتهى. وجعلُه اللعقَ خطأ في فهم الحديث يسوقُه ضعفٌ أصوليٌّ: فحديثُ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النبي قال:«إذا أكلَ أحدُكُم طعامًا فلا يَمْسَحْ يدَهُ حتى يَلْعَقَها, أو يُلْعِقَها» أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في «صحيحهما». والحديثُ دالٌّ على الأمر باللَّعْقِ أو الإلعاق قبل المسح, بما يدل على الاستحباب. والعبادَةُ عرَّفَها الأصوليون بأنها:«ما أُمِرَ به من غير اطِّرادٍ عُرْفي, أو اقتضاءٍ عقلي». وهذا التعريفُ صادقٌ على اللَّعْق؛ لأنه مأمورٌ به, من غير اطِّرادٍ عُرْفي, ولا اقتضاءٍ عقلي. فقولُ الكاتب: «جعل هذه العادة دينًا مما لا أصل له» من الغلط والضعف الذي ظهر وانجلى, وسببُه دخولُه فيما لا يُحسِنُ ولا يُجَوِّدُ, وتخطِّيه مكانَه, ولُبْسُ رداءٍ ليس له, ومكانَكِ تُحْمَدِي أو تستحي.
**********************************
ثم أسوقُ لك أيُّها الفاضلُ نَظَرَه في الفقهيَّات, «ومن يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّهه في الدين», وعدمَ معرفته بالإجماع ومواقِعِه, فتارة يحكي خلافًا وليس ثَمَّ خلافٌ، وتارةٌ يَنْسِبُ مذاهبَ إلى أصحابِها فيُجْمِلُ, والتدقيقُ التفصيلُ...
فمن ذلك قوله(ص19) مستهزئًا بأهل الحديث: «أهلُ الحديثِ يجعلون ديةَ المرأةِ على النصفِ من ديةِ الرجلِ, وهذه سوأةٌ فكريةٌ وخُلُقيَّةٌ(!) رفضها الفقهاء المحقِّقون» انتهى. وهذا تعالمٌ, بل كَذِبٌ, فمَن أولئك الفقهاءُ المحققونَ الذينَ رفضوا هذا ؟ لم يصحَّ خلافٌ لأحد؛ إلا أن يعنيَ الغزالي نفسه ! وهو الأظهر. فالأمَّة مجمعةٌ على هذا في النفسِ, وليس هذا من قولِ أهلِ الحديثِ وحدهم, قال الشافعيُّ في «الأم»: «لم أعلمْ مخالفًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا في ديةَ المرأةِ نصفُ ديةِ الرجل ». ونقلَ الإجماعَ وأثبَتَه: ابنُ المنذرِ, وابنُ حَزْمٍ, وابنُ عبد البر, وابنُ رشد, والقرطبُّي, وجمعٌ, والعلماءُ تواتر عندهم نقلُ هذا الإجماع. فإذا انكَشَفَ لك هذا فاعلم –علمتَ الخيرَ- أن قولَه:«هذه سوأةٌ فكريةٌ وخُلقيةٌ» اتهامٌ لأمةِ الإسلام, ولشريعةِ الإسلام, وشهادَةٌ على الصحابة والتابعين والعلماءِ بعدهم أجمعين بأن إجماعَهُم وفِقْهَهُمْ سوأةٌ في الفِكْرِ, بل وفي الخُلُقِ, فالفِكْرُ فكرُ سوءٍ, والخُلُقُ مذموم هابط! هذا مكانُ هذهِ الأمة -وإجماع علمائها- في قلبِ هذا الرجل!
وتذكر هنا قولَه (ص160) آخر كتابه, وكأنَّما يشهدُ على نفسه:«إن الذين يخطئون في الفهم, ويجيرون في الحكم لا ينبغي أن يُسْقِطوا عِوَجَهُم الفكريَّ على دين الله»انتهى.
ومن الإجماعات التي غَفَلَ عنها, وأشعر بالخلاف فيما أجمعوا عليه قوله (ص134):«هل ثمانون في المئة من الغنائم يقسم على الجيش, ويوزعُ الخمس الباقي على مصارفه المذكورة في الآية, وكذلك يرى أغلب الأئمة»انتهى. والآية قوله تعالى :«واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...»الآية.
وقوله:«كذلك يرى أغلب الأئمة » لا أدري: هل يستثني نفسه باعتباره إماما من الأئمة؟ والذي نقله المفسرونَ والفقهاءُ أنَّ الحكمَ مجْمَعٌ عليه, وقد ذكر القرطبيُّ الإجماعَ، ونقلهُ عن: ابنِ المنذرِ, وابنِ عبد البر, والداوودي, والمازَري, والقاضي عياضٍ, وابنِ العربيِّ, وذكر ذلك ابنُ هُبيرة وغيره.
ومن ضَعْفِه الفقهي الذِي أنشأهُ ضعفُهُ أمامَ الغربِ وشُبَهْ الاستشراق قولُه(ص18): «أبو حنيفة يرى أن مَن قاتَلَنا من أفراد الكفار قاتَلْناه, أما من له ذمةٌ وعهدٌ فقاتِلُه يُقْتَصُّ منه. ومن ثم رفض حديث: «لا يقتلُ مسلمٌ في كافرٍ», مع صحة سنده, لأن المتن معلول بمخالفة النص القرآني «النفس بالنفس»وقول الله بعد ذلك «فاحكم بينهم بما أنزل الله», وقوله «أفحكم الجاهلية يبغون».انتهى. وهذا تفقُّهٌ ضعيفٌ؛ لأن المتن لا يُعَلُّ بمخالفتِه للقرآن , بل إنه موافقٌ للقرآن في قول الله تعالى:«ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا». والقصاصُ من المسلمِ من السبيلِ على المؤمنين, والله لم يجْعَلْه للكافرين. ثم إن قولَه تعالى:«النفس بالنفس» عامٌّ؛ لأن (ال) جنسيةٌ, تفيدُ الاستغراقَ، وتخصيصُ العام ليس بمخالفةٍ للقرآن, فحديثُ عليٍّ-رضي الله عنه-:«لا يُقتَلُ مسلم بكافرٍ»رواه البخاري في «صحيحه» مخصِّصٌ، والتخصيص بالآحاد يقبلُه جمهورُ أهلِ العلم، أما الإمامُ أبو حنيفةَ فيقولُ: العامُّ قطعيُّ الدِّلالةِ على أفرادِه, والمُخَصِّصُ إذا كانَ آحادًا فهو ظنيٌّ، فالقطعيُّ مقدم على الظنيِّ. وهذه مسألة أصولية معروفة, الراجحُ فيها قولُ الجمهورِ, وليس هذا مكانَ بسطِها. والمرادُ الإشارةُ إلى أن إعلالَ الحديث بالمخالفةِ مع سقوطِه تأصيلاً لا يمثِّلُ وجهةَ الحنفيةِ في فقهِهم. فاعتنِ بهذا, واعلم أن الرجلَ لا يحسِنُ الخوضَ في الشرعياتِ, أصولاً وفروعًا... ومما يَتْبَعُ ما ذكرتُه لك ممثلاً لتعلمَ حالَ الرجلِ وعقلَه في الفقهيات قولُه(ص33): «ومع هذا, فإنَّ الشافعية والحنابلة أجازوا أن يجبر الأب ابنته البالغة على الزواج بمن تكره»انتهى. وهذا مِن الغلطِ البَيِّنِ, إذْ مَنْ ذَهَبَ إلى ذلك يجعلَ المناطَ -مناطَ الإجبار- البكارةَ لا البلوغَ كما زعم من لم يَفْقَهْ, فقوله« أجازوا أن يجبر الأب ابنته البالغة» يشملُ الثَّيِّبَ والبِكْرَ, وهذا لم يَقُلْ به أحدٌ من الأئمةِ المتبوعين وإنما قال بعضُهم-كما أسلفتُ في الخصلة الأولى- بإمضاءِ النكاحِ الذي أجبر فيه الأبُ ابنته البكر ولو بالغةً. ثم إنَّه عدَّ ذلك مذهبًا للشافعية والحنابلة , وفي هذا ضعفان:
الأول:أن الخلاف في المذهبين موجودٌ, فالإطلاقُ ضعيفٌ.
الثاني:أن غيرَهم قال به كمالك, وجمهرةِ أصحابِه, وقد ركبوا علة الإِجبارِ علة الإجبار من المناطين: البكارة والصغر, بوجودِ أحدهما يسوغُ الإجبارُ. ومن ذلك أنَّه لما تكلَّمَ على حديث:«كُل ذي نابٍ من السباع فأكلُه حرامٌ» ردَّه قائلاً (ص103):«إنَّ عددًا من الصحابة بينهم ابن عباس وعددا من التابعين فيهم الشعبي وسعيد بن جبير, رفضوا حديث مسلم, فكيف نترك آية لحديثٍ موضع لَغَط؟»انتهى. وفي هذا أوجه من الضعف الفقهي:
الأول: أنَّ ابنَ عباسٍ اختلفت الروايةُ عنه, الأظهرُ أنه يقولُ بالتحريمِ, لأنه روي أن رسولَ الله نهى عن كلِّ ذي نابٍ من السباع. رواه مسلم وغيره, وموافقتُه لما رواه أولى.
الثاني: أن قولَه السالفَ أوهم أنه حديثٌ واحد, وهي عدةُ أحاديثَ عن جمعٍ من الصحابة, ففي «صحيح مسلم» عن أبي ثعلبةَ الخُشَنِيِّ, وأبي هريرة, وابن عباس, وبعضُ هذه عند البخاري, وفي بقية كتب السنةِ رواياتٌ أُخَر.
الثالث: أنَّ قوله عن التابعين: «رفضوا حديثَ مسلم »فيه تجاوزٌ, وتعدٍّ, وهوى, إذ مسلمٌ متأخرٌ عنهم بنحو قرنين! ولعله أراد أن يقولَ: رفضوا حديثَ الصحابة الذين رووا الحديثَ؛ لأنهم إنما يسمعونَ الحديثَ من الصحابةِ, لا يقرؤونه في «صحيح مسلم »! لكنه لم يتجاسَرْ على إنفاذِ ما يدورُ بخلدِهِ, والتصريحِ بأن التابعين سيِّؤو الظن بالصحابة , فيرفضون أحاديثَهم ويُغَلِّطونه فيما رووا. مع أن العذرَ بادٍ لبعضِ التابعين و أهل المدينة، وذلك ما أفصحَ عنه ابنُ شِهَابٍ الزهريُّ بقوله:«ولم أسمعْ ذلك من علمائِنا بالحجاز, حتى حدَّثنا أبو إدريسَ, وكان من فقهاء أهل الشام»أَسْنَدَه مسلم في «صحيحه».
الرابع: قوله:«كيف نترك آية لحديثٍ موضعِ لَغَط» يُرَدُّ عليه بأنك افترضتَ أن الحديثَ موضعُ لَغَطٍ, وصدوفُ مَن ذهب إلى الجوازِ عن الحديث سببُه عدمُ سماعه, وهي سنةٌ قد تخفى كما خَفِيَ غيرُها, فالزعمُ أنهم رفضوه وعدُّوه موضِعَ لَغَطٍ من الإفتئات على العلم والعلماء من التابعين فمَن بعدهم
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ في الفقهاء المتَّبعين للسنن: «وأخذوا في الأطعمةِ بقولِ أهل الكوفة لصحة السنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحريم كُلِّ ذي ناب من السباع, وكل ذي مخلبٍ من الطيور وتحريم لحوم الحُمُر؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أنكر على مَن تمسك في هذا الباب بعدم وجود نَصِّ التحريم في القرآن, حيث قال: « لا ألْفِيَنَّ أحدَكُم متكئًا على أريكتِهِ, يأتيهِ الأمرُ من أمري مما أمرتُ به, أو نَهَيْتُ عنه, فيقول بيننا وبينكم هذا القرآن, فما وجدنا فيه من حلال أحللناه, وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه. ألا وإني أوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه , وإنَّ ما حرَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما حرَّم الله تعالى». وهذا المعنى محفوظ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه. وعلموا أن ما حرمه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إنما هو زيادةُ تحريمٍ, ليس نسخًا للقرآن؛ لأنَّ القرآن إنما دَلَّ على أن الله لم يحرِّم إلا الميتة, والدم, ولحم الخنزير, وعدم التحريم ليس تحليلاً, وإنما هو بقاء للأمر على ما كان.انتهى.
ومن ضعفِ الكاتبِ الفقهيِّ أنه لا يستطيعُ الدخول في الترجيحِ بين الأخبارِ المختلفةِ والدَّلائل المتنوعةِ ولذا يرى نفسَه غريقًا أمام المشكلاتِ و (......). فاسمعه يقولُ(ص61) بعد سياق أخبارٍ وآثارٍ في شهادة المرأةِ وأحوالِها:
« ورأيتُ -حتى أستنْقِذَ نفسي والناسَ(!!) من هذه اللُّجَّة- أنْ أعتصِمَ بالمتواتِرِ من كتاب الله والمشتَهِر من السنة النبوية...إلخ». والضعفُ ظاهرٌ خِلَلَ كلِمِهِ هذه, فمن لم يستطع الترجيحَ بين الواردِ في المسائلِ الشرعيةِ والتنقيحَ، محكمًا الأدلة, مرجحًا بينها, موجهًا للمختلفات ِفهو الغريقُ في لجَُجِ بحرِ الخلافِ الفقهي. والكاتبُ رامَ التوفيقَ فتَعَذَّرَ, وحاولَهُ فتعسَّرَ فلما اعتاصَ عليه وأبى, أدبر عنه وتولى, متجاهلاً مواقع الحُجَج, مكثرًا من الكلام واللجَج.
والتحقيقُ في الفقهياتِ, والفصلُ في الخلافياتِ، عقبةٌ كؤودٌ لا يقْتَحِمُهَا إلا مَن فاضَ زادُه, وقويتْ أركانُه.
ومِن ضعفِهِ الفقهي وبُعْدِهِ عن عَقْلِ الفقهاء قولُه (ص56): «قد يُقْبَلُ زجرُ المرأة عن حضورِ الجماعات إذا كانت متبَرِّجَة»انتهى. فقوله«قد يُقْبَل» معناه التقليل والتضعيف، وظاهر الكلام-دون سياقه ولحاقه- يعني أن المرأةَ المتبَرِّجَةَ المُظهِرَةَ ما حَرَّمَ الله إظهارَهُ الأصلُ فيها أنَّه يُقبلُ حضورُها الجماعاتِ حالَ تَبَرُّجِها, وقد يُقْبَلُ زَجْرُها أحيانًا.
وأنتَ ترى أنَّ هذا رميٌ للكلامِ دون تحرٍّ في اللفظ واتِّساق, وخروجٌ عن سَمْتِ الفقهاء والعلماء في التدقيق فيما يقولون؛ لأن الحكمَ الشرعيَّ تَبِعَتُهُ عظيمةٌ, فحَقَّ أن لا يتكلَّمَ فيه إلا الورعون. ومِن ضَعْفِهِ الفقهيِّ أنَّه لما بَحَثَ مسألةَ شهادةِ المرأةِ وكونِها على النصفِ من شهادةِ الرجل أرادَ دفعَ شبهةٍ استحضَرَها, فأساءَ في الردِّ عليها, وأوبَقَ القارىء في مَهْلَكَةٍ, قال(ص58): «قد بحثتُ في هذا الموضوع, فأدركتُ أن المرأةَ في عادتها الشهرية تكون شبهَ مريضةٍ, وأنَّ انحراف مزاجها واضطرابَ أجهزتِها الحيويةِ يُصيبُها ببعض الارتباك والتثبُّت في أداء الشهادات واجب, ذلك سرُّ قوله تعالى« واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى»».انتهى. ومقتضى ذلك التعليلِ أن المرأةَ في حالتي الطهر والإياس يُرفع عنها الحكمُ القرآنيُّ من جعلِ شهادةِ إحداهما نصفَ شهادةِ الرجلِ، إذ الحكمُ يدورُ مع علته وجودًا وعدمًا، فتعليلُهُ باردٌ سَمِجٌ, يوقعُ الشبهةَ, ويُقرُّها, وكم له من أمثالِ هذا! ولقد أحسنَ ابنُ الأثيرِ الأديبُ حين قال في رسالةٍ له: «لا تَكُنْ ممَّن تَبِعَ الرَّأيَ والنَّظَر, وتركَ الآيةَ والخَبَر, فحكمةُ الله مطويَّةٌ فيما يأمُر به على ألسنةِ رسلِهِ, وليست مما يَسْتَنْبِطُهُ ذو العلمِ بعلمه, ولا يستدلُّ عليه ذو العَقْلِ بِعقله, ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا». ومن ضعفه أنه عنون (ص63) لمسألة تحريم الغناء بالمعازف والموسيقى بقوله: «التطرفُ في التحريمِ نزعةٌ غيرُ إسلامية» ولا يَبْعُدُ عن خاطرِكَ أن الأئِمَّةَ الأربعةَ وفقهاءَ الملةِ أفتوا بتحريم المعازف, ولم يخالِفْ إلا الظاهريةُ, وبعضُ أفرادٍ شذُّوا ممَّن قبلهم, ولهذا فإنَّ تهويلَه وتقريرَه لما يريدُ بعنوانٍ مثل هذا, يُفْهِمُ أنَّه متَّهِمٌ للأئمةِ بأنَّهم حرَّموا حلالاً, نازعين إلى غير الإسلام, فلم يتَّبعوا الإسلامَ وإنما نزعوا إلى غيره من تقاليدَ وأديانٍ. وكلامُهُ في المعازفِ والغناءِ كلامُ مَن ركب الثقافة, فسعى إلى تقرير ما يريد, بعيدًا عن القواعد العلمية, والبينات الشرعية.
أيُّها الأخُ -وصلك الله بمراضيهِ-: سمعتَ ورأيتَ طرفًا مما في كتابه من الأصول والفقهيات, و«من رأى من السيف أَثَرَه فقد رأى أكثره»وإذًا ستقولُ: أينعتِ الحقوقُ, وحانَ قِطافُها, ولقد صفا نجمُ الكاتِب للأفولِ, وخرج -ولم يدخُلْ قبلُ- من جملةِ العلماءِ والفحول لأنَّه لبس رداءَ غيرهِ, فصارَ عِبْرَةً من العِبَر, وعِظَة لمن ادَّكَر.
الخصلة الرابعة:
*السخرية والهزء والسباب*
وتلكم -أيُّها الأخُ- خصلةُ تُخْرِج من تَمَكَّنَتْ مِنه مِن سَمْتِ العلماءِ, وهدْيِ الحكماءِ, الذينَ زانَهم الوقارُ, فكانَ لهم أجملَ دِثار, وهذا الكاتبُ ساخِرٌ لُمَزَةٌ بالشباب والدعاة والمستفتين والسائلين. ألم تَرَ كيف أجاب (ص92)ذلك المستفتي الذي وصف الغزالي ما دار بقوله:« كرر شكواه مؤكِّدًا أنه مسكون! قلتُ: مَن سكنك؟ قال جنِّيٌّ عاتٍ غلب على أمري... فقلتُ-وأنا أضحك-: لماذا لم تَسْكُنْهُ أنتَ؟ إنَّك رجل طويلٌ عريضٌ...»انتهى. هذه حال المستفتي الذي حَسَّنَ الظنَّ بالكاتب, فإذا هو أمام ساخر مضحاك. أهكذا يُوَجَّهُ المستفتون؟! أم أهكذا تكون الدعوة؟! وكم في كتابه من السباب والسخريات بأنواع وطرائقَ, مما حدا نبيهًا في أرضِ الكنانةِ أن يجمَعَ كتابًا سماه:«قاموسَ السِّباب في كتب الغزالي», وهو كتابٌ ظريفٌ مُسَمَّاهُ, حُدِّثْتُ به ولم أره. ولقد هَجَمَ على الدعاة من الشباب –مُفَرِّحا أعداءَهُم الفجرةَ- فوسَمَهُمْ بسماتٍ منها: أنهم فتيانُ سوءٍ(ص15)! وأنهم يُقَدِّمونَ صورةً للإسلام تثير الانقباض(ص109)! وأنهم في طفولةٍ؛ قال واصفًا(ص108):«اليوم توجد طفولةٌ إسلامية ... والمخيفُ أنها طفولةٌ عقليةٌ, تَجْمَعُ في غِمارِها أربابَ لحى» وأنهم كالذباب (ص111) !وأنهم تراجعوا إلى العصر الحجري في بعض الجوانب (ص117). ووصفَ أحدَ الدعاةِ بأنَّه «أعمى البصيرة», ودعا عليه قائلا:«قَبَّحَكَ الله»(ص120). وذكر أن المتديِّنين فشِلوا في عرض آرائهم الدينيَّة (ص138).وأن الناس يَلعنونَها(ص11). وأن بعضَ المدافعينَ عن الإسلامِ عندهُ «غباوةٌ رائعةٌ وجنونٌ وجهالةٌ». إلى آخر ما نَفَضَهُ وأرسله, والنَّصْلُ يَعْمَلُ بِحَسَبَ الأصلِ. ولقد ذكر من ذلك ما يَبْلُغُ صُحُفًا, فضربْتُ عنها صَفْحًا.ولك أن تقولَ بعدُ: أئنْ فَشِلَ الغزاليُّ أن يكون قائدَ جماعةٍ, أو رئيسَ دعاة يضيقُ صدرُهُ بما يقولون, وما يفعلون؟
الخصـــلةُ الخامســــةُ:
*التنــــاقض*
وهذا الكاتبُ الذي سألتَ الكشف عن كتابه وعقله وفقهه كثيرُ المتناقضات, ومَن كَثُرَتْ تناقضاتُه ازْوَرَّتْ إصاباتُه, ولعلَّكَ لَحَظْتَ أنَّه في ما رَقَمَ وسَطَّرَ رَسَمَ رُسومًا فما تَبعها, وحَدَّ حدودًا فما لزِمَها، يقولُ ثم يَنْسى, ويُبرم ثم ينقضُ, تارةً هناك, وتارة هنا. ألم تسمع إلى قوله (ص8): «قد تدارستُ مع أولي الألباب هذا الجوَّ الفكريَّ السائد, واتَّفقتْ كلمتنا على ضرورة التعامل معه برفق, واقتياده إلى الطريق المستقيم بأناة» انتهى. وهذا إبرامٌ لأمرِ رُشْدٍ, ولقد رأيتَ كيف نَقَضَهُ بسبابهِ وسخريتِه التي مَرَّتْ بِكَ قَبْلُ. ومن تناقضِه قولُه(ص11)عن كتابه:«لعلَّ فيه درسًا لشيوخٍ يحارِبون الفقهِ المذهبي لحساب سلفيَّة مزعومة»انتهى.
وكتابه -كما عرفتَ وأدركتَ -حربٌ على الأئمة, وعلى فقه المذاهب وتسفيهٌ لأقوالِ علمائها وخَلْطٌ في المذاهبِ والاجتماعات, وهذه هي الحربُ المعلنةُ على الأئمة ومذاهبهم. فانظر كيف رمى غيره بداءِ نفسه, «رَمَتْني بدائها وانسلَّت». ولمزُه للدعوة السلفية لا يضيرُها, إذ الدعوةُ دعت إلى التوحيد الحق، وأخذتْ دينَ اللهِ كلَّه, وبشموليةٍ واتِّزانٍ, واعتبر ذلك بدعوةِ إمام الدعوة في هذه القرون شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ومَن نَهَجَ نَهْجَهُ, واقتفى سَنَنَهُ, في الدعوة إلى تعظيمِ اللهِ وتوحيدِه، والإِلزام بشرع الله... رحم الله أئمَّتَنا رحمةً واسعة. ومَن شَذَّ من أتباعها، فغلا أو جفا, أو أخطأ وكبا, فعلى نفسها جَنَتْ براقِشُ, خطؤه على نفسه, لا تتحمل ما أخطأ فيه دعوتُنا.
ومن تناقضهِ قوله(ص41)؛ «ويعلم الله أني -مع اعتدادي برأيي- أكره الخلافَ والشذوذَ, وأحبُّ السير مع الجماعة»انتهى.
ولقد علمتَ -أيها الأخُ- أن هذا تشَبُّعٌ بما لم يُعْطَ, ولُبْسُ ثَوبَيْ زورٍ. فأينَ الجماعةُ ومحبَّتُها حين أنكرَ الإجماعَ, ولمز الأمَّةَ بأنها ذاتُ سوأةٍ فكرية وخُلُقِيَّة؟ أين الجماعةُ ومحبَّتُها حين قرَّر مذهبَ المعتزلة ومن فلَّ فَلْوَهم في ردِّ الحديث النبوي-لأنه آحادٌ- في العقائد والفروع؟ أين الجماعةُ ومحبَّتُها حين قرَّر القولَ الشاذَّ في المعازِف؟ ... إلى آخر ما شئتَ من الإلزامات التي تُبدي تهافُتَ دعواه, وتناقُضُهُ فيما حكاه وأبداهُ.
ومن تناقضِهِ إيرادُهُ حديثَ أمِّ خَلاَّدٍ, محتجًّا به على مذهبه في الحجاب, وأنه عادة، مع أن إسنادَ الحديثِ ضعيفٌ جدًا, كما سبق أن أوضحتُهُ لك مجلوًّا في الخصلةِ الثانية, يحتجُّ بمثل هذا مع أنه يقولُ(ص119):«ونحنُ هنا نذودُ المروياتِ الواهيةَ, والأحاديث المعلولةَ...»انتهى. وأقتصرُ على ما ذكرتُ من الأمثلةِ دَرْءًا للإكثارِ, ومَن أَكْثَرَ أَهْجَرَ, والإطالةُ باعثةُ المِلالِ.
الخصلــــةُ السادســـةُ:
*ضَعْفُهُ النَّفْسِيُّ أمامَ الغربِ وحال العصر*
وهذا الضعفُ قَصَمَ ظهورًا, فردَّها على أدبارِها حائرةً ثَكْلى, ومَن قَوِيَ يقينُه بالله وشرعِه لم يَرْفَع بحالِ الغربِ رأسًا, ولم يبالِهم بالةً, إذْ بَرْدُ الإيمانِ وبشاشَتُه جالبةٌ للعِزَّةِ والاعتزاز بشرعِنا وأحكامِه, مهما شَوَّشَ المرجِفونَ, وحاكَ الشبهَ المتحيِّرون.
والكاتبُ كثيرًا ما يستحضرُ شُبَهَ المستشرقينَ, وإخوانِهم الذين نافَقوا, فيكونُ ردُّ الشبهةِ عندَه بأيِّ طريقٍ, حتى ولو كانتْ عسفاءَ أو هوجاءَ. ألا ترى تكريرَه معنى لفظِ: «محو الشبهات القديمة» ونحوه. ثم ألمْ تَرَ تعليلَهُ لجعل شهادةِ المرأةِ على النصف بأنَّها تَضْعُفُ حالَ حيضِها, بما مَرَّ تهجينُه.
ثم اسمَعْ قولَه لماَّ وَقَفَ موقِفَهُ المنكور من الاختلاطِ والسفورِ, مبديًا باعثَ الموقفِ الخفيِّ, قال (ص46):«قد استغلَّ الاستعمارُ العالميُّ في غارتِه الأخيرةِ علينا هذا الاعوجاج المنكور (!), وشنَّ على تعاليمِ الإسلام حربًا ضاربةً, كأن الإسلام المظلومَ هو المسئول عن الفوضى الضاربة بين أتباعه». فهذه كلماتٌ خِلَلَها حالةٌ نفسيةٌ تصوغُ المواقِفَ, وتُبْدي المرجوحَ راجحًا, والضعيفَ قويًا. ومن ذلك قولُه(ص52) عن الأوربيين ومن شابههم:«إذا ارتضَوْا أن تكونَ المرأةُ حاكمةً, أو قاضية, أو وزيرةً, أو سفيرةً فلهم ما شاؤوا, ولدينا وجهات نظر فقهية تجيزُ ذلك كلِّه» انتهى.
وهذا غَوْصٌ في بحارِ العقلانيَّة وتجرد عن التحقيقاتِ الشرعيةِ, والمسألةُ دينٌ, وغدًا سؤالٌ. ومن ذلك أنه لما عَرَضَ شهادةَ المرأة ومَنْعَها في بعض الأحوال قال(ص61):«هل من مصلحة الفقه والأثر ترجيحُ مذهب يسيء أكثر مما يحسن؟».
ومن ذلك قولُه(ص93) ساخرا بالمسلمين: «هل العفاريتُ متخصِّصةٌ في ركوب المسلمين وحدهم؟! لماذا لم يَشْكُ ألمانيٌّ أو يابانيٌّ من احتلال الجن لأجسامِهم ؟ إن سمعة الدينِ ساءت من شيوع هذه الأوهامِ بين المتديِّنينَ وحدهم». ومن ذلك قوله (ص95): «عندما تناقلتِ الصحفُ (!) أن الشيخ عبد العزيز بن باز أخرج شيطانًا بوذيًا من أحد الأعراب, وأن هذا الشيطان أسلم... كنتُ أرقبُ وجوه(....) وأشعر في نفوسهم بمدى المسافة بين العلم والدين»انتهى. ويعني بالعلم علمَ الغربيين الفجرةِ, وبالدينِ دينَ الشيخِ وأمثالِه. وقوله:«كنت أرقبُ» معلنٌ عن حالِه النفسيةِ, مؤذِنٌ بأن ما في نفسهِ تَخَيَّلَه وشَعَر به في غيره.
ومن ضعفه أمام الغرب وأعداء الإسلام قوله(ص98): «ومع أن مذهب السلفِ (!) أحبُّ إليَّ إلا أن مدافعةَ أعداءِ الإسلامِ تقتضي مزيدًا من الحَذَرِ واليَقَضَة». ولهذا تَجِدُهُ تارةً يَجِدُ قَلَقًا في نفسه من مخالفة الشرع للقوانين الدولية, فتراه يتحدَّثُ ويقولُ (59): «ولستُ أحبُّ أن أوَهِّنَ ديني أمام القوانين العالميَّة بموقف لا يستندُ استنادًا قويًا إلى النصوص القاطعة»انتهى. فهذه نقولٌ كاشفاتٌ للحال النفسيةِ المتوترةِ التي انشأ أثناءَها كتابَه, وأنَّه بناهُ مريدًا دفعَ شبهاتٍ عن الإسلامِ بأيِّ طريقٍ وأيِّ سبيل, حتى لو كانَ السبيلُ ردًّا لقولِ العلماء والإجماعات, أو سلوكًا لسبيلِ الشذوذِ في الأراءِ المعطَّلةِ عن محجَّةِ الاستدلالِ ونورِ العلمِ الوثيقِ الصحيح.
الخصلةُ السابعةُ:
*الأخْطاءُ العَقَدِيَّةُ والتهويلُ*
وهذه خصلةٌ سابعة أقفُ بعد وصْفِها, لا أزيدُ على كشفِها، رغبةً في الإقلالِ من إشغالِ مثلِك. والرجلُ -كما علمْتَه أيُّها الودودُ- يُهَوِّلُ حُجَجَهُ، ويُرْغي ويُزْبِدُ, لإضعافِ مخالفيه، ولو كان المخالفُ الأمةَ بأجمَعِها وإجماعِ علمائِها, لِيُقْنِعَ مَن اعتاد التغريرَ بالكلماتِ عن رؤيةِ الأفعالِ المنبئات... وله أخطاءٌ عقديَّة، والرجلُ -كما عرفتَه- وَصَفَ المحدثينَ وأهلَ السننِ بأنهم مرضى بالتجسيم, ولا ينبِزُ أهلَ السنَّةِ بذلك إلا من كانتْ سُدَاه ولحُْمَتُه الخلفيةَ الزائغةَ, كما علَّمَنا سَلَفُنا الصالح.
وله أخطاء في هذا الباب كثيرة, فمن ذلك قوله على المصطفى -صلى الله عليه وسلم- (ص71)وقد تَخَيَّله: «وهو في مجلسه الرُّوحي: يوجِّه, ويربِّي, ويخلق الجيلَ الذي ينشئ حضارةً أرقى واتقى...». فقوله:«يخلُق» لفظُ صَحَفِيٌّ يُشَمُّ مِنه غلُوٌّ قادهُ إليهِ غلوُّ البوصيريِّ لما سمع أبياتًا من «بُرْدَتِه». ومن أخطائِه العقدية قوله (ص142): «العلم الإلهيُّ مسطورٌ في كتاب ضابط شامل محيط:«ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير»»انتهى. وهذا تعدٍّ وابتداعٌ بما لم يُسْبَقْ إليه, إذ المسطورُ في اللوحِ المحفوظِ هو ما في السماءِ والأرضِ, لا العلمُ الإلهيُّ كُلُّه, فعبارتُه فيها عَدَمُ توقيرٍ لصفاتِ الله, وفيها ابتداعٌ وتعالم.
ومن أغلاطه قولُه (ص144): «لقد شاءَ الله لحكمةٍ لا نعلمُها أن يخلقنا ويكلِّفنا, وقالَ في وضوحٍ«خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور»انتهى. الحكمةُ من الخلق والتكليفِ يَعْلَمُها صبيانُ أهلِ التوحيد, ألا هي تحقيقُ عبادةِ الله وحده لا شريكَ له؛ قال الله تعالى«وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون».
والوصفُ الثاني من هذه الخصلة: أنَّه كثيرُ التهويلاتِ, لِيَقْنَعَ الأغمارُ, فاسمعْهُ يقول (ص6) مهوِّلاً:«الفقهاء ليرتاعون لما يرويه المحدِّثون مخالفًا لما ثبت لديهم»! وقوله(ص117)عن روايات مرغِّبةٍ في الزهد حاثَّةٍ عليه: «ولو جعلنا هذه المرويات محورَ حياةٍ عامَّةٍ لشاعَ الخرابُ في أرجاءِ الدُّنيا» ثم قوله (ص144): «قد أسهمَتْ بعضُ المرويَّاتِ في تكوينِ هذه الشبهةِ, وتمكينِها, وكانَتْ بالتالي سببًا في إفسادِ الفكرِ الإسلاميِّ, وانهيارِ الحضارةِ والمجتمَعِ» انتهى. وهذه نظائِرُها تهويلاتٌ لا وَزْنَ لها, ولا يخفاكَ سوءُ مَنْبَتِها, وقُبْحُ لفظِها, وبشاعةُ اعتِراضِها على رواياتٍ بعضُها صحيحٌ عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. فالحديثُ -وهو المصدرُ الثاني من مصادِرِ التشريعِ- أسهَمَ بعضُ ما صَحَّ منهُ في إفسادِ الفكرِ وانهيارِ الحضارةِ الإسلاميةِ عند الغزالي! فالاستعمارُ والكفرُ لهما سَهْمٌ, وتلك المرويَّاتُ لها سَهْمٌ, فهما ملزوزانِ في قَرَنٍ.
وإذا كانَ هذا فهمَ الدعاةِ فعلى دعوتِهم العَفاءُ
********************************************************************
وبعدُ أيُّها الأخُ: خصالٌ يُسَرُّ بها الجاهلُ, كلُّها كائنٌ عليه وبالاً:
منها: أن يَفْخَرَ العلم والمروءة بما ليس عنده.
ومنها: أن يرى بالأخيارِ من الاستهانةِ والجَفْوَةِ ما يُشْمِتُه بهم. ولقد علمتَ وصفَ وخصالَ هذا المتفقِّهِ, بما يُغْني عن تكلُّفِ الردِّ على مذاهبه. ولقد شَهِدْتَ وشهدتُ أن العلمَ في زمانِنا قد استَدْبَرَ, وأن البُغاثَ «بأرضِنا» قد استنسر
قَدْ أَعْوَزَ الماءُ الطهُورُ وما بَقِي غَيْرُ التَّيَمُّمِ لو يَطِيبُ صَعِيدٌ( )
فتمسَّكْ بحبلِ الله وسُنَنِ المصطفى, واقتَدِ بأئمَّةِ الهُدَى, جمَعَنا الله وإياك في دار السلام. والسلام عليك ورحمة الله وبركاتُه.
****************************
رقمه سالم الجزائري
-----------------------------------------------------
1- يعني بها المؤلف "جريدة الشرق الأوسط".
2- هكذا عزاه لمسلم, ولم أر كلام خباب المسوق إلا في البخاري.
3- حكى في كتابه أكثر من ست عشرة قصة وقعت له بعضها صفحة أو أكثر, هذه صفحاتها(10, 11, 18, 26, 30, 43, 66, (....), 75, مرتين, 93, 94, 98مرتين, 108..).
4 - الذي في البخاري قوله:"وقال هشام بن عمار: حدثني صدقةبن خالد". كما هو مشهور...
5 - هكذا في الكتاب:"تنطعا أو صدا" بالنصب والوجه النحوي الرفع كما هو ظاهر.
6- عن "الأدب الصغير" لابن المقفع(ص62).
7- قاله الأمير شاعر ابن حيوس "ديوانه"(1/158)ط المجمع الدمشقي.
التعديل الأخير تم بواسطة بلال الجيجلي ; 08-06-2012 الساعة 01:01 PM
|