قال رحمه الله في شرحه لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ( إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غـم عليكم فاقـدروا له)
قال رحمه الله : يتردد المفهوم من قوله صوموا وافطروا بين أن يكون الخطاب لجميع الأمة فتكفيهم رؤية واحدة أو لكل قوم رؤيتهم وعلى هذا فقد اختلف أهل العلم هل تلزم الرؤية إذا وجدت جميع المسلمين أو لا يلزم إلا أهل البلد ومن حولهم ؟ فمن أهل العلم من قال تلزمهم جميعاً واستدلوا بأن الناس في زمن النبي صلى الله عليه زسلم وخلفاؤه الراشدين ما كان معروفاً أن لكل قوم رؤيتهم بل الظاهر أنها تلزمهم رؤية واحدة.
قلت: وعلى هذا القول ملاحظة
أولا: لأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع فالناس في ذلك الزمن لا يتواصلون إلا على وسائل النقل القديمة وهذه الوسائل تجعل أهل كل بلد منقطعين عن الآخرين فلهم رؤيتهم وصومهم وفطرهم ومما يدل على ذلك قصة كريب حين هلّ عليه الهلال وهو في دمشق ثم قدم المدينة في آخر الشهر واخبر ابن عباس أنهم رأوا الهلال ليلة الجمعة فقال ابن عباس أما نحن فقد رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة ثلاثين ) ( [1]) وبهذا يتبين أنهم لم تكن الرؤية تحكمهم جميعاً .
ثانياً : أنه لم يكن في ذلك الوقت وسيلة إعلام توصل الخبر إلى الجميع عند وجود الرؤية ومن أجل هذا نقول أن الأرجح أن الناس في ذلك الوقت يكون أهل كل بلد يعملون برؤيتهم أو إكمال العدة بالصوم والفطر والذي يظهر لي في هذه المسالة وفي هذا الزمن الذي قد تبين فيه واتضح وضوحاً لا مزيد عليه أن البلدان مختلفة باختلاف مطالعها وعلى هذا فانه لو رئي الهلال في مشرق الأرض لزم من بعده من باب أولى فمثلا لو رئي الهلال في باكستان لزم من بعد هذه الدولة من الدول الأخرى التي يأتي وقت مغيب الشمس فيها بعد باكستان تلزمهم جميعاً لأنه إذا تقدمت الشمس على القمر في الباكستان مثلا لزم أن تتقدم عليه أكثر فيما بعدها وكذلك لو وجدت الرؤية في السعودية مثلا فإنه يلزم الصوم على من بعدها ولا يلزم على من قبلها فمثلا إذا ثبتت الرؤية في السعودية كما قلنا مثلا لزم السودان ومصر ومن بعدهم من دول إفريقيا وأوربا التي يأتي مغيب الشمس فيها بعد السعودية ولا يلزم من قبلها كالباكستان وأفغانستان والعراق وما أشبه ذلك . لأنه قد علم الآن بأن ما بعد كل بلد أي ما كان بعدها إلى جهة المغرب فإن الغروب يكون فيه بعد البلد الذي قبله من جهة الشرق وهذا أمر أصبح معروفاً لا يتمارى به اثنان لأنه أصبح من المحسوس وهذا هو القول الفصل في هذه المسألة وبالله التوفيق .
([1] ) رواه مسلم في كتاب الصيام باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم رقم 1087 ورواه النسائي في كتاب الصيام باب اختلاف أهل الآفاق في الرؤية رقم 2111 والترمذي في كتاب الصيام باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم رقم 693 وأبو داود كتاب الصيام باب إذا رئي الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة رقم 2332 .
..... المصدر كتاب تأسيس الأحكام شرح عمدة الأحكام كتاب الصيام
|