(ابن تيمية في زمنه هو الجمهور حتى ولو كان وحده خاصة في موضوعات العقيدة)..
ونقول لفضيلة الشيخ:
نحن نعتقد أن ابن تيمية ومن وافقه في زمنه هو الجمهور، خصوصا في أمور العقيدة؛ لالتزامهم بالسنة الصحيحة مهما كلفهم الأمر، ومن خالفه فهو صاحب المذهب الشاذ وحتى ولو وافقه أكثر الناس؛ لأن الحق بالبرهان والدليل لا بكرة الآخذين به وقلة المتنكرين له.
وبرهانا على ما قلنا بالنسبة لابن تيميه أن من قرأ كتبه وتتبع فتاواه وبحوثه ورسائله - وهو من أهل البصيرة في الدين - يجد أنه على مذهب السلف الصالح والرعيل الأول من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة ومن على شاكلتهم من معاصريهم، فهو دائماً يدعو مخالفيه إلى الكتاب والسنة؛ فيقول لهم: بيني وبينكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أثبتا فهو الثابت وما بطلا فهو الباطل، ويقول لهم: إذا اختلفنا في فهم آية أو حديث رجعنا إلى فهوم الصحابة والتابعين والأئمة المهديين من بعدهم؛ فننظر بماذا فسروا تلك الآية أو ذلك الحديث؛ فهم أعلم منا وأفْقَهُ للغة والشرع.
فمن كان هذا مذهبه وهذه طريقته فهو ومن وافقه هم الجمهور مهما قلوا وكثر مخالفوهم؛ لأن من تبع جمهور السلف من الخلف فمذهبه مذهب الجمهور، ومن خالف جمهور السلف من الخلف فمذهبه خلاف مذهب الجمهور، بل مذهب شاذ ليس حرياً بالصواب.
والخلاصة:
أن من كان مع الدليل فهو على الصواب ولو كان واحداً بين جميع أهل الأرض، ومن قال أو عمل بغير دليل فهو بعيد عن الصواب ولو أنهم أهل الأرض جميعاً، وبصرف النظر عن كل ما تقدم وعن كل من تقدم قبل زمن ابن تيمية، وعن كل ما هو الواقع عند التحقيق في هذه المسألة، بل يصح ما قيل من أن مذهب جمهور العلماء في هذه المسألة جواز شد الرحال لزيارة القبر الشريف - وأعني بذلك زمن ابن تيمية دون غيره من الأزمنة - الصحيح أن الواقع بالعكس، وهو أن مذهب جمهور العلماء في ذلك الزمان هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وهو طاعة الله ورسول بالتزام مقتضى حديث "لا تشد الرحال..." الخ.
وقد ذكرنا فيما سبق أن مسألة شد الرحال لزيارة القبر سواء قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لم يتكلم فيها أحد من أهل العلم، ولم تخطر على بال أحد منهم في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام؛ عملا منهم بحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"؛ ولذلك لما سئل الإمام مالك عمن نذر السفر لزيارة القبر الشريف، نهى عن الوفاء بهذا النذر قائلا: إن كان مراده المسجد فليأت المسجد وليصل فيه، وإن كان مراده القبر فلا يأته؛ لحديث "لا تعمل المطي...". انظر: الرد على الأخنائي
ص35 قال شيخ الإسلام - يعني الإمام مالك-: ومذهبه المعروف في جميع كتب أصحابه الكبار والصغار المدونة لابن قاسم، والتفريع لابن الجلاب أنه من نذر إتيان المدينة النبوية إن كان أراد الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفَّى بنذره، وإن كان أراد غير ذلك لم يوفّ بنذره.
قلت: ومعلوم أن النذر إذا كان فيه طاعة الله وجب الوفاء به، وإذا كان فيه معصية حرم الوفاء به، وإذا كان في أمر مباح فلا يلزم الوفاء به، وإذا وفى به فإنه لا يستفيد شيئا عند الله؛ ولهذا لما كان مالك - رحمه الله -يرى أن شد الرحال لزيارة قبر الني صلى الله عليه وسلم داخل في النهي الذي تضمنه حديث "لا تشد الرحال.." نهى عن الوفاء بنذر من نذر السفر لهذه الزيارة، واستدل لذلك بالحديث نفسه.
أما الذي حصل فيه الخلاف بين أئمة السلف حول موضوع الزيارة فهو مسألة الفرق بين القريب والبعيد بالنسبة للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قد رأى بعضهم أن السلام من قريب يحصل به الرد منه عليه السلام دون السلام عليه من بعيد؛ لأن هذا البعض أوّل حديث "ما من أحد يسلم علي.." الخ. على أنه خاص بمن سلم من قريب، وكذلك استأنسوا بفعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ نُقل ذلك عن الإمام أحمد وابن حبيب.
كما ذهب البعض الآخر إلى عدم الفرق بين القريب والبعيد كما تقدم، ومعلوم أن هذا لا يدخل في مسألة شد الرحال.
وتقدم أن ذكرنا عددا من علماء الأمة الإسلامية قبل زمن ابن تيمية يحرمون شد الرحال لزيارة أي قبر من القبور، ويستدلون بحديث "لا تشد الرحال.." منهم القاضي عياض والقاضي حسين وأبو محمد الجويني وإسماعيل بن إسحاق، وهو مذهب الإمام مالك - رحمه الله- كما تقدم، بل ورد عنه قوله لما سئل عن نذر السفر الزيارة القبر الشريف: لا وفاء لنذر المعصية وهذا معصية؛ لأن الحديث يقول…وذكره.
ونعود الآن إلى الموضوع الذي بدأنا الكلام فيه، وهو إثبات كون مذهب ابن تيمية في هذه المسألة هو مذهب جمهور علماء زمانه فنقول:
إنه لما حصلت المناظرة بين ابن تيمية وبعض القضاة الرسميين في مسألة شد الرحال، واختلاف بعضهم معه فيها أثاروا الحكومة ضده، وأغروها به فسجن ظلماً بسببهم، - ودائماً العاجز عن إقامة الحجة يلجأ إلى قوة الحاكم؛ فيوهمه أن خصمه مجرم ينبغي التنكيل به وإهانته وإرغامه على الرجوع عن رأيه بالقوة - فلما سجن هبَّ العلماء من أقطار العالم الإسلامية يطالبون الحكومة بالإفراج عنه معلنين أمامها أن ما ذهب إليه هذا الرجل هو والحق والصواب، وهو الذي عليه أئمة الإسلام قديما وحديثاً.
انظر لذلك ما دونه الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر هناك كم كتاباً نقله عن علماء بغداد وحدها لتعرف صحة ما قررنا.
ملخصات لبعض خطاباتهم:
وأنا أورد هنا مقتطفات مما تضمنته خطاباتهم:
قال ابن عبد الهادي ص342 من الكتاب المشار إليه - العنوان (انتصار علماء بغداد للشيخ في مسألة شد الرحال للقبور) - ثم قال: "وقد وصل ما أجاب به الشيخ في هذه المسألة إلى علماء بغداد؛ فقاموا في الانتصار له وكتبوا بموافقته، ورأيت خطوطهم بذلك وهذه صورة لما كتبوا:
ملخص الخطاب الأول:
و لا ريب أن المملوك وقف على ما سئل عنه الإمام العلامة وحيد دهره وفريد عصره تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية، وما أجاب به فوجدته خلاصة ما قاله العلماء في هذا الباب حسب ما اقتضاه الحال من نقله الصحيح، وما أدى إليه البحث من الإلزام والالتزام لا يداخله تحامل ولا يعتريه تجاهل، وليس فيه - والعياذ بالله - ما يقتضي الإزراء والتنقيص بمنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهل يجوز أن يتصور متصور أن زيارة قبره تزيد في قدره؟.. وهل تركها مما ينقص من تعظيمه؟ حاشا للرسول من ذلك..
إلى أن قال:
مع أن المفهوم من كلام العلماء وأنظار العقلاء أن الزيارة ليست عبادة وطاعة لمجردها، حتى لو حلف أنه يأتي بعبادة أو طاعة لم يبر بها - يعني القيام بزيارة القبر الشريف - ما اعتبر بارا بيمينه.
لكن القاضي ابن كج - من متأخري أصحابنا - ذكر أن نذر هذه الزيارة عنده قربة تلتزم ناذرها.
وهو منفرد به لا يساعده في ذلك نقل صريح ولا قياس صحيح، والذي يقتضيه مطلق الخبر النبوي في قوله - عليه السلام -: "لا تشد الرحال" إلى آخره.. أنه لا يجوز شد الرحال إلى غير ما ذكر؛ فإن فعله كان مخالفا لصريح النهي، ومخالفة النهي إما كفر أو غيره على قدر المنهي عنه ووجوبه وتحريمه وصفة النهي، والزيارة أخص من وجه؛ فالزيارة بغير شد الرحال غير منهي عنها ومع الشد منهي عنها.
حرره ابن الكتبي الشافعي..
ملخص كتاب آخر:
ما أجاب به الشيخ الأجل الأوحد، بقية السلف وقدوة الخلف رئيس المحققين وخلاصة المدققين تقي الملة والحق والدين من الخلاف في هذه المسألة صحيح منقول في غير ما كتاب أهل العلم لا اعتراض عليه في ذلك؛ إذ ليس فيه ثلب للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا غض من قدره عليه السلام، وقد نص الشيخ أبو ناصر الجويني في كتبه على تحريم السفر لزيارة القبور، وهذا اختيار القاضي الإمام بن موسى في إكماله، وهو من أفضل المتأخرين من أصحابنا.
تم قال: ومن المدونة: "ومن قال علي المشي إلى المدينة أو بيت المقدس؛ فلا يأتيها أصلا إلا أن يريد الصلاة في مسجديهما فليأتهما، فلم يجعل نذر زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - طاعة يجب الوفاء بها؛ إذ من أصلنا أن من نذر طاعة لزمه الوفاء بها، وكان من جنسها ما هو واجب بالشرع، كما هو مذهب أبي حنيفة، أو لم يكن قال القاضي أبو إسحاق عقيب هذه المسألة: لولا الصلاة فيهما لما لزمه إتيانهما"، ثم ذكر أن ذلك في كتب المالكية كالتقريب للقيرواني، والتنبيه لابن سيرين.
كتبه محمد بن عبد الرحمن البغدادي، الخادم للطائفة المالكية بالمدرسة الشريفة المستنصرية.
ملخص كتاب ثالث:
بعد البسملة والحمد له والصلاة والتسليم على خير البرية وآله وصحابته قال: ما ذكره مولانا الإمام العالم العامل جامع الفضائل بحر العلوم، ومنشأ الفضل جمال الدين - جمل الله به الإسلام وأسبغ عليه سوابغ الأنعام - أتي فيه بالحق الجلي الواضح، وعرض فيه عن أعضاء المشايخ؛ إذ السؤال والجواب اللذان تقدماه لا يخفى على ذي فطنة وعقل أنه أتي في ذا الجواب المطابق للسؤال بحكاية أقوال العلماء الذين تقدموه، ولم يبق عليه في ذلك إلا أن يعترضه معترض في نقله فيبرزه له من كتب العلماء الذين حكى أقوالهم، والمعترض له بالتشنيع إما جاهل لا يعلم ما يقول، أو متجاهل ليحمله حقده وحمية الجاهلية على رد ما هو عند العلماء مقبول، أعاذنا الله من غوائل الحسد، وعصمنا من مخائل النكد.
كتبه الفقير إلى رضوان ربه: عبد المؤمن ابن عبد الحق الخطيب.
هذه ثلاثة خطابات من مجموع عدد كبير من الخطابات الموجهة من علماء بغداد إلى حكومة الشام؛ للدفاع عن ابن تيمية ومذهبه في مسألة شد الرحال، والشهادة منهم بأن مذهبه فيها هو الحق المتمشي مع الحديث الصحيح، وأنه مذهب جماهير علماء الأمة وأن من خالفه فلا حجة معه ولا بينة لدعواه.
وأنا أحيل على كتاب (العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية) لابن عبد الهادي؛ من أراد مزيداً من الإطلاع والتأكد بالنسبة لما لخصت من خطابات هؤلاء العلماء، وبالنسبة لما تركت تجنباَ للإطالة؛ فإنه سيقول معي إن الجمهور المزعوم - يا فضيلة الشيخ - إنما يوجد في الخيال فقط، أما في عالم الحقيقة فلم يوقف له على أثر ولم يعثر له على خبر، هذا الجمهور الذي يضرب بالحديث الصحيح عرض الحائط أو يؤوله حسب مزاجه وعاطفته؛ ليشرع للناس ما لم يأذن به الله ولم يكن من هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم!.
العلامة السهواني والشيخ دحلان:
وإلى فضيلة الشيخ خاصة وطلبة العلم عامة أنقل ما سطره العلامة محمد بشير السهواني الهندي في كتابه (صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان)، قال رحمه الله - وهو ينكر أن يكون ثبت عن أحد من السلف عمل الزيارة مطلق حتى ولو بدون شد رحال - قال: وكذلك دعواه إجماع السلف والخلف على قوله - يعني قول دحلان - فإن أراد بالسلف المهاجرين والأنصار والذين تبعوهم بإحسان فلا يخفى أن دعوى إجماعهم مجاهرة بالكذب، وقد ذكرنا غير مرة فيما تقدم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة شيء في هذا، إلا عن عبد الله بن عمر وحده؛ فإنه ثبت عنه إتيان القبر للسلام عند القدوم من سفره، ولم يصح هذا عن أحد غيره ولم يوافقه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لا من الخلفاء الراشدين ولا من غيرهم، وقد ذكر عبد الرازق في مصنفه عن معمر عن عبيد الله بن عمر أنه قال: ما نعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا عبد الله، ثم قال رحمه الله: وكيف ينسب مالك إلى مخالفة إجماع السلف والخلف في هذه المسألة، وهو أعلم أهل زمانه بعمل أهل المدينة قديماً وحديثاً، وهو يشاهد التابعين الذين شاهدوا الصحابة وهم جيرة المسجد وأتبع الناس للصحابة، ثم يمنع الناذر من إتيان القبر، ويخالف إجماع الأمة؟ هذا لا يظنه إلا جاهل كاذب على الصحابة وأهل الإجماع.
ثم قال: وقد نهى علي بن الحسين زين العابدين - الذي هو أفضل أهل بيته وأعلهم في وقته - ذلك الرجل الذي كان يجيء إلى فرجة كانت عند القبر فيدخل فيها فيدعو، واحتج عليه بما سمعه من أبيه عن جده علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبورا؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم"، وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن بن علي شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً، وقال للرجل الذي رآه عند القبر: مالي رأيتك عند القبر؟.. فقال: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم"، ثم قال: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
تم قال: العلامة السهسواني - رحمه الله -: "كذلك سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الأئمة الأعلام، وقاضي المدينة في عصر التابعين ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه كان لا يأتي القبر قط، وكان يكره إتيانه".
ثم قال - رحمه الله-: "أفيظن بهؤلاء السادة الأعلام أنهم خالفوا الإجماع، وتركوا تعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وتنقصوه؛ لما لم يروا مشروعية زيارة قبره، عاملين بالحديث الثابت عنه عليه السلام؟"
ثم قال: "فهذا لعمر الله هو الكلام الذي تقشعر منه الجلود".
تم قال: "وليس مع عباد القبور من الإجماع إلى ما رأوا عليه العوام والطغاة في الأعصار التي قل بها العلم والدين، وضعفت فيها السنن... الخ ما كتبه - رحمه الله- من كلام صحيح وتحقيق يعجز عن نقضه من ادعى سواه".
قلت: إن هؤلاء العوام والطغاة في الأعصار المتأخرة - كما أشار العلامة محمد بشير السهسواني رحمه الله - هم الجذور الذي يعنيه من زعم أن جواز شد الرحال لزيارة القبر الشريف هو مذهب الجمهور، والذي نقله فضيلة الشيخ عطية موافقاً عليه أو مستدلا به .
وأقول مرة أخرى: أليس مذهب ابن تيمية أقرب إلى مذهب خصومه مما نقل عن هؤلاء الأئمة من التابعين وتابعيهم؟.. الجواب بلا؛ ذلك لأن ابن تيمية لا يمنع زيارة القبر الشريف مطلقاً، بل يصرح بأن زيارته بدون شد رحل عمل صالح إذا لم يصل الأمر إلى المبالغة والغلو، كالإكثار من التردد عليه بحيث يصل ذلك بالإنسان إلى اتخاذه عيداً، أو يتجاوز ذلك إلى دعائه عليه السلام والإستغاثة به، ونحو ذلك من أمور العبادة التي صرفها لغير الله كفر وشرك.
أما هؤلاء الأئمة فكما ترى النقل عنهم يرون عدم مشروعية هذه الزيارة ونمها ليست عملا صالحا وينهون عنها، ويستدلون على ذلك بالأحاديث .
فلينظر المنصف، ولتأمل طالب الحق، وليتراجع المندفع على غير هدى، وليعلم أن الدين ليس بالعواطف وليس بالتقليد الأعمى، وأن أي عالم مهما ارتفعت درجته وعلت منزلته لا ينبغي أن يعتبر قوله ومذهبه واختياره أموراً مسلمة غير قابلة للمناقشة والتمحيص.
سؤال موجه يرجى الجواب عليه:
وهذا سؤال نوجهه إلى فضيلة الشيخ نرجوه الجواب عليه وهو:
إذا كان ابن حجر قال: يرى الجمهور بالإجماع جواز شد الرحال... الخ، فبصرف النظر عما تقدم من مناقشتنا لهذه الدعوى أصلا وشروعاً أقول الآتي: مادام أن القضية قضية جواز - أعني إباحة فقط - فما فائدة هذه الزيارة؟.. أتريدون من الإنسان أن يسافر من أقصى الأرض إلى أدناها يجوب المسافات الشاسعة والفيافي البعيدة والقفار الموحشة، وينفق الأموال ويعرض نفسه للمخاطر؛ ليتوصل إلى أمر مباح غاية ما فيه أنه غير محرم ولا مكروه؟..
يا للعجب العجاب - يعني مجرد سياحة لا أقل ولا أكثر -، هذا إذا ثبت أن الصحيح هو هذا المذهب المنسوب للجمهور _ كما زعموا - فمعنى هذا أن هناك مذهباً آخر لغير الجمهور يرى عدم الإباحة، وهذا المذهب الآخر قد يكون هو الصواب ؛ إذ إنه لا يلزم أن يكون الحق دائما مع الجمهور.
المسألة الرابعة:
وقال فضيلة الشيخ صح578 نقلا عن ابن حجر: ومما استدل به على عدم شد الرحال لمجرد الزيارة، وما روى عن مالك من كراهية أن يقال: "زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم"، وأجيب على ذلك بأن كراهية مالك للفظ فقط تأدبا، لا أقل ولا أكثر، لا أنه كره الزيارة؛ فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وان مشروعيتها محل إجماع.
سطر الشيخ هذا الكلام ولم يتعقبه بحرف واحد، بل إن صنيعه فيما كتبه بعد ذلك يدل على تنبيه لهذا الكلام ورضاه؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!.
فتعال معي أيها الأخ المحب للسنة والتحقيق، والكاره للبدعة والتلفيق.. تعال لترى العجائب:
أولا: المنقول عن مالك هو كراهية الزيارة بدون شد رحال، بينما الكلام هنا عن مسألة شد الرحال؛ فبماذا نفسر صنيع الحافظ ابن حجر هذا؟.. إن ابن حجر كغيره من الناس يخطئ ويصيب.
ثانيا: من الذي أخبر ابن حجر أن كراهية مالك للفظ فقط؟.. وإذا كانت الزيارة مشروعة ومجمعا على مشروعيتها كما زعموا كيف يكره الإمام مالك التلفظ بذكرها؟... هل يكره مالك للرجل أن يقول: صليت أو صمت أو تصدقت أو حججت؟...وقوله: كره مالك اللفظ تأدبا، نقول: يا للعجب العجاب.. تأدب مع من؟.. وعن ماذا؟.. أتأدبا مع الشرع بأن لا يذكر ما شرعه؟.. أم تأدبا عن ذكر المشروع فلا يتلفظ به اللسان؟... وهل هذه القاعدة تسري على جميع العبادات؛ فيتأدب المسلم عن ذكرها؟.. أم هي خاصة بهذه العبادة المجمع عليها؟ . ثم ما الذي سوغ هذا الانتقال المفاجئ؟.. الحديث عن شد الرحال.. وذكر أدلة المخالف تعلق بمطلق الزيارة؟.. يا للإسلام من أهله.
ثم هذا الإجماع المزعوم هل انعقد على أساس دليل من الوحي؟.. أم بدون ذلك؟.. إن كان على أساس دليل فأين ذهب ذلك الدليل؟.. ابن حجر محدث كبير وإحاطته بالأحاديث لا تكاد توجد عند غيره بعد القرون الثلاثة - هذا مبلغ علمي وقد أكون على خطأ- فلِمَ لم يطلع على الدليل الذي استند إليه هذا الإجماع؟.. وإن كان قد اطلع فلِمَ لم يذكره.؟
أم أنه انعقد على غير أساس من الوحي؟.. إن كان كذلك فلدينا أسئلة كثيرة منها:
أولاً: هل يوجد إجماع بدون مستند شرعي؟..
ثانيا: قدمنا من القول ما يثبت أن من أئمة الإسلام من ينهى عن زيارة القبر الشريف، فأين هم من الإجماع وأين الإجماع منهم؟
ثالثا: على مدعي الإجماع أن يثبته، وإلا فهي دعوى بلا بينة..
رابعا: إذا كانت هذه المسألة - ونعنى الزيارة فقط- محل إجماع، أي مشروعية الزيارة؛ فأين الصحابة من هذه المشروعية ومن هذه العبادة؟.. هل علموا بها؟ هاتوا برهانكم وأثبتوا دعواكم إن كنتم صادقين.
ثالثا: قوله: فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال.
نقول: هذا الكلام لا يليق بمثل الحافظ ابن حجر، ولا بمثل فضيلة أخينا في الله الشيخ عطية.
إن الحافظ ابن حجر، وكذلك الشيخ عطية يعلمان أن التشريع من حق الله ورسوله، ولا مدخل فيه لأحد من الناس سوى الرسول عليه السلام الذي أخبرنا الله جل وعلا عنه أنه لا يأتي بشيء من التشريع من تلقاء نفسه {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}؛ فإذا كان الأمر كذلك فكيف يسوغ للعلماء أن يقولوا عن مسألة لا دليل إطلاقا على مشروعيتها لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع.. كيف يسوغ لهم أن يدعوا أنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال..؟.
والخلاصة نقول: يا من زعمت مشروعية الزيارة بشد الرحل أو بدون شد الرحل! تفضل علينا ببيان دليلك؛ فإننا ومن قبلنا أئمتنا أهل السنة والتوحيد منذ ألف وأربعمائة سنة والبحث جار عن دليل هذه المسألة ولم يعثر عليه، فيا حبذا ويا عظم فضلكم لو تقدمتم إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالكشف عن هذا الدليل، وإلا فارجعوا إلى الحق تؤجروا عند الله، وتسلموا من تبعة القول على الله ورسوله بلا دليل، ولكن اعلموا مقدما أننا لا نقبل حديثا ما لم تثبت صحته عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، أما أحاديث الوضاعين والدجالين التي كفانا مؤنة إبطالها أهل العلم والدراية فنحن وأنتم متفقون على عدم الالتفات إليها؛ لأنها لا تقوم بها الحجة ولا يجوز الاستدلال برها، ونحن نريد دليلا من وحي الرحمن .
ثم التعبير بقولهم: "ومما استدل به على عدم مشروعية شد الرحال" تعبير ركيك ناقص؛ إذ أنه لا يوجد ولم يوجد من يقول إن شد الرحال- بمجرده - مشروع أو ممنوع؛ فالتعبير الصحيح أن يقال: "ومما استدل به على عدم جواز شد الرحال لزيارة القبور.. الخ"، وكذلك قولهم عن المانعين إنهم استدلوا بما روى عن مالك.. الخ. الصحيح أن قول مالك وغيره من العلماء لا يستدل به في الأحكام الشرعية، وإنما يستدل بنصوص الشرع إن وجد شيء منها في الموضوع، وإلا نظر هل حصل إجماع من الأمة في حكم المسألة المبحوثة، وإن لم يوجد رجع إلى القياس إن كانت المسألة في غير العقيدة وفي غير العبادات.
أما قول العلماء كل واحد على انفراد فلا ينبغي أن يسمى أو يعتبر دليلا تثبت به الأحكام الشرعية، وإنما يستأنس به فقط، كما يستفاد منه فهم هذا الإمام أو العالم لنص من النصوص أو مذهبه في مسألة من المسائل، وكذلك يحتج به على من نسب إلى هذا العالم خلاف ما ثبت عنه، أما اعتبار قول مالك أو غيره دليلا من أدلة الأحكام الشرعية دون أن يكون هناك إجماع من علماء الأمة فاصطلاح غير مقبول، كما أنه لا يصدر إلا عن إنسان مبالغ في تعظيم المذاهب الفقهية والآراء البشرية إلى حد إحلالها محل النصوص الشرعية- عياذا بالله -.
المسألة الخامسة:
وقال فضيلة الشيخ وفقه الله:
(ولعل مذهب البخاري حسب صنيعه هو مذهب الجمهور؛ لأنه أتى في نفس الباب بعد حديث شد الرحال مباشرة بحديث: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه"، مما يشعر بأنه قصد بيان موجب شد الرحال وهو فضيلة الصلاة - هكذا في كتاب الشيخ - فيكون النهي عن شد الرحال مختصا بالمساجد ولأجل الصلاة إلا في تلك المساجد الثلاثة لاختصاصها بمضاعفة الصلاة فيها دون غيرها من بقية المساجد والأماكن الأخرى، ثم نقل كلاما لابن حجر مفاده أن النهي منصب على المساجد فقط دون غيرها من الأغراض والبقاع والصلوات.
وهذا الاستنباط الذي توصل إليه فضيلة الشيخ، واستطاع بواسطته أن يكتشف مذهب الإمام البخاري في مسألة شد الرحال - التي ما حدث الكلام فيها إلا بعد وفاة الإمام البخاري - رحمه الله - بما لا يقل عن مائتي سنة - غير سليم لما يأتي:
أولا: في زمن البخاري وقبله لم يوجد من علماء المسلمين من يقول بمشروعية ولا بجواز شد الرحال لزيارة القبور، حتى ننظر مذهب البخاري، هل هو مع المانعين لشد الرحال إلى القبور أو جمع غيرهم، والسبب أنه حتى ذلك التاريخ لم يحدث في الأمة الإسلامية قبوريون.
ثانيا: عدم صحة قول من زعم أن مذهب الجمهور مشروعية أو جواز شد الرحال لزيارة القبور في يوم من الأيام حتى يومنا هذا، إلا أن يراد بالجمهور طغام العوام ومن على شاكلتهم من العلماء.
ثالثا: البخاري فقيه ملهم؛ لذلك لا نستبعد أن يكون الله تعالى قد ألقى في روع ذلك الفقيه الملهم أن سيحدث بعدك في أمة محمد قبوريون لهم مزاعم فاسدة، ومن مزاعمهم أن يدّعوا أن الحكمة من استثناء المسجد النبوي من المسجدين الآخرين في حديث النهى عن شد الرحال هي من أجل زيارة القبر النبوي الشريف - كما زعم ذلك أبو زهرة في كتابه (ابن تيمية)، وما أظنه أول من قال بذلك ولا آخر من يقول به - فألقى الله في روع ذلك الإمام بأن يتقدم بالرد عليهم قبل وجودهم بما يقارب مائتي سنة؛ فيقول: إن المساجد الثلاثة استثنيت في حديث لا تشد الرحال لما تميزت به من فضل على جميع بقاع الأرض ترتب عليه مضاعفة ثواب الصلاة فيها.
هذا هو السبب الذي من أجله أورد البخاري حديث فضل المساجد الثلاثة بعد حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.."، أي أنه أراد أن يبين حكمة الاستثناء وموجبه، وأنها لولا ذلك لكانت كغيرها من المساجد والبقاع لا تشد لها الرحال.
فالقضية - في نظر البخاري وأمثاله - قضية مساجد وصلوات، لا قضية أضرحة ومزارات.
وبعد أن كتب فضيلة الشيخ ما تفلسف به حول صنيع البخاري الذي فرغنا الآن من الكلام حوله، نقل كلاما لابن حجر مفاده أن النهي الذي تضمنه حديث "لا تشد الرحال.." خاص بالمساجد والصلوات، دون غيرها من البقاع والأغراض والعبادات.
ونحن نناقش فضيلته فيما هو من ابتكاره، وفيما نقله عن غيره؛ فنبين بحول الله وتوفيقه أنها مزاعم مجردة عما يسندها ويشد عضدها من لغة أو شرع؛ فنقول: أنتم معترفون بأن حديث "لا تشد الرحال.." يشمل المساجد شمولا أوليا مباشرا سوى المساجد الثلاثة المستثناة، بل تحاولون أن تجعلوه خاصا مقصورا عليها، فهل ترون أن الأضرحة أفضل عند الله من المساجد؟.. أليس الحديث الآخر قد نص على أن المساجد هي أحب البقاع إلى الله؟.. وفي القرآن الكريم {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}.. وفيه قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}..
فكيف ساغ لكم ولمن قلدتموهم أن تقولوا: الممنوع زيارة المساجد، دون زيارة المشاهد؟
بإمكانكم أن تقولوا: لأن المساجد يعوض بعضها عن بعض؛ فلا فرق بين مسجد وآخر عدا المساجد الثلاثة، أما القبور خاصة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعوض بعضها على بعض، كما أن المساجد أيضا لا تعوض عنها لأنها ليست من جنسها.
وجوابنا على ذلك أن نقول:-
إن الله تعالى جعل المساجد أماكن للعبادة؛ فيتوجه المسلم إلى مسجد ليؤدى فيه عبادته لربه كما أمره سبحانه وتعالى، فكان من السائغ عقلا أن يكون السفر إليها فضيلة محمودة لمن يريد أن يجعل لعدد كبير من بيوت الله نصيبا من عبادته، تلك البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه تبارك وتعالى، وقد قرر الفقهاء أن المسجد الأقدم والأكثر جماعة والأبعد من منزل الإنسان أفضل من عكسه، وهذا مسجد قباء قد ثبت فضله شرعا، ومع ذلك لم يستثن مع المساجد المستثناة، أما القبور فلم يجعلها الله ورسوله أماكن للعبادة، بل على العكس فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقابر، وجعلها من المواقع التي لا تصح الصلاة فيها، ولعن اليهود والنصارى لاتخاذهم المساجد على القبور محذرا أمته من أن تحذوا حذوهم، مكررا ومؤيدا حتى آخر لحظة من حياته الشريفة، ولكنه مع هذا قد أخبر - عليه السلام - أن أمته ستحذو حذو اليهود والنصارى وتتبع سننهم؛ رغم تحذيره ومبالغته في النصح والتنبيه، ومن أبرز سننهم التي حذر الرسول أمته من اتباعها - وقد اتبعوها - اتخاذ القبور مساجد، وهذه مبدؤها الغلو في القبور واتخاذها أعيادا بكثرة التردد عليها، ثم التعلق بأهلها وتوجه القلوب إليهم ثم دعاؤهم من دون الله، ثم.. ثم.. ثم.. ثم.. الخ.
ثم نقول: إن المساجد كما يصدق عليها أنها مساجد كذلك يصدق عليها أنها بقاع وأنها أماكن، والحديث لم يذكر فيه المستثنى؛ فهو مبهم، والمبهم ينبغي أن يقدر بأعم مدلولاته ما لم يرد دليل آخر يفسره؛ لأن الاقتصار على بعض المدلولات دون بعضها الآخر تحكم واتباع للهوى؛ فما دام أن المستثنى منه حديثنا هذا يجوز أن يكون المساجد فقط ويجوز أن يكون البقاع والأماكن جميعاً - والشارع لم يخصص - فيجب علينا والحالة هذه أن نعتبر الأعم الأشمل، ونجري الحديث على ظاهره، ولا يكون لنا تدخل في نصوص الشرع بمجرد أهوائنا؛ لأن أحدا منا لو سئل فقيل له: لم قصرت هذا العام على بعض أفراده بلا دليل؟… فإنه لا جواب لديه يخرج به من طائلة العتاب، أما لو سئل فقيل له: جعلت هذا العام على التخصيص، ومن ثم لا يتوجه إليه عتاب.
إذاً فالتوجيه للحديث كما يلي:
لا تشد الرحال لمكان في الأرض أو بقعة من البقاع طاعة لله أو لأداء عبادة يبتغي بها وجه الله إلا المساجد الثلاثة؛ لما لها من الفضل على سائر البقاع..
أما الأسفار الدنيوية كالذي لتجارة، آو زيارة قريب أو صديق، أو لسياحة؛ فلا مدخل لها هنا؛ لأنها ليست مما يمارسه العبد لله بنية أنه مشروع يثاب عليه، بل هي من الأمور العادية المباحة؛ فإدخالها في موضوع شدّ الرحال واتخاذها وسيلة لتأويل الحديث وصرفه عن ظاهره - موهما من فعل ذلك أن إجراء الحديث على ظاهره يفضي إلى منع شد الرحال لهذه الأمور العادية الدنيوية - فهذا غير صحيح، بل خلط بين أمور الدنيا وأمور الدين.
ثم إن هذا الذي قلناه في معنى الحديث هو الذي فهمه منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، وهم الذين سمعوه مباشرة من مصدره الأصلي.
وبرهان ذلك كما يلي: قال أبو يعلى في مسنده:
1- حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع … وساق الإسناد إلى سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: لقي أبو بصرة جميل بن بصرة أبا هريرة رضي الله عنهما وهو مقبل من الطور، فقال: لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما تضرب أكباد المطي إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
2- وعن قزعة قال: سألت عبد الله بن عمر: آتي الطور؟ قال: دع الطور لا تأته، ثم قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد". رواه ابن أبي شيبة والأزرقي في أخبار مكة، وإسناده صحيح.
انظر تخذير الساجد للألباني ص139.
أما السفر لطلب العلم ولزيارة الوالدين والصالحين والعلماء الأحياء؛ فليس المراد من مثل ذلك السفر البقعة التي يحلون فيها، إنما المراد زيارة الأشخاص الأحياء بأي مكان حَلّوا.
أما زيارة القبور لتذكر الآخرة ودون شدّ رحل؛ فجائزة، ومن زارها لهذا الغرض فليدعُ لأصحابها على العموم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذين سمعوا الحديث منه مباشرة - قد فهموا منه أن النهي في هذا الحديث يعم جميع البقاع ولا يختص بالمساجد؛ فالطور الذي أنكر أبو بصرة على أني هريرة إتيانه والسفر إليه ليس بمسجد، ولكنه مكان من الأمكنة، وأبو هريرة يقره على إنكاره ولا يرد عليه، وفي الأثر الثاني يفتي عبد الله بن عمر من استفتاه في السفر إلى الطور فيقول: "دع الطور لا تأته"، وكل منهما يستدل بحديث: "لا تشد الرحال.."، أفيقول أحد بعدهم إنه أعلم باللغة أو بالشرع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أو يظن بأحد أنه أعلم منهم؟.. وحتى لو حاول أحد التشكيك في أسانيد هذه الأخبار فإنه - أولا - لا سبيل له إلى ذلك، ثانياً لو فعل لطالبناه بأن يقدم لنا أسانيد صحيحة إلى من نسب عنه، حتى يعلم أن طلب الإثبات منوطه إليه كغيره، وأن مجرد الدعاوى بدون بينات لا يفيد شيئاً، ولا سبيل له إلى ذلك أيضاً، بل مجرد نقول في الكتب قل إن تثبت إلى من نسبت إليه، وكذلك ما نقل من الإجماعات المزعومة.
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
|